Thursday, December 27, 2012

المواجهة

مرحبا مجددا، هذه المساحة مخصّصة لتقبّل آرائكم بخصوص أقصوصة "المواجهة".. تجدونها في كتيب بسيط الشكل بعنوان "الخروج عن الخطّ" .. لم تعثروا عليه في المكتبات؟ اتصلوا بي اذا :)


هل سمعتم صوتا ما؟ ماذا كان ذلك؟ هل هي المخيّلة؟ أم أنّكم تحاولون اقناع انفسكم بذلك؟ ليس من السهل على المرء أن ينهض ليستطلع مصدر صوت سمعه، خصوصا لو كان يجلس وحيدا في ليلة لا قمر فيها.. شيء ما بداخله يلحّ عليه أن يتناسى الأمر و يعتبره هذيان آخر الليل... شيء ما سيدعوك لأن تفرّ من المواجهة.. أنت جالس هنا بسلام.. لا تدع صوتا غريبا يفسد كلّ ذلك.. لنعش بسلام.. لنمت بسلام..



Iori Yagami
27 كانون 2012



الأغنية الواردة في القصة، عن كرتون "لحن الحياة" المقتبس من رواية "حكاية مغنّي العائلة (تـْرَابّ)" The story of Trapp Family Singers و التي ألهمت أيضا الفيلم الموسيقيّ الشهير "صوت الموسيقى" The Sound of Music
 

Monday, November 19, 2012

الخروج عن الخط

مرحبا،

لماذا أخترتُ عنوان هذه الأقصوصة عنوانا للكتيب؟ من المؤكد أن كل أقاصيص الكتيب تحمل شيئا منّي، لكن ربّما كانت هذه القصة أكثرها شبها بي.. الأكيد أنني لم أعش طفولة كئيبة كأحمد.. لكن الخروج عن الخطّ كان محنة عشتها ..

إليكم مقطعا من الأقصوصة، و لا تبخلوا علينا بآرائكم و اقتراحاتكم :

لا أحد يعرف إسم "سَتِي"، لا أحد يعرف إلى أين تذهب في المساء، و لا متى تأتي.. "ستي" رهيبة قويّة، صوتها يجلجل في أركان القسم كأنه يسكن فيها، لكنّها ضحوك أيضا، تجيد صنع المقالب، تجيد اضحاك الصبية متى أرادت.. "ستي"، "ستي".. من طرقات حذائها على الأرض، تعرف أنك في برّ الأمان، أو أنّ نهايتك قريبة! 


و للقصة بقية.. 
فاروق الفرشيشي
ليلة 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012



Wednesday, October 10, 2012

شاهدتُ : مملكة النمل

مملكة النمل، حلم المخرج التونسي شوقي الماجري أخيرا في القاعات. معاناة طويلة عرفها الرجل، كي يتمكن من تصوير الفيلم، ليس أيسرها جمع المال الكافي للانتاج.

مملكة النمل، قيل عنه الكثير، و سبق اسمه كتابته، و سبق الحديث عنه، حديثه. و بات الانتظار مشوبا بشيء من الخوف من الاحباط. الاحباط ديدن الاعمال التي تنتظر منها الكثير.
خصوصا أن شوقي الماجري انطلاقا من أعماله الدرامية ( التي شاهدتها على الاقل) جدّ مؤهل لذلك (يمكن أن نذكر "هدوء نسبي" كمثال قويّ لذلك.)
لكن، مع كل ذلك، قتل الفضول القطة كما يقولون، لم أجرؤ أن أضنّ على نفسي بعمل انتظرته منذ سنوات في الواقع..

