Tuesday, October 18, 2016

إذا جاء عصر الدّلو

يقول المنجّّمون أنّ السماء مجزَّأة إلى اثني عشر برجا من النجوم. ويقولون إنّ مصائر الإنسان رهينة البرج الذي تسبح في فلكه الشمس. ويقولون إنّ الشمس حين تكمل دورتها على كامل الأبراج، تبدأ دورتها الجديدة في الاتجاه المعاكس. ولكنّ المنجّمين يختلفون في أمر العصر الفلكيّ الذي نعيش فيه اليوم. هل انتهى عصر الحوت بالفعل؟ هل بدأت الدورة العكسية التي طال انتظارُها وهل دخلنا في عصر الأكواريوس (برج الدلو) أم أنّ التغيير الكبير لم يحدث بعد؟
يحاول المخرج البرازيليّ كليبير مندُنسا فيلهو عبر فيلمه الجديد آكواريوس Aquarius أن يخوض على طريقته في هذا السؤال.
لا يتعلّق الفيلمُ بالأبراج والنجوم كما خمّنتم. نحن في مدينة رسيفي Recife الساحليّة البرازيليّة. هناك تعيش كلارا Clara وحيدة بعد أن توفّي زوجها وغادر أبناؤها واحدا بعد آخر ليواجهوا أقدارهم. لكنّ كلارا التي تجاوزت الستين، لا تشعر بنهاية حياتها بعدُ. إنّها لا تزال هناك، تحافظ على لون الحياة في شقّتها البسيطة رفقة معينتها العجوز، وتحافظ على رشاقة جسدها بفضل إصرارها الدائم على السباحة رغم مخاوف السبّاح المنقذ الشابّ الذي بات صديقَها، وتحافظ على ضحكتها بفضل صديقاتها اللاّتي يؤنسن سهراتها أحيانا. لا تشعر كلارا بنهاية حياتها بعد، ولكنّها لا تستطيع أن تمنع الذكريات من أن تتسرّب إلى روحها. تذكر شبابها حينما يعلن ابن أخيها أنه سيأتي بحبيبته القادمة من ريو دي جانييرو للعيش معه، تذكر أمومتها حين يطلُّ أطفالها الكبار بمشاغلهم ونصائحهم عديمة الفائدة، تذكر مهنتها حين تجيء الصحفيّة المبهورة لتجريَ تحقيقها مع كلارا الناقدة الموسيقيّة الشهيرة. وحتّى الشقة لا تبخل عليها بالذكريات، وهي التي عرفت فيها أجمل أيّامِها وأمرَّها. وحين جاءها السيّد بونفيم Bonfim وابنُه لإقناعها بالتخلّي عن الشقّة لفائدة مقاولاته التي تستعدّ لمشروع عقّاريّ جديد، لم تكن كلارا مستعدّة للتفاوض. حاول الإبنُ جيرالدو بكلّ الوسائل لفت انتباهها فلم يفلح. ولم يبدُ أنّ شهائده الأمريكيّة وحماسة الشباب المتوقّدة فيه، وطموحه، كانت قادرة على إقناعها. وإذا بكلارا النّزيلة الأخيرة في مبنى أكواريوس (بعد أن بيعت كلّ شققه بالفعل)، تواجه أصنافا غريبة من القمع والتحرّش للمغادرة. وبدا أن استماتتها في مقاومة هذا المدّ الرأسماليّ الجارف، كان أشبه باستماتتها حين تغلّبت على سرطان الثدي منذ ثلاثين سنة خلت.
اُختير فيلم آكواريوس ضمن النخبة الرسميّة لمهرجان كانّ (Cannes) السينمائيّ لهذا العام. ورغم أنّه لم يظفر بجائزة ما، فقد ترك بصمته في المهرجان، خصوصا عندما وقف فريق العمل قبيل عرض الفيلم حاملين لافتات مساندة للرئيسة البرازيليّة ديلما روسيف Dilma Rousseff، ومتّهمين الحملة ضدّها بانقلاب على السلطة الشرعية، وعلى أصوات الناخبين. والفيلمُ نفسه لا يخلو من تلميحات بشأن الحالة السياسيّة الجديدة في البلاد، بعض المتحمّسين ذهب إلى أنّ كلارا تجلٍّ فنيّ لديلما، وأنّ شركة بونفيم ليست إلاّ شكلا مجازيّا للوبيّات السياسيّة التي تسيّرها عصابات المال والأعمال. طبعا هذه مقاربة مفرطة في الحماس، وهو ما أكّده المخرجُ مندُنسا فيلهو Kleber Mendonça Filho. فقد شرع في كتابة القصّة قبل ظهور أزمة ديلما روسيف بالفعل. وشخصيّة كلارا لا يمكن أن تكون ظلّا لأية شخصيّة أخرى، خصوصا بعد الأداء الاستثنائيّ لسونيا براغا Sonia Braga.
لقد كان حضور سونيا طاغيا في الفيلم. حتّى وهي تغادر إطار المشهد، تكاد تشتمّ رائحتها فيه. وبدا كأنّ مندُنسا لا يجعل كلارا محورا للقصّة فحسب، بل للفيلم أيضا. ولقد أثّرت شخصيّة الممثّلة سونيا براغا كثيرا في تشكيل هذا الانطباع. فهي نجمة سينمائية كبيرة في البرازيل، ولا يخفي مندُنسا الناقدُ السينمائيّ سروره بالظفر بفرصة التعامل معها بعد أن كان يكتفي بالكتابة عن أعمالها فيما ما مضى. وعبر سونيا براغا، بدت كلارا في إقبالها البهيج على الحياة، في حالة حرب دائمة: باردة، واثقة وقويّة، تبتسم لحلفائها وتنظر شزرا لأعدائها، ولا ينجح الأوغاد في إحباطها. كلارا التي حاربت السرطان وانتصرت، لاتزال تحمل على صدرها أثر انتصارها، ولا تزال تستمدّ من هذا الأثر قوّة شخصيتها وقدرتها على التجاوز ولو سبّب لها ذلك المتاعب. لقد كان جميلا كيف لم ينتقص غياب أحد ثدييها من أنوثتها، بل زاد من قوّتها، ولقد كان مدهشا كيف عبّرت براغا عن ذلك.
