04 يناير, 2012

حلّ !

أتحدث عن كليهما، عن المعنى الفصيح الذي من أجله أقمنا الثورة، و عن المعنى العامّي الذي يجب أن تنتهيَ إليه كل ثورة ناجحة اعتمدت أساسا على المعلومة الحرة!
الجميع يكتب اليوم عن المعلومة الحرة، عن الحكومة المفتوحة، ستجدون مقالات متنوعة بعضها يخوض في التقنيات المتاحة، بعضها يقدم صورة شاعرية تلهب القلوب، بعضها يستعمل الفرنسية، و البعض الآخر يحاول أن يقرّب المفهوم للعامة بلهجة دارجة سلسة (و إن كتبها بطريقة الاس ام اس التي لا استظرفها).
عليّ أن أكتب أنا أيضا، و أن أضيف شيئا للمادة الموجودة. سأكتب ربما للجيل القديم، الجيل الذي لا تمثل لغته الأم عائقا أمامه، لكنه لا يستوعب أفكار الجيل الجديد و لعله يعتبر الحديث عن المعلومة الحرة و الحكومة المفتوحة ترفا لا يمكن الخوض فيه اليوم. لذلك سأحاول أن أفسر بطريقة براغماتية ما جدوى المعلومة الحرة.

لنتفق أولا ماذا نريد من الثورة :
ـ نريد شغلا.
ـ نريد كرامة.
ـ نريد حريّة.

كيف نحقق هذه الأشياء؟ 
ـ نقيم نظاما جديدا غير فاسد : الحرية.
ـ يقطع النظام الجديد مع الاساليب القديمة حتى يحقق فعلا مطالب الناس : الشغل.
ـ يمكن محاسبة النظام الجديد و تغييره دون الحاجة إلى ثورة جديدة لو فشل في أمره : الكرامة.

لنكن عمليين و لنقدم أهدافا ملموسة: 
ـ النظام ديمقراطي يستمع إلى كل الآراء، المعارضة تقدم حلولا عملية، و الأغلبية تبحث عن مصلحة البلاد لا عن مصلحتها.
ـ القضاء عادل يضمن كرامة الناس، و حقوقهم.
ـ في كل موقع قرار يوجد الشخص الأنسب و يتخذ القرارات الأفضل.
ـ الرقابة موجودة.
و بالفعل هذا ما حاولت الثورة في تونس أن تحققه، رغم بعض الهنات هنا و هناك، لا كمال في الدنيا. و اليوم، هناك مجلس تأسيسي، و حكومة، و مجتمع مدني، و إدارة، و القضاء الجديد أيضا لن يلبث أن يتكون، لكن المشاكل لا تنتهي، سببها الأول انعدام الثقة. انعدام الثقة بين المواطن و المسؤول، انعدام الثقة بين المواطن و الأمن، انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، انعدام الثقة بين المسؤول و المسؤول أيضا، بل و انعدام الثقة بين المواطـن و مرشحه الذي انتخبه للمجلس التأسيسي!

لماذا انعدمت الثقة؟
لأن هناك بالفعل مسؤولين يعملون في الخفاء، و لأن هناك بالفعل قرارات خاطئة لا يمكن أن نعلم ما في ضمائر أصحابها، و الأهم، لأن الشائعات أغرقت البلاد منذ الثورة.. اخبار زائفة، صور زائفة، اقتطاع للتسجيلات بطريقة تخدم أطرافا ما.. الاشاعات التي اغرقت البلاد تسببت في كوارث، و لو تذكرون ما حصل في احدى الجهات حينما بلغهم أن هناك من سيرسمون خفية عن الآخرين.. أو حينما أخبروهم أن أحد رجال الحرس قد ضرب احدى المواطنات.. انعدام الثقة، يدفع المواطن الى البحث عن المعلومة في أماكن موبوءة تماما، كما الحال في الفايسبوك، موقع التواصل التونسي الأول.

المعلومة اذا هي المفتاح!
ـ يعتصم الناس في جهة قفصة بسبب نتائج المناظرة المهزلة للدخول للكبّانية. من المتسبب في نتائج المناظرة؟ لا أحد يعلم. كيف ستسوى الأمور؟ لا أحد يعلم. ما هو رأي نواب المواطنين المعتصمين في المجلس التأسيسي؟ اللهم أعلم و هم لا يعلمون.
ـ لقد انتخبت شخصا أو أشخاصا يمثلونني في المجلس التأسيسي بمواقفهم و آرائهم، لا أعرف إلى اليوم ماذا تحدثوا باسمي، و ماذا قالوا بلساني. هل يمكنني أن أجدد ثقتي لهؤلاء؟ لا أعرف!!! لأن المعلومة تنقصني!
ـ يعتصم الناس في قابس مطالبين بحقهم في العمل في المصنع. بعضهم يقول إن طاقة الشركة لم تعد تتحمل المزيد، بعضهم يقول إنها بالفعل بحاجة الى المزيد لكن السرقة قلصت من حجم سعتها. كيف السبيل إلى معرفة الحقيقة؟ بالمعلومة. أين المعلومة؟ في ركن ما، في مكان ما لا يمكن بلوغها.
ـ السلط المحلية أو الجهوية تريد بالفعل أن تساعد قدر الإمكان، لكنها لا تستطيع أن تعرف كل ما يدور في كل شبر من الارض.. على المواطن أن يبلغ، و أن يقدم المعلومة أيضا، لكن كيف يفعل؟ إلى من يذهب؟ كيف يتصرف؟
ـ المعلومة ليست وثائق القرارات فحسب، هي أيضا تسجيلات ما قيل، و صور ما حدث بالفيديو حينما يكون الفيديو ضروريا. المعلومة هي أرقام احصائية، سجلات بنكية، خرائط، المعلومة هي أيضا انعدام المعلومة، فنحن لا نعرف مالذي لا نعرفه تحديدا!

ـ ما قيمة كل هذا و نحن نتحدث عن الخبز؟ الخبز يا صديقي له مقدار من الدعم، يجب أن نتأكد أن لا احد يسرق منه. يجب أن نتأكد أن قيمة دعمه ليست قيمة عشوائية و انما للمقرّر مبرراته بشأنها. الخبز يا صديقي نستورد قمحه من دول أخرى، لا نعلم تكوينه و لا في أية مختبرات تم تغيير تركيبته، الخبز يا صديقي له وحدات توزيع لا نعلم أصحابها و لا مدى تأثيرهم في انقطاعه احيانا، و لا طريقة توزيعه على المخابز... الخبز الذي نأكله يا صديقي لا نعرف عنه شيئا، و مادمنا لا نعرف شيئا، فلا يمكننا أن نفهم إن كان حقا يساوي الثمن الذي ندفعه من أجله أم لا. و لا يمكننا أن نفهم إن كنا نزيد من ثمنه باحتجاجنا أم نخفّض.. نحن بحاجة الى تحرير المعلومة، إلى أن يكون كل شيء متاحا للمواطن، و الصحافة. لذلك كله نقول للحكومة : حلّ!

حلّ! و لكن كيف؟
ـ الـOpenGov أو الحكومة المفتوحة، هو المصطلح الذي أطلق على الحكومة التي تعتمد على المعلومة الحرة للتواصل مع المواطن. الشفافية المطلقة، هذه المرة ليست شعارا بل واقعا حتميا. تعتمد الحكومة المفتوحة على تقنيات الاتصال الحديثة (الانترنت، الهواتف الذكية، الخ) للتواصل المباشر مع المواطن، على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني، تلتزم الحكومة المفتوحة بتقديم كل المعلومات الممكنة للمواطن، حتى يمكنه أن يحكم على مردود ممثليه في مختلف أجهزة الحكم، و حتى يخضع الجميع لسلطة الرأي العام، و حتى لا يمكن لأحد أن يعمل في الظلام.

ـ تقدم المعلومة في الحين، فتنتفي الاشاعات تماما و لا يعود لها وجود. و تنتفي العشوائية و التمييز و الوساطة و الارتجال.. لقد ظلم نظام بن علي الناس كثيرا رغم أن كل شيء موثق، لكنه كان يعمل في الظلال، و كانت المعلومة في صندوق مغلق لا يراه أحد.
ـ يجب أن يتم بث كل مداولات المجلس التأسيسي أولا بأول، و لا تستثنى منها مداولات اللجان الجانبية. لا نريد لعبا تحت الطاولة، نريد لعبا مفتوحا تماما!
ـ يجب أن يعتمد التصويت الالكتروني في المجلس التأسيسي، ليسجل تصويت كل النواب، و يمكن الاطلاع عليه فيما بعد و معرفة مدى وفاء النواب لوعودهم الانتخابية.
ـ يجب أن يبدأ العمل على بوابة حكومة ضخمة تسمح بادراج كل المواقع الحكومة، بحيث تسهل وضع كل المعلومات الممكنة، و تمكن من التفاعل المباشر بين السلطة و المواطن.

عزيزي المواطن، المعلومة الحرة ليست ترفا، بل هي كما ترى، أساس "الخدمة على نظافة"، و هي ليست أقل قيمة من الشغل و الكرامة و الحرية.. بل هي من سيقدم إلى الجميع الشغل و الكرامة و الحرية، و لا مزية عربي.

عزيزي المواطن، ساند حملة "حلّ" و قلها دون مواربة "يا حكومة ! تي حلّ اللعب!"


26 ديسمبر, 2011

شيء من المسرح..



