Tuesday, June 26, 2012

مورفي و البلاد التونسية


قانون مورفي الشهير الذي يقول : لو ان أمرا سيئا يمكن أن يحدث، فإنه حتما سيحدث. له لوازم عديدة تطبّق في مختلف المجالات. فمثلا في عالم الكمبيوتر نقول "الخطأ بشري، و لكن لتحدث كارثة فأنت بحاجة إلى كمبيوتر." في العلوم العسكرية يقال "إذا كان عدوك في مجال رمايتك، فاعلم انك أيضا في مجال رمايته." اما في السياسة فهناك القانون الشهير الذي يقول : السياسي شخص يبحث عن حلول لمشاكل لم تكن لتوجد لولا وجود سياسيين."...

لا أدري لمَ انتبهت اليوم أن قانون مورفي ينطبق كثيرا على تونس، و هذه بعض لوازم هذا القانون : 

ـ حين يدعو رئيس الدولة المجلس التأسيسي الى مساءلة الحكومة، فهذا سيعني سحب الثقة منه.

ـ تتشكل هيئة عليا للانتخابات من أعضاء الاحزاب الفائزة في الانتخابات السابقة، لضمان "التداول على السلطة".

ـ مساءلة الحكومة تتم داخل المجلس التأسيسي الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم.
 
ـ يمضي رئيس الدولة على الاتفاقيات و القوانين، لكن توقيعه رمزيّ كمنصبه.

ـ اذا كان هناك انتهاك "للمقدصات" فهي تحدث دائما في الوقت المناسب

ـ لا يوجد قناصة، و انما اشخاص اعتلوا اسطح المنازل و اقتنصوا الناس من عل.

ـ تستدين الدولة لتسدد ديونها

ـ تطلب الدولة مالا من دول تحتجز أموالها.


ـ وزارة التشغيل ليس مهمتها التشغيل.

ـ التفاؤل وهم، و التشاؤم مهلك، حينما تنهض صباحا، اكتف بالضحك.
 


Sunday, June 24, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الثاني


لا يوجد تلخيص لما سبق هنا، لأن ما سبق هو بالفعل مختصر جدا، فتخلصوا من الكسل يا سادة. و تذكروا أن أي تطابق في الأسماء هو محض صدفة ليس إلا، فخذوا بما فهمتم، و لا تتهموا غير أنفسكم.

هل صدقت فعلا أنني المتسبب في موت مبارك؟ و لِم لا أكون أنا؟ الرجل قد نجا من فرص كثيرة ليتخلص من الحياة، و آخرها حينما أُعلن الحكم عليه بالسجن المؤبد. فلِم يسقط الآن حينما كتبت اسمه في المفكرة؟ هل أملك سلطة الموت فعلا؟ أي قدرة رهيبة تلك التي بين يديّ؟! أي هول هذا الذي أحمله؟ كيف تتحول الكتابة من وسيلة للحياة إلى آلة دمار؟! آمنت دوما أن الكاتب امرؤ علم من الدنيا ما لم نعلم، و نقل للناس حيوات أخرى عاشها كما عاش حياته. كنت أؤمن أن المداد هو اكسير الحياة الذي تحدثت عنه الاساطير و الخرافات.. و أنه بجرة قلم تخلق عالما جديدا و أناسا جددا و تاريخا آخر! فكيف يتحول الورق اليوم إلى ساحة حرب، و يتخذ المداد لون الدماء؟

كانت الفكرة مرعبة جدا، و أنا اتأمل التلفاز، الذي يعلن وفاة الخرتيت المصري. و ارتعشت يداي لهول الفكرة. لقد قتلتُ شخصا! هل أنا قاتل؟ أم ملك الموت؟! متى كان ملك الموت مجرما؟ انه يقضي أمر ربه، و أنا اليوم أقوم بذات المهمة! اللعنة! ما الذي يحدث لي؟! لا بد و أنها صدفة. انها صدفة مثيرة لا أكثر، لوثة عقلية تصيب كل من يبلغ السادسة و العشرين بأفكار مبعثرة ثورية و محبطة. لا يمكن أن يكون الأمر صحيحا. لا يمكن...