الانطباع؟
الفيلم بدا لي أشبه بومضة اشهارية عن المعاناة الفلسطينية. ومضة طويلة جدا، لكنها ومضة : اتقان في الشكل، التزام بالفكرة الواحدة، و وضوح في الرسالة. شيء أشبه بومضات : الارهاب لا دين له. لكن تجمع بينها علاقات عضوية : الشخصيات مثلا. كل ومضة تصوّر موقفا ما : مشهد العرس في المغارة. مشهد العريس في الشارع، مشهد الأطفال في المدرسة، مشهد الدفن، مشهد السجن. كلها مشاهد مستقلة بذاتها، يمكن أن تقدم بمفردها رسالة بليغة و واضحة.
ما يُلزم الومضة، ان الدراما تغيب في الشخصيات، لا تتطور الشخصية، و لا تتغير، هي صورة ثابتة، تقدم فكرة واضحة، ترمز إلى صورة ما. و هو ما يتجلى تماما في الفيلم. الجد بدأ منقبا بين الرفات، و انتهى كذلك. و الجد بدأت عبوسا تحمل مأساة فلسطين البكر، و ظلت كذلك، الزوجان بدآ بالحلم، و انتهيا به، الجندي الاسرائيلي، بدأ جنديا كل همه أن يجعل الحياة مستحيلا و انتهى كذلك. ربما صبا مبارك هي الشخصية الوحيدة التي شذت عن القاعدة و لو قليلا. و هو ما جعلها شخصية أكثر حيوية و أكثر عمقا (بقليل)..

أسلوب الومضة هذا، أضر بنظري بالعمل كثيرا. بدا، أبعد عن الدراما السينمائية، و بسّط كثيرا من الشخصيات فيها : الفلسطينيون ملائكة على وجه الأرض. بسطاء، احلامهم جميلة و بسيطة، ثقافتهم الفن و الحياة. الاسرائيليون : الاشرار، يقتلون بدم بارد، ثقافتهم الموت و الدمار. قد يعجب الأمر المشاهد العربي المتحمس، لكنّه حتما سينفّر المشاهدَ الاوروبي الفضوليّ. فنّيا هو أمر سيء جدا.

كما ذكرت، الشكل كان متقنا، لولا بعض الهنات الفنية البسيطة (المشاعل عند مدخل المغارة يمكن ان ترى على بعد أميال، اصابة الطفل في قلبه تلقي به في الحال، الجنود حينما اكتشفوا مدخلا للمغارة، لم يفكروا باقتحامها.. الخ) و تصوير مشاهد حرب الشوارع، هي عادة ماجريّة محببة، برع الرجل فيها و خبِر. لكنّ أكبر العيوب شكلا كانت الموسيقى، كانت فشلا تاما برأيي، لم تقدم للفيلم شيئا، و كان من الممكن اعتماد موسيقى فلسطينية بطريقة أكثر حرفية و مهارة وسط الفيلم.

صبا مبارك، كانت من أجمل ما ظهر في الفيلم تقريبا، و قد حاول المخرج تقديمها في صورة شاعرية تخرج عن الواقع المحيط بها، فهي جميلة في كامل زينتها دوما، متأنقة في أحلك المواقف، إلى حدود تثير الغيظ أحيانا (حينما فجرت دلال نفسها) و أشياء أخرى..

فكرة الفيلم نفسها ليست سيئة أبدا، صورة الفلسطينيّ الذي بين امواته و تاريخه تحت الارض، لايزال يناضل من أجل أن يعيش، لا يزال يمارس "الحياة" و يحتفل بها، كعنوان أعظم للجهاد و المقاومة. فكرة تحاول كل "الومضات المتفرقة" تقديمها، لكن كما ذكرت، كل ومضة كانت "كافية" جدا. بدا الفيلم و كأن الماجري، يملك فقط هذه الفكرة، و يحاول جاهدا أن يملأ منها فيلما كاملا..
بعض الومضات كانت كلاسيكية جدا (في القدس، في المدرسة)، بعضها رغم كونه كلاسيكيا، كان مؤثرا إلى حد كبير (زفة العريس في الشارع)، بعضها كان بالفعل مبتكرا و رائعا و هنا أشير خصوصا إلى قصة التفاحة، التي كانت من اجل مشاهد الفيلم. و مواطن الجمال هنا ثلاثة : المغارة (و قيل إنها في تونس)، فلسطين (عاداتها الجميلة و فن الحياة فيها)، و صبا مبارك!

عموما، فالفيلم برأيي مخيّب، ليس فيه جديد تقريبا، لكنّه خير مذكّر لمن ينسى، و هو بروباغندا لا بأس بها، فلا تبخلو على أنفسكم بمشاهدته، و لا تبخلوا على العالم بمعرفة الحقيقة..
 