ملحوظة :
إن كل تماه أو تشابه بين الشخصيات و التنظيمات المذكورة و الواقع هو محض ثرثرة اللاوعي لا غير.
هذا الحديث هو عبارة امتنان لناد عشتُ معه تجربة لا تنسى. استمتعوا بجنونكم..





لم يكن دخول هذا المكان أمرا مألوفا، و لعل وجوده في تخوم الادارة، اشارة جيدة ان ليس للمدير ما يقوله للطلبة.. لكن هذه المرة، كان مضطرا لأن يقول شيئا، لأن الاشكال قد تفاقم و تجاوز أسوار المعهد... ثم إن من له ما يقوله، لم يكن المدير أصلا، لقد كان...


ـ الوزارة منشغلة باللي قاعد يصير في المعهد متاعكم. و مع تفاقم الوضع نتصور وقيّت باش نفضو هالاشكال. على هذا تم ارسالي من الوزير شخصيا لتقرير الانسب بخصوص هذه المسألة. و استمعت تقريبا إلى كل أطراف النزاع. و ما قعد كان الطرف الرئيسي، اللي تمثله أنت.


ابتلعت ريقي بصعوبة و أنا أحاول جاهدا أن أبدو مرتاحا في مقعدي المقابل له. كنت دوما ممثلا سيئا، و اليوم سيتخذ التمثيل طابعا أكثر جدية و مصيرية.. ماذا تراه سيسألني، و أي قول أقول؟ لكنه كقارئ الافكار، قدم لي أبسط الاسئلة، و أكثرها بداهة
ـ كيفاش بدا كل شيء؟
و لم تجد ذاكرتي عسرا كبيرا لتذكر المشاهد...


**********

ـ ها! آش عملت؟
ـ سِلكِت.. هاو صحّح.. قعد لنا كمال..
ـ يوبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي!


هكذا بالضبط كما تكتب، هتفت بها سمية و هي لا تتوقف عن الضحك، لقد تعودنا على ذلك تقريبا، بينما لم يكن كذلك حال الاساتذة المتواجدين حولنا للأسف.. لذلك أسرعت بدفعها أمامي و قد دفنت وجهي بين ذراعيّ الممتدتين..
أول عرض مسرحيّ سنقدمه بعد الثورة! لم يكن التحضير اعداده هينا، و لم يكن اقناع ادارة المعهد بعرضه أكثر يسرا.. لكننا نتجاوز العقبات و من الواضح أن الله يريد له أن يُعرض.. الآن، لم تبق لنا إلا عقبة كمال المشرف على قاعة العرض...


هذا الرجل ادارة مستقلة داخل الادارة، لا يأتمر بأوامر مدير و لا وزير، و له جدول أعمال و قانون داخليّ (عُرفي طبعا) يعنيه وحده، و يعمل بموجبه رغم أنف الجميع. و هذا القانون يمسمى "المزاج" .. و حينما ذهبت مع "العَمري" لمقابلته، أدركنا منذ البداية أنه لن يوافق أبدا..


"تي فكي على الز** ما نقضيش، بري شوفي ولدك وين هامل و كلميه.."
و أغلق هاتفه بعنف و هو يطلق سبابا لا فائدة في ذكره... كل الظروف مهيأة ليوافق كما ترى..
"أو.. سي كمال.."
"اش حاجتك بنـ... شنوة تحب؟"
".. سامحني، عندنا خاطر مسرحية و ..."
"بالله أخطى ز*** ناقصكم كان انتم.."
كان قد استدار مواصلا طريقه حينما اقترف "عَمري" ذلك الخطأ الذي لا يجب أن يقترفه أبدا مع كمال :
"عندنا ورقة مالإدارة!"
"تهدد في الز*** بالادارة؟ برة قول للمديريمسح بيها الورقة ! باهي؟"


هذه عبارة لا اجابة لها كما تعلم، لذا بقينا صامتين نتابع في حيرة ابتعاده و لا ندري أي انفعال يجب أن ينتابنا... و كانت وقفتنا بليغة جدا، بليغة إلى حد منع بقية الرفاق للحاق بنا و السؤال..
"السلام عليكم أخي."
التفتنا مندهشين لعبارة ـ أخي ـ لنجد أمامنا فتى غريبا عنا، هادئا مبتسما، ذي لحية خفيفة و سروال يحاذر أن يلامس الحذاء.. هذه علامات لا تخيّب ذوي الفراسة، لكن وقت الصلاة لم..
"أنتوما نادي المسرح ماهو."
اتخذ "عَمري" وضعا قتاليا تقريبا و هو يجيبه : "أييه، أحنا."
و هو كما تعلمون يشمئز من مسألة تحريم الفنّ، و لا يفتأ يسلح نفسه بكل الأحاديث و كل التفسيرات و كل دروس العلماء التي تهدم هذه الفكرة الغبية و هو مستعد لمواجهة هؤلاء كلما سنحت الفرصة.. لكن الفتى خيبه تماما و هو يقول :
"سمعنا بيكم ناشطين و ما شاء الله عليكم، الحق أنا ما حضرتش على حتى عرض، اما نقدرو المسرح خاطر فيه رسالة هادفة، و ماذا بينا نعاونوكم، سي كمال هذا نعرفو كيفاش نتعاملو معاه.."
"لحظة الساعة، انتوما شكون؟"
أشار الى البطاقة التي يتقلدها في شيء من الثقة و الزهو، فأدركنا عمّ يتحدث.. الحقيقة أن علاقتنا بالمنظمات الطلابية عدائية دوما، لأننا لم نعرف غير طلبة التجمع، الانتهازيين في أغلب الأحيان، و كنا نتفادى التعامل معهم، لكن اليوم، لا وجود لتجمع، ما الداعي للعدائية خصوصا اذا كانوا هادئين متحمسين للمسرح؟
التفتنا الى الفتى و قلنا "اي mer.. جازاك الله خيرا، ان شاء الله تكتب لكم في ميزان حسناتكم يا خويا."
فاجابنا ضاحنا "بارك الله فيكم، احكيو "نورمال" يا أخي، تونسي راني هههه."
ثم ابتعد مضيفا "غدوة ان شاء الله، نعطيكم الموافقة متاعه، اما لو كان تسمحوا نحضرو معاكم في الخدمة، ميسالش؟"
"مرحبا بيكم!"
**********
كنت أتحدث بينما اكتفى ممثل الوزارة بتدوين بعض الملاحظات، و الانصات اليّ.. لا أعرف حتى كيف وجدتُ الجرأة لأخبره بكل ذلك، لكن من الواضح أنه ينصت باهتمام...
ـ اذا هوما اللي جاو يعرضوا في المساعدة.
ـ اي، بالطبيعة.
ـ و كمال هذا علاش ما تكلمتوش عليه؟
ـ احنا يا موسيو ما نحبوش ندخلو في المتاهات هذه، احنا نحبو ننشطو على رواحنا بعيد على المشاكل، كان باش تجيب مشاكل، فاش قام؟ و زيد في بالنا خدمتهم انهم يعاونوا الطلبة و النوادي.
لم أشأ أن أذكره أن كمال هو عمله هو و ليس عملي. لم أشأ أن أقول له إن في كل كلية "كمالا" يقيم مملكته الخاصة فوق صمت الطلبة و جبنهم.. لكنه بادرني بالملاحظة :
ـ يا ولدي، كنت طالب و نعرف. في كل كلية ثمة كمال، عامل مملكته وحده فوق سكوت الطلبة و خوفهم.. كيف ما تتكلموش على حقهم ما يعاونكم حد.. باهي، و كيفاش تعاركتوا مع "الاخوة"؟


**********

"...حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، لقد قامت الصلاة..."


كنت قد اطلت وقفتي الصامتة على الركح بحثا عن التركيز، اطالة الصمت لا يجب أن تفوت حدا معينا، لكن سمية و أماني يحتاجان دوما الى اجراءات استثنائية.. على أنني لم أكن جدّ مركز على الدور و أنا أقيم الصلاة فوق الركح، تحت الاضاءة السيئة للقاعة، فقد كنت أتابع عيني "الأخ" الجديد الذي يتابع المشهد الأول علّّني أقرأ ما يدور بخلده.. إن عملا مسرحيا جامعيا يبدأ برقصة غريبة، ثم اقامة الصلاة، يكون دوما مستفزّا، أو هكذا تعودنا، لكن الفتى لم يبدُ منزعجا، هذا جيد، لأن ما سيحدث بعد قليل قد يزعجه حقا.. عموما لا أمل له لو حاول محاججتي.. ها قد دخل "عَمري"...
مشهد قصير متسارق النسق، يبدأ هادئا غامضا يصبح دراميا كوميديا ، أو هكذا أردته، قليل الكلام كثير الحركة و الانفعال، و هو ما يناسب عصبيا مثلي. ثم تتالى المشاهد، تقطعها ضحكات سمية الهادرة، أو تساؤلات أماني الوجودية عن مكان طبق الخوخ، أو تصفيفة الشعر المناسبة للعرض، لكن بدا أن الجميع متحمس للعمل، جاهز لموعد العرض..


"أخي.."
ها قد أزمع على الحديث أخيرا، و التفت اليه متسائلا : " ها، عجبك مشهد فلسطين؟"
" ما شاء الله، حلوة برشة، يبارك فيكم."
"هيا باهي، اش قولكم تتلهاو بالتنظيم مالة؟"
"سبحان الله، هذا هو اللي حبيت نقوله لك. ديجا، بدينا نحضرو في بعض اللافتات اللي باش نعلقوهم. كان تحب ايجا شوفهم."