 لكن ما علق بذهني من السلسلة اليابانية الشهيرة ما انفك يحوم حول رأسي.. كان هناك صور كثيرة من "Yagami Light" الشخصية الرئيسية، التي كنت اطلق عليها "ولد عمي" لاسباب قد يتفطن لها سريعو البديهة.. أعترف أنني كنت أوافقه الرأي يخصوص المجرمين، و ضرورة العقاب القاسي حتى يكون الردع فعّالا. صحيح أنني مبدئيا ضد فكرة الإعدام، لكننا هنا لا نتحدث عن الدولة، بل نتحدث عن القضاء و القدر. إن الموت قدر الانسان، فما بالك لو كان مجرما! سيكون ذلك الانتقاء الطبيعي الأكثر دقة و جودة على مرّ التاريخ! تخيلوا شعبا بدون جريمة أو فساد! تخيلوا شعبا يعيش في سلام تام  و أية حضارة يمكن أن ينتجها! 

عادت الأحلام تعبث بمخيلتي و تنير الظلام الذي يملأ غرفتي.. هل من الشوفينية أن أبدأ بوطني؟ كلا، هو نوع من اعادة التوازن ليس الا. بن العم أيضا بدأ بوطنه، و كانت النتائج رائعة جدا. الوطن ينادي يا فتى، الوطن يدعوك أن تكتب!
تأملتُ المفكرة و قد عادت الكتابة تتخذ صورتها الاولى في مخيلتي.. الكتابة ثورة، الكتابة عمل انقلابي، هكذا تعلمتُ، و هذا ما سأفعله هذه الليلة حرفيّا! سأحارب بقلمي كما حلمتُ دوما أن أفعل، و لكن هذه المرة، لن أنتظر طويلا لأرى النتائج. لا أعتقد أن أعظم القصاصين العرب قد حلموا بفرصة كهذه! لقد اختارتني الأقدار لأكون و إياها واحدا! فلأقض بأمر الله إذا!

بمن نبدأ؟ رفعت رأسي للتلفاز فطالعتني الإجابة على شريط الاخبار الأحمر المسافر بلا نهاية من يمين الشاشة إلى يسارها.. "يسافر الجنرال قائد الاركان غدا إلى قطر، للتباحث بخصوص اللاجئين في الحدود الليبية... الخ"
لماذا يصرون على اختلاق هذه الاكاذيب المضحكة؟ مرة يتخذ دور وزير التشغيل، و مرة يتخذ دور المشرف على مخيمات اللاجئين.. أي هراء هذا؟ كيف يستبيحون الاستخفاف بنا إلى هذا الحد؟ هذا الرجل يخفي حقيقة الثورة، و أسباب نجاحها، و الاهم يخفي حقيقة القتلة، لذلك سأبدأ به. و سأدبّر له ميتة درامية شبيه بتلك التي دبّرت لسلفه كي يخلفه على رأس جيش البر... الشيطان يعزف الكارمينا بورانا بين أذنيّ، و قلمي تراوده ارتعاشة الجنون!

"يسافر الجنرال عبر طائرة مدنية خاصة. و في الاجواء التونسية، يحدث عطل في الطائرة بسبب تلف بسيط لا يلبث أن يشتد و يتطور بسبب غياب التقنيّ المشرف. أين التقنيّ المشرف؟ غاب لأسباب مرضية..." 

فسخت الجزء الأخيرة و أنا أغلّب أن الرجل لو غاب فسيقع تعويضه حتما.. يجب أن يكون الغياب مفاجئا.. 

"أين التقنيّ المشرف؟ انه مغيب عن الوعي داخل الطائرة، بسبب مرضه الشديد، لكن لأنه لم يحضر شهادة طبية و لم يجد من يعوضه، اضطر بحكم المهنية ان يركب الطائرة، و اختار أن يرتاح قليلا لأنه عادة يحضر احتياطيا لا غير. لكن المرض اشتد به، و ارتفعت حرارته و سقط في غيبوبة لم تنفع معها محاولات المرافقين لافاقته."

حسنا، هناك أيضا برج مراقبة يتولى الاشراف على الطائرة مادامت داخل الاجواء التونسية. يجب أن تتخلص الطائرة من المراقبة...

"في ذات الوقت يشتعل حريق بسيط داخل البرج، لكن معدات الاطفاء كانت تحوي مواد قابلة للاشتعال فتسبب استعمالها في اثارة حريق ارعب الجميع و اخرجهم من قاعة المراقبة قسرا."

لم أقدر أن أمنع ضحكتي الجذلى و أنا أتخيل ما سيحدث غدا في المطار. الواقع أن تخلق قصة ثم تشاهدها لا في قاعة السينما بل في عالم الواقع، لأمر لم يحلم به انسيّ قط، ربما حتى Jules Verne نفسه. و لذلك يجب أن أحسن كتابة ما سيصبح بعد غد تاريخا!