 

Monday, September 17, 2012

حديث في الهوية ـ 3 ـ

هذا ليس تدوينة مفردة، انما تكملة للحديث السابق بخصوص الهوية. و هو حديث ـ على قصره ـ لا يلخّص، و الاسلم أن تبذل أصابعك شيئا من الجهد و تنزل الى التدوينة السابقة، و كن واثقا أنها لن تأخذ منك وقتا أكثر من زمن استهلاك سيجارة...

 كنتُ قد لخصتُ في نهاية حديثي إلى طابع الهوية الجماعية الديناميكيّ، و إلى تعدد أوجهها التي يشعّ أحدها أكثر من الآخرين، و يخفت بريق بعضها حسب الحالة و حسب المكان و الزمان و الوضعية التي يمرّ بها المجتمع.
كما تعظم بعض الوجوه و يكبر سطحها مقارنة ببعض الوجوه الاخرى التي قد لا تكاد تُرى لولا بعض كلمات متسللة إلى اللغة، أو بعض آثار لا تزال صامدة بوجه الزمن.. و كي نقترب أكثر بمثال الشكل المتعدد الاوجه لشكل الهوية، يجب الاشارة أنّ كل وجه من وجوه الهوية، ليس "مسطّحا" تماما و انما هو نفسه يتكوّن من ملايين الوجوه الصغيرة غير المتداخلة بشكل غير مرئيّ حتى يبدو للناظر كأنه وجه واحد. ففي هويتنا مثلا وجه عربيّ، و وجه أمازيغيّ، و وجه اسلاميّ، لعلها أبرز الوجوه و أكبرها مساحة، و بها تتلوّن هويتنا أكبر تلون، لكن لا يمكن نسيان بعض الوجوه الاخرى فقط لأنها صغيرة لا تكاد ترى، كالجرمانية مثلا، او الفندالية، فنحن لا نلحظ في ثقافتنا أي طابع "فنداليّ"، لكن هناك يقين أن هذا الوجه هنا، في مكان ما من انفسنا و عاداتنا... لكنّ الوجه العربيّ أو الاسلاميّ ليسا مسطحين تماما، بمعنى ليسا خالصين، بل إن كلا منهما خليط دقيق من الوجوه المجهرية التي لا تكاد ترى، فوجهنا الاسلاميّ قد لا يخلو من عادات و طقوس ذات أصول يهودية، بل وثنيّة أحيانا، و هذا لعله موضوع آخر، و وجهنا العربي هو خليط من الوجه اليمانيّ، و الشآميّ، و ربما الآشوريّ، و الفينيقيّ، و العبرانيّ... 

هذه حقيقة هويتنا، معقدة، مركبة، ضخمة، عسيرة الاستيعاب، حيّة، متحركة، متشكلة بتشكل الاحوال و المجتمعات. فما الذي يجعلنا نرفع لواء وجه دون غيره، و ما الذي يجعلنا نرفض وجها دون آخر و هو فينا؟

أمين معلوف الذي انطلقت من كتابه (الهويات القاتلة) في بداية حديثي، لم يهتم كثيرا بطابع الهوية الجماعية المركب و الديناميكي، و انما تحدث عن ذلك في بداية الكتاب كميزة لهويّة "كل فرد" فينا، و خلص في النهاية إلى استنكار ضرورة الانتماء الى "هوية" (يقصد وجه من وجوه الهوية) ما دون غيرها، و رأى أن ليس على الشخص الافتخار بأن يكون عربيا أو كرديا أو تركيا، فهو لم يختر ذلك، و مهما تكن هويته فسيفخر بها و هو ما يجعل هذا الفخر سخيفا. مع ذلك، قدم في قالب حديثه عن الهوية الجماعية (الثقافة) تفسيرا واضحا لهذه الظاهرة.

