Wednesday, October 4, 2023

مزيدا من الخيال، مزيدا من الحقيقة

 




يوهمنا الالتباس الحاصل بين مفهوميْ الحقيقة والواقع أننا كلما انغمسنا في الخيال، ابتعدنا عن الحقيقة. والحالُ أنّ الخيالَ إعادةُ تشكيلٍ للواقعِ من منظورٍ يسمحُ بتجاوزِ حُجُبِه حتّى تتجلّى الحقيقةُ. هل ينطبقُ الأمرُ نفسُه على السينما؟ تقترحُ الشاشة الفضيّةُ مبدئيّا الفلمَ الوثائقيَّ لرصدِ الحقيقةِ، والفِلمَ الخياليَّ1 للهروب منها. وفي أحيان تجريبيّةٍ كثيرةٍ، امتزج الخيالُ والواقعُ، بحثا عن أدواتٍ تعبيريّةٍ جديدةٍ، فازدانت الأفلامُ الروائيةُ الخياليةُ ببعض اللقطاتِ الوثائقيّةِ حتى تكسب أحداثُها مصداقيّةً في قلب المشاهدِ (فلمُ سِلما Selma مثالا). ومارست الوثائقياتُ إعادة التمثيل Re-enactment2 لاكتساب مذاقاتٍ دراميّةٍ تشدُّ المتفرج وتكسرُ ملل المعلومات المتراكمة. في الفلم التونسيِّ بنات ألفة، تقترح كوثر بن هنية علاقةً جديدةً أكثر إرباكا وإثارة للجدل.
 
بنات ألفة فلمٌ وثائقيٌّ بالأساسِ، فقمرة المخرجةِ متوجّهةٌ منذ البدايةِ نحوَ ألفة الحمروني وابنتيها آية وتيسير ليروينَ قصّتهنَّ الحقيقيّةَ، منذ نشأةِ الأمِّ في وسط فقيرٍ هشٍّ، فاضطرارها لزواج مهينٍ، فإنجابها لبناتٍ أربع، وصولا إلى فقدان البكريْنِ إذ أكلهما الذّئبُ كما تقول بن هنية.

يمكن أن نلحظ في الفلمِ صيغتيْن من الوثائقيّات كما حدّدها الناقد بيل نيكولز Bill Nichols3. أكثرُها بداهة الصيغة التشاركيّة Participatory، لوجود تفاعل مباشر بين المخرجة وموضوع بحثها: ألفة وابنتاها. وهو تفاعلٌ محدودٌ، لا نرى من طرفيْهِ في إطار الصّورةِ سوى الموضوعِ، وتكتفي الأولى بصوتِها. ربّما لتتنصّل من حقيقةِ حضورِها القويِّ والمؤثّرِ، وبالتّالي حضورِ رؤيتِها الشخصيّةِ للأحداثِ التي يرويها أصحابُها. فكأنّ الروايةَ روايتُها، ولكن بلسانِ بطلاتِها.

وتمتزجُ هذه الصيغةُ بصيغة أخرى أقلَّ شيوعا وأكثر إرباكا هي الصيغة الانعكاسية Reflexive mode. ففي لحظاتٍ متواترةٍ، ينقلبُ اهتمامُ الفلمِ إلى ذاتِه، ويتحوّل موضوع الكلامِ إلى تساؤلٍ حول موضوعِ الكلام. وهاهي بن هنية في مشهد الفلمِ الاستهلاليِّ، تشرح لبطلاتِها طبيعة الفلمِ ذاتِه وأدواته. وها هي إحدى شخصيات الفلم (آية) تعبّر عن حاجتها للمشهد الذي قُطِع تصويرُه… ضربٌ من التقعير4 المُربِكِ لما يتظاهرُ بأنّهُ كواليسُ فلمٍ داخلَ الفلمِ، فإذا هو كواليسُ ذاتِه.

تعدُنا بن هنيّة باستبدالِ ألفة الحمروني بهند صبري في المشاهد الّتي تتطلّبُ ممثّلا محترفا، لكنّ المشاهدَ "القويّة" لا تأتي، وإذا بالنّجمة التونسيةِ المصريةِ بطلةٌ لفلمٍ وهميٍّ. وإذا المُخرجةُ تؤكّد، في لقاء صحافيّ، أن المشاهد التمثيليّة، مجرّدُ محفّزاتٍ مقصودةٌ لتحريرِ الحقيقةِ من مكابحِ العلاقات الطبيعيّة (الأمومة) والاجتماعية (امرأة مطلقة في مجتمع محافظ) والإيديولوجية (علاقتُها بالتطرّف الديني) الّتي تضغط على حنجرتِها.

الخطّةُ ذكيّةٌ، وتجلّت أكثر من مرّة. مثلا في مشهدِ ليلة الدّخلةِ حين وقفت ألفة أمام الباب غرفة النوم متابعةً أداءَ هندٍ لشخصيّتِها، مصوّبةً أحيانا، مقترحةً أحيانا أخرى، حتّى تخرجَ الحادثةُ للمشاهدِ بكاملِ جرأتِها وجماليّتها. ومرّة أخرى في مشهدِ مواجهة المغتصبِ، حين جلست البنتانِ قبالةَ زوج أمِّهما، بل قبالةَ مجد مستورة الممثّل الّذي أدّى الدّورَ. فباحتا أمامَه بما وكأنّه يفوق طاقة احتمالِه. وانقلبت الأدوارُ فكأننا بهما مؤدّيتانِ وكأننا بهِ يتذكّرُ. أمّا المرّةُ الأبلغ برهانا على قدرة "الخياليِّ" على التحفيز على البوحِ، فهي حتما لحظة الصّدامِ بين آية وأمّها. إذ استذكرت رغبتها العابرةَ في تعنيفِها ردّا على شتائمها المهينةِ. ولمّا أثار البوحُ حفيظةَ الأمِّ، وذكّرتها بطبيعة العلاقة بينهما، أجابتها بأنّه فلمٌ وأنّها الآن تؤدّي دورها. فهل يمكنُ للمرء أن "يؤدّيَ" perform شخصيّتَه الحقيقيّةَ في فلمٍ وثائقيٍّ؟

لقد حدث أن جسّد بعضهم ذواتِهم الحقيقيّةَ في أفلامٍ خياليّةٍ. ومثلُ ذلك، جون مالكُفتش John Malkovich في رائعة سپايك جونز Spike Jonze الشهيرة5. ومثلها توجدُ في أفلامِ السيرةِ Biography، مثل التحفة البرازيليّة جبريل والجبل Gabriel e a montanha6. أما في الأفلام الوثائقيّة، فلا يُفترضُ من أبطالها أن "يؤدّوا". هكذا، يتّخذ بنات ألفة موضعا فريدا في طيفِ الصّورةِ السينمائيّةِ بين طرفيْ الخيالِ والتوثيقِ. وفي موضعٍ مقابلٍ تماما، أجدُني أستحضرُ الفلمَ الأيقونيَّ "لقطة مقرّبة" (كلوزآپ) للمخرج الكبير عبّاس كيارستمي. فهو فلمٌ خياليّ fiction بالأساسِ ممزوجٌ بمشاهد وثائقيّةٍ. ويحيلُنا هذا التقابلُ إلى تصنيفات الفلمِ الهجينِ.