"هكذا، يضطر القائد إلى الاستعانة بمهارة لانزال الطائرة من دون خسائر بشرية. لكن سقوط الطائرة وسط الغابات يجعل المهمة شبه مستحيلة، و مع سقوط الطائرة و تهشم النوافذ، يخترق جسم الجنرال جسم حديدي تملص من الطائرة، فيرديه قتيلا."

و رسمت نقطة النهاية كما يرسم المايسترو بيديه شارة ختام السينفونية، لقد أعلنت اليوم رسميا عن ميلاد كاتب جديد. كاتب قصص قاتلة! الغد القادم سيخبر عني، كما لم يفعل أي صباح آخر. فلأنتظر!

************
هذا جزء لم أشهد حدوثه طبعا، و يمكنكم أن تتخيلوا اي طريقة بلّغتُ بها بما حدث، الساحرة الشريرة، العصفور الذي يطل من الشباك، الاحلام، الشيخ الحكيم، تخيلوا ما شئتم، المهم أنكم ستعرفون ما حدث...

اسمه سعيد، و يعمل تقنيّا بالخطوط التونسية، و قد استيقظ على غير العادة مزكوما، يعاني صداعا شديدا. اللعنة، المفترض أن يسافر إلى قطر مع الجنرال، و لا يمكنه أن يتغيب هكذا. أطلق سبابا سوقيا و هو ينهض من الفراش... كان طول الطريق يفكر في وسيلة للتملص من الرحلة، لكنه لم يجد الطبيب في مبنى الإدارة. اللعنة ماذا سيفعل؟ هل يطلب من أحد الزملاء تعويضه؟ إنه يعرف أن لا أحد سيقبل. فكر في الأمر كثيرا قبل أن يطلق سبابا أكثر سوقية و يقول : "بقلة (بالقاف المشبعة) ليها، برة ينعن ز****** الخدمة و الفلوس و الجنرال متاع ز***** و تونس. نمشي نرقد و عـ*** من فوق. غدوة كان صبحت بطال توة نمشي نعتصم.. باش يذلونا على 600 دينار؟"

هكذا قدر للهادي الذي لا يعاني أي مرض يذكر من تعويض سعيد، طبعا مطلقا سبابا أكثر شاعرية. الواقع أن لا أحد يريد أن يصحب عسكريا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"هنا برج المراقبة، الحالة طبيعية، انت تتجه 34 درجة شرقا، وفق المسار 3B24 المتفق عليه. هل من مشكلة؟"
"هنا قائد الطائرة 757، لا مشكلة هناك. انتهى."

اسمها غادة، و هي الفتاة المسؤولة عن التواصل مع قائد الطائرة التي بدأت اقلاعها بالفعل. كان ذهنها شاردا في ما حدث لها بالامس، مع أحد أصدقائها. هل كانت تنتظر أن ينقلب حديثه إلى غزل صريح؟ و هل ستقبل دعوته اليوم إلى العشاء؟سيعني هذا أن تتواصل السهرية طويلا.. كان هناك شيء من الإثارة في الموضوع، و هي لا تنكر على نفسها ذلك. لكن ما تخشاه أن يكون غزله ضربا من الفذلكة، و ابتسامته شيئا من السخرية، و أن يكون الامر برمته هذيانا بين جرعتي نبيذ.. الهاتف يرن! إنه رقمه! اللعين! لماذا يهاتفها في هذه اللحظة العصيبة؟ انها تتحرق شوقا للرد عليه.. لكن الطائرة؟

تأملت بعض الشيء شاشة المراقبة، ثم شاشة الهاتف، قبل أن تحسم أمرها : المتابعة الروتينية لم تكن يوما مصيرية، لتذهب الطائرة إلى الجحيم، لكن يجب أن أعرف! هكذا، تركت الجميع و تسللت بسرعة كي لا يفتضح أمرها. و مع خروجها، دوت فرقة صغيرة في المكان، و تصاعد شيء من الدخان من الآلة ال و تصاعد شيء من الهلع وسط الفريق. 
"جيب اكة الـextincteur جيب!"
لكنّ الـ "extincteur" او قارورة الاطفاء لم تكن هناك أصلا، ان العشوائية تملأ هذه البلاد حقا!
"يا كمال! يا كمال المكينة تحرقت! تي جيب extincteur من اي بلاصة!"