إنّ معركة كلارا مع السرطان ليست معركة جانبيّة في الفيلم بل هي معركة محوريّة امتدّت طويلا في الزمن. لذلك كان نسق الفيلم بطيئا. أراد مندُنسا للمَشاهد أن تأخذ وقتها مثلما ينبغي، وأن يعيش المتفرّجُ في ذاكرة البطلة وقتا لابأس به قبل أن ينتقل إلى حاضر السرد. كان مهمّا بالنسبة له أن نرى الماضي الذي تغيّر، أن نلحظ أثر التغيير في وجوه من ظلوا أحياء، وأن نستمع إلى من أصبحوا فيما بعدُ ألبوم صور لا أكثر. لقد كان وجودهم في ما مضى حاسما في المعركة الأولى، وكان مهمّا لكلارا أن تستحضرهم في معركتها ضدّ السرطان الجديد الذي يهدّد بيتها. إنّ المقاربة بين السرطان الذي نخر جسد كلارا وسرطان الشركة التي تريد أن تقوّض معالم حياتها، جليّ إلى كبير، وبلغ ذروته في مشهد مداهمة الشقق المجاورة المثير.
ولقد استغلّ مندُنسا هذه المقاربة بشكل عبقريّ ليصنع ازدواجيّة طريفة على مستوى المعنى. وبين جسد كلارا وبيتها، بين الزمن السعيد القديم، وزمن التغيرات المخيفة، يراوح المخرج بين أثرين للتغيير. فأمّا الأول، فتعبّر عنه كلارا في علاقتها بالجيل الجديد الذي ينمو من حولها، وفي صراعها من أجل الحفاظ على عناصر حياتها. لم يكن سهلا على هذه المرأة المثقفة البرجوازية أن تذعن لضرورة أن تشرح لأبنائها، ولأعدائها، بل ولعشيق الليلة، أنّ الستين لا تعني موتها، أنّ الحياة لا تزال حقّا مكفولا لها. لم يكن سهلا عليها أن تتجاهل ذلك الإحساس الممضّ بأنّ الآخرين ينظرون إليها كعجوز متصابية أو مخرّفة ترفض فسح المجال إلى الجيل الجديد.
تنتمي كلارا إلى جيل الستينات، ذلك الجيل الذي شبّ على ثورة أيار 1968، وموجة الهيبي والتحرّر الجنسي. وهو الجيل الذي يعتبرُ عصرَه بأنه عصر الآكواريوس The age of Aquarius، حتّى باتت العبارة مرتبطة بثقافة الهيبي بشكل كبير، كما عبّرت عن ذلك الأغنية الخالدة "آكواريوس/اتركوا أشعة الشمس تدخل" Aquarius Let the sunshine in. لكنّ سليلة عصر الآكواريوس لا تؤمن أنّ الإنسان يخضع للتغيير الذي يحدّده القمر وكوكب المشتري. إنّ التغيير لا يحدث إلاّ حينما ترفع قبضتها في الفضاء محتجة، وحينما تقول لا في وجه السرطان بأي شكل. أعتقد أنّ مندُنسا عبّر عن هذا الموقف الوجوديّ من خلال تلك اللوحة المثيرة التي هي كلّ ما يثير الانتباه في شقة كلارا : معلّقة لفيلم "باري ليندون" Barry Lyndon للمخرج الكبير ستانلي كيوبرك. إنّ سرّ وجود هذه المعلّقة يكمن في المقابلة الواضحة بين مصير باري ليندون (أو ربّما زوجته التي تظهر بشكل أوضح في المعلقة) ومصير كلارا. وفيما كان مصير باري ليندون طيلة حياته رهين الصدف كأنّ أبراج السماء تلهو به، بدا أنّ كلارا تتحدّى هذه الأبراج بعنادها. إنّ انتماء كلارا لعصر الآكواريوس كان محض اختيار، وبذات الإرادة الكامنة أيضا، قرّرت كلارا الوقوف في وجه عصر ما بعد الأكواريوس.
وأما الأثر الثاني للتغيير، فعبّر عنه البيتُ نفسه، لا من خلال محنته فحسب، وإنما من خلال رمزيّته كفضاء لم يتغيّر وسط مدينة كاملة تتغيّر. كأنّه آخر معاقل المقاومة، يحاول البيت الوقوف أمام مدّ التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبرازيل. ذات الشاطئ الذي كانت كلارا تذهب إليه ليلا رفقة أصدقائها، صار خطيرا وفارغا في وضح النهار. ذات الشاطئ نفسه الذي تفخر به مدينة رسيفي كلها، صار مقسّما إلى شاطئ للميسورين وشاطئ شعبيّ للآخرين، لا يفصل بينهما سوى قنال صرف مياه قذرة لأحد النزل الفاخرة. ذات الجيران الذين كانوا هنا، اختفوا في غياهب المدينة، تاركين بيوتهم لشركات التهجير ورياح التغيير. ذات العشّاق بوسامتهم الآسرة، ولكنّهم صاروا جبناء، ودغمائيّين. لقد كان التغيير الذي يطرأ على المدينة خفيّا وقاتلا، مثل السرطان تماما. ومثلما كان البيت مجازا عن المدينة، فقد كانت رسيفي مجازا عن البرازيل.