في معجم المصطلحاتِ، يمكن أن نعتبر فلمَ كيارستمي أقربَ إلى الدراما الوثائقيّة7 Docudrama، فهو إعادة تمثيل Reenactment للوقائع بأسلوبٍ دراميٍّ، لتعويض الجزء الّذي لم تروِه المقاطعُ الوثائقيّةُ من أحداثٍ. أمّا في بنات ألفة، فلا توجدُ مشاهدُ إعادة تمثيلٍ، بل هي مشاهدُ تصويرِ مشاهدِ إعادة التمثيلِ. وحتّى أوضّح، فالدّأبُ في مشاهد إعادةِ التمثيلِ أنّ الأحداثَ تسبقُ زمنَ التصويرِ. أما في مشاهدِ بنات ألفة، فزمن الأحداث هو نفسه زمن التصوير. لا يوجدُ مشهد دخلةٍ، بل يوجدُ مشهدُ تصويرِ مشهدِ الدّخلةِ! وإمعانا في التعقيدِ، فنحن لا نعرفُ يقينا إن كانت أحداثُ زمن التصويرِ عفويّةً كلُّها أم معدّا بعضُها سلفا. وربّما تدفعني هذه الضبابيّةُ إلى أن أذهب بفلمِ بناتِ ألفة إلى صنف الخيالِ الوثائقيِّ Docufiction، حيث يتمُّ إقحامُ عناصر/مواقف خياليّة وسط بناءٍ وثائقيّ. هل انزعج مجد مستورة حقّا من دورهِ؟ وهل تاهت هند صبري في ضباب دورِها البسيط أم إنّ توهانَها عمادُ دورِها؟ وهل فكّكتْ ألفة وابنتاها مشاكلهنّ العميقةَ بتلك البلاغةِ دون همسة في الأذن؟ لا أملك إجابات قاطعةً، على أنني أميل إلى فكرة العفويّةِ الموجّهةِ، والمصادفةِ المخطَّطِ لها. لقد وصفَ أحد النقاد الفرنسيّين مشهدَ الإحماءِ المسرحيِّ بعديم النفعِ، والحالُ أنّه أحد المشاهد المفتاحيّةِ للفلم، فهو يلمّحُ إلى أنّ الأداء التمثيليَّ لم يقتصر على نور القروي وإشراق مطر(وهما اللتان أدتا دور الأختين الكبريين)، بل قد يشمل آية وتيسير أيضا. والفلمُ بذلك طبقاتٌ كثيفةٌ من البحث التجريبيِّ المثيرِ بين الخيال والواقعِ وبين الرواية والتوثيقِ. وهي عمليّةٌ جديرةٌ بصاحبةِ شلاط تونس وزينب تكره الثلج وعلى كف عفريت.

بنات ألفة محاولةٌ جريئةٌ لإبرازِ دورِ الخيالِ في رصدِ الحقيقةِ وتحفيزها. إذ لم يكن تمرينُ التذّكرِ كافيا للعائلةِ المكلومة، فكان ضروريّا تجسيد الذكرياتِ ودمجُها في مواقف متخيّلة أحيانا. فلم يحدث أن جلست آية وتيسير إلى زوج أمِّهما لتعلنا رأيهما فيه وفي جرائمه البشعة. ولكنّ تأدية المشهد المتخيّلِ ساعدَ على بوحٍ حقيقيٍّ لا خيال فيه.

المشكلةُ هنا، أن كوثر بن هنية لم تجرؤ على الخيال الوثائقيِّ كما تنبغي لها الجرأةُ. فآثرت على تصويرِ المشاهدِ، تصويرَ تصويرِها، وفضّلت على الفلمِ كواليسَه، وأبدت ارتباطا قويّا بلغة التوثيقِ حتّى وهي تسوّقُ لقيمةِ الخيالِ. بإدماج الكواليس ونقاشات ما قبل التصوير وما بعده، تشكلت مسافة ضخمة بين المتفرّجِ ولقطات إعادة التمثيلِ، فجاءت مهزوزةً شديدة الزيفِ لا تكادُ تنطلي على ألفة وبناتِها فما بالك بالمتفرّجِ؟ لقد وجدتُني أعيش تجربةً عكسيّةً لما تعيشُه البطلات داخل الفلمِ من تأثّرٍ بالمقاطِع المتخيّلة ومن استعدادٍ للبوحِ. فإذا كان الخيالُ fiction محفّزا على الحقيقة، فقد كان التوثيقُ الحقيقةَ عينَها.

يعرفُ الجميعُ ما حصلَ لألفة وبناتِها دون الحاجة إلى الوثائقيِّ. ليس فقط للاهتمام الإعلاميِّ الّذي عرفته حكايتُها في منتصف العقد الماضي، بل أيضا لحسن إيجازها (الحكاية) في كلمات بسيطة في افتتاحية الفلم: "ألفة عندها أربعة بنات، الزوج الصغار آية وتيسير مازالوا عايشين معَها، والزوج الكبار، رحمة وغفران، كلاهم الذيب". ويقترن الحديثُ عن الذئب بصورِ البنتيْنِ بحجاب أسودَ لا يصعب تأويلُ رمزيّته. هذه حكايةٌ أخرى عن الفقر والشباب والتطرّف والوقوع في براثن الإرهابِ. تيمةٌ يكرِّرُها التونسيّون في أفلامهم بإصرارٍ منذ "آخر فلم" للنوري بوزيد (سنة 2009). لكنّ بن هنية لا تهتم إلا عرضًا بتجنيد رحمة وغفران، ولا تلقي بالا لشبكات التسفير أو ما شابه. بل توجّه اهتمامها الكلّيّ للأمّ وتجربة تربية بناتِها الأربع التي انتهت بها إلى ما انتهت عليه. تصنع من عناصر حكايتِها سرديّةً نسويّةً محضةً. فتخلصُ بها إلى أنّ ألفة ليست فقط ضحية نظامٍ ذكوريٍّ يستعبدُ المرأةَ ويدجِّنُها عبر رموز ثقافيّةٍ متنوعة، وعبر أدواتٍ أبرزها الخوفُ. وإنّما تحوّلت إلى آلةٍ مفيدةٍ لإعادةِ إنتاجِه (النظام).