لكن كمال كان أكثر فاعلية حقا!، لقد قطع التيار الكهربائي و سكب دلو مياه على الآلة التي أضحت خرابا! الكثير من السباب و اللعنات، بينما عادت غادة لتجد الفوضى تعم المكان. اللعنة، لقد اتلف الجهاز الذي تعمل عليه بالكامل، و هي تحتاج إلى جهاز آخر لتواصل متابعة الطائرة! قالت ذلك في توتر لزميلها فسلمها جهازه و هو يقول "لو ظللتِ في مكانك لاتلفتِ مع الجهاز!"

"هنا برج المراقبة، انقطع الاتصال لأسباب تقنية. هل من مشكلة؟"
"بالفعل هناك مشكلة، و لكن أصلحها التقنيّ هنا، نريد توجيهاتكم للنزول الاضطراري."

هنا أدرك الجميع أن شيئا ما قد حدث... 

أما الطائرة، فقد اضطرت للنزول، و طبعا لأن تونس الخضراء لا تعج بالغابات كما يتخيل الاخوة العرب، فلم يكون نزولها معقدا.. 

**************

لم يحدث شيء.. لقد كان حادث مبارك مصادفة اذا..
و لعله لم يمت.. 
ان العشوائية في ديارنا تفسد كل خطة ممكنة، و كل برنامج طموح..
تأملت الجنرال و هو يسلم على الأمير البدين، و في ذهني فكرة واحدة : هناك حالة رداءة عامة هنا.
ثم رميت بالمفكرة في القمامة..




Wednesday, June 20, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الأول

غدا عيد ميلادي،

او هكذا أخبرتني إحدى تطبيقات الانترنت التي تحاصرني من كل جانب. و هكذا أدركت ـ مرة أخرى ـ أن سنة أخرى من حياتي ضاعت هباء، أو للدقة الشاعرية، هباء منثورا.. وجهي كما ترسمه المرآة كما هو تقريبا، لولا شيء من التشاؤم و السخط ينفذ من عينيّ ليجعلني أبدو أقل بلاهة..

ماذا يفعل الانسان ليلة عيد ميلاده؟ يصعب تحديد ذلك، لكني أعرف ما يفعله تونسي أمِل يوما في الثورة ليلة عيد ميلاده : يسترجع ذكرى خيباته حتما! لكـ.. لحظة، أسمع حفيفا غريبا. هل هو أحدكم؟ أم هي مخيلتي اللعينة؟ حبست أنفاسي محاولا تبيّن ما يحدث. لكن الصمت كان بليغا.. حاولت أن أقنع نفسي أن لن يخسر العالم الكثير بفقداني، و جرؤت أخيرا أن أتقدم، و ألقي نظرة متوثبة إلى المطبخ.. هناك كتاب على الطاولة. كتاب أسود أنيق كخيباتي.. المثير أن لا أحد يقرأ هنا غيري..

اقتربت في حذر كأنني أناور أفعى ملكية، و تأملت العنوان في دهشة "Death Note" أو مفكرة الموت. أين رأيت هذا العنوان من قبل؟ تخبرني ذاكرتي الصدئة، عن مسلسل صور متحركة ياباني بذات الاسم، و ذات الطابع القوطيّ الكئيب الذي أراه أمامي الآن. هو مفكرة بالفعل، لكن، اللعنة! من أتى بها ؟

تقول الأسطورة إن المفكرة تمكن الكاتب فيها من قتل من يشاء بمجرد ذكر اسمه على المفكرة. الأكثر اثارة هنا، انه بالامكان تحديد طريقة وفاته أيضا. و هي كما تلاحظون طريقة مستفزة جدا لأكثر مخلوقات الله مسالمة، أن تجرب فكرة القتل، فما بالكم بشخص عنيف الطباع مثلي. تقليد جميل لعشاق المسلسل لكنها تظل مفكرة كغيرها. لا ميزة هناك غير ما تصنعه مخيلة شخص ملول محاصر بالخيبات مثلي.. لتعمل المفكرة و لو في مخيلتي. فهناك العشرات ممن أريد أن لا أراهم أحياء في سنتي الجديدة.. بمن نبدأ؟