يقول بن خَلدون "الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران" و لأن كل حاجة اجتماعية (كالتكاثر) تقابلها حاجة نفسية (كالحبّ) تدفع الانسان إلى تحقيق الاولى، فحاجة الانسان إلى الاجتماع، تفرض عليه الحاجة إلى الانتماء، و لا يوجد انسان قادر على التخلص من الحاجة إلى الانتماء. أنت تبحث أن تنتمي إلى أشياء بسيطة جدا، موسيقى الفلامنكو، فريق كرة قدم، جمعية خيرية، كارهو اللون الرماديّ، أحباء الننتاندو، أو كارهو الـiPhone، لذلك، ستفرح كثيرا حينما تقدم الـplaystation لعبتها الجديدة، أو ستضحك كثيرا على النسخة الجديدة من الـwii، ستغني بفخر آخر أهازيج جماهير اليوفي، لأن الفخر ليس المعنيّ بحد ذاته، و انما النشوة التي يحدثها الانتماء.. و يمكن لذلك أن نسوق ذات المعنى على عظيم الامور : الانتماء إلى حزب سياسي، إلى مذهب دينيّ، إلى فلسفة، إلى وطن، إلى عرق، إلى لغة، الخ.. الانتماء فطريّ في الانسان و لا يمكن أن يرفضه عاقل. و لأن التعصب هو اسراف في الانتماء، فلا يمكن الحكم على شيء من خلال الاسراف فيه، فالاسراف في كل شيء سيء و مضرّ، اما لماذا يحدث الاسراف في الانتماء فهذا ما سأعود إليه لاحقا.

لكنّ حاجة الانتماء، تقابلها حاجة أخرى يمارسها الانسان بكل امتياز، ألا و هي الحاجة للتميّز. و الحاجة للتميّز هي حاجة الانسان الفطرية لأن يشعر بذاته الفرد. لأن لا يذوب وسط الجمع الذي ينتمي إليه. لذلك فالانسان في خضم نخوته بالانتماء لجماعة، يبحث أيضا عمّا يميّزه عنهم. و في هذا التواتر بين التميّز و الانتماء، تتكون شخصية الانسان، اما ثائرا مفرطا في ثورته عن جماعته حتى ينعزل، و اما ذائبا تماما وسط القطيع، منسحبا مع التيار ناسيا وجوده الفرد تماما، و اما على شيء من التوازن بين هذا و ذاك.

و لأن الحاجة البشرية إلى الانتماء و التميّز فطرية بالاساس، فالمفرط في ثورته، سيبحث عن الانتماء إلى جماعة أخرى غريبة عما حوله، سيبحث عن تلك الجماعة في عالم آخر، أو تاريخ آخر، أو جنس آخر، أو لغة أخرى... و الذائب في تيار الجماعة، ستمرّ به لحظات كثيرة من الشك و التفكير بذاته الغارقة، فيرهبه البعد، و ترهبه المحاولة، فيعود إلى السطح مرتبكا "مستغفرا" من أحساسيسه... قد اذهب الى اعتبار أن الدول الشيوعية، بالغت في طمس فعل التميّز و تضخيم فعل الانتماء، بينما حاولت الليبرالية قتل الانتماء و التكريس "لأنا و من بعدي الطوفان"، لكنّ هذا سيجرّنا إلى متاهات لا يتحمّلها حديثنا.

ان هذه الطبيعة البشرية المتأرجحة بين التميّز و التماهي، بين التمرد و الانتماء، تجعل من المحال أن يتوحد البشر تحت هوية واحدة، او ثقافة واحدة، مهما كانت متعددة الاوجه مركبة، سيظل دوما هناك اختلاف باختلاف المناخ، و التاريخ، و المعتقد، و طريقة النطق، و غيرها. لكنّ العالم اليوم، مع تطور وسائل التواصل و الاعلام، بدأ يكوّن وسائل تلقي مشتركة، كالتلفاز و الانترنت، و من خلال هذه الوسائل، باتت ثقافة الآخر متاحة لكلّ مجتمع (تقريبا) و كلّ بيت، و لم يعد بعد المسافة حاجزا لتفاعلات ثقافية لا تقل أهمية عن التفاعلات التي تحدث في حالات الغزو، أو التواصل التجاريّ المكثف (و قد كانا أكثر الطرق التي كرّست للتلاقح الثقافي عبر التاريخ).. و لكنّنا حينما نتحدث عن التلاقح فإن هناك دوما مجتمعا سيفرض ثقافته على مجتمع آخر، و لو عبر من الثاني شيء إلى الاول. و هذا بالضبط ما يحدث اليوم. فوسائل التواصل لا تقدم ثقافة المجتمعات بصفة متوازنة، و انما للأقوى الحظُ الأوفرُ، و هذا لعمري أمر طبيعيّ، لكنّ نتائجه ليست طبيعية بالمرة. فالتلاقح الحضاريّ اليوم ليس عموديا فحسب، بل و سريعا إلى درجة تفوق الاستيعاب أحيانا. ما الذي سيحدثُ إذا؟ ستحدثُ ردّة فعل قويّة تجاه ذلك. تبدأ بتضخم نزعة الانتماء إلى أحد وجوه ثقافة المجتمع المتلقي، تضخما كبيرا، قد يصل حد التعصب، و التطرف أيضا.