لم تختر عبثا حكايات ألفة السابقةَ لزواجِها. بل انتقت منها ما يصلح فكرةً أوليّةً عن الشخصيّةِ. نعرف أنّها من وسط شعبي فقيرٍ وخطرٍ. ونعرفُ أنها اضطرّت إلى تعويض "الرجال" لحماية أمّها وحماية نفسها. فكبرت وسط شعورٍ دائمٍ بالخطرِ. ولم يفلح زواجُها في القطع مع المحنة بل زادها سوءا منذ الليلة الأولى. وكانت ردّة فعلها على ما فيها من طرافةٍ، تبطن المأساةَ القادمةَ. فدمُ العنفِ الذي أعلِن للناس يومئذٍ، كان الدم المؤسس للعائلة الجديدةِ. وجاءت بناتُها الأربع قرابين له. هنا أيضا، تقف كوثر بن هنية عند محطاتٍ دون غيرها، فرقة الاستعراض (Majorette)، حادثة صورة الفخذ، حادثة ضرب الأم لغفران، فتطرح عبرها على مستجوباتِها أسئلة بريئة في ظاهرها. وفي باطنها باب للجدالِ بين الأمّ وبنتيها حول مواضيع متنوّعة كالتربية والجنس والحبّ والجسد والتاريخ… فنتبيّنُ منها كيف تستبطن ألفة الفكرَ الذكوريَّ وكيف تقطعُ بناتُها معهُ.

كلُّ شيء في القصّةِ موجّهٌ نحو سرديّةٍ نسويّةٍ ألمّت المخرجةُ بمختلف أوجهها النظرية. وكلُّ المواضيع المطروحةِ للنقاشِ، كانت تحاولُ إما عبر الشخصيات الحقيقية أو عبر الممثلاتِ، أن تُسقط هذه السّرديّةَ على حياةِ البطلةِ وبناتِها. يأخذ جميعُ الرجالِ شكلاً واحدا، هو شكلُ مجد مستورة. ولئن حاول في لحظتيْن خارج مشاهد إعادة التمثيلِ، أن يستدرجَ شخصيّته الحقيقية كرجلٍ غير ذكوريٍّ (مشهد حديثه مع هند حول وصم الممثلات واستثناء الممثلين)، فإنّه لم يفلح في كسر قوّة الرمزية التي يمثّلها أداءُ رجلٍ واحدٍ كلَّ الشخصيّات الذكوريّةِ المؤذية. كلُّ الرجال سيّئون، كذا تخبرنا بن هنية. المتفقّهون في الدين؟ تجّار منافقون. جسدي؟ ملكي أنا وليس ملكا لأحد. ونحصل في النهاية على القراءة النسوية المنشودة: الذكورية هي فنّ صناعة الخوفِ، تنشأ المرأة في هذا المجتمع مواجهةً تهديدات معنوية وجسدية مستمرّة، حتى تجنح إلى الزاوية التي أريدَ حشرُها فيها: حجاب، وزواج، وقرار في البيت، وانصياع وتفريخ. وفي كلّ مرة حاولت فيها ألفة التمرّد، كان هناك رجل جاهزٌ للتهديد وإعادة "النظام"، حتّى يحصل الإشراطُ البافلوفي Pavlovian Conditionning وتصبح ألفة نفسها حارسة المعبد، وتمارس التهديد والتعنيف تجاه بناتِها حتى ينزلن في المنزلة نفسها.

على أنّ البناء الأنيق المنسجم يخلّف شعورا قويا بانتقائية التاريخ الذي تأسس فوقه. فطوّع مأساة ألفة من أجل قراءة اختزالية ذات وجه واحد أحد. فإذا نحن أمام أمثولةٍ Allegory وثائقية، ولسنا أمام سيرة مدهشة متشعبة الأوجه. لا تخبرنا ذكرياتُ ألفة عن أثر التحولات الاقتصادية في نهاية التسعينات على حياتِها، ولا عن تأثير اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية على تضاؤل شركات النسيج في منطقة الساحل، وارتفاع نسب البطالة في بداية الألفينات، وما سببه من انتشار للعنف والجريمة والمخدرات بأنواعها. لقد اكتفت المخرجة في مشهد ساخر بالإشارة إلى كذبة الأمن في زمن بن عليّ، ولكنها أمام حنين بطلتها لزمن لم تعرف فيه خطر الإرهابيين، لم تسعَ، كما فعلت في مواضيع أخرى، إلى الإيحاء لها بالعلاقة السببية القوية بين فساد النظام السابق وبين استشراء الإرهاب في زمن النظام الموالي.

تمتدّ السردية النسوية إلى ما بعد ألفة، فتقترح أيضا تفسيرها لتطرّف رحمة وغفران. هذان الفتاتان اللتان كبرتا في كنف أبٍ عنيفٍ وزوج أمّ أكثر عنفا، وأمّ متسلّطة تنقل كلَّ خوفها إليهما. بات واضحا عند كوثر بن هنية أنّهما في محاولتهما للتخلّص من السلطة الذكورية التي تحاول الأم نقلها إليهما، وقعا في براثنها. كان تدينهما تمرّدا مثل إقبالِهما على موسيقى الميتل (موسيقى المعدن للمُريدين الحقيقيين)، محاولة لقلب اتجاه العلاقة مع أمّهما. ولم يفطنا إلى أنّهما أخذا مكانها في التبشير بالنظام الذكوري ونقل ثقافته. تشير بن هنية إلى ذلك من خلال التركيز على حادثة بيع الحجاب، وحادثة وعظيّة عذاب القبر. وهما لحظتا التغيير بالنسبة للفتاتين. وكلاهما تبدآن من مبادرة أحد الرجال. هناك أيضا تركيز المخرجة على هوس رحمة بثقافة الموت، كأنما تسعى إلى إبراز العلاقة بين تطرّف الفتاة ورغبتها الخفية الجامحة في إيذاء نفسها: الهروب من الذكورية بالوقوع فيها. وعلى كلِّ حالٍ، فهي لا تأتي بجديد حين تتعامل مع تطرف النساء على أنهن ضحاياه. فقد روجت له الهتافات النسوية المستنكرة من جهاد النكاح. التطرف بناء ذكوريّ، ولكن ربّما كانت بن هنية تبالغ في تفسيره بهذا الشكل الاختزالي، فهو يحدث مع الرجال أيضا، وهم أيضا ضحاياه.