لا أعرف كيف خطر ببالي اسم الرئيس المصري، ربما لاعلان الرئيس الجديد، و ربما لأنني لم أرَ شخصا أهان مصر و العرب قدر خياناته التي لا تنتهي. من المنطقيّ أن أبدأ بيهوذا العرب. أخط أنه أصيب بجلطة في المخ، و قضي الأمر. لا تطاول على الأقدار هناك، بل مجرد آمال سخيفة و يائسة.. من أيضا؟ جنرال عسكرنا الموقر؟ قضاة مرتشون؟ التجمعيون؟ رجال الاعمال الفاسدون؟ السلفيون المزيفون؟ الحمقى؟ أعتقد أنني سأرسل نصف البلاد إلى الجحيم و لا أخال المفكرة تتسع لكل هؤلاء، فضلا أنني لا أعرف أسماء الجميع.. ماذا لو اخترت اناسا بعينهم؟ موتهم يقلب الموازين و ينقذ الثورة؟

من يستحق الموت؟ من خان الأمانة؟ و من ينفع البلاد بموته أكثر مما يفعل بحياته؟ الرئيس ربما، فهو لا يمثل أي دعامة للتوازن، بل لعله مجرد صورة "يسارية" لليمين الحاكم، انعكاس مرآة ليس الا، و صدى أقل وضوحا للحاكم الفعلي. و أعتقد أن أي تعويض له سيكون ذا نفع حتما. الوزراء الفاشلون؟ حتما، مادام رئيسهم لا ينتوي تغييرهم، فالافضل أن ارغمه على ذلك. تخيلوا وزيرا يحل المشاكل بدل أن يثيرها، و يشتغل أكثر من أن يتكلم! أحلم؟ بالفعل أحلم، لِم نوجد الفانتازيا اذا؟! ماذا عن قتلة الشهداء؟! وجيعة الثورة الكبرى. سأقتلهم جميعا، العدالة؟ لقد قالت العدالة كلمتها بالفعل، و أثبتت عجزها و قصورها في هذا الوطن العاجز. سأقتلهم جميعا، و لأقتل معهم العدالة نفسها. سأقتل ذلك الرئيس الذي لا يزال يلاعب صورة الشهيد على صدره كلما وجهوا القمرة (الكاميرا) إلى وجهه المكفهرّ العصابيّ. سأقتل صاحب الابتسامة البلهاء الذي وعد بالقصاص و خذل، سأقتل أولئك الحمقى الذين يتبجحون بالانتصار للشهداء بعدما خذلوهم عندما كانوا في الحكم منذ عام مضى.. سأقتل أصحاب المطارق المرتشين الذين قبلوا بمسرحية المحاكمات.. سأقتل أولئك السياسيين الذين يزايدون بمصاب العائلات المنكوبة مرتين، و أولئك النواب الذين يكتفون بالخطب العصماء و الصراخ السريالي المثير للغثيان، سأقتل الدكاترة و الاكادميين الذين يبيعون الحكمة لمن يدفع أكثر، و سأقتل الصحفيين الذين ينقلون ما شاء الكلاب أن ينقلوا، و يدفنون ما لم يقدروا على الخوض فيه، سأقتل الفنانين الذين لا فن لهم غير تقليد الآخرين، و لا شعب يحدثونه غير اناهم المتضخمة المشبعة بتراب الآخرين.. سأقتل الخرفان الذين يساسون بيسر ليهلكَ بعضهم بعضا.. سأقتل صاحب البدلة الكاكية الصارمة، مخفي الأسرار و مهلك الثوّار، كاتم الحقائق و مالك الأسرار.. سأتدبر له قتلة عبقرية تنهي الأسطورة الشاعرية و تعريها. سأقتل كل من قبل الرشوة أو قدمها، كل من أمر بالقتل أو التعذيب، كل من اختلس أموالا من الشعب، سأقتل المتمعشين من كاهل الفقراء، سأقتل المعتمد الذي يسمع أنين الارملة العارية شتاء فلا يأبه، و سأقتل ضابط الشرطة الذي رأى من يُعتدى عليه و لا يتدخل، و سأقتل من شهد عمليات البيع الرمزية لأراضي البلاد و لم يقل شيئا، و من قدم أرقاما كاذبة و هو يرسم ابتسامة رضا صفراء. سأقتل المحامي الذي استبسل في الدفاع عن رجل أعمال فاسد و الناس لم تجد من يأخذ بحقوقها، سأقتل الطبيب الذي أخطأ ثم تملص من خطئه، و سأقتل المعلم الذي لا يعلم، و الصحفي الذي ينشر الاكاذيب، و المهندس الذي يوفر حلا و جملة من المشاكل، سأقتل أصحاب سيارات الأجرة الذين لا يقفون لحالة حرجة خوفا من مسافة قصيرة لا توفر مالا، و سأقتل الأئمة الذين يحرضون على القتل في حضرة الله... سأقتل الرداءة! سأقتل سوء العمل! فهو مشكلتنا الاولى. نحن سيئون، و يجب أن نوجد جيلا ينجز عملا أكثر اتقانا و أقل عارا. كم ذكرت القتل من مرة؟ ما يكفي لملء خزانة من المفكرات لا واحدة، لكن لا بأس، لا بأس، إن هي إلا مفكرة تبيع لي الاوهام، و هو ديدننا منذ أخبار هارون الرشيد، و حكايات ألف ليلة.. نعشق الأوهام، و نتنفس الأساطير و المبالغات، تاريخنا المسكين تتقاذفه الدعوات لالحاقه بالقرآن أو ذبحه على الملأ. ان هي الا جرعة فانتازيا، و كم احتاج الى الهروب الى الفانتازيا..