لافتات؟! تذكرت انهم تنظيم طلابيّ، و أن عشقهم للشعارات بات حالة مرَضيّة، و لكن أية شعارات سترفع في عرض مسرحيّ؟
"أيا تفضل."
دخلت معه إلى مكتب صغير استطاعوا حيازته من الادارة ـ بينما لا يزال نادينا مشرّدا بين قاعات المعهدـ و بادرت بتحية الحاضرين. طبعا أجابني الجميع بأحسن منها، فالأخلاق أمر حيويّ بالنسبة لهم... ثم إن الفتى اشار إلى لافتة معلقة كبيرة الحجم و قال :" طالب مسلم و لا يستسلم! اش قولك؟"
كنت لا أزال مندهشا من اللافتة الأولى حينما رفع في وجهي لافتة أخرى تقول :"الابداع يقف حينما تبدأ البدع"
أي هذيان هذا؟!
"خويا، الشعب مسلم هذه ارفعوها في الانتخابات الجاية اش مدخل المسرح؟"
"لا أخي عاد، هذه مختلفة، هذه : "الطالب مسلم" ما ناش خارجين على الموضوع"
"شوف، سامحوني الاولاد، لكن نادي مسرح ماهوش نادي شعارات، هذه شعارات ايديولوجية و عبارات لا علاقة لها بالمسرح. لذا زايد راهو، موش باش نعلقو شيء، توة في اخر العرض نشكروكم. و اكة هو. السلام عليكم."
و غادرت محنقا مخلفا صمتا رهيبا ... ترى أية إجابة أنتظر؟


**********
ـ لحظة! بالحق ما عندكمش مقر؟ وين تنشطوا؟ المسرح تعبير جسماني و يحتاج للمساحة.
ـ موسيو انت أول مسؤول يعرف الحقيقة هذه! كان عندنا مقر، سكروه باش يخبوا فيه "بعض الاغراض"... عنا مساحة محترمة في قاعة ما يقراوش فيها دائما.. و كل مرة في قاعة.. على الاقل تعلمنا اللي المسرح تمارسه حتى في الشارع كيف تحب.. المسرح عقلية!

ابتسم و سألني : "باهي، و شنية كانت اجابة "الاخوة"؟"
**********
"إنهم يمثلون عزرائيل و يتهكمون عليه! إنهم يمثلون عزرائيل عليه السلام! هذا ناد يهين هويتنا الاسلامية!"
"الطالب مسلم! و لا يستسلم!"
طبعا لا يعلمون ان المسلمين يسمونه "مَلك الموت" و ليس عزرائيل، لكن كانت كل الشعارات التي رفضتها حاضرة هناك، امام قاعة المسرح، و كان المدير ساخطا غاضبا، لا يدري ما يفعل ليهدئ هؤلاء الغاضبين ـ الذين لم يكونوا غاضبين بالأمس ـ بينما توجه الينا المشرف على النوادي بكلام رقيق من نوع :" و انتوما، باهي المشاكل اللي تعملوا فيها؟؟! زايد حرية التعبير هذه في الجامعة، تعطيونا سكريبت و بعد تعملوا سكريبت أخر؟!"
و رغم هتاف شهاب البريء "تي مازالنا ما مثلنا يا monsieur و السكريبت مديناه لك هو بيده."
فإن الرجل واصل كأنه لم يسمعه " كل عام هالمسرح عامل لنا مشكلة، باش نسكروه و فكوا علينا!"


تكبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر!
كنا في موقف العاجز تماما، شيء أشبه بأحد قرابين الـmaya البشرية في "Apocalypto" حينما يرى قلبه ينتزع من أحشائه.. كذلك لخّص شهاب الموقف بعبارته الخالدة :"تحححححححححـ****ـلنا"


"اش يهمكم فيهم يا رفاق! حرية التعبير ما نتسامحوش معاها احنا، عاملين ثورة لواش؟!"
من قال هذا؟ شاب وسيم، كث اللحية، طويل الشعر، في عينيه تحدّ و تمرّد لا يمكن أن تخطئهما.. كانت عينا شهاب أبلغ بكثير من أي استفسار كنت سألقيه على الفتى، لذلك أشعل سيجارة جديدة، و اخذ نفسا عميقا و راح يصرخ بطريقة اعتدنا عليها في السنة الفارطة :" الطاااااالب...  ثوري أو لا يكون! و و المسرح... كان دوما في تونس العزيزة.... وسيلة تمرد... المسرح... تعبير حرّ! احنا يا رفيق نشد على أيديكم و نقولووووو لكم... ناضلو من اجل حرية التعبير! ناضلو ضد الظلامية!" و التفت الينا و قال " اسمع! غدوة ايجاو و توة نفضوها لكم المشكلة، و باش تُعرضوها المسرحية باش تعرضوها!"


و عندما لاحظ أن نظرة شهاب لا توحي بشيء من التحسن، اضاف : احنا المنظمة الطلابية المنافسة بالطبيعة!
*********
كنت أحاول أن أنقل إلى الرجل ما حصل بكل أمانة، لذلك لم يتمالك عن الضحك و أنا أحاول تقليد نظرات شهاب... نظرات شهاب، ضحكة سمية، هتاف ميرو، ملاحظات نادية، حضور نزار، ارتجالات سناء... هذه اشياء لا تقلّد حقا.. فقط لا يسعك الا تذكرها..
ـ اذا انت تقول أنهم ما عارضوش مالاول مضمون العمل، لكن عدم تعاونك معاهم هو اللي خلاهم ياخذوا موقف معاد.
ـ عليّ السرد و عليك الاستنتاج موسيو.
ـ لكن المحتجين مكثرهم ما يعرفش اللي دار بيناتكم.
ـ المحتجين مكثرهم ما يعرفش المسرحية على شنوة تحكي، و لو عرفوا راهم ساندونا. بالعكس، النص فيه معان منسجمة جدا مع الافكار الدينية في الاسلام. حقيقة الموت، حضور الموت، غفلة الانسان عن الموت و تهافته على الحياة.. الخ... لكن، وسط الفقر الفكري في الكليات و المعاهد، وسط عالم الاسقاطات الجاهزة، ساهل برشة باش تحرك مشاعر الناس.. مانيش ضدهم، لكن نتمنى أنهم يرفعوا شعارات الرفض بعد ما يتفرجوا.. باقل حشومة للجامعة التونسية!
ساد الصمت للحظات، و ظننته سينهي الجلسة، لولا أن قال :
ـ اذا، هكة تدخل "الرفاق" في الموضوع؟ حبوا يعاونوا.
ابتسمت و أنا أجيب :"قالوا ان هذا عملهم..."


*********
هذه المرة كان الاعتصام امام الادارة، و كان المشرف على الحياة الجامعية في وضع عصيب جدا، بالامس كان خائفا مالهرج الشديد، لكن اليوم، كان الهرج أكثر شدة، و كان عدد المتحمسين أكبر، و الاكثر تعاسة ـ للمشرف ـ انهم يحسنون الخطابة الى حد لا يطاق، الى حد ينذر بقدوم الصحافة، و كان ذلك آخر ما يمكن تمنيه!


كانت سلمى هناك أيضا! لا أدري منذ متى انظمت اليهم، و لا كيف اعتنقت أفكارهم، لكنها ترفع الشعارات و لعلها ـ على خجلها المعتاد ـ ستفاجئنا بخطبة ترتجف لها عرصات المعهد! ان الثورة تغير كل شيء حقا!

المشرف يحاول التفاهم مع هؤلاء، يحاول أن يجد لغة ديبلوماسية للتفاهم، و كانت "أين رئيس النادي؟" ترتفع من حين لآخر، لكنني لأ اجد لنفسي نفعا وسط هذه الفوضى! كان "الرفاق" يحتشدون حوله، كل منهم يمطره بوابل من الشعارات عن حرية التعبير، و كان من الواضح أنه يريد ان يستجيب لو تُقدم له ضمانات بعدم اثارة المشاكل..


"نحن نعرفوهم واحد واحد، ما نخليو منهم حد يدخل للعرض! احنا ضد المنع بالطبيعة لكن هؤلاء الظلاميين مادام باش يمنعوا حرية التعبير، مادام منعهم مالدخول هو انتصار لحرية التعبير! هذا علاش قامت الثورة!"


و تعالى التصفيق وسط تمتمة المشرف بأنه موافق و على الله الستر!
*********
"أنت بالحق قلت هكة؟!"
"شنوة قلت زادة؟"
"ما سمعتشي السيد شنوة يحكي توة في البوكس؟!"
و البوكس طبعا هو مقر نادي راديو المعهد، و هو في كثير من الاحيان نشط حينما لا يجب أن يكون نشطا. لذلك أخذت كلام رامي مأخذ الجد و تبعته إلى الراديو، ميرو كانت تجلس مع الرفيق، المتشنج الذي يروي بكل حماس كيف أن نادينا معاد للظلامية!
" يا ولـ.. يااااا رفيق! شنية هالجدلية المادية اللي دخلتنا فيها؟! يهديك يصلح رايك!"
أجاب في حماس "الجدلية المادية موش هذا مفهــ..."
"يا ولدي مالي و مال المفاهيم عيش خويا، بارك الله فيك على مساندة حرية التعبير اما لاني انسلاخي لاني ظلامي، انا طالب و نحب المسرح، نعبر باللي عندي في مخي، و اللي كتبته موش معادي للدين بالعكس جوهر الدين بالنسبة ليّ كيف نذكر الناس بالموت، كيف نقول لهم اللي الموت حاضر ديما بيناتكم.. استعملت الكوميديا خاطر هذيكة لغة الخطاب توة كيف ما كانت في وقت مالاوقات لغة الخطاب هي الرومانطيقية و الرومانسية بزايد سكر. اما ما عنديش يا خويا حتى موقف معادي من حد، اخطانا مالمشاكل عيش خويا!"