يستحضرني هنا فلمُ محمد بن عطية الجميلُ، "ولدي" (سنة 2018) الذي اقترح تفسيرا آخر للتطرف يتعلق بصراع الأجيال عوض صراع الجنسيْن. فحين يعجز الشباب عن التحرر من سلطة جيل الآباء، ولا يجدون مساحة لتحمّل المسؤولية، سوف يبحثون عن تحمّلها خارج أطر المجتمع الذي يعيشون فيه. تمنحهم الجماعات الإرهابية لذّة الشعور بجسامة أدوارهم، وبقدرتهم على الفعل، حين تخنقهم جماعاتهم الأصلية. لم يهتمّ بنات ألفة بهذا الجانب، لكنّه أشار إلى صراع الأجيال في الحالة البديلة: أي حين يحقق الأبناء فعل التحرّر بالفعلِ ويتملّصُون من الخوفِ وثقافتِه. نرى ذلك جليا في آية وتيسير ولغتهما التي تصدم ألفة وتثير جنونها أحيانا. وكان عمل كوثر بن هنية طيلة الفلم، مصاحبةَ بطلتِها في رحلةِ إعادة التعرُّف على بنتيْها الباقيتيْنِ، وتدارك خطاياها السابقةِ لإنقاذهما. لقد بدأت الرحلة بلباس أسود، وانتهت بالأحمرِ. فخطّت بذلك مسارا دراميّا إضافيّا (باعتبار القصة المرويّةَ والجزءَ المعادِ تمثيلُه، مساريْنِ أوّليْن) ربما هو الأكثر قيمةً في الفلمِ. والأكيدُ أنّه استمدّ جزءا كبيرا من قيمتِه من طريقة تمظهر شخصية ألفة طوال العرضِ.

تتمتع ألفة وبنتاها بحضور درامي مدهش، تجلى من خلال اللغة وقسمات الوجه. حين تتحدث إحداهنّ، هناك دوما شيء يشدّ الأنظار إلى الشّاشة. هناك دوما شيء يتسرّب منها إلى ضفّة المتفرّجين. يتلوّن الوجه بألوان الضحك والبكاءِ في وقت واحدٍ، ويأتي اللسانُ بصورٍ بلاغية تجعل من وقع الكلام ثقيلا. في فرنسا، رأيتُ متفرّجين فرنسيّين ينهضون في نهاية الفلم مطلقين زفرات حارة. لم تكن القصّة بهذه الخطورةِ، ولكنّ أسلوب راوياتِـها جعلها كذلك. ولقد استغلت كوثر بن هنية هذه الميزة جيدا، فتوازنت المشاهدُ بفضل حركةِ بطلاتِها، وقد كان الإطار الثابتُ مهيمنا. وتفنّنت في الزّج بهنّ في مواقف متنوّعةٍ استخرجت منها كل ضروب الانفعالاتِ. فشكّلت من ألفة شخصيّة قصصيّة عظيمةً حقا. شخصيّة تتجاوز التصنيفات البسيطةِ والأحكام الأخلاقية والسلوكية الفجة. بل تتجاوز حضورَها الواقعيَّ إلى حضورٍ قصصيٍّ مفرط في الإنسانية، مفرط في التجلّي بنبله ولؤمِه، ببطولاتِه وخزيه.

لقد كان حضور ألفة قويا إلى حد تضاءل أمامه حضور نجمةٍ في حجم هند صبري، فقد قُدِّم الأمرُ على أساس التناصف بينهما في أداء الشخصية نفسها. فإذا بهندٍ تعلِمُنا أنّها "ماهي فاهمة شيء". وإذا بالعلاقة بينهما تتشظّى علاقات متباينةً لا تشبه في شيء علاقةَ "تجسيد ما لا تقدر ألفة على أدائه". نجدها تتابع الممثَّـلَة بانتباهٍ شديدٍ يترسّخ أكثر مع لقطة تمرُّنها على اللهجة ونبرة الصوت. ونجدها تشرح للبنتيْنِ وأمِّهِما أسلوبها في تأويل الدّور والشخصيّةِ، ونفورَها من الكلام السّوقيِّ. ونجدها في حالة سجالٍ معها حول أداء شخصيّتِها، إذ تبادِرُ ألفة بتصويب هند وبشرح تفاصيل طباعها. أما الجزء الأكبر من العلاقة، فترجمه استجواب هند صبري الدؤوب لألفة، مستفسرة إيّاها حول طبيعة ميولها وأفكارها. ولا تجد مانعا في إبداء رأيها كما في حادثة مواعدة رحمة الغرامية التي انتهت شرّا.

تنتمي هند صبري (ومجد مستورة وإشراق مطر ونور القروي) إلى طبقة متباينة مع طبقة ممثَّلتها. ليس فقط لأنّها نجمة إقليميّة بارزة وزوجة رجل أعمال ثريّ. ولكن لأنّها أيضا فنّانة مثقفة ومحامية، لها قدرات تعبيريّة واسعة، وهيمنةٌ معنوية لا ريب فيها. ونتاج ذلك أن ترتسم العلاقة بينهما عموديّة مهيمنةً. لكن أظهر الفلمُ ديناميكيّةً حيّة متقلّبة تبتعدُ عن معجم الهيمنة، وتقترب أكثر من معجم الزمالة. تسمع ألفةُ كلامَ الممثِّلة فتطأطئ برأسِها أحيانا، وتجيب بكل جرأةٍ وتدافعُ عن رأيِها في أحيان كثيرة أخرى. بل لا تخجل من التعليق على أداء هند صبري وتعويضها لمزيد الشّرح إن لزم الأمرُ. حين حاولت هندٌ شرح قدرتِها الاحترافية على خلق مسافة أمان بينها وبين الشخصية التي تتقمّصُها، توقعت أن تلزم ألفة الصمت وتكتفي بالإيماءِ في غير فهم. لكنها أبت إلا أن تجيب الممثِّلة بسؤال آخر: ماذا لو كان تأثير الشخصية أقوى من قدرة الإنسان على الاحتمال؟ وفي جوابِها برهان على عدم تأثرها بعمودية العلاقة التي قد تنشأ في مثل هذه المواقف. لقد تحوّلت المرأتان المنتميتان لعالميْن مختلفيْن، إلى زميلتيْنِ. وكان تأسيس العلاقة على هذا الشكل مهمّا للمخرجة، حتى تتمكن من التفاعل مع بطلتها بشكل غير مباشر عبر هند صبري. فهي تعي جيدا بقيمة سلطتها المعنوية كمخرجةٍ، ولا تريد أن تحجب بها أفكار ألفة التي تخرج عالية في كل نقاش. دور هند صبري وإشراق مطر ونور القروي دور تحفيزي يسمح بتداعي الذكريات، ودور استفزازي أيضا، يسمح بتداعي الأفكار وبإعادة النظر في الأحداث والقناعات. لذلك، فمن المهم هنا أن نتساءل إن كانت هند صبري أداة كوثر بن هنية أم شريكتها؟ وهل كنّا نشاهدُ هند صبري أم شخصيّتها؟

وأيا كانت الإجابة، فحسبها أنها ظفرت منّا بالارتباك والحيرةِ والآراء المتباينةِ. وحسبُ كوثر ما حقّقته في هذا العملِ من نضجٍ وقدرةٍ على تصويرِ أفكارٍ معقدةٍ، وجرأةٍ على الذهاب بالتمرين التجريبيّ إلى أبعدَ ممّا حصلت عليه في أعمالِها السّابقةِ. وبات من الواضح أن الشكل الوثائقيَّ لعبتُها المفضّلةُ (ثلاثة من خمسة إضافة إلى آخر مستوحى من سيرةٍ واقعية)، وأنّ صراع المرأة التونسية مع النظام الذكوريِّ قضيّتُها الأولى. ولكنني أجدُ ضروريّا أن تحاول الابتعاد عن مفضّلاتِها، وعن بيتِها المريحِ. وفي انتظار ذلك، فبناتُ ألفة تجربةٌ وثائقيّةٌ تونسية تدعو للفخر، وللأمل في تحف فنيّة خالدة.
 