هنا قرأت خبرا غريبا على الانترنت.. خبرا يشير إلى موت الرئيس المصري .. و بجلطة في المخ...
عاد الصمت يعم المكان، و أنا أرمق مفكرتي السوداء في بلاهة..
مفكرة الموت...

<يتبع>


Sunday, June 17, 2012

دم

دمّ،
إلى الربة تانيت، وجه بعل، و إلى المولى بعل حمون،
ما نذره عبدكم الجريح ادنبعل بن سكن الرب، فخذوه..
و ليُمنح القوة، و ليُكمِل المسيرة،

دمّ،
رفعه المقاتل المخلص لملقرط حتى يعيش،
و ليقاتل إلى الموت مع سيده حنبعل برقا
في حربه الأخيره!

دمّ، دمّ
دمّ، دمّ

و تربة تداري هزيمة منتظرة،
و مجلس الشيوخ،
و ساحة الفوروم،
و مسرح مدينة عصيّة كحرّة،
يحوم الموت فوقها كغيمة سخيّة،
شتان بين جسمها و الشجرة..


هل اتاك القول في المسيرة المظفّرة؟
هل اتاك قول الموتى في سيوفنا المظفرة؟


حين تتبع شغوفة ربّها المقاتل!
اسألوا الايبار و اسألوا الجبال
و اسألوا الثلوج، و الاموات و الافيال،
و اجزعوا قدر ما استطعمُ أن تجزعوا
يا معشر الأطفال،
حنبّعل يطرق الأبواب
لا تفتحوا لا تفتحوا،
و قدموا القربان و الاجيال
لسيد القتال..


دمّ دمّ
دمّ دمّ


لانه علمنا الحياة كالاحرار
نفديه دم، دم!
لان القرطاجي حر لا يذم
دم، دم
لانه المِكّـيــر و الخبير و الأهم
دم، دم
نفديه دم!
لانه ملهمنا و صاحب القسم!


سنصحب الافيال و الثيران و الاهوال
و نألف الافات و العطش،
لانه علمنا الحياة كالاحرار
لن نعرف الفرار!


دم، دم
دم، دم


الى الربة تانيت وجه بعل
نذْر عبدكِ الجريح أدنبعل
رجاؤه الوحيد قبل ان يموت
ان يشهد انتصار سيد الحروب
رجاؤه أن يذبح القربان لك
و تعمُر الصلاة في اللسان و القلوب

رجاء عبدك الوفيّ و المقاتل،
أن ترفع الأعلام في مدينة الخراب
و يخطب الأشفاط من هنا،
أن هذه المعركة الاخيرة،
و أنه السلام

Thursday, June 7, 2012

دروس ثورية لليابان..

الطقس حار حقا في العاصمة! لم يكن يتخيل أن العاصمة أشد حرارة من قريته خلف السباسب. انهم يكذبون، حتى في برنامج النشرة الجوية يكذبون.. انه يرى الكذب في عيونهم المتعجلة، و في خطاهم المتواثبة.. كانت العاصمة أكثر جنونا مما توقّع.. أين يجد عملا؟

-----------------------

لم يكن تاناكا يعرف الكثير عن تونس، و لعله لم يسمع بها قبل الثورة إلا حينما احتضنت بلاده كأس العالم، يذكر أنهم واجهوا فريقا من الشوارب الكثة و الوجوه السمر و الشعر الاجعد، و كانوا أقرب للاتراك من الافارقة، لكنهم وديعون على كل حال و يجيدون استعمال الفرنسية و هو أمر يعتبره ـ كغيره من اليابانيين ـ معجزة تستحق الاحترام..