تعبّر فكرة عصر الآكواريوس عن وعي الإنسان بضآلة قدرته أمام اتساع الكون والزمن، وأنّه في نهاية الأمر يخضع لتأثير التغييرات الميكانيكيّة والماديّة في حركة التاريخ الذي يعيشه ويلاحظه. لكنّ مندُنسا فيلهو يحاول أن يحمّل التعبيرة الهيبيّة الدارجة ثقلا وجوديا طريفا بإعلانه أنّ الإنسان هو الذي يصنع تغييره وهو ما يُكسب حياتَه معنى. وبهذا التوجّه يصبح الفيلم دعوة أخرى للوقوف بوجه سرطانات التغيير، تلك القوى الخفيّة التي تعمل على التحكم في مصائرنا رغما عن أنوفنا، من خلف نظم وميكانيزمات ضخمة ومعقدة. تلك القوى التي تقسّم الرمل والبحر إلى شاطئ للأثرياء وآخر للفقراء.

ولئن أحببتُ هذا النفس الثوريّ الصّامت والضّمني في الفيلم، فإنني لم أرتح كثيرا للمقاربة التي اعتمد عليها. هناك أمام باب الشقة المناضلة، يتواجه جيلان مختلفان، كلارا بنت جيل "عصر الأكواريوس" المتحرّر والمتمرّد القديم، وجيرالدو ابن البرازيل الجديدة، سليل الشهائد الجامعية الأمريكية، وثقافة اليوتيوب، وكتب "كيف تنجح في سبعة أيام". وبقدر ماكانت كلارا عنيفة في المقابلة، كان جيرالدو لبقا رغم أنّ أفعاله لا تشبهه البتّة، فهو على كل حال الشخصيّةُ المعرقلة، أو الوغدُ في القصة. ولكن، هل إنّ جيرالدو وغد حقا؟ لقد كان جيرالدو يبحث أن يثبت ذاته في مجال عمله، أن يثبت أن الأموال التي خسرها والده في دراسته بالخارج لم تذهب عبثا، وكان "آكواريوس" مشروعا عقّاريا مهمّا بالنسبة لشاب مثله. أتحدث من منظور رمزيّ بحت هنا، فقد كان عناد كلارا أشبه بتشبث شخص قديم بالماضي بالفعل، ولم يكن من قيمة حقيقية للمبنى سوى ذكرياتها الشخصيّة وربما بعض من الرمزية الراجعة لبنائه في اربعينات القرن الماضي. ولئن المخرج لم يتوقف كثيرا عند قيمة البناء، ولم يبرز ذكريات كلارا إلا عند بداية الفيلم، وعبر صور فوتوغرافية لم توحي بالكثير، فلم يبد من موقف كلارا إلا ما يشبه تشبّثا بالماضي الذي لا يعود، معاندةً عبثيّة للزمن. إنّها تعيش حياتها بشكل أقرب إلى الازدواجية في النهاية : تسهر، تواعد، تسبح، تستمتع بالموسيقى وبالحياة، وتصل الرحم والأصدقاء، ولكنّها في الوقت ذاته، تستغرق في التذكر، وفي العودة إلى الماضي. أجد المفارقة بشكل واضح في علاقتها بالموسيقى. تقول كلارا إنها لا تستعمل الفونوغراف فحسب، وإنما لا تجد حرجا في مسايرة التطوّر التكنولوجيّ، وهي تستمتع بالموسيقى سواء على شكل MP3 أو أقراص فونوغراف. لكنّ كلارا لم تعد ناقدة كما يبدو، ولم تعد تعمل، وإنما تكتفي بالاستمتاع بتقاعدها. كأنّما العمل في الحقل الثقافيّ لا يحمل بين طيّاته شكلا من الالتزام الثوريّ الذي يتجاوز نظم التقاعد. لم تكن كلارا غير منتجة فحسب، وإنما فيما يبدو غير مهتمة كثيرا بالحديث عن الموسيقى، وما كان مهمّا في محاورتها للصحفية في بداية الفيلم، قصة أخرى من الذاكرة، عن قصاصة صحفية عن جون لينون كان ربّما آخر مقابلاته الصحفية قبيل اغتياله سنة 1980.
تناضل كلارا من أجل حقّها في الحياة، ولكنّها في الوقت نفسه ترفض استكمال أدوارها كلّها. تحاول معاندة الزمن الذي لا يعاند بينما تترك مقعدها الذي أعدّه لها شاغرا. من المؤكد أنه لا أحد يغلب الزمن، ولئن كانت اليوم قادرة على الرقص، فغدا ستصبح عاجزة بالفعل. ومن المؤكد أن الحياة لا تنتهي بالشيخوخة أو التقاعد، ومن المؤكد أيضا أنّ هذا العمرَ له سحره وقيمته، وله متعُه الصغيرة التي تظهر بمجرّد قبولنا بالتغيير. لقد بدا مندُنسا فيلهو في لحظة ما، كأنّه يخوض حربا جانبية مع جيل الحاضر الذي لا يفهمه، وبدت كلارا بشكل ما (بعيدا عن عدوانه طبعا)، كأنّها تحرم جيرالدو من حقّه في أن يصنع ذكريات كتلك التي صنعتها. أليس تعاقب الحياة عبر الأجيال سرّ استمرارها؟


الفيلم : أكواريوس أو برج الدلو Aquarius
المدّة : 142 دقيقة
النوع: دراما
المخرج: كليبير مندُنسا فيلهو Kleber Mendonça Filho
البطولة: سونيا براغا Sonia Braga

Saturday, March 12, 2016

الصنبة والمنڤالة

في هذا الوقت العصيب الذي تُختبر فيه صلابة الدولة وتماسكها عبر بوّابة مدينة بن ڤردان الحدودية، تبدو خزينة الدولة أكثر من أي وقت مضى عزما على اقتطاع ما يلزم من المال لتنفيذ رؤية سيادة رئيس الجمهورية لمدينة الغد : إنّها ـ تعريفا ـ المدينة التي عاد إلى وسطها تمثال بورقيبة المقلوع، أي أنها المدينة التي تشبه ماضيها.

لا أحد ينكر قيمة أن يعترضه نصبٌ ما وسط كلّ مدينة عند أهمّ مفترقاتها. وربما لذلك عزمت الدولة على تمويل هذه المشاريع بصفة عاجلة بينما تركت أمر الاهتمام بعائلات شهداء الجيش الذي يخوض حربا ويدافع عن البلاد، إلى التبرعات الشعبية العشوائية.
حسبة الدولة كالعادة ذكيّة وتثير الاحترام، ويبدو أنّ الرقم الذي قُدّم بخصوص استعادة تمثال العاصمة ليس من وحي الخيال. ستة مائة وخمسون ألف دينار، أو ما يفوق ثلاثمائة ألف دولار هو رقم متواضع جدّا بالمقارنة مع عظمة الإنجاز (وعظمة الرشاوي وكثرة الوظائف الوهميّة التي ستنجرّ عنه).

