Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Translate