طبعا تاناكا غيّر فكرته تماما حينما سمع بالثورة التونسية، هو الذي لا تستطيع روحه أن تتقبل معنى الاحتجاج و معنى التمرد، دعك من أن يفهم معنى أن يسرق حاكم شعبه. لقد كان مشدوها بانجاز التونسيين الذين لم يسبقهم اليه بشر في هذه الالفية الجديدة، و أخذ يتابع في نهم ما يحصل هناك.. دكتاتورية؟ همم.. همم.. بطالة.. مفهوم، مفهوم، مناطق مهمشة، جهات مفقرة... همم... منطقيّ جدا... 

تاناكا فاجأته كارثة المفاعل في بلاده، و أجبر على الانشغال عن تونس و ثورتها، بمشاكل حيه و هموم اهله، و لأن المشكلة هينة نسبيا لم تتجاوز الطوفان و الزلزال و الكارثة النووية، فقد انتهى و أهله منها في غضون أشهر، و عاد كل شيء للعمل و الانتاج، و استقامت الطريق المعوجة، و تركت بقية الخلافات للقانون و المحاكم، اما هو فشاءت الصدف أن تعيده إلى تونس أو تعيد تونس إليه، حينما قابل خلال عمله بعض الطلبة التونسيين، انهم قوم اذكياء لا شك في ذلك، هل كل التونسيين بهذا الذكاء؟ ما الذي اعاقهم عن الازدهار اذا؟ خمّن أن الدكتاتورية شرّ عظيم اذا. و قرر أن يساعد بما يستطيع.

---------------------

لم يجد شيئا، و الجوع يشتد، و الحرّ يضحك تحت ثوبه في شماتة، لماذا لا يمدون الماء حينما يطلبه؟ أفي بلد كفار تراه؟! كان مرهقا، و حينما اجتاز ذلك الشارع الضيق، لم يكن يعرف أن اصحاب السوء يجدون قوتهم في المرهقين أمثاله. لكن لا فائدة من المقاومة، اللعنة عليكم جميعا، انا لا أملك شيئا، كيف سأهاتف أهلي لو أخذتم هذا الجوال البائس؟ اللعنة عليكم جميعا! 

رأى من بعيد مساحة خضراء كبيرة مسيجة، فتوجه اليها، علهم يريدون حارسا او بستانيا.. لكنه أدرك أنه أمام مبنى حكومي، لعلها وزارة أو مقر ولاية، و ما همه؟ هناك أناس كثر، مجتمعون، و هناك لافتات، و سيارات رسمية، علّ أحدهم يساعده. لكن الوجوه الرمادية كانت نفسها، و الانشغال كان نفسه، وحده تجلّده كان يتآكل بسرعة النار على الورق. 

-----------------

تاناكا رجل عمليّ جدا ككل ياباني أصيل، و حينما قرر أن يساهم في الثورة التي أثارته أيما إثارة، فإنه لم ينم الا و مقعد الطائرة ينسحب بهدوء الى الخلف معلنا بداية رحلته الى حيث الثورة.. 

تاناكا سمع كثيرا عن الفوضى و الاضطرابات، و لكنه قدر ان الثورة تحتاج الى كل ذلك، و ان الامور صعبة فعلا.. و قدر أن اي مشروع يقدم للمسؤولين هناك، سيحظى بالترحيب و المساعدة، انه لا ينوي كسبا و لا شهرة، فقط يريد شغف المشاركة، و نشوة الثورة.

تاناكا خبير تحلية مياه، و قدّر أن منطقة السباسب التي تعاني من سوء المياه، قد تستفيد جدا من مشروع التحلية، ان تركيا تشرب من زبالتها ماء زلالا، فلم الاجهاد و تكليف المال بلا جدوى؟

تاناكا قام بدراسة كاملة بصرامة التقاليد اليابانية، و حماس الثورة التي تعلق بها، و كان المؤتمر الذي نظمه المعهد الوطني للفلاحة بتونس قد قدّ تماما ليعرض مشروعه للناس.

 -------------------------------

سار وسط الناس كأنه منهم، لكن عينيه كانتا تشيان بغربته، و وجد نفسه يطأطئ برأسه متحاشيا نظرات الآخرين.. سيجد شيئا من الأكل حتما، مادام ثمة اجتماع ما فهناك أكل، و الا فهو خارج تونس حتما!