--------------------
 

1 سوف أستعمل في هذا المقال مصطلح الخيال بمعنى المخالف للواقع fiction،ذلك أن هناك جدلا حول المفهوم وبعضهم يستعمل لفظ "رواية" وهو ممكن على أنه لا يعكس معنى التناقض مع الوثائقي وهي الثنائية التي أريد إبرازها ها هنا. Fiction/Documentary.

2 إعادة التمثيل Reenactment: إعادة تمثيل أحداثٍكما وقعت بالفعل. يكون الالتزام فيها بالحقيقة التاريخية قويّا إلى درجة تمنع من خلق مساحة درامية وعادة ما يتم التغاظي عن الحوار واستبداله بصوت الراوي. نجد هذه التقنية كثيرا في الأفلام الوثائقية التي تشرح الأحداث التاريخية والسياسية.

3 صيغ الفلم الوثائقي الستّDocumentary six modes: التفسيري Expository،والراصد Observational،والشاعري Poetic،والتشاركي Participatory،والأدائي Performative،والانعكاسي Reflexive.

4 التقعير Mise en abyme القصة داخل القصة،كما كان يحدث في أغلب القصص العربية الكلاسيكية. وجدت محاولات متنوعة لترجمة المصطلح الفرنسيّوليس التقعير أفضلها ولكنها جميعا لا تؤدي المعنى إلى تمامه. أضطر إلى استعمال هذا المصطلح لأنه يرنّغريبا في أذن القارئ،وإن كان له معنى أصليّيخالفُمعنى المصطلح وهو ما أنفر منه.

5 أن تكون جون مالكُفتش Being John Malkovich

6يروي الفلم قصة رحالة برازيلي شابّاختفى في جبال مولانجي جنوب شرق إفريقيا. وهي قصة واقعيّة استعادَالفلمُأحداثها مستعينا بأغلب الناس الذين قابلهم الشّاب في رحلته،إذ أدّوا أدوارهم الحقيقية.

7 يصنف بعضُهم فلمَلقطة مقرّبة،كخيالٍتوثيقيّDocufiction وهو صنف يختلف عن الدراما الوثائقيّة في كونِه فلما وثائقيّا يسمح لنفسِه بإقحام عناصر/مواقف خياليّة على سرديّتِه. لا أعرف مدى الخيال الذي أقحمه كيارستمي في فلمِه ولكنّالظنّعندي أنه أعاد تصوير الأحداثِالتي تمت مناقشتها في المحاكمة الموثّقة.

Thursday, September 14, 2023

أوپنهايمر يلعب بالنّرد

تحتوي المراجعةُ على مقطعيْن:
 
1. اِندماج
 ---------------
 
فلمُ أوبنهايمر Oppenheimer آخرُ أعمال البريطانيِّ كرستوفر نُولَن. تجربةٌ بصريّةٌ أخاذةٌ لا يجبُ التفويتُ فيها بالمشاهدةِ المنزليّةِ عوضَ الذهاب إلى السينما. ليس فقط للتمتّع بتقنية IMAX الّتي صوّر بها كاملُ الفلمِ بما في ذلك الأبيض والأسود منه، وليس أيضا للغيابِ المُطلق للصّورِ الحوسبيّة CGI حتى في مشهد الانفجارِ النوويِّ الرّهيب. ولكن، لأنّ كثافة المادّة التي يقدمها نولن خلال ثلاثِ ساعاتٍ، تتطلّبُ تركيزا قد لا يسمح وضعُ جلوسِك المنزليُّ بتحقيقِه!
لم يعد أسلوب نولن يخفى على أحدٍ. فليس مفاجئا أن يلعب لعبتَه المفضّلة مع السّردِ ويقسمه إلى خطّيْنِ منفصليْنِ يحكيانِ حكايةَ أوپنهايمر بسلسلةٍ من المشاهدِ الاسترجاعيّةِ Flashback.
فأمّا الخطّ الأولُ، فيحدثُ سنة 1954، ويصوّرُ تفاصيلَ محاكمةٍ إداريّةٍ غير معلنة لمدير مشروع مانهاتن لصنع القنبلة الذرية روبرت أوپنهايمر R. J. Oppenheimer (أداء كِليان مرفي Cillian Murphy)، بسبب شبهة تعاونه مع السوفييت، وما يستتبعه ذلك من خطر تجريدِه من ترخيصه الأمنيّ الذي يسمح له بمواصلة أنشطته في المجال النوويّ. بعبارة أخرى، كان يواجه خطر نهاية مسيرته وتحطيم سمعته.
وأما الخطّ الثاني، فيحدث بعد خمس سنين (1959) ويصوّر وقائع جلسة استماع الشيوخ (Senate) لمرشّح البيت الأبيض لحقيبة التجارة، لويس ستروس Lewis Straus (أداء روبرت دوني جونيورز Robert Downey Jr.) ولمّا كان مفترضا أنها جلسة شكليّة لتزكية المرشح، تحوّل الأمرُ إلى مساءلةٍ مفاجئةٍ لعلاقةِ ستروس بأوپنهايمر وبمحاكمتِه السريّةِ الّتي يرويها الخطُّ السرديُّ الأولُ.
هكذا تتقاطع روايتا أوپنهايمر وستروس لقصّةِ مشروعِ مانهاتن وتختلفان. فميّزَ المخرجُ بالأبيضِ والأسودِ الرّوايةَ من وجهةِ نظرِ الثاني، وبالألوانِ المشاهد التي تمثّل روايةَ الأوّلِ. وبين هذا وذاك، يتفادى المخرجُ تكرار الأحداثِ، فيحدثُ التقاطع في لحظتيْن رئيسيّتين (اللقاء الأوّل في پرنستون، وجلسة استماع حول تصدير النظائر الذرية Isotopes) تكشفان عن طبيعة العلاقةِ الدراميّة بين الرجليْن، وهي علاقةٌ قريبةٌ من تلك التي خلّدها ميلوس فورمان بين موتسغت Mozart وأنطونيو سالييري Salieri في رائعتِه أماديوس Amdeus.
يتفادى المخرجُ أيضا أن يشعرنا بالمللِ رغم السّاعات الثلاث والمقاطع الحِواريّةِ الطويلةِ. فهذه المرة، وعلى عكس أفلامِه الأخرى، نشعر أنّه خفّف من حجم التحدّيات التقنية لحساب الدّراما والشّخصيات، فاختزلها تقريبا في مشهد تجربة ترينيتي Trinity. وفيما عدا ذلك، نجده أكثر تركيزا على حواراتٍ دسمةٍ كاشفةٍ عن جوانب عديدةٍ من الشخصيّة الرئيسيةِ. فتعمّق في ماضيه، وجعلنا نرافقه في رحلتِه الأوروبيّةِ لتحصيل المعرفة عن الفيزياء الجديدةِ، وعرض علينا أنشطته النقابية ومغامراتِه العاطفيّة، حتّى تجسّد الرجلُ عند اللحظة التّاريخيةِ مكتملَ الأبعادِ، مع زخمٍ تعبيريّ ينبعثُ من عينيْ مؤدّيه كِليان مرفي بلا حدودٍ، ويرشح بلا شكّ لجائزة الأكاديميّةِ مرفوقا بزميلهِ روبرت داوني جونيور عن أفضل أداءٍ لشخصية ثانويّةٍ.
ولن تنسى لعبة الاحتمالاتِ في حفل الأوسكار، أن تُنصف موسيقى ڤورنسون Ludwig Göransson وإدارة التصوير الفذّة لهويت فان هويتما Hoyte Van Hoytma.
قد يعاب على الفلمِ انحيازُه لأب القنبلة إلى درجة أنّه تجاهلَ ضحاياه الّذين يفوقون المائتيْ ألف قتيل، ليهتمّ بمعاناتِه السخيفة من تلك المحاكمة الإداريّة المكارثية الّتي أقيمت له. ولكنه يبقى فلما مدهشا عن پروميثيوس العصر الحديثِ، فإذا كنت ستشاهد فلما واحدا هذا العام، فليكن أوپنهايمر.
 