تقدّم العولمة على أنها ثقافة مشتركة، قيم كونية، و مجمع لثراء التراث البشري و تراكماته، لكنّ الامر أبعد ما يكون عن الصورة المثالية التي تقدم. فلو اعتبرنا بموجب تعريفنا السابق للثقافة أن العولمة هي ثقافة العالم، فهي ككل ثقافة، متعددة الاوجه، و طبعا هناك وجه ما (أو أوجه) ستحتل أغلب المساحة، بينما تكون بعض الوجوه مجهرية تماما. لذلك يستقبل مجتمع ما هذه الثقافة الجامعة، على أنها مألوفة، فهو يرى فيها وجهه بوضوح، بينما لا يجد مجتمع آخر مساهمته فيها، فيعتبرها دخيلة، و في غالب الاحيان مخالفة لثقافته، فيعاديها و يرفضها، خصوصا حينما تلعب عناصر أخرى غير الثقافة دورا في هذا العداء (كالمصالح الاقتصادية).

و لكن هذا التفسير لا يمكن أن ينطبق طبعا على كل حالات التعصب الثقافيّ، لأن الامر معقد و تتداخل فيه امور كثيرة، لكنّه دوما الاحساس بالتهديد هو ذاك الذي يدفع للتعصب. الخوف كان و لا يزال المفتاح. خوف الغجر من الذوبان في الاوطان التي تأويهم، تجعلهم منغلقين على ثقافتهم، خوف اليهود من زوال ثقافتهم جعلتهم أكثر المجتمعات انغلاقا، خوف البريطونيين من ذوبان  ثقافتهم في الثقافة الفرنسية، جعلتهم ينغلقون على انفسهم، كذلك المطالبات بالاستقلال في اسبانيا، أغلبها رفض لاسقاط الثقافة القشتالية اسقاطا عليهم، فلكل منهم لغته و مكوّنات هويته. و مادام لا يرى في القشتالية شيئا من مساهمته هو، فلا يمكن أن يتقبلها.
و لأن عالم اليوم، يجعل من التواصل حتميا، فإن هذا التهديد قائم لكل الثقافات بلا استثناء. فما الحل اذا؟ المساهمة! قواعد اللعبة سهلة : دافع عن ثقافتك، انشر ثقافتك، ستجد انعكاسها في ثقافة العالم، و لن تبدوَ حينئذ هوية العالم غير مألوفة لناظريك، و ستتقبلها على أنها نابعة منك، و من ذاكرتك. حينما تنقذ ثقافتك من الذوبان، فانت تحقق حاجتك من التميز و الانتماء.

و لم الانتماء إلى ثقافة خاسرة؟ لماذا الانتماء إلى وجه مجهري؟ اليس من الطبيعيّ ان تذوب ثقافات و تنشأ ثقافات جديدة؟ لأن الانسان ولد مختلفا عن اخيه الانسان، لأنه لو ذاب وسط ثقافة اخرى، فسيخسر العالم ثقافة كاملة بكل ما فيها من قيم و افكار و فلسفة و رؤى مختلفة للعالم. لقد جُعل الانسان شعوبا لتعارف فيما بينها، و تتواصل و تتبادل الافكار و الرؤى و الفلسفات، و ما يجعل هذا ممكننا هو اختلاف هذه الشعوب. إنه سرّ اختلافنا و اجتماعنا.