اتسعت عيناه و اجابني بطريقته الـ"متمردة" :
"هكة؟! المسرح لغة التخاطب... الوحيــــدة... اللي بن عليّ.. ما نجمش يحصرها! المسرح... اللي... كان مستقل... و دافع ... عن المتحجبات... المسرح... متاع عليّ بن عياد.. و الفاضل الجعايبي، و جليلة بكاااااار... و محمد دريس... يولي اليووووم، بعد الثورة... ينقل افكار دينية! وين كنتو قبل الثورة؟ شبيكم ما عبرتووووش كيف كان الحاكم يصول و يجول في المعاهد؟ المسرح اللي ما يخوضش معركة ضد الظلامية، هو مسرح جبااااااااان... هو مسرح ما تتشرفش بيه الثورة!"


"تي هاك مظلمها انت علينا!"
لكن صرختي ضاعت وسط تصفيق لا أعلم من أين جاء، لكنني علمت أن غدا عصيبا ينتظرني!

و الغد للاسف يأتي بأسرع طريقة ممكنة، و أكثرها ضجيجا! كنت كالهارب تقريبا، و الايدي تتقاذفني، و صراخ "الرفاق" يملأ الدنيا كالعادة، بينما تكفل بعض "الاخوة" بالرد عليهم بكل حماس و قد بلغهم أن نادي المسرح "قد تاب إلى الله" !
عمري لم يتوقف عن الضحك طبعا، ان الموقف لا يحتمل شيئا آخر، بينما كان المشرف يلعن كلمة المسرح حرفا حرفا... ميرو تصرخ بي أن احاور الصحفية التي تقوم بالتغطية...


"ألم تقولوا أن المسرح يتعارض مع الاسلام؟"
كيف أجيب هذه الحمقاء عن سؤال كهذا؟ جذبت ميرو من يدها كي نبتعد، بينما أخذت الصحفية تؤلف جوابا "منطقيا" تماما كما نفعل نحن حينما نضع ارقاما وهمية في حصص الاشغال التطبيقية...


هنا سمعت ميرو تصرخ :
"ياي! كاتب الدولة جاء باش يفضها الحكاية! يحب على ممثل لنادي المسرح في بيرو المدير!"
هذا ما جاء بي إلى هنا!!
**********
ـ باهي. نتصور عندي معلومات كافية باش نقدم تقرير للوزارة بخصوص اللي صار.  اذا حسب ما فهمت، انتوما تراو أنكم ضحية مزايدات سياسية؟
ـ وين ترى في السياسة موسيو؟ انا نحكي لك على زوز تنظيمات طلابية مفروض هدفها مساعدة الطلاب، موش استقطابهم.
ـ لكن الاختلاف حالة طبيعية، مالة باش ثورة؟
ـ الاختلاف طبيعة في الانسان موش هدف في حد ذاته. الناس بطبيعتها مختلفة، و الهدف هو التفاهم رغم الاختلاف.. هذا شنوة في بالي. ما ثمة حد يحاول يفهم الاخر، كل واحد يحب "يقتل" الاخر.. و يستقطب الناس باش يكون اقوى..  انا نرى في كرة قدم موش سياسة.. في كرة القدم وحدها يلزمني ما نكونش محايد، في كرة القدم وحدها يلزمني نبرر المردود السيء و اللعب الرديء، في كرة القدم وحدها تكون الشتيمة هي لغة الحوار!
ـ ممتاز. شكرا على التوضيحات الكل.
قالها و هو يلملم اوراقه، ثم أضاف مبتسما : و اطمئن، نهارين ثلاثة، تتحل المشكلة.
أخيـــــــــــــــــــــرا!
تنهدت في ارتياح و انا انحني لالتقاط الورقة التي سقطت منه حين هم بالخروج، فأسرع يتناولها مرتبكا و ابتعد. اما انا فقد خرجت شاردا اعلن الخبر الذي تنتظره الشلة.. و وسط فرح الجميع، تراقصت عبارة التقطتها عيناي رغم سرعة ممثل الوزارة..
".. و مادام حضور هذه الاطراف السياسية في الحياة الاجتماعية بمثل هذه الصبيانية، فنفور الناس سيكون مآلهم، و لن يتأخر حزبنا كثيرا في العودة الى الساحة..."

و في غمرة شرودي، صرخت شريفة دون ان تتخلى عن ابتسامتها الاسطورية :" هيا توة شنوة نعملو؟"
فابتسمت و قلت "شيئا من المسرح."
تونس، منزل بورقيبة
20 ـ 31 كانون (ديسمبر) 2011


01 نوفمبر, 2011

مباركة : آمال عريضة




فاجأتنا العريضة، قبل أن تفاجئ الآخرين... فاجأتنا العريضة، و جعلتنا نتلفت حولنا في ارتياع، و نبحث بعيدا عنا، عمّ حصل، كابوس رهيب أحس به كثيرون، ربما الفائزون بالانتخابات قبل الخاسرين.. بعضنا كان يضحك ساخرا من تصريحات الهاشمي الحامدي منذ يومين او ثلاثة بشأن حيرته بين الاقامة في قرطاج او في ضاحية شعبية. و بعضنا الآخر لم يسمع عن حزب الهاشمي الحامدي الذي ساند قوائم العريضة الشعبية المستقلة (مثلما ساند حزب العمال قوائم البديل الثوري مثلا) . لكن الغالبية العظمى لم تكن تعرف شيئا عن العريضة الشعبية، بل و سمعت من يتساءل في حذر : من هو الهاشمي الحامدي؟!

طبعا لن أنطلق من هذه النقطة، فلا يهمني الكثير عن تاريخ الهاشمي الحامدي و تاريخ اذاعته المستقلة سوى كونها كانت قبلة كل المعارضين، و محط اهتمام التونسيين، قبل ان يقع الهاشمي في غرام ليلى بن علي و تقواها و يقتل كل تجربة اعلامية معارضة من بعده.
سأبدأ منذ ذلك اليوم الذي نزل فيه ممثل حزب المحافظين التقدميين ضيفا على برنامج ساحة الاحزاب.. كان واثقا، معتدا، يتحدث عن الدكتور الهاشمي الحامدي حديث الواثق المتيقن من نتيجة الانتخابات. و انتظرت الهاشمي في الحملة الانتخابية، انتظرته في الاعلام التونسي، فلم أر منه شيئا، و اعتقدته أنه لم يكن جدّيّا تمام الجدية في ما يذهب اليه، و رسخ ظني حينما سمعت حديث الحامدي على قناته، و  حيرته بشأن مسكنه الجديد. كنت مستغربا أن يصدر عن رجل مثله كلاما كهذا. أ أصيب بلوثة عقلية؟ لم يكن كذلك قط. أي لعبة يلعبها؟ طبعا لم أتخيل أن يوم الاحد كان قادما باجابة سريعة جدا..
لماذا نجح الحامدي و فشل آخرون؟ هذا هو السؤال و التفسيرات الكثيرة لم يشأ أصحابها أن يتعاملوا مع الافكار الاخرى التي قد تمسّ منهم و تنتقدهم، لكنني هنا أؤثر أن أبحث في جميع الاسباب التي تظافرت لانجاح العريضة.

التجمع :
تقول سهام بن سدرين الصحفية المختصة في تتبع التجمعيين و البوليس السياسي و اقتفاء آثارهم، ان العريضة يقف وراءها تجمعيون و يسهرون على انجاحها. و دعمتها هيئة كمال الجندوبي باسقاط بعض قوائم العريضة. العريضة مدعومة بالتجمعيين لا من خلال ممثليها فحسب، بل من خلال عملية الدعاية اليها. فقط التجمعيون يعرفون مسالك تونس المظلمة. وحدهم التجمعيون يحسنون الغوص في أعماق البلاد، و يسيطرون على العمد و الشيوخ، في القرى و الأرياف. وحدهم التجمعيون يملكون القدرة على التجميع و التسويق في مناطق كثيرة قليلة السكان، لكنها مجتمعة قد تمثل قوة انتخابية لم يفكر فيها الكثير من الاحزاب.
من المعروف أن التجمع أخرج من رحمه احزابا كثيرة لا قبل لنا بحصرها، يقودها ولاة و وزراء و قيادات تجمعية سابقة يسهل كشفها، هل كانت تلك خطة التجمعيين لتمويه الجميع و العمل سرية؟ لا أخال ذلك. أعتقد أن التجمع لعب على كل المستويات الممكنة. كثرة الاحزاب تعطي فرصة اكبر من المقاعد. اللعب على الجهويات لها مفعولها أيضا و هو ما قدم 5 مقاعد لكمال مرجان. لكن رهان العريضة الشعبية كان الاكثر فاعلية. لماذا؟ لأسباب أخرى.