2. اِنشطار
-----------------------
تحدّث الفلم عن ضحايا القنبلة في أحد المشاهدِ بالفعلِ، وعدّدهم وأبرز هول الكارثة دون أن يغامر بصور قد تستفزّ. وهذا ليس غريبا عن نولن الذي تفادى تصوير الألمان في فلم دنكرك Dunkerk. على أنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا، لماذا عليه أن يهتمّ بالضحايا إذا لم تكن القنبلةُ ولا الحرب النوويّة ولا حتى أوپنهايمر نفسُه جوهر الفلم؟ إننا ولا جدال، إزاءَ قصّةِ أوپنهايمر المفصّلةِ مع القنبلة، ولكنّها تفاصيل منتقاةٌ بعنايةٍ شديدةٍ حتّى تكون القصّةُ العيّنةَ التي تجسّد الجوهر وتبيّنُه. والجوهر الذي بحث عنه نولن هنا، كان أوپنهايمر كإعادةٍ لتشكيل إدراكِنا للواقعِ والحقيقةِ من منظور فيزياء الكمّ.
وبهذا مثلا، نفسّر إغراق نولن في وصف تفاصيل رحلة بطلِه الأوروبيّةِ، وفي تعديدِ أسماءِ العلماءِ الكبارِ الذين وضعوا أسس الفيزياءِ الجديدةِ، من نيلز بور Niels Bohr إلى هايزنبرڨ Heisenberg. حتّى إنّه لم ينسَ أن يشير عَرضا إلى دور أينشتاين في فتح الباب لهذا العالمِ بنظريّة المفعول الكهروضوئيّ Photoelectric Effect (وبفضلها حصل على جائزة نوبل، لا بالنسبية).
وعندما عاد البطلُ إلى بلدِه لتدريس الفيزياء الجديدةِ، انطلق من هذه المسألة، عارضا على تلميذِه الأوّلِ لومنتس Giovani Rossi Lomanitz معضلة طبيعة الضوء المتناقضة: هو موجةٌ وجُسيْمٌ في الوقت نفسِه.
ولّدت حالات التناقضِ في فيزياء الكمّ نوعيْن من ردودِ الفعل: فإما التعامل معها بشكلٍ براغماتيّ أفرزَ قوانينَ ميكانيكا الكمّ القائمة على علم الاحتمال كما فعل بور Bohr. وإما البحث عن تفسير أعمق وأدقّ يعيدُ إلى الفيزياءِ حتميّتها، وهذا رأي ألبرت أينشتين، فالله لا يلعب بالنرد كما يقول. وبين هذا وذاك، نعلم يقينا خيار بطل نولن.
لم تكن طبيعة الأشياء من منظورِ فيزياء الكمّ سوى تأسيسٍ نظريّ لما سيهتمُّ بهِ نولن فعلا. وكما قال بطلُه لرئيسِه في جامعة بركلي الدكتور إرنست لورنس Ernest Lawrence (أداء جوش هارتنت Josh Hartnet) حين وجد على السبورة دعما صريحا للثورة الإسبانيّةِ: لقد احتضنتَ الثورةَ في الفيزياءِ، فهلاّ رأيتَها في كلِّ شيء آخر؟
لقد عاش أوپنهايمر ثورة مفاهيمٍ أفرزها اتصالُه بفيزياء الكم، فلم يعد يسمعُ موسيقاها فحسب، بل بات يشعر بها، كما دعاه إلى ذلك نيلز بور، وكما عبّر عن ذلك نولن بلقطاتِ النجومِ والمطر المتتابعة، ولقطة تأمّل بطلِه في لوحة پيكاسو "امرأة جالسةٌ عاقدة ذراعيها" Femme assise aux bras croisés (في الحقيقة، أنجز پيكاسو اللوحة سنواتٍ بعد عودة أوبنهايمر إلى الولايات المتحدة)، قراءته لقصائد توماس إليوت T. S. Eliot في ديوان الأرض الضائعة The Waste Land. وتشير كلُّ هذه العناصرِ إلى انبثاق عالمٍ جديدٍ أمام أعين أوپنهايمر، عالمٍ لا تكادُ حقيقتُه تطالُ وإنّما تُلتمسُ من خلالِ أوجهها العديدةِ والمتناقضة. وكان أوپنهايمر عبر فهمه العميق لأبعادِ ميكانيكا الكمّ، أقدر النّاس على إسقاطِ منطقِها على تجربتِه الوجوديّةِ ذاتها. فكانت حياتُه، كما أبرز ذلك نولن، اِنعكاسا لهذا الإدراكِ.
على ضوء هذه العناصر، يمكن أن نفهم سبب تركيز نولن على علاقاتِ بطلِه الغراميّةِ. لا يتعلق الأمرُ بصيغة درامية جمالية، ولا مجرد استدراك بسيط حيال الانتقادات الّتي طالما حاصرته بسبب عزل أبطالِه بعيدا عن أية معالجة درامية تؤسس لرابط عاطفيّ مع المشاهد. صحيح أن مشهد الجنس الداعم بسخافةٍ لمفهوم الانجذاب للأذكياء Sapiosexuality كان مسقطا ومتكلّفا إلى حدّ يقوّي احتمال انصياع نولن لمنتقديه، لكنّ علاقة البطلِ بحبيبتِه في عمومِها قائمة على التناقض المنطقيّ (لكنها تعمل Yet it works) وعلى عالم من الاحتمالات الكمية. متناقضان إديولوجيا، منجذبان جنسيا، تقبل زهوره، وتلقي بها في المهملات، ترفض علاقتها به، وترفض التخلي عنه، يحبها ويتزوّج أخرى… حين يقف أوپنهايمر أمام باب جين تاتلوك Jane Tatlock (أداء فلورنس پيو Florence Pugh) يتحوّل إلى إروين شرودنڤر Erwin Schrödinger حيث لا سبيل إلى معرفة النتيجةِ إلا لحظة فتح البابِ.