لقد خلص أمين معلوف أن جهود الامم في الدفاع عن هوياتها مردها الخوف من الذوبان و التلاشي، لكنه ـ ربما لعدم اقراره بحاجة الانسان الفطرية للانتماء و التميز ـ لم يخلص إلى مشروعية هذا الدفاع. أن تدافع فرنسا على لغتها من الغزو الانكليزي، لا يعني قط ان تحارب اللغة الانكليزية، بل هي تحاول ان تحتويها في قالبها الفرنسيّ، يساعدها في ذلك تقارب اللغتين، و اليوم و ان طرأت كلمات انكليزية كثيرة على اللغة الفرنسية، فإن عدد الكتب المترجمة من الانكليزية الى الفرنسية، و قدرة فرنسا على الانتاج الثقافيّ، تحد كثيرا من ذلك. كما أن تأثير الثقافة الفرنسية على الامريكية حول الكثير من الثقافة الفرنسية إلى الثقافة العالمية المشتركة.
رغم كل ذلك، و رغم حجم التأثير الثقافي الفرنسي على العالم، أجد نفسي جالسا امام عجوزين فرنسيين في أحد ضواحي باريس، اواخر تشرين، بينما الرجل يسأل المرأة : "لكن هذا "الهالوين" ليس من عاداتنا. لماذا علينا الاحتفال به؟"
ان هذا التطلع للمشاركة في الهوية الجماعية، ترنو إليه كل الشعوب و اكثرها تأثيرا في العالم، و لأنني سقت فرنسا مثالا، فلاواصل و لأسق مثال اللجنة الاولمبية العالمية، التي اسسها الفرنسيّ بيار دي كوبرتان، فأصرت فرنسا أن تظل اللجنة معتمدة على الفرنسية كلغة رسمية لها. انها البصمة التي تريد ان تتركها. انه الوجه الذي تريد أن تراه في الهوية العالمية، حتى تتقبله كاملا كأنه منها.

لكنني قبل أن اختم، أعتقد أن عليّ العودة إلى عالمنا الصغير، نحن العرب مثلا، مادمت اسوق الحديث بلغة الضاد، كي أبيّن أننا على اختلافاتنا الكثيرة بفعل المكان و الزمان و الاحداث، فما يجمعنا كثير، لم يزد ما حصل في المنطق مؤخرا الا تأكيده : فبمجرد هبوب رياح الثورة في تونس، تبعتها مصر، فاليمن، فليبيا فسوريا، و عمت الاحتجاجات كامل المنطقة العربية، و ان نجح بعضها في قلب النظام و فشل آخرون، لكن كان ذلك دليلا ان همومنا واحدة و ما يحركنا واحد. بل اننا نعاني الالم ذاته، و ربما دواؤنا سيكون واحدا. فصغتُ هذا الحديث في الهوية، لأبين من نحن، و ما نبغي، أو على الاقل ما ينبغي أن نبغيه. و خلصتُ أن اختلافاتنا طبيعية، و ان اجتماعنا طبيعيّ ايضا، و ان خوفنا شرعيّ، و حقنا في الدفاع عما يجمعنا ليس فيه ما يصمُ، لأن انقاذ العروبة، هو انقاذ لأحد وجوه الهوية العالمية الاكثر ثراء.

إن الهوية قاتلة بقدر ما هي مقتولة، و لا يمكن التخلص من التطرف و التعصب الا بمحاربة الخوف أولا. حينها، لن تقدر الاصوات الجاهلة و الحمقاء أن تؤثر قيد انملة في الشعوب. لأن الفطرة سوية.




 فاروق الفرشيشي
17 ايلول (سبتمبر) 2012

Sunday, September 9, 2012

حديث في الهوية ـ 2 ـ

هذا ليس تدوينة مفردة، انما تكملة للحديث السابق بخصوص الهوية. و هو حديث ـ على قصره ـ لا يلخّص، و الاسلم أن تبذل أصابعك شيئا من الجهد و تنزل الى التدوينة السابقة، و كن واثقا أنها لن تأخذ منك وقتا أكثر من زمن استهلاك سيجارة...