الأرياف :
أغلب الأحزاب التونسية تعمل في المدن. أعتقد أن الأمر عاديّ تماما، فكل الاحزاب تقريبا حديثة النشأة و لا تزال في مرحلة البناء و تأسيسي المكاتب المحلية. من الصعب جدا أن تنجح الاحزاب اذا في الدخول الى الأرياف فما بالك بتأسيس قواعد بشرية لها. أما العريضة، فكان ذلك موجودا و جاهزا للاستعمال أيضا.
لم يصل خطاب الكثير من الاحزاب الى الارياف، و بعض الاحزاب اكتفت بزيارات عابرة في حدود ما تسمع به امكاناتها المادية، و اكتفت بتوزيع منشورات على أناس لا يقرؤون أصلا. منشورات لا يعيرها الناخب اهتماما حقيقيا حين عملية تقرير المصير.
هل اعتقدت الاحزاب أن الارياف بضعف كثافتها السكانية، لا تمثل قوة انتخابية كبيرة؟ ربما. ربما فكرت جميعها بهذا الشكل، و تقاتلت من اجل اقتسام غنيمة المدن، بينما كانت خلايا العريضة تعمل منفردة في هذه المناطق.
أما الاحزاب التي تتهم العريضة و تهاجمها، فتقول اليوم انها لم تر العريضة في الحملة الانتخابية. أجيبها ببساطة، ان العاطل عن العمل، المستلقي في مخدعه، لا يمكنه أن يرى عمل الآخرين.

الإعلام :
لم تكن الاحزاب المنافسة فقط من عمي عن هذه الارياف و المناطق، بل الاعلام أيضا. الاعلام في الواقع لم يتنبه للارياف فقط، بل لم ينتبه الا للمدن الكبرى الثلاثة لا غير. كان اعلاما متقوقعا جدا في استوديوهاته، يناقش الاحزاب الشُوس العارفين، بعضهم يتحدث بصوت الحكمة و بعضهم يتحدث بصوت الثورة، و ربما يتحدث الاخرون بصوت الشعب. و لا أحد فيهم زار الشعب أو عرف احتياجاته.
حينما قدمت قناة "حنّبعل" مشاهد من جولتها حول المدن و الأرياف المغيّبة، فزعنا و اعتبرنا خطابها استهبالا للمواطن، و قامت عرائض احتجاج من جندوبة و من مدن اخرى رفضا لشكر باعث القناة، و ترشيحه رئيسا من الكثير من الناس. و لم يدر بخلد أحد منا أن الامر يتجاوز التمثيلية الرخيصة، الى  مطلب حقيقي من أناس وجدوا لأول مرة في حياتهم من يلتفت اليهم و الى معاناتهم. لم يدر بخلدهم أن التلفاز الذي يرون فيه تونس الغريبة عنهم، جعلهم لأول مرة تونسيين.
مارس الإعلام اذا اضطهاده المعتاد لاغلب مناطق الجمهورية و لم يزرها الا لو حدث طارئ، اما الاكثر خطورة، فهو أنه لا يتبنى خطابهم، بل مثلي أنا الآن، يعتمد خطابا يحضر فيه الجمع الغائب بكثافة، فأعظم سكان تونس "هم" و سكان المدن التي توجد فيها اذاعاتنا و قنواتنا "نحن"! كان خطاب "هم" و "نحن" حاضرا بصفة ضخمة لم يتنبه اليها احد "منّا" ربما لأننا "نحن"!
هذا الاعلام لم يصور حملات العريضة الشعبية، و صورتها بعض الهواتف منذ أفريل|نيسان الماضي، فتبيّننا أن العريضة قدمت حملة شعبية عادية جدا، لم تكن في جنح الظلام، و لم تكن تقدم المعونات الضخمة كما رأينا الاتحاد الوطني الحر، و لا "الاعمال الخيرية" التي تقوم بها النهضة "بدون مقابل"..
و لأن الاعلام التونسي الرائع لم يلتفت الى تونس و اهتم باستوديوهاته و ما جاورها، فهو لم يعلم بالظاهرة التي تسمّى عريضة، و لم يستدع أيّا من ابنائها، و هنا يمكن لي بشيء من الخيال أن أرى جماعة العريضة يقدمون برنامجهم الخيالي امام اعين الناس، فيجيبهم بعض الخبراء و يثبتون لهم (ان صدقوا فعلا كلام الحامدي) و لمنتخبيهم استحالة ما يذهبون اليه.
و لأن الاعلام التونسي الوطني، مقروءا و مسموعا و مرئيّا بات غريبا عن البلاد، يتحدث بلغة لا يفهمونها، يستعمل ألفاظا فرنسية كثيرة "يتوه" معها المواطن خصوصا اذا ما انحشرت ـ مجانا ـ في كلام النخب (حتى يبدوَ اكثر نخبوية ربما، او ربما لأنه بالفعل لا يعرف لغة القوم الذين يواجههم بالخطاب)، فقد كانت القطيعة بينه و بين التونسيين (و هنا حينما اتحدث عن التونسيين، اعني "هم" )، و كان التفسير لعدد الناس الذين تسألهم الاذاعات عن الانتخابات فيجيب تلك الاجابة الشهيرة "ماني فاهم شيء من هالانتخابات."
لكن الاعلام استمر طبعا في مسايرته للنخبة، و كأنه ينتظر من المواطنين ان يتحولوا بين عشية و ضحاها الى اكاديميين، او حملة شهائد او على الاقل اصحاب تعليم ثانوي. الحقيقة غير ذلك.. الحقيقة أن 23% من التونسيين لم يقرأوا في حياتهم كتابا. و الحقيقة أن نسبة الأمية لاتزال مرتفعة، و الحقيقة أيضا ان تونس ليست فرانكوفونية برغم كل ما ذهبنا فيه من فرنسة.
بين عتمة الاعلام و تعتيمه، جاءت العريضة بعيدا عن عدسات الكاميرا، بعيدا عن المعارضين، بعيدا عن من يكشف للناس حقيقتها، فقدمت خطابا كان أيضا سببا رئيسيا في نجاحها.

الخطاب :
من الممتع أن أتخيل عم حمد، الرجل الطيب في حومتنا، و أمامه الهاشمي الحامدي و حمّة الهمامي يحاولان اقناعه ببرنامجيهما و تصوراتهما للمستقبل. عم حمد ليس أميّا و لا جاهلا، بل يملك السيزيام، و يطالع ما أمكن له أن يطالع. أتخيل أمامه حمّة الهمامي الذي سمع أنه شيوعي (لم يصل به الحد الى قراءة رأس المال و لا عن المادية الجدلية)، يحدثه عن المسار الثوري، و صندوق النقد الدولي و النضال التقدمي، صراع الطبقات، و جمهورية البروليتاريا و الكادحين (و هو كادح جدا بالمناسبة)، ثم أتخيل الهاشمي الحامدي يخاطبه بلهجته البوزيدية و كلامه الشعبي، فيختصر له المسافة و يقول له الصحة بلاش، و النقل بلاش للكبار، و نزيدو في تسكرة الطيارة و غيرها كيف ما تعمل تونيزيانا، الخ الخ... اي خطاب منها سيقنعه؟ طبعا الثاني، على الاقل، هو لن يذكر شيئا من خطاب الاول سوى انه خطاب شيوعي (ملحد و هي فكرة تظل في باطن الشخص و قد تطفو احيانا).
قد يكون لعم حمد بعض التحفظات بشأن الاشخاص المرشحين عن البديل الثوري في جهة بنزرت، لأنه يعرف بعضهم و يعرف شهرة مقاعدهم في حانات المدينة، (و هو ما يعتبر عيبا عند التونسيين ـ هم ـ مرة أخرى). لكن ماذا عن سليانة، و ماذا عن قفصة، و ماذا عن سيدي بوزيد؟؟؟ الم يكن كبار مناضلي اليسار مثلا يعولون كثيرا على هذه المناطق؟ اين رأينا حمّة يقود حملته الانتخابية؟ كيف لم يحط علما بشعبية العريضة في تلك المناطق؟ كيف لم ير علامات الاستغراب في وجوه القوم و هو يحدثهم حديثه الذي ساقه؟
التجمع قاد العريضة الى تلك المناطق، لكنه لم يشتر الاصوات ( على الاقل لا اخاله يملك ثمن كل هذه الاصوات) بل أقنعهم و انتصر على اليساريين مثلا الذي كانوا في الميدان نفسه و عادوا بمقاعد ثلاث مثيرة للشفقة.
للخطاب قيمته، الخطاب الذي يتوجه مباشرة الى الصحة و النقل و ضروريات الحياة التي يحلم بها المواطن التونسي، بدون مواربة و لا تخف وراء لغة ايديولوجية غير مألوفة للأذن التونسية. قد يقول المرء ان خطاب الهاشمي الشعبوي هو في نهاية الأمر ضرب من التحيل، بل هو الاحتيال بعينه، و هو أمر لا يتجادل فيه اثنان، لكن الخطاب الشعبي لا يتناقض مبدئيا مع الواقعية و تقديم البرامج الدسمة. قد لا يفهم عم حمد مصطلح العدالة الاجتماعية، لكنه يفهم نتائجها : الصحة في متناول الجميع، ليس مجانا و ليس غدا، لأن ذلك غير ممكن، و لكن يجب توفير المال للدولة أولا، و لتوفير المال للدولة، يجب ان نقضيَ على السرقات، و يجب أن نتخلص من الديون. و كي نقضي على السرقة، يجب أن نحاسب السارقين، و كي نحاسبهم يجب أن نوفر قضاة شرفاء. اذا يجب أن نبدأ من القضاء، الخ..
التونسي ليس غبيا، حتى و ان لم يقرأ كتابا في حياته، فهو حتما ليس غبيا و هو حتما يمكنه ان يستمع اليك، و يفهمك، لو قدمت له خطابا قابلا للفهم، لو قدمت له برنامجا بلغته التي يفهم. بل ربما تكون اللغة عاملا في استمالة التونسي و الظفر بمودته، في ظل احساسه بالعزلة و الاختناق و التهميش من قبلـ"نا" نحن، "المتحضرون" أصحاب اللغة الراقية، او اللغة "التقدمية" او "الحداثية" أو "الاسلامية"..
لقد عبر إبراهيم القصاص عن ذلك أحسن تعبير حينما هاتف الهاشمي الحامدي على قناته، و أكد له أنه يعمل جاهدا من اجل اقناع قبلي بالتصويت للهاشمي، لا حبا فيه، بل نكاية و شماتة في الاحزاب الاخرى التي تنزل ضيفة على القنوات التلفزية، فتقذف مشاهديها بما شاء لها ان تقذف من بغائها الخطابيّ و تعاليه، فلا هو يفهم شيئا و لا عائلته تفهم شيئا، سوى أنهم غرباء تماما عن وطنهم كمعظم اهاليهم.