يعمّم نولن هذه الصورة على مختلف شخصيات الفلمِ. جميعهم أشبهُ بإلكترونات نيلز بور Niels Bohr الّتي لا يمكن التنبّؤ بحالتِها في أي وقت، وإنما نكتفي بحساب احتمال حالتها في لحظة ما. أما بعيدا عن تلك اللحظة نفسها، فالنتيجة سوف تبدو مفاجئة أو غير معقولة. سوف تفاجئنا زوجتُه كيتي (أداء إملي بلنت Emily Blunt) اللامباليةُ بالقيمِ أو بالأعرافِ أو بابنها نفسه، بثباتِها أمام المحقّقين وتلاعبها بهم. وسوف تفاجئنا أكثر وهي التي تغير الرجال كما تغير الثياب، بثباتِها أمام إهاناتِ زوجِها، وتشبّثها به. سيفاجئنا الدكتور لورنس بشهادتِه ضدّ صديقه الذي دافع عنه طيلة أحداث الفلمِ ودعمه. وسيفاجئنا الدكتور هيل Hill (أداء رامي مالك) بوقوفِه إلى جانب أوپنهايمر الّذي أهانه في كلّ مرة يلتقيه فيها).
وحدهم السياسيون يمكن التنبؤ بأفعالِهم وخياراتِهم كأنهم كائناتٌ مسطحةٌ من عالمٍ أقل تعقيدا لا تنطبق عليه فيزياء الكمّ. تراهم، على تقلّب خياراتِهم، ثابتون بشكل مدهش، وموجهون كبوصلةٍ نحو ذواتهم المتضخّمة. وإذا كان لويس ستروس هو المثال الأهمّ الذي قدّمهُ نولن، فإنّ الرئيس الأمريكي ترومان Harry Truman (أداء ڤاري أولدمان Gary Oldman) هو المثال الأعنف والأكثر تطرفا، أو لعلّني لا أنسى ذلك الوغد الذي سحب كيوتو من قائمة المدن المرشّحة للاضمحلال، لأنّه قضى فيها شهر العسل، ولأن زوجته تحبها! مركزية ذاتية مريعة تنتصب بديلا مضحكا لفلسفة أقلّ وثوقية بكثير. والصراع بين أوپنهايمر وستروس كما أراده نولن، هو هذا. هو صراع بين نمطين للإدراك. أحدُهما ثوريٌّ والآخر بدائيٌّ تماما.
دعك من خرافة ساليري. ربما أرادها المخرج حقا، لكنّه فشل فيها تماما، وحسنا فعل. فشخصية ستروس تقف على طرف النقيض من شخصية الموسيقي الإيطاليّ. لقد أثبت الأوّل حتى آخر لحظات الفلمِ عجزهُ عن فهم العلماء وطريقة تفكيرهم، حتّى قال له مساعدُه: ربما لم يتحدّثا عنك، ربما كانا يتحدّثان عن أمر أكثر أهميّة! أمّا سالييري، فقد كان السبّاق إلى استيعاب عبقرية غريمهِ وموهبتِه الفذة، وكان فهمُه هو سبب مأساتِه وليس العكس.
كان فلمُ أماديوس عن سالييري بالأساس. هو من يروي الحكاية كلَّها، وهو من يحرّك الأحداث فيها. أما عند نولن، فنصيب ستروس من الأحداث جزؤها الأخير، وحسبُه من المشاهد أقل من سدسها كأي شخصية ثانوية. لا تثير شخصية ستروس أي تعاطف، كأي شرير كلاسيكيّ. أما شخصية سالييري فتعرض مأساة إنسانيّة عظيمة وتطرح تساؤلات مؤلمة.
ستروس هو سطحية نظرة السياسيِّ في مقابل عمق نظرة العالِم وثرائها. كأنّ الأول يرى العالم إما معه أو ضدّه، في حين يرى الثاني العالم بكلّ أطيافه اللونية. ألذلك غابت الألوان عن المشاهد التي من منظور ستروس؟
ربّما ينبغي تنسيب هذه المسلَّمة قليلا. صحيح أنّ مشاهد الأبيض والأسود توافق منظور ستروس وروايته للأحداث. لكن لا يمكن تحقيق الشيء نفسه بإطلاق مع مشاهد رواية أوپنهايمر الملونة. ففي بعضها نلحظ غياب منظور أوپنهايمر (مشهد جين العارية في التحقيق كان من منظور كيتي، ولقطة مرور لورنس للشهادة كان فيها أوپنهايمر مطأطأ الرأس، وفي بداية الفلم نرى محاضرة للبطل بالهولندية من منظور إيزيدور رابي Isidor Rabi).
إن مخرجا بخبرة نولن، لا يحتاج إلى تغيير الألوان ليعبّر عن منظور ما للقطاتِه. والفلم مليء بالفعل تلك الآليات التي تحقّق ذلك كالوصلات (Match cut) ولقطات منظور الغائب 3rd Person P-o-V… وبعبارة أخرى، ما كان غياب التمييز اللونيّ ليربك تجربة المشاهدة، أو يمنعنا من إدراك وجهة النظر التي يروي المشهدُ من خلالِها.
ثمّ هناك العنونة التي تتصدّر مشاهد كلّ خطّ سردي: إندماج Fusion للأبيض والأسود، وانشطار Fission للخطّ الملون. كأنّه يعمد إلى التذكير بأن أوپنهايمر عاش تجربتين مع القنبلة الذرية: كانت الأولى طويلة الأمد، وهدفه خلالها صنع القنبلة، أما الثانية فبدأت مع التفجير تقريبا، وكان هدفه فيها، التصدي لصنع قنبلة هدروجينية. وبهذا المعنى فنولن يحاول أن يذكر بأن أوپنهايمر ليس أب القنبلة النووية فحسب، بل هو أحد المناضلين ضد حرب التسليح النووية وإن كان العالم يتناسى ذلك ويتجاهله.
ولا شكّ عندي أن نولن يدافع عن بطلِه وينتصر له رغم معارضته الصريحة (كما يرد في الحوارات الصحافية) لصنع القنبلة. ويستند في انتصاره له، إلى حسن نيّته وحسرتِه الصادقة على ما اقترفه. يمرّر لنا ذلك ضمنيا حين سلّم أوپنهايمر ابنه إلى صديقه واصما نفسه بالأنانيّ البشع، فأجابه إن الأنانيين البشعين لا يدركون بأنهم كذلك. ولكنني أجده يفشل رغم جدية مشروعه.
يطغى الحوار على الفلم حتى الإرهاقِ، وهو مع ذلك عاجز أن يمدّ بطله بقولٍ مقنع واحد يخلّصه من هول وضوح الجريمة. بل إنه يكرّر الاتهامات المعروفة دون أن يردّ عليها بشيء يعلق بالذهن. هتلر مات واليابانيون على مشارف الاستسلام. ولا يأتي عزاءُ أوپنهايمر إلا من خلال الصّورةِ، مثل مشهد خطابِه البليغ إثر حدوث الجريمة، وسحنة كليان مرفي العبقريّةِ حين تلقّت شخصيّته خبر التفجير.