و التدوينة السابقة توقفت عند الاسئلة التي طرحها التونسيون، كما المصريون و غيرهما من الدول العربية، بخصوص الهوية. و لعلّ مسألة الهوية من نوادر المسائل التي يكون فيها السؤال أسهل من الاجابة. فلكل اجابة واثقة و معتدّة بذاتها، أسئلة تقصمها، و تفتت غرورها. كأن يقول أحدهم (التونسيين) "نحن عرب."، فماذا عن الاتراك الذين يملأون المدن العتيقة؟ و ماذا عن الذين وجد آباؤهم في هذه البلاد من قبل أن يأتيَ العرب أصلا إلى هنا؟ أنطردهم جميعا من حاء "نحن" و نحصر المعنى في شراييننا؟ ثم من "العرب" أصلا؟ بنو هلال؟ بنو رياح؟ لو خضنا في مسألة الأعراق لتراءت لنا حقيقتان بديهيتان قد تفزعان كل قوميّ متعصّب : هل كان الرسول صلى الله عليه و سلم عربيا؟ هو من قريش طبعا، لكنّ نسبه ينتهي عند إبراهيم عليه السلام، فمن أي القبائل العربية كان إبراهيم؟ و لو أن من نسله جاء بنو إسرائيل، فهم عربٌ أيضا. و حينما نوغل في هذا المعنى يَعرض السؤال الثاني : فماذا كان أوّل العرب؟ و ماذا كان أول البشر؟ أليس العرق واحدا؟
هنا يمتدّ لسان أحدهم بالاجابة : انما نعني الثقافة العربية. فهل الثقافة العربية كافية لتعريفنا؟ و ماهي الثقافة العربية؟ هل هي المعلقات السبع، و كرم حاتم الطائي، و وفاء السموأل، و حكمة قسّ بن ساعدة، و حرب داحس و الغبراء، و أصنام قريش، و اسماء الابل التي لا تنتهي؟ فماذا عن اسقفية الاسكندرية؟ و ماذا عن خبز "الطابونة"، و الكسكسي المغاربي؟ و ماذا عن الطربوش التركي، و الحلوى الحلبيّة، و موسيقى الراي الجزائرية، و ما تبقى في بغداد من الرقوق الآشورية الثمينة؟ حتى في قلب شبه الجزيرة العربية، مالعربيّ في معمار الرياض و جدّة اليوم؟ حتى معمار المدينة المنوّرة بل المسجد النبويّ نفسه، ستجد خبراء يدلونك عن تفاصيله ذات الاصول الفارسية او البيزنطية.

ما الذي يعنيه كل هذا؟ يعني أن الهوية الجماعية ليست قالبا تماما كما الفرد، و انها ايضا مركبة، خليط من روافد أخرى كثيرة، او ربما للدقة تراكمات لا تنتهي يرسّخها التاريخ يوما بعد يوما، و الا فما الذي يفرّق بين مصريّ و ليبيّ مثلا؟ أليست الاصول اللوبية التي تختلف حتما عن الاصول المصرية الفرعونية؟ و ما الذي يجعل لبنان اقرب شبها للفلسطينيّ من البحرينيّ؟ أليس تاريخ الفينيقيين المجيد الذي جمع بين تلك الربوع قبل ازدهار الثقافة العربية فيها؟

و بهذا المعنى، يمكن هدم كل محاولة لاختصار الهوية الجماعية في دين أو عرق أو لغة أو ثقافة من الثقافات الرافدة (هذه الثقافات الرافدة نفسها خليط من ثقافات مركبة اخرى)، و لن تبقى سوى عبارة وحيدة : نحن تونسيون، نحن جزائريون، نحن عراقيون أو اماراتيون أو سعوديون. 
و هي في الواقع عبارة شديدة الالتصاق بالارض و الزمن، فالغجر بهذا القول لا هوية لهم، و اليهود أيضا (أعني بني اسرائيل طبعا)، كما أن بن دارفور كان بالامس سودانيا، فتحول بجرّة قلم إلى جنوبيّ!
و لو اقتربنا أكثر مما نسميه "هويّة تونسية" فسيحيّرنا الاقتراب، و سيزيد من أسئلتنا، يقال إن لغتنا العربية، و يقال إن لنا لغة بذاتها يمكن أن نسميها "تونسية"، فكيف نقول "أنا" بتونسيتنا؟ على الطريقة العاصمية؟ أم "آني" على الطريقة الساحلية؟ ام "أني" كما يقول أهل قابس؟ أم "نايا" و هو المصطلح المستعمل في اغلب ارياف الشمال؟ ثمّ إننا لو اقتربنا من الحدود الليبية، فسيطالعنا السؤال : مالذي يجعل هذه الاماكن تونسية لا ليبية غير التقسيم الاداري؟ فلهجتهم أقرب إلى الليبيين من تونسيي الشمال، و بالمنطق نفسه، سنجد اهل بنغازي اقرب للمصريين منهم الى الليبيين، أو لعلّه العكس.