قداش تتحملي يا مباركة -- جمهورية قبلي المستقلة -- from ibrahim chedli on Vimeo.


ان ما حدث في الواقع، هو مجموعة من الظروف البريئة و غير البريئة التي اجتهدت و تعاونت، لا كي تكسر عرس الانتخابات، بل كي تعرّي حقيقة فاتت كثيرين منا. تونس كانت لنحو 20% من سكانها، بينما يعيش الاخرون في ظلنا. تونس ليست ساحلا سعيدا و داخلا منكوبا، بل ان التعساء بيننا، يعيشون في ظلنا، قد تقابل بعضه في طريق عملك، فلا تتساءل البتة أية حياة تراه يحياها، و اية لغة تراه يتحدث بها، و اي فكر يعتمل في نفسه، و اية آمال بسيطة تجول في خاطره.. ان ما حدث هو أن الهاشمي الحامدي كشف لنا ـ في لوثة ركضه وراء السلطة ـ عن وطن نغتصبه من أصحابه باسم "مباركة"...





20 أغسطس, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ "حدت"


و يسمى أيضا حزب نجيب الشابي، و أعتقد أن التعرف على الحزب يمرّ عبر التعرف على هذا الرجل تحديدا.

في الواقع لا يمكن سرد كل تجربته السياسية هنا، و لكن اختصارا، برز اسم أحمد نجيب الشابي منذ الستينات كعضو في منظمة أفاق الاشتراكية قبل أن يتعرض هو رفاقه الى جملة من الاحكام بالسجن و الاقامات الجبرية خرج منها سنة 83 بتأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي مع "الانفتاح" الرسمي على التعددية الحزبية، أترك لكم حرية استنتاج توجهاته من خلال ما صرح به الشابي أنذاك في ندوته الصحفية : ‫

" وينهض مبدؤنا الاشتراكي على ‫أساس ملكية المنتجين أنفسهم لوسائل الإنتاج الكبرى، ووجوب تسييرهم لها،‬ ‫وأن حركتنا تنتسب إلى الفكر الاشتراكي العمالي العالمي، ولهذا فهي ترى، أن ‫الطبقة العاملة مدعوة إلى أن تلعب الدور القيادي في عملية التحول هذه من‬ ‫الرأسمالية إلـى الاشتراكية، الذي ننشده .. ولذلك فإننا نعمل على إقامة نظام ‫اشتراكي قوامه الديمقراطية.” ‬

و رغم التطور الحاصل في بعض مواقف الشابي التي كانت أكثر راديكالية في ما مضى، فإنه حافظ نقاط مشتركة مع قوى اليسار، مبينا معاداته لقوى الامبريالية "أمريكا و الكيان الصهيوني" و مطالبته بشراكة اكثر فاعلية مع الاتحاد السوفياتي.

كما ظهرت حينئذ جريدة الموقف، التي كانت فيما بعد خير معوّض لصحيفة الرأي الشهيرة، و كانت بشكل ما صداعا لأجهزة الدولة التي حاولت قمعها أكثر من مرة فيما بعد..

لكن لنعد إلى الخط "التقدمي" الذي سار عليه نجيب الشابي، فبعد محاكمته سنة 87 كأغلب قوى المعارضة، صادق بعد استلام بن علي السلطة، على الميثاق الوطني شأنه شأن بقية الاحزاب (باستثناء حمة الهمامي حينئذ) و أبدى تجاوبا مع النظام الجديد ـ القديم، ربما أكثر من غيره من القوى السياسية آنذاك، و كان أن أُرسل أحمد نجيب الشابي مبعوثا شخصيا من بن عليّ الى الخليج لتبيين موقف الدولة من حرب الخليج. و هو ما يوحي بضرب من التماهي بين موقف الحزب و موقف الدولة.

و لكن الغزل لم يستمرّ، خصوصا حينما أدرك الشابي أن التجمع الدستوري لا ينوي تشريك اي حزب اخر في الحكم، و بعد سكوته على تزوير انتخابات 89 و سكوته على عمليات قمعية قام بها النظام في تلك الفترة، اعلن الحزب عن تخليه عن مساندة النظام سنة 91 حينما بدأت محاكمة الاسلاميين...

و بغض النظر عن الدوافع وراء هذا التغير ـ ان كان بالفعل ادراكا متأخرا جدا لحقيقة النظام، أو خيبة امل في نظام امطره وعودا ـ فإن مقاومة الحزب طيلة فترة بن علي كانت واضحة و لا يمكن نكرانها، و كحزب معترف بوجوده كان الطرف الاقسى على النظام، و كانت صحيفة الموقف تمثل نورا خافتا وسط ظلمة الاعلام التونسي طيلة السنوات الثلاث و العشرين التجمعية.

لكن لنعد إلى مسيرة الحزب، فقد تركناه ذا نزعة اشتراكية واضحة معادية للامبريالية الامريكية، و تنتصر للقيم الشيوعية، لكن ذلك بدأ يتلاشى مع مرور السنوات، خصوصا مع انضمام العديد من المناضلين من تيارات ايديولوجية اخرى الى الحزب، و بدا أن خط مقاومة الدكتاتورية أكثر أهمية من الخط الاشتراكي.. لقد تحدثت تقارير كثيرة عن التقارب بين الحزب الاشتراكي التقدمي (الذي تخلى في مؤتمر 2001 عن تسمية اشتراكي، و أصبح الحزب الديمقراطية التقدمي ـ حدت) و الادارة الامريكية. و لكن ما قد يسترعي الانتباه، هو خيارات الشابي في تلك الفترة، فبعد دورتين متتاليتين على رأس الحزب، تخلى “طواعية” عن رئاسة الحزب (ربما كان بمقدوره المواصلة دون معارضة من أحد) تكريسا للمبدأ الذي يناضل من أجله، و تولت مية الجريبة الامانة العامة منذ ذلك التاريخ الى اليوم، و لكن ظل الرجل هو المرشح الوحيد للحزب في رئاسيتي 2004 و 2009 و ان قوبل بقمع السلطات..

لقد تغيرت افكار الحزب تدريجيا لتقترب أكثر من الافكار الراسمالية و الليبرالية، و بدا أن همه الاول ليس الاطاحة بالنظام كما كانت الاحزاب الممنوعة حينئذ كالنهضة و قوى اليسار الراديكالي و بعض التيارات القومية، بل ايجاد مكان وسط النظام لتغييره من الداخل و كأنه بذلك يقدم تخيّلا جديدا لمصطلح التقدمية، مخالفا للمعنى اليساريّ المألوف...

و أعتقد أن ذلك كان يفسر إلى حد ما القبول الحذر لخطاب بن علي في 13 جانفي، فقد اعتبرها فرصة جيدة جدا للمشاركة الفعلية في الحكومة بعد طول انتظار، و قد كانت تلك أول قراءة خاطئة للاحداث منذ بداية الانتفاضة. و قد تتالت القراءات الخاطئة...

ـ انضم الشابي إلى حكومة الغنوشي المثخنة بالتجمعيين من رفاق بن علي في حركة تعكس مدى وعي الحزب بمتطلبات الثورة...
ـ تواصل بقاء الشابي في الحكومة رغم المطالب الشعبية آنذاك التي كانت تطالب بتغييرات جذرية، و الغالب انه اعتبرها مطالب حزبية من اولئك الذين تحالف معهم في الماضي و لم تسعفهم وضعيتهم القانونية اليوم في التواجد في صلب الحكومة (العمال، المؤتمر، النهضة)
ـ ظهور الشابي المتكرر في القنوات التلفزية كممثل عن الحكومة، في وقت أكد فيه انه اختار وزارة الشؤون الجهوية لأنه "رجل ميدان" .. لم يزر الا منطقة واحدة حينئذ..
ـ بعد اعلان السبسي ان اعضاء الحكومة لا يمكنهم الترشح للمجلس التأسيسي، استقال الشابي من الوزارة، في خطوة أكدت سعي الشابي الحثيث وراء أي منصب قيادي كان.
ـ انتقل الشابي بعد ذلك إلى مساندة الحكومة بطريقة غريبة، و الى المساهمة في خلق تصادم تونس بين مؤيدي حركة النهضة و معارضيها، في وقت لم يتم فيه التخلص بعد من الخصم الذي تحالف بسببه مع الحركة الاسلامية في الماضي.