لكنه لم يجد شيئا، اي وحوش هؤلاء؟! كانت اكواب الشراب قد نفدت عن آخرها، اما اصناف الحلويات فكأنها لم تكن! وحدها الاطباق ظلت شواهد على سوء حظه، و عظم جوعه، حقده.. اي قوم هؤلاء؟ و عاد بذاكرته الى قريته، فداعبت حلقه غصة خفية، و تذكر جمع خيباته الغفيرة في يومه الاول هنا، و تساءل أي شيطان رمى به في هذا المبنى. لكنه تذكر الحرّ و قرص الشمس الغاضب خارجا، فارتأى أن يقبع هنا شيئا من الوقت ثم يعاود التسكع.. 

و حانت منه التفاتة الى جنبه، فرأى حقيبة أنيقة جميلة كأنها اتخذت لوحدها مقعدها حذوه، و حينما لحظ أنها مفتوحة، أدار ناظريه حوله باحثا عمن تراه يكون صاحبها.. لا أحد.. سيغلقها هو اذا، مادام الاحمق لا يعرف في أي بلد هو، و أي رحمة يملكها هؤلاء.. غير أنه ما ان هم باغلاقها، حتى طالعه هاتف انيق يبعد عن هاتفه الراحل بأجيال قد لا يمكنه حصرها. انه لا يكاد يعقل أنه هاتف حقا! و جاء الشيطان مهرولا...

لم يكن هناك مجال للتفكير، كان عليه أن يغلق الحقيبة، و ان يفكر بعد ذلك كيفما شاء له ان يفكر. ان للحنق سطوة، و ان للقهر لمرارة، و ان للجشع لسحرا ايضا.. و لأنه لم يعتد فعل مثل ذلك، فقد سحب في جملة ما سحب جواز سفر غريب اللون، حرص على اخفائه في ذعر و رهبة.. لكن الرهبة تزداد ثقلا على انفاسه، فلم يجد بدا من أن يبتعد مذعورا... هذه بلاد كفرة حقا!

---------------------------
كان تاناكا مؤمنا بما يفعل، و ان فاجأته غرابة الناس هنا، و فاجاته عدوانيتهم المفرطة، و ودهم المفرط ايضا. كثيرا ما سمع بمزاج المتوسطيين المتقلب، و لكن ما يراه أشبه بشخصيات الصور المتحركة التي يتقنون صنعها في بلاده.. و حينما أعلموه أنه لن يبدا تقديم مشروعه على الساعة الحادية عشرة و النصف تماما، أدرك أن الثورة صعبة حقا.. "سيد تاناكا" يمكنك أن تحضر حاسبك، هذا وقت محاضرتك. انحنى في رشاقة، و اخذ حاسبه و اندفع نحو الركح في حماس ثوري.. 

لكنّ تاناكا لم يرَ ذات الحماس في الثوريين أنفسهم.. فقط بعض الشباب كانوا يستمعون اليه في اهتمام، بينما كانت الشخصيات الهامة تتحاور فيما بينها.. احدهم اخذ يقهقه كأن ما يقوله ضرب من الكوميديا السوداء... أي خطأ يوجد في تقديمه لمشروعه!؟ لِم لا يثير اهتمام المسؤولين؟ أية حماقة توجد في ما اقول؟!

لكن تاناكا لن يجد الاجابة عند المسؤولين، سيجدها هناك، حيث ترك حقيبة حاسبه الانيقة، و عبثا بحث كالمجنون عن هاتفه و جواز سفره، لكن من الواضح أن نفسا ثوريا نفخ فيها ... 

-----------------------------

لم يقدر أن يظل اياما ثلاثة هناك، انه لا يكاد يغمض عينا حتى يهل صباح جديد.. و لا يكاد يستوعب طقس هذا الصباح حتى يجنّ الليل... و تتالى جوعه على عطشه، و لا يجد القدرة على بيع الهاتف الذي حصله.. كان عاجزا تماما فيما يتعلق بالهاتف.. يشعر أنه حقه المغتصب، لكن شيئا فيه يمنعه من أن يأكل منه... في النهاية، وجد نفسه عائدا الى قريته بظل خيبة و عين انكسار... سيسألونه "وين مشيت؟" لن يجد جوابا أكثر بديهية من "بدلت البورطابل." لذلك آثر القاءه من النافذة صحبة الجواز، آملا أن يجد شيئا من الماء البارد حينما يصل الى الدار..



فاروق الفرشيشي
7 حزيران 2012



There was an error in this gadget

Translate