لكنّني لا أحبّ أن أتوقّف طويلا عند هذه المسائل الماديّة. أنا إنسان رومانسيّ جدّا كما تعلمون، ولستُ بذلك أشذّ عن من صرختُ مثلهم "خبز وماء وبن عليّ لا" قبل أن يذهب الخبزُ والماءُ وبن عليّ جميعا. ورومانسيّتي تحملني أن أبتلع ما بقيَ من قطعة الكرواسون، وأتأمّل بشكل أعمق في رمزيّة هذه العمليّة.

لقد كان بورڤيبة شديد التأثر بالحضارة الفرنسية، وخلافا عن غيره من المصلحين التونسيين، كان أعمق إدراكا للحضارة، وأبعد من اختزالها في المظاهر التي وقع في شراكها مصلحون كبار كأحمد باي. مع ذلك، لم يستطع الرجلُ مقاومة زهوّه بنفسه وبما قدّم لوطنه، فرأى أنّه يمثّل حريّة تونس بذات القدر الذي يمثّل به جول فيري Jules Ferry احتلالَها، وهكذا حُقَّ له أن يغيّر تماثيلَ مدبّر الاستعمار بتماثيلِه التي صوّرته في أشكال مختلفة (على صهوة حصان أو واقفا ينظر إلى الأفق بشموخ، وأشياء من هذا القبيل).
 إن من المعلوم أنّ الثقافة التونسية بحكم انتمائها للعالم العربيّ والإسلاميّ، لا تألف فنّ الصورة، ولا تمارسها إلا في حدود ضيقة جدا، وهذا ما جعل من التماثيل التي ركّزها الرئيس بورڤيبة في بعض المناطق (تونس، قصر هلال، منزل بورڤيبة، الخ) غير معبّرة بالمرة عن الهوية التونسيّة، كما تفعل تلك التماثيل الفرنسية المنتشرة في كل شبر من بلادهم. لقد اهتمّ بورڤيبة بتماثيله ونسيَ أن يهتمّ بفنّ النحت ويجعله أقرب إلى الجمهور وإلى الثقافة الشعبية.
لازلت أذكر ذلك التمثال الذي كان يتوسّط ساحة مدينتي، ولازلت أذكر كيف كان يبدو غريبا وباهتا، وبعيدا جدّا عن روعة التمثال الفرنسيّ الذي نصّب مكانه. لكنّه أيضا كان معبّرا عن تلك المرحلة. مرحلة الاستقلال بذات جديدة، وعنيدة، ومتحدّية رغم صغر سنّها وسذاجة معرفتها. ولازلت أذكر أيضا ذلك اليوم الذي أزيل فيه التمثال من أجل الانطلاق في مشروع جديد يحلّ محلّه، مشروع السابع من نوفمبر!

اِنتشرت ساعات بن عليّ ذات الوجوه الأربع في كل مناطق البلاد، عكس تماثيل بورڤيبة محدودة العدد، وأخذت تزحف في كلّ المفترقات، وصار المشهد واحدا تقريبا وإن اختلفت الأحجام. فلا تحظى كلّ المدن بذات التقدير ولا بذات النصيب من الأموال والرعاية. ولأنّ وسط العاصمة هو المكان الأهمّ في البلاد، فلقد حظي بأضخم ساعة كان يمكن لبن عليّ تخيّلها، كلّفت الدولة فيما أذكر نحو 18 مليون دينار (عدا الرشاوي بالتأكيد!). ولئن ظهرت بعض النّصب التذكارية المختلفة كلّما توفّرت الفرصة، فالأكيد أن الإصرار على "المنڤالة" الرديئة كان يعكسُ ما تتميّز به هذه المرحلة. لا وجه ولا روح، لا شكل ولا مضمون، تردٍّ مفزعٌ في الذوق والحسّ الجماليّ، اِنعدام تامّ للإبداع والخيال، وبراغماتية زائفة فضحها عجز كلّ تلك الساعات عن فرض الانضباط واحترام الوقت، بل إنّ تلك الساعات نفسها كانت عاجزة عن الإشارة للتوقيت السليم، وكثيرا ما تندّرنا باختلاف المواقيت في كلّ وجه من وجوهها الأربعة. كانت غاية بن عليّ من وراء الساعة بسيطة جدا، وتتلخص في السطو على مكان بورڤيبةمن دون إحلال ذاته بصفة مباشرة، فتغيّرت بعض شوارع الحبيب بورڤيبة إلى شوارع 7 نوفمبر (تاريخ انقلابه الشهير) وكذلك الساحات العامّة، أمّا التماثيل فعوّضت بالساعات، وعوّض رأس بورڤيبة في العملة بشعار الجمهورية وبذكرى الانقلاب. فكان دافع عمله الغيرة مثلما كان دافع بورڤيبة الانبهار.