ـ دعا الحزب الى تهدئة الاجواء و الى معاداة النهضة باعتبارها العائق الوحيد امام التحول الديمقراطي، و الى مساندة الحكومة، و الى انهاء كل اضراب يحدث.
في المقابل تجاهل الامور التالية:

+ ملف القناصة

+ ملف الهاربين

+ ملف الداخلية

+ ملف ضحايا الانتفاضة

ـ قدم الحزب برنامجه مبكرا و قدم خلاله اهدافا مهمة دون أن يقدم السبل و الحلول لاغلبها (ضمان استقلالية السلط)
ـ توازيا مع البرنامج الانتخابي بدأ الحزب حملة دعائية منذ شهر افريل تقريبا، مخالفا بذلك القانون الذي يقر ببدء الحملة قبل 3 اسابيع من الانتخابات.
ـ في الوقت نفسه، تعرض الحزب بالنقد الشديد للبرنامج الذي قدمه عبد الفتاح مورو في رمضان على حنبعل في وقت كانت نسمة تبث اعلانه.
ـ شهد الحزب أوسع حركة استقالة جماعية في صفوفه خلال ماي و جوان، و السبب الرئيسي كما يبدو التفرد بالرأي و اقتصار القرارات على بعض الاعضاء من المكتب السياسي، و هو ما رد عليه الحزب بتوسيع نطاق المكتب السياسي، و بعض التغيير في هيكلة الحزب..
ـ من خلال محادثتي لاحد شباب الحزب، فإن هناك انعدام تواصل بين المكتب السياسي الذي كثيرا ما يتلقى معلومات مغلوطة تماما و بين اعضائه الناشطين الذين يبلّغون احيانا المعلومة متأخرا، او لا يبلغونها اطلاقا مما ينعكس على بيانات الحزب و مواقفه..

ـ كثر الحديث عن عمليات استقطاب الحزب للكوادر التجمعية، و أيضا للمواطنين عن طريق الوعود او الحشد الرخيص وقت المؤتمرات، و لا نملك في الواقع دلائل قطعية على وجود هذه الممارسات، و لكن اغلب الظن أنها بالفعل موجودة من خلال تأكيدات اطراف عديدة لا يجمع بينها شيء، و فيهم من المستقلين كثيرون..

لا أعرف ان كنت قد ألممت بكل ما يمكن ذكره في خصوص الحدت، لي مقال بشأن برنامج الحزب، و لكن استنتاجي الشخصي، ان الشابي فهم "التقدمية" بالغالط، و بعد ان تدرج من اليسار الراديكالي الى يسار اقرب لليبرالية، تحول من محارب للديكتاتورية الى باحث عن السلطة بشتى السبل. يفهم الشابي الديمقراطية على انها تنافس بين "عدة" تيارات سياسية على السلطة، من يفوز بالسلطة؟ في حين أن المجلس التأسيسي يتطلب تعاون التيارات جميعا من اجل بناء مقومات دولة يمكن ان يستقيم فيها التنافس. رغم كل ذلك يتواجد "حدت" في مقدمة استطلاعات الرأي بعد حركة النهضة، ربما بسبب ماضيه النضالي، و ربما ايضا بمساعدة تجمعية تعلم جيدا طرق الوصول الى مناطق لا تملك ترف تحليل المشهد السياسي.. ربما ينجح الحزب التقدمي في تحصيل نسبة لا بأس بها من الاصوت، لكنني متأكد أن صوتي لن يكون من بينها.

الصورة مفبركة، و هي رمزية و ليست توثيقية


29 يوليو, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ النهضة



سأدخل مباشرة في الموضوع، قراءتي، كمتابع بسيط لا أختص في الجيوبوليتيكا و لا في الصحافة السياسية، لخارطة الاحزاب في تونس. و لأن حركة النهضة باتت تمثل مشكلا ضخما، و لغزا كبيرا، فقد آثرت أن أقدم قراءتي بشأن هذه الظاهرة منذ البداية. و أعتذر عن طول المقال.
تمثل حركة النهضة المشكلة الرئيسية في المشهد السياسي التونسي، أو لنقل هناك من يريدها كذلك. معطيات كثيرة يجب أن نستحضرها حتى نقيّم بشكل دقيق ـ أو على قدر لا بأس به من الدقة ـ وضعية هذه الحركة حاليا. لذلك سأحاول الاختصار قدر الامكان، و قد أضع بعد ذلك تباعا استطرادا أطول لكل معطى من المعطيات.

+ منذ بداية النهضة العربية سنة 1801 كما اعتبرها توفيق الحكيم (افاق العرب على صوت مدافع نابوليون)، و العرب يبحثون عن طريق او اتجاه يخطون خطواتهم فيه. فقامت أساسا فكرتان.
1 ـ التغريبية التي تعتبر أن الحل الأمثل للنهوض بالامة، هي اتباع الغرب تماما في كل ما يفعل، فما دام قد تقدم و تطور منتهجا هذا النهج، فهو حتما النهج الصحيح.
2 ـ الأصولية التي تعتبر أن الحضارة العربية الاسلامية قدمت كل مقومات النهوض بالامة، و ان اتباع خطوات المسلمين الاوائل بحذافيرها هي الوسيلة للتطور و التقدم.

بعد ذلك بدأت تظهر حركات توازن بين هذا و ذلك، و إن مال بعضها الى هذا الجانب دون ذلك و العكس. اذا حركة النهضة تقوم على فكرة غير محدثة و لا جديدة و لا مبتكرة، بل هي طبيعية جدا، توجد في كل المجتمعات العربية. و لئن قامت مستندة الى الفكر الاخوانيّ، فهناك من يعتبرها امتدادا للحركة اليوسفية (الاكثر التصاقا بالواقع التونسي).
+ حركة النهضة تعتمد اساسا عن افكار حسن البنا، و سيد قطب و غيرهم من الاخوانيين المصريين, و أيضا من الفكر الزيتوني، و هو (الزيتوني) فكر مشهود له بالاتزان و الاعتدال. و من الطبيعي على كل حركة اصولية ان تسعى إلى تأصيل كل الافكار المعاصرة و ايجاد اصول حضارية لها في وسطها. اذا من الطبيعي أيضا أن تسعى الى استعادة فكرة الخلافة و لو على منظور بعيد جدا، على أساس انه كان رمزا للحضارة الشرقية. و هو لا يعني طبعا استعادة مؤسسة الخلافة بموبقاتها، و لكن لها رمزية لا تخفى على احد. قراءة الواقع التونسي اليوم، تثبت أن المجتمع بعيد جدا عن هذه الافكار، لاسباب كثيرة منها المتغيرات العالمية، و تكوين الاجيال الجديدة، الخ.. اذا تبحث حركة النهضة على المدى المتوسط او البعيد، الى اعادة ترسيخ فكرة الانتماء و الانطلاق من الهوية. سلاحها في ذلك ـ لا ازدواجية الخطاب كما يقرؤها كثيرون ـ و انما التعرف على افكار جديدة حول العالم، من التجربة التركية الى الماليزية، إلى الكتابات الاسلامية الحديثة.
لا تسعى النهضة اذا الى فرض افكارها على الاخرين، و انما الى تأصيل الافكار المعاصرة (الديمقراطية، حقوق المرأة، حرية المعتقد، نبذ العنف، الخ) و الى اعادة الاعتبار الى مقومات الهوية التونسية و الى المنظومة الاخلاقية.

ـ هنا تبرز مشاكل حركة النهضة، فعلى المستوى العمليّ، لم تستوعب حركة النهضة بعد ان المنظومة الاخلاقية قد تغيرت في تونس بفعل الفاعلين. و أن أفكار النهضة باتت في معظمها دخيلة على المجتمع و ان مؤشر الاعتدال قد مال الى اليسار قليلا بالفعل. و هي بسبب ذلك تظل محافظة على الصورة المتزمتة التي قد ينفر منها التونسيون.

ـ ان عملية تغيير المجتمعات لم تكن يوما وظيفة السلطة التنفيذية، و هو أمر لم تستوعبه النهضة اطلاقا. فهي تعتبر أن الحكم هو الوسيلة الوحيدة للـ"نهوض" بالمجتمع و هو أمر سيربط بين "وجوب النهوض بالامة" الطويلة الامد، و بين الامساك بالسلطة التنفيذية القصيرة الامد. و هو ما يفتح بابا للدكتاتورية. على النهضة ان تدرك أنها لن تحكم وحدها و أن المجتمع تعددي فعلا، و انها لذلك لن تفعل اكثر من التأثير و الشد الى اليمين قدر المستطاع. و ان من يريد أن يغير مجتمعا، فهناك أسلحة أقوى من الحكم كثيرا.