هكذا تسقط افكارنا الصماء بخصوص الهوية الجماعية، و هكذا توجّب علينا اعادة تشكيل مفهوم الثقافة (اي الهوية الجماعية) بالبحث مرة اخرى، عن منطلق جديد. لكنّ المنطلق هنا، موجود منذ البدء، و ان اسأنا استخدامه. ألم نقل منذ البداية، إن هوية الجماعة كهوية الفرد في خصائصها؟ لم لا ننطلق من الفرد لنقيس على الجماعة؟ أين أجد فردا أسوقه مثالا؟ 
هل قال أحدكم "انظر الى المرآة"؟

انا لستُ ربع مهندس، أنا مهندسٌ كامل، هل يعني ذلك أنني أتماهى مع بقية المهندسين؟ حتما لا. ففضلا عن كوني مهندسا، فأنا "فرشيشيّ"، و حينما أقول إنني كذلك، فليس رأسي فرشيشيا، و لا يداي، بل انا كاملا، احمل كلي الصفتين. كنت أيضا طالبا بالجامعة. و كان عليّ ان اتعامل بشيء من الاحترام مع استاذة درستني، هي منذ سنتين صديقة لي تقريبا. حينما ينتهي الدرس، تنتهي هويتي كطالب و هويتها كمدرسة، و نعود صديقين.
و هويتي كطالب لا تنتفي و لا هويتي ككاتب أو كرئيس ناد جامعيّ، بل كل منها يتقدم على الاخر باختلاف الحال و الموقف دون ان يذهب أي منها دون رجعة.
و لو قسنا على ذلك، فأعتقد أن نصف مشاكلنا قد انزاحت جانبا، فنحن متوسطيون ان بحثنا عمّا يجمعنا بالايطاليين مثلا، و نحن عرب اذا بحثنا عن ما يميّزنا عنهم. نحن امازيغ ان اردنا التميز عن العرب، و نحن شرق ان اردنا التميّز عن الغرب. نحن تونسيون ان بحثنا ما يجمع بيننا و نحن "منازلية" و "قراوة" و "سواحلية" لو بحثنا في ما يميّزنا..

الثقافة شديدة الديناميكية، و هي و ان كانت واحدة فمتعددة الاوجه، بتعدد الناس الذين يمثلون الجماعة. و من الحمق نكران بعض الوجوه و ان كان وجها شاحبا أو لا يكاد يرى لضعف تأثيره.. خصوصا اذا كان تأثير ذلك "الوجه" ملحوظا في حياتنا. لذلك فمن ينكر وجهه الامازيغيّ من التونسيين، تعصبا لفكر قوميّ مثلا، هو شخص لا ينظر إلى نفسه جيدا في المرآة، و من يرفض وجهه العربيّ، لتعلات ايديولوجية أو ميتافيزيقية ضيقة، لا أظنه يملك مرآة أصلا...

و لأن الأمور لا تحلّ بهذه البساطة، فالاسئلة لا تكفّ عن الهطول، و تزداد ازعاجا كلما ازداد المرء توغّلا.. فالقول الاخير يشي بوجود ما يجمع بين الناس و ما يميّز بينهم، مهما اختلفت احوالهم و مهما بعدت المسافات ما بينهم. و مثال ذلك ما يجمع بين الاسبان و اهل امريكا اللاتينية من اللغة، و ما يجمع بين اليابانيين و الامريكيين من حب كرة القاعدة (البايزبول)، و قد تكون العلاقة أكثر عمقا و اثارة للحيرة، مثلما يشهد بذلك التشابه المريب بين اهرامات الجيزة في مصر و اهرامات الازتيك في المكسيك.. فللتاريخ أيضا خباياه بخصوص حقيقتنا... و لأن الانسان سيجد دوما ما يجمع بينه و بين الآخرين، فلِم يبحث عمّ يميّزه؟ ألم يكن ذلك مهدا لصراع الحضارات؟ أليست الهويات كما يقول معلوف "قاتلة" لتفريقها بين الناس و حملهم على التعصّب؟ ألا تمثل العولمة مخرجا من كل هذا؟ و هل هويتنا او هوياتنا هي سبب تخلفنا و نكبتنا؟





(يتبع)

Translate