ويبدو أن سيادة الرئيس فهم أغلب هذه المعاني، خصوصا وأن أوقات التأمّل في قصر قرطاج كثيرة جدّا. لقد رأى بتجارب السنين، أن ساعاتٍ غير ذات وجه، هي رمز للنظام البائد الذي ثار ضدّه التونسيون، وهي بذلك لا تعبّر عن روح الثورة بأية حال، حتّى لو أطلق على ساحاتها 14 جانفي. ولأنّه يعتقد جازما أنّ الثورة كانت ضدّ بن عليّ أساسا، ولم تكن ضدّ الهيكل المتراكم منذ 1956 ونسمّيه دولة، ولأنّه يعتقد جازما أنّ التونسيّ كان سعيدا مطلق السعادة حتّى جاء بن عليّ ليفسد كلّ شيء، فلقد عبّر عن ذلك باستعادة رمز تلك المرحلة. "نرجعو وين كنّا" هي الإجابة التقدّمية المستشرفة لتونس الغد، كما يراها السيد الرئيس ذي التسعين ربيعا. وليس انبهاره ببورڤيبة إلا جزءا من انبهار بورڤيبة بجول فيري، ولئن اختار الثاني أن يعبّر عن انبهاره بالتحدّي والتقليد، فقد اختار الأول أن يعبّر عن انبهاره كما تفعل القبائل الوثنية بأجدادها: تستحضرهم بطوطم.
الصنبة أم المنڤالة؟ أفضل التمثال طبعا، فلقد كان محاولة أولى تشجّع على المضيّ نحو شيء أفضل. أما سيادة الرئيس فلم يختر لا الصنبة ولا المنڤالة، بل اختار الطوطم المقدّس، الأب الذي قتلوه وصار ذنبه ملازما لهم حتّى العبادة.

تمثال ذكرى كارثة فرفاديت كان بمدينة فيريفيل (منزل بورڤيبة) قبل أن ينقل إلى فرنسا ويزدان وسط المدينة بتمثال  صغير للحبيب بورڤيبة
 

Sunday, February 28, 2016

العائد وهستيريا الأوسكار

"كلنا متوحّشون". يبدو أنّ هذه العبارة هي أجلّ ما يبقى في الذاكرة من الكلام الذي قيل في فيلم العائد The revenant، وهو كلام قليل جدّا بالمناسبة. وحتّى هذه العبارة لم ترد على لسان أحد شخصيات الفيلم، بل ظهرت بلغة فرنسيّة على لافتة معلّقة في مشهد كئيب محبط.

أجد في العبارة فاتحة لا بأس بها للحديث عن هذا الفيلم الذي شغل العالم وأثار اللغط بترشيحاته الاثني عشر لليلة الأوسكارات المرتقبة. فالعبارة الصامتة تحيل على سطوة الصورة على الصوت، أو على سطوة المحسوس على المدرَك، ما يفسح المجال لمدير السينماتوفرافيا إيمانويل لوبزكي والمخرج إينيارتو لاستعراض عضلاتهما التقنية كـ "وحشيْن" حقيقيّين في هوليود. وبعد كلّ العبقريّة التي أظهرها الرجلان في "الرجل الطائر" (Birdman)، بحثَـا في "العائد" عن تحدّ جديد خارج الفضاء المغلق، واتّخذا من ترويض شلالات كندا وجبالها الثلجية، هدفا جديدا. لا تدور قصة الفيلم في كندا أو الأرجنتين لكنّ إينيارتو اعتمد على أماكن خلاّبة في هذين البلدين لاستعادة مشاهد السهول الكبرى الأمريكيّة في منطقة داكوتا. أما الزمان، فهو بدايات القرن التاسع عشر، حينما كانت الولايات المتحدة تتشكّل فوق جثث أهالي القبائل الأمريكيّة الأصلية، وأراضيهم ومتاعهم. الفوضى والحرب والعنف هو ما يتسم به كل شيء في هذا المشهد الذي أصبح فيما بعد أقوى دولة في العالم: بعثاتُ الصيادين الأمريكيّين العسكرية لجلب الفراء الثمين من أعماق البرّيّة المخيفة، قبائلُ الآريكارا الأمريكيّة التي لا ترحم سارقيها ومغتصبي ثرواتها، التجّارُ الفرنسيّون الأوغاد الذين يستغلّون حاجة هذه القبائل للسلاح والأدوات المفيدة لعيشهم وحربهم، وقوى الطبيعة العاتية التي عبثا تحاول فسخ هذا المشهد الإنسانيّ القبيح.

كلّ شيء متوحش في هذا العالم، ولم يدّخر إينيارتو وصديقه لوبزكي جهدا ليعرض لنا تفاصيل هذه الوحشية. منذ المشاهد الأولى تنهال النبال والرماح على بعثة الصيّادين البيض من كل جانب في مشهد بانوراميّ مبهر، يجعلك تتلفّت من حولك خوفا من سهم طائش خارج الشاشة. تضطرّ البعثة للتراجع وترك غنائمها من الفراء. ويصرّ قائد البعثة أندرو هنري (دومنال غليسون) على الأخذ برأي دليله الخبير هيوغ غلاس Hugh Glass (ليوناردو ديكابريو) والابتعاد عن النهر وسلك طريق وعرة عبر الجبال الثلجية. لم يكن الجميع مؤيدا للقرار، ولم يخف جون فتسجيرَلد (توم هاردي) تبرّمه منه، خصوصا لما عُرف عن هيوغ غلاس من معاشرته لقبيلة الباوني وانجابه منهم ابنَه الذي يرافقه هاوك (فورست غودلك). ولكي لا أكشف عن مفاجآت الفيلم وأحداثه، أكتفي بالإشارة إلى أنّ الفيلم يتتبّع هيوغ غلاس في رحلته المذهلة وسط جحيم الطبيعة القاسية، وبجسد شبه محطّم، حتّى وصوله إلى المستعمرة الأمريكيّة وطلبه الثأر ممّن سبّب له كلّ ذلك الأذى.
هل هو فيلم أكشن؟ ليس تماما، لنقل إنه دراما عامرة بالمغامرة والإثارة. حيث تصبح القصة ثانويّة أمام تأثير عناصرها في نفس المشاهد. والعناصر هنا كثيرة، لكنّ أهمّها العمل الإخراجيّ والسينماتوغرافيّ المتميّز الذي قام به إينيارتو ولوبزكي. لن أدخل في تفاصيل التصوير، والتقنيات الحديثة جدا، وساعات التصوير المضنية في تلك الأمكنة المتجمّدة أو الخطيرة، ولكن لنتأمّل قليلا في النتيجة. لا أعتقد أنّ المشاهد سوف ينسى بسهولة مشهد الصراع مع الدبّ، وكم بدا واقعيا، وكم بدا مفزعا. تقول الأسطورة أن مشهد لجوء هيوغ غلاس (ديكابريو) إلى جثة الحصان والاحتماء بجلده (بعد نزع أحشائه) تمّ باستعمال حصان حقيقيّ. وهي طبعا لا تتجاوز أن تكون إشاعة مردّها قوّة المشهد نفسه وسطوته على مشاعر المشاهدين. أما مشهدي المفضل في الفيلم، فهو بكلّ تأكيد حينما تضرّع هيوغ غلاس أمام رجل الباوني المنكبّ على جثة البيسون، ليعطيه بعضا من اللحم، وكضبع شريد، حصل هيوغ على قطعة اللحم النيء وراح يلوكها في نهم. كما قلت فكلّ شيء متوحّش في هذه الصورة، ولكنّك لن تدير وجهك عنه. جمال البشاعة؟ كلاّ، بل هي سطوة البشاعة، وسيطرتها على الإنسان، تلذّذه الخفيّ بوحشيّته التي لم يتخلّص منها تماما، لأنّنا جميعنا متوحّشون، مهما أبدينا من تحضّر ومهما ادّعينا من قيم.