إضافة إلى الصورةِ، يحضر الدفاع عن أوپنهايمر من خلال الفكرةِ الرئيسية التي سبق تفصيل القول فيها. إذ لم تكن القنبلةُ قرارا شخصيا اتّخذ في لحظة واضحة السياق والعناصر والحيثيات. بل هو مسار طويل متشابك التناقضات والصدف واللقاءات والتفاعلات. زوجتُه تدفعه إلى القتالِ من أجلِ إدارة المشروع الذي لم يدرك أبعاده بعدُ، رئيسُه في العمل (إيرنست لورنس) يدفعه دفعا بعيدا عن النشاط النقابيّ ليتسنى له العمل في المشروع، وجيش العلماء الذي يعمل تحت إشرافه بجدية يستحيل أمامها التراجع والتفكير في العواقب، فهناك أجل، وهناك هوس علميٌّ يشلُّ مَلَكة التأمّل. تصبح القنبلة في كل هذا السياق مجرد حتمية تاريخية قادمة لا محالة، وكان أوپنهايمر فقط وجه النرد الذي كشف عنه السقوط.
لقد كان أوپنهايمر مخطئا بلا شك، يؤكد نولن، لا لإرادة أصيلة فيه، ولكن لأنه كان هناك، في تلك اللحظة ليس أكثر. ولو أعيد كل شيء فقد لا يكون هو وجه النرد الطالع، ولم يكن ربما ليقترف جريمته. الحياة لعبة احتمالات كما تقول قوانين فيزياء الكم، وكما يقول لنا نولن. وهو مذهب كنت سأبدي نحوه تفهّما أكثر لو عرض عليّ بشكل أقل تشنّجا، وعلى امتداد مساحة تأملية أكثر امتدادا داخل الفلم، وبحوار أقصر بكثير مما تعرّضت له. إنّ ثلاث ساعات من الحوارات المكثفة واللقطات القصيرة المتتالية شيء مرهق جدا، ولا أظنه يزيد من جمالية العمل بأي قدر. ففلم طويل لا يكون مرتفع النسق بالكامل إلا لخلل فيه.
فهل كان هناك داعٍ للالتواءة السردية ونحن أمام قصة تاريخية؟ وهل لويس ستروس بتلك الأهمية التاريخية التي كانت ستجعلنا نقفز من مقاعدنا صارخين في ذهول: لقد كان ستروس إذا!
حتّى كيتي زوجة أوپنهايمر لم تكن مُقنعة وهي تصرخ بهذا. لماذا لم تقولي ذلك منذ البداية يا كيتي؟ أنت لم تحصلي على أية معلومة إضافية، فلماذا تقولين ذلك الآن؟ مجرّد محاولة متكلفة للإيحاء بقيمة مفاجأة لا تهمنا كثيرا. إذ لم يشرَّك المشاهد في عملية البحث عن الفاعل طوال الفلم. قدّم لنا المخرج دوافع الفاعل، ولم يمنحنا الأدلّة.
ثمّ، ذلك السر الرهيب الذي تقاسمه العالمان في النهاية. كان أينشتاين يلهو هانئ البال أمام البركة في پرنستن Princeton سنة 1947 أي سنتين بعد الجريمة الكبيرة، وجاءه أوپنهايمر ليخبره أنّ سلسلة التفاعلات النووية التي قد تدمر الكوكب قد انطلقت بالفعل. يعلم جميعنا أن العبارة مجازية، إلا أذكى رجل في العالم الحديث، فقد اغتمّ قلبه فجأة كأنما أدرك لتوّه معنى إلقاء قنبلة نووية…
لا يختلف فلم أوپنهايمر عن باقي أفلام نولن في سياسته وفي غرضه الفنيّ: محاولة خلق تجربة بصرية لمفهوم ملتبس الإدراك (الزمن، الواقع، الذاكرة، الجاذبية…) ولئن حاول هذه المرة تلافي تقصيره الدراميّ الذي طالما اتّهم به، فقد سقط في إفراط أفسد التجربة إلى حدّ مؤسف. ولم يساعد الموضوع المستفزّ، ولا تذبذب الفلمِ بين غرضيْه الفني والترفيهيِّ في إعادة بعض التوازن. لقد كان نولن أقدر المخرجين على الإتيان بأفلام فنية ذات ميزانية عالية Blockbuster Art film، فمن العجيب أن يخيب في ذلك حين يكون موضوع الفلم، عن تقبّل التناقض في الأشياء.
إنّ ما ورد في مقطع الاندماج ليس إلا أبرز الملاحظات التي تكررت عن الفلم وأحببتُ الإجابة عنها في مقطع يمثل منظوري الشخصيّ كما فعل نولن في فلمِه. لذلك، فلست أتبنى الحماس الكبير تجاه الصّوت في أوپنهايمر. مازالت الموسيقى تطغى على الحوار بشكل يعيق تجربة المشاهدة، وهو خلل في تقنية IMAX باعتراف نولن نفسه، ولا يحاسب إلا هو على خياره. فهل كان ضروريا استعمال IMAX في فلم يقوم كلّه على الحوار؟ وهل كانت تجربة ترينيتي تستحق كلّ ذلك؟ صحيح أن نولن لم يستعمل الصورة الحوسبيّة، ولكنّه استعمل مؤثرات بصرية، وراكم لقطات التفجيرات لصنع شكل يقرب من عش الغراب.
وختاما، فلو كنت ستشاهد فلما واحدا في السنة، فليكن فلم أوپنهايمر. ليس لأنه الأفضل، بل لأنك لست من هواة السينما كما هو واضح، ولست إلا باحثا عن شيء تعمّر به حياتك الاجتماعية، وأعتقد أن فلما شاهده الجميع تقريبا، أنسب خيار لذلك. أما إن كنت تشاهد أفلاما كثيرة، وفاتك أوپنهايمر، فلابأس من ذلك، فهناك أعمال عظيمة أخرى جادت بها السنة، وتستحق وقتك.
 
الدّفتر الأزرق
كتب في 6 آب 2023


Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Translate