ـ اولى الاسلحة هي الفن، و الفن البديل ليس غائبا عن الحركة، لكنه فقير، معدم، لا جديد فيه. إن اي حركة ثورية تريد التغيير تنطلق أساسا من افكار نظرية متينة، تشد أنظار الفنانين و الادباء، فيدعمونها و يثرونها و يجعلونها بفنهم خبزا يوميا للعامة، حتى تطغى تلك الافكار على العقليات و يصبح التغيير نابعا من الشعب لا من منبع الحركة الثورية. كذلك انطلقت الثورات الغربية، و كذلك انطلقت الثورة البلشيفية، و لذلك أيضا ستعدم حركة النهضة من أية نتيجة حقيقية. فالتنظير الذي انطلقت منه الحركة، مجرد افكار و ان كانت قيمة، ليس شاملا، و في الواقع لا يمكن لأستاذ فلسفة مع احترامي الشديد، ان يقدم دراسة معمقة للواقع الاجتماعي و الاقتصادي، و النفسيّ و لا يمكن أن يقدم قراءة تاريخية حقيقية كتلك التي قدمها كارل ماركس منذ قرنين. لم يستوعب علماء الدين و من بعدهم الاصوليون ـ الا قلة قليلة منهم كمالك بن نبي ـ أن العصور تغيرت، و ان العلوم الانسانية كالتاريخ و علم النفس و الاجتماع و الاحصاء الخ، ليست مجرد علوم تعتمد للمعرفة فحسب، بل هي علوم تعتمد للبناء، و للاستشراف.
و لأن التنظير كان سيئا، فإن تأثيره كان ضعيفا، و حتى من آمنوا بافكار الحركة، لم يرسخوها بالفن. و هو ما جعل الاصوليين يكتفون بالاحتجاج على الافكار الفنية المعادية (فيلم نادية الفاني، النوري بوزيد..) و في أحسن الاحوال، قدموا فنا مساندا على درجة من الفقر و الضحالة أضر بالحركة أكثر من أن افادها (سايكو أم) قبل أن يتوجهوا الى الاستيراد (سامي يوسف، مسعود كورتيس)..
ـ الأكثر تعاسة أن يتجلى هذا الفقر الفني و الفكري في أعضاء الحركة أنفسهم، فمعظم أعضاء الحركة ـ على مستوى القاعدة الشعبيةـ ينتمون الى النهضة على اساس أنها حركة اسلامية و السلام، لا يعنيهم في ذلك افكارها و اتجاهها و قراءتها للدين و الواقع و التاريخ. و في الواقع لم تهتم الحركة بتأطير ابنائها ـ على كثرتهم ـ التأطير الفكري المناسب، و هو ما أحدث فوضى ضخمة على مستوى اتخاذ القرارات الفردية و الطائشة التي تحسب على النهضة حتما. و في الواقع لا يمكن لوم هؤلاء حينما نسمع مثل هذه الشطحات عن بعض القيادات التاريخية كمنصف بن سالم، و حتى راشد الغنوشي نفسه. و ربما كان لزاما على القيادات الفتية الحقيقية في النهضة (الوريمي، ديلو، البحيري، الخ) أن تتدخل لمنع تراكم مثل هذه الشطحات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كل ذلك يجعلني أستنتج أن النهضة كحركة تحاول أن تقدم فكرا جديدا، بعيدة جدا على التغيير الحقيقي. و أن عليها أن تتطور قبل ذلك. هذا لا يمنع عنها الحق في الدفاع عن افكارها بشراسة، و هو ما تقابل به برفض قطعيّ و ممانعة من قوة معادية سأتحدث عنها لاحقا.
يقول واقع ما بعد الثورة، أن النهضة تريد الحكم فعلا، أو على الاقل تريد أن تكون طرفا فاعلا في الحياة السياسية و في اتخاذ القرار، و هي تواجه بمقاومة شديدة من قبل قوى بعضها يتشدق بقيم التسامح (tolérance) و قبول الآخر، و هو يسقط في أول امتحان جدي في ذلك.
كما أن المقاومة تأتي من طرف ثان يحاول تقسيم البلاد الى شقين، و يحاول ايهامنا ان المشكلة الرئيسية اليوم هي الاسلاميون، و هو للاسف ما وقع في فخه كثيرون. لكن، لحسن الحظ، هناك قلة ممن يقرؤون التاريخ و يحسنون الاستفادة من تجاربهم المريرة، فحمّة الهمامي زعيم حزب العمال، يحاول عبثا التنبيه الى ان الصراع لا يتعلق بمن مع الاسلاميين و من ضدهم، بل ان الصراع هو بين القوى الديمقراطية و بين من لا يريد الديمقراطية. و كلنا نعرف أن من لا يريد الديمقراطية لا يقصي أحدا.
لذلك فكل تصرفات حركة النهضة تعكس تخوفها الشديد من اقصائها. حركة النهضة تخشى أن تجد نفسها اقلية معدومة في المجلس التأسيسي، فتتكالب عليها القوى المعادية لها، فتعلن دستورا لائكيا و تمنع الاحزاب ذات المرجعية الاسلامية تماما. هذا الخوف له ما يبرره، و هي لذلك تعتبر أن أولويتها المطلقة هي الفوز في الانتخابات. لذلك تسبّق التعبئة الضخمة على التكوين الجيد. و لذلك جاءت قرارات النهضة متوازية جدا مع المسار الثوري. في الواقع كانت سياستها معادية للقوى المضادة للثورة لا أكثر، و مادامت معادية لأعداء الثورة، فهي اذا متوازية مع المسار الثوريّ. و لذلك أيضا حاولت أن تنقذ ما يمكن انقاذه من خلال القصبة 3، لكنها حينما احست ان كل ثقل التضحية ستحمله وحدها تراجعت. ما يهم النهضة ليس الثورة نفسها، بل أن يكون تمثيلها قويــا، و في سبيل ذلك عليها ان تحارب قوى البوليس، و قوى الحكومة و من وراءها، و قوى الاقصاء، لذلك هي مجبرة على اتباع المسار الثوريّ. كما أنها للسبب ذاته، تحاول كسب كل أطراف الضغط الممكنة، الولايات المتحدة، اموال الخليج، بعض القوى السياسية التونسية (العمال من اليسار الشيوعية مثلا)، و حتى التجمعيين الذين يتواجد منهم كثيرون في الحزب اليوم، حاملة شعار : شخص سيء، هو في الواقع صوت اضافي!
قراءة أخرى يقدمها الصحفيّ الصافي سعيد، تتمثل في دور الولايات المتحدة و الخليج العربي في دعم الحركة. و هي قراءة تنتطلق من ملاحظة الاحداث الحاصلة في العالم العربي ككل. يعتبر الصافي سعيد أن الولايات المتحدة تحاول انتهاج فكرة المصالحة مع التيارات الاسلامية المعتدلة ـ الاخوان في مقابل الجهاديين ـ و تمكينهم من الحكم على اراضيهم و حصرهم هناك حتى يحتووا الحركات المتطرفة من خلال الايديولوجيا نفسها (الاسلامية). و هي في ذلك تحاول نسخ المثال التركي ـ حيث يحكم الاسلاميون بحماية عسكرية للقيم الجمهورية بدعم من دول الخليج التي قد تستفيد كثيرا من ذلك بانتقال واجهة الاستثمار من أوروبا إلى دول الخليج. تدعم إذا دول الخليج خصوصا حركة النهضة من اجل هذه الاسباب. و هي أسباب لا تعجب كثيرا المتفرنسين مثلا الذين سيعتبرون الحرب ايديولوجية اكثر منها اقتصادية.
من يعادي المسار الثوريّ ظنا ان النهضة وراءه هو شخص أخطأ قراءة الاحداث تماما. من الطبيعي أن تحاول النهضة التأثير على المسار من اجل انجاح مصالحها، و الطبيعي ان يدعم المرء هذا المسار مسلطا الضغط حتى يدعم ذلك مسار الثورة وحدها لا غيرها. أما أن نترك الثورة و نكتف أيدينا فقط لأن النهضة هناك، فهذا هو مرض الحقد بعينه.

أما بخصوص الانتخابات، فأعتقد أن وجود النهضة في المجلس التأسيسي أمر ضروري جدا لاحداث التوازن المناسب في المجلس، فالنهضة تعكس آراء شريحة ضخمة من الشارع التونسي، فضلا انها تمثل جبهة مقاومة التفرنس و الانسلاخ.
لكن لا يجب أن تتمكن النهضة من غالبية الأصوات. لأنه في ظل افتقار الحركة كما ذكرت الى متائن فكرية و فنية، فإن الانزلاق نحو الدكتاتورية سهل جدا، حتى و لو لم تشأ الحركة نفسها.


بسم الله الرحمان الرحيم


"أملي أكبر من جهدي، و جهدي أكبر من موهبتي، و موهبتي سجينة طبعي، و لكنّي أقاوم.."
توفيق الحكيـــم

ـ هذه مدوّنة أدبية، عربية، لا حدود لها، و لا ضوابط إلا مخيّلتي..
ـ هذه المدونة لا تحفل كثيرا بالاشكال الهندسية مثل الخطوط الحمراء..
ـ هذه المدوّنة مشفوعة بطابع الجودة "حلال"..
ـ هذه المدوّنة لا تبثّ أعمالا حصرية، و كل من يريد الاقتطاع منها، فليفعل و ليذكر المصدر..
ـ هذه المدوّنة تريد أن تضيف شخصا إلى قائمة الكتاب العرب، و عشرات من الأشخاص إلى قائمة القراء..
ـ هذه المدوّنة ترحب بكل سهام النقد و إن طالت واضعها، ما خلا النقدُ من الشتيمة المجانية..
Iori Yagami
10/9/2008