لا يبدو سهلا فهم الصورة الخفيّة من وراء مشاهد "العائد". سيكون طبيعيّا أن نقول إنّ الفيلم مجرد قصّة أخرى عن الانتقام، ومحاولة جديدة من المخرج المكسيكيّ لتجاوز نفسه واستعراض موهبته، والحصول على تمثال ذهبيّ جديد ربّما يملأ به فضاء متروكا في مكتبه. ولكنّ إينيارتو أثبت في كلّ مرة أنه ليس سطحيّا إلى هذا الحدّ، وأن له فكرته عن السينما وعن ما يريدنا أن نراه. في مستوى ثانٍ، يمكن أن نقول إنه جاءنا من كتب التاريخ ببعض مشاهد المجزرة. الأمريكيون البيض، يفتكون أرض الأصليين، ويسرقون فراء حيواناتهم التي يعيشون عليها، والفرنسيون يتاجرونهم فيأخذون منهم مقابل إرجاع أملاكهم التي سرقها الآخرون منهم، يغتصبون نساءهم، يتركونهم لليأس والانتحار، ثمّ يطلب من المشاهد أن يتأفف من طريقة أكل اللحم النيء البدائية، أو من مقاومة الهنود لهؤلاء البيض وقتلهم حيثما ثقفوهم. كلّنا متوحشون، لكنّ هناك من أجبر أن يكون متوحّشا، وهناك من اختار أن يكون كذلك. لقد أعلن ديكابريو أثناء تسلمه جائزة أفضل ممثل عن دراما في حفل الجولدن جلوب، أنه يهدي الفيلم إلى الأمريكيّين الأصليين الذين سقطوا ضحايا الحرب الأمريكية الهندية، ومجازرها المريعة. ربّما هناك فكرة أنّ هؤلاء هم شهداء الوطن الأمريكيّ، ولقد ماتوا في سبيل أن تكون أمريكا وطنا للجميع، وهي فكرة أكثر رومانسية ليتبنّاها شخصٌ متّهِمٌ بطبعه كإينيارتو. لذلك نجد أنفسنا في مستوى ثالث، حيث نلحظ هذا التقابل بين المنزع الواقعيّ الذي يسيطر على المشاهد وعلى ملامح الشخصيات، وبين تعمّد إينيارتو تغيير الكثير من القصة التي دوّنها التاريخ عن مغامرة هيوغ غلاس في سبيل البقاء. لقد جعل منه المخرجُ المكسيكيُّ، عنوانا للتزاوج الممكن بين الأمريكيّ الأبيض، والأمريكيّ الأصليّ. إنه ذلك الخيار الوسط الذي يحمي الأمريكيَّ الأبيض على حساب عدوّه حينا، ويحمي الأمريكيّ الأصليّ على حساب عدوّه الأبيض حينا آخر (قتله للضابط الأمريكيّ حينما هاجموا قبيلة الباوني، وحاولوا قتل زوجته). فلم يُعرف عن الرجل أنه خالط الباوني إلى حدّ الزواج منهم، وإنجاب هاوك، ذلك الحلم الأمريكيّ في شكل غلام وديع. ولم يعرف أنه أنقذ ابنة أحد زعماء الآريكارا من براثن الفرنسيّين. كان ذلك مجالاً لإينيارتو ليحلم، ويصنع أمريكيّا معاديا لجون فيتسجيرالد، الرجل الذي اختصر كلّ شيء سيء في أمريكا: القتل، البراغماتية الميكافيلية، الرأسمالية الإمبريالية، العنصرية، التآمر، الخديعة، الكذب… المصلحة الاقتصادية، قبل الشرف، وقبل الأخلاق، والتفكير العمليّ والمنفعيّ، يجعل من القيم الأخلاقية مسألة رجعيّة ومثيرة للسخرية. في حالة هيوغ غلاس، كان المنطق عقيما، ومخطئا، وتحولت حكمة فيتسجيرالد إلى جريمة قتل. وكان على الطبيعة الأمريكيّة القاسية، أن تنتخب أحدهما للبقاء، ولتمثيل أمريكا. نحن نعرف من بقيَ منهما، وكذلك إينيارتو، لكنّه أصرّ أن يحلم، واصل حلمه حتى النهاية، حينما (ويمكنكم أن تتجاوزوا هذا السطر لئلاّ تنكشف لكم أحداث مهمة) ترك قاتله للطبيعة نفسها لتواصل عملها الانتقائيّ الفذّ.
كلّنا متوحشون، لأنّ الطبيعة نفسها متوحّشة، عنيفة، ضاربة في العمق الإنسانيّ، وناحتة لأساس المجتمع. إنّ الفيلم من هذه الزاوية، عودة إلى جذور المجتمع الأمريكيّ ونفسيّته. وهي نفسيّة مقاتلة افتكّت بقاءها من براثن الطبيعة افتكاكا.

من المؤكد أن إينيارتو من يتوغّل كثيرا في هذه المقاربة التي أشرت إليها، ولكنّها كانت هناك. ومن المؤكد أيضا أن من زعم أن الفيلم معدٌّ أساسا لحصد الجوائز، لم يبتعد عن الحقيقة كثيرا، لكن من الإجحاف أن نختصر الفيلم في هذه الصورة. لقد وقع الفيلم ضحية نجاح إينيارتو، وربما أيضا ضحية نجاح ديكابريو، لو أنه تمكن من الأوسكار المنتظر.
لا أحد يجهل أمر الهستيريا الغريبة على الانترنت حول علاقة ليو بتمثال الأوسكار. فهو بنظر الكثيرين أكثر شخص حرم من الجائزة، وأكثر شخص ظلم في الحفلات السابقة. ولقد صارت الفكرة مسيطرة على الأذهان كلّما ظهر الرجل في فيلم جديد. وهو ما جعل التركيز منصبّا تماما على آدائه، وجعل من تقييمه أمــرا غير موضوعيّ بالمرة.
أولا، ليس ليو أكثر شخص ترشح للجائزة ولم يظفر بها. فقد ترشح بطل لورانس العرب، بيتر أوتول للجائزة ثمانية مرات، ولم يظفر بأية واحدة منها، كما ترشح ريتشرد برتن (من المرعوب من فرجينيا وولف؟) لها سبع مرات، بينما ترشحت غلين كلوز (100 كلب دالماس وكلب) ستّ مرات دون أن تظفر بإحداها.
ثانيا، لم يكن ليو مظلوما كثيرا في المرات التي حرم فيها من الأوسكار، بقدرما كان غير محظوظ، ويمكننا أن نعود إلى الترشيحات الأربعة الماضية لندرك ذلك. لقد كان دوره في فيلم مارتن سكورسيسي "ذئب وول ستريت" متميّزا، لكن من الإجحاف مقارنته بالدور الأسطوريّ لماتيو ماكونوهي في فيلم نادي دالاس للمشترين. حين أدّى الرجل دور مصاب بالإيدز، تنقلب حياته من العبث والفساد إلى الصراع من أجل قضية عادلة.
وفي سنة 2007، ترشح ليو عن دوره المتميّز في فيلم الألماس الدمويّ، وفاز بالجائزة فورست وايتايكر عن الدور الوحيد الذي سيذكره الناس به : الطاغية عيدي أمين في فيلم "آخر ملوك اسكتلندا". لا مجال للمقارنة، يمكنني أن أؤكد لكم ذلك!
أما في سنة 2005، فلقد قدّم ليو برأيي أفضل أدواره، وكان نقطة التحوّل في مسيرته الحافلة بالأعمال المتميزة. أتحدث هنا عن فيلم الطيّار Aviator ودور هاورد هيوغز الرائع. ومن غير شكّ فليو في ذلك العام كان ليستحق الأوسكار لولا فيلم Ray، وجهد جيمي فوكس الخرافيّ لتجسيد أسطورة البلوز الأمريكيّة الذي توفّي في تلك السنة، ويجعل القلوب كلّها تميل إلى كفّة جيمي.
أما أول ترشيح لليو، فقد كان عن دوره الثانويّ في فيلم ماذا يأكل جيلبر جرايب، وقد كان بعدُ فتى مغمورا ذي عشرين عاما، ولم يكن له حظّ أمام العملاق تومي لي جونز آنذاك حتّى وإن كان أفضل منه.

لقد عانى ديكابريو من سوء الحظ كثيرا، وأعتقد أنه في دوره الثانويّ في فيلم دجانغو، كان يستحق ترشيحا للأوسكار، ربما لو لم يطغ دورُ كريستوفر والتس على الفيلم حينئذ، حيث فاز الرجلُ بالأوسكار بالفعل. إن قسمات وجه ليو الحادّة، تُداهم الذاكرة بسهولة وتحفر لها مكانا فيها، مهما كانت الشخصية التي تجسدها. إن المشاهد يرى ليو، قبل أن يرى هيوغ غلاس، أو هاورد هيوغس، أو جوردان بلفورد. ربما يعطي ذلك انطباعا زائفا بفشل التقمص، أو ضعف الآداء، لكنّني أعتبر الرجل موهوبا بالفعل. وأعتقد أن دوره في فيلم العائد، يستحقّ الأوسكار لو فاز به، وليس مجاملة فرضتها هستيريا الانترنت، لأنه يجب أن ندرك أن تلك الهستيريا أفرزت أيضا هستيريا معاكسة جعلت الضوء مسلّطا بشدة على ديكابريو، ربما أكثر من اللازم.
لقد ترشح توم هاردي عن دوره في الفيلم نفسه، كأفضل آداء عن دور ثانويّ، وأثار الإعجاب كثيرا، رغم أنّ شخصيته وتقاسيم وجهه (إذا ما تجاوزنا الماكياج والزيّ) هي نفسها شخصية رون التي قدّمها في فيلم أسطورة (2016). لكن لا أحد يسلّط الضوء على توم هاردي. الكلّ يجزم تماما أن الفيلم أعدّ على مقاس ليو، ولعبت الآلة الإعلامية لتسرّب حجم المعاناة التي واجهها لإنجاز الفيلم، وأنا أعتقد أنّ كل ذلك صحيح. إن ليو يبحث عن الجائزة، ولكنّها ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. لقد كان ذئب وول ستريت أيضا محاولة لإخراج كلّ الانفعالات الممكنة من ليو، لإقناع لجنة التحكيم. تدحرج وصرخ وضحك وعبث وفعل كل شيء ليظفر بالجائزة، ولكنّ الهستيريا لم تكن مسلّطة كما ينبغي آنذاك.
إن ليو يبحث عن الجائزة وهذا حقّه، أما نحن، فعلينا أن نتجاوز ذلك لننظر إلى العمل نفسه. لقد كان ليو يستحق الجائزة في 2014، لكن كان هناك من هو أفضل منه، أما اليوم فيبدو أنه أفضل المرشّحين رغم أنّه ليس أفضل آداء له في مسيرته.
لقد شاهدتُ مايكل فاسبندر في ستيف جوبز، ولقد كان عاديا جدا، بل ربما لم يشبه ستيف جوبز أصلا. أما برايان كرانستون في ترمبو Trumbo، فقد كان رائعا، ولكن يمكنني أن أمنح التميّز أكثر لشخصية الكاتب دالتون ترامبو، وربما لشخصية كرانستون نفسه التي لا يألفها المشاهد مثلما يألف ليو. مات دايمون في فيلم رجل المريخ The martian كان مبدعا وقدم آداء فريدا، وهو برأيي يستحق الجائزة أيضا، لكنّ أعتقد أن الدور كان ثريّا ويسمح له بأشياء كثيرة، على عكس دور غلاس الضيق جيدا، والمقتصر على الحركة والملامح. أما دور إيدي ريمان في الفتاة الدانماركيّة فلا يمكنني إبداء رأي بشأنه لأنني لم أشاهده.

إنّ ما أريد أن أذهب إليه، هو أن العائد فيه تكلف كبير على مستوى السيناريو (مبالغات كان بالامكان تفاديها لو أخلص المخرج أكثر للقصة الحقيقية) وربما على مستوى الصورة والآداء، لكنّ ذلك لا ينبغي أن يجعلنا ننساق وراء الهستيريا المضادة ونتجاهل عبقرية ما فيهما. إن إينيارتو يستحق جائزة الإخراج مرة أخرى (رغم المنافسة الشرسة) وإن ديكابريو يستحق التمثال الذهبيّ، وإن لم يكن أفضل آداء له في مسيرته.

تبدو الصورة مثيرة للسخرية، لكن لو تجاوزنا الخلفية الصفراء وظل الأوسكار، وأعدنا الصورة إلى خلفيتها الطبيعية في الفيلم، فستبدو لنا معبرة ودرامية. كذلك هو آداء ديكابريو في فيلم العائد

Saturday, January 30, 2016

عناق الثعبان ولعنة العصر.

تحيلنا معلّقة فيلم "عناق الثعبان" الفرنسيّة إلى خضرة الأدغال الأمازونية التي لا يعادلها شيء، مع دعوة صريحة إلى رحلة ممتعة في قلب ما نسمّيه رئة العالم. وكما أنّ نيوب الليث لا تنبئ عن ابتسامه، فإنّ ألوان المعلّقة المغوية لا ينبئ عن فيلم بالألوان، ولا جمالها ينبئ بعالم سعيد.

أخرج الفيلمَ الكولومبيُّ ثيرو غويرّا Ciro Guerra منذ سنة تقريبا، وكان له وقعه في مهرجان كانّ الفارط فنال جائزة سيكا (الكونفيدرالية الدولية لسينما الفن والمحاولة) ورشّحته منذ مدة قصيرة أكاديمية فنون السينما لأوسكار الفيلم الأجنبيّ، وها أنا أرشحه لكم للمشاهدة.

يتابع "عناق الثعبان" ( El abrazo de la serpiente) لحظتين من حياة طبيب "بدائيّ" (كاراماكاتي) منعزلٍ في أحراش الأمازون. يفصل بين اللحظتين ثلاثون سنة من العمر، ورجلان قادمان من الغرب المستعمر بحثا عن نبتة اليكرونة الأسطورية. فأمّا الرجل الأول، فهو عالم طبيعة ألمانيّ داهمه مرض غريب في الأحراش ولم يجد له سكان المنطقة حلاّ إلا طلب معونة الطبيب الساحر. وأما الثاني، فهو أمريكيّ قرأ عن رحلة الأول في كتابه، فجاء بحثا عن نبتة اليكرونة الموصوفة ووجد الطبيبَ نفسه وقد أعفى عليه الزمن.

وبين الرحلتين، يتراقص ثيرو بنا وبحيرتنا. يأخذ ضيوفه في رحلة بحث عن نبتة أسطورية، ويأخذ نفسه في رحلة بحث عن نفسه، فمع الألمانيِّ كان يبحث عمّا تبقّى من قبيلته. كان شابّا متحمّسا لثقافته، معاديا للرجل الأبيض الذي جاء بالخراب إلى أرضه. أما مع الأمريكيّ، فقد صار شبحا (تشولالاكي كما يقول) فارغا من الروح، ومن الذكريات، وكان بحثه عن نفسه هذه المرّة أكثر رمزيّة ومأساوية. يستعيد في أحضان الثعبان المقدس، وعلى ضفافه صورا أو أشباح صور من الرحلة الأولى، ويستعيد المشاهد صورا من الاجتياح الغربيّ لأرض الأمريكيّين الأصليين : كنائس التبشير واسترقاقها للأطفال، صناعة اللدائن وهتكها لعرض الأشجار، تهجير القبائل، وتجويعهم وتشريدهم، محو اللغات الأصلية بإسم الحضارة، ومحو المعارف الميتافيزيقية بإسم العلم...

لم يكن غياب الألوان عن أحراش الأمازون الخلابة مجانيا. فهو لا يبحث أن يغريَنا بسحر المكان بقدر ما كان يريد أن يفزعنا بما حدث له. إننا أمام مأساة مكتملة التفاصيل ولسنا أمام دليل سياحة. بل يمكن الذهاب إلى أنّ ثيرو غويرّا يعاقب المشاهدَ الغربيّ بهذه الصورة المبتورة، لأنّه لا يستحقّ ألوانها. وكما يفضّل الغربيّون استعمال الأسود والأبيض في نقل مشاهد الدماء المقرفة، يفعل المخرج الكولومبيُّ الشيءَ ذاته للتخفيف من مشاهد الجريمة الحضاريّة البشعة.

ولئن انطوى هذا الخيار التقني على عبقرية كبيرة للمخرج، فإنّ اختيار العنوان برأيي كان أكثر خياراته توفيقا. لقد استطاع من خلال استعارة عناق الثعبان، أن يحمّل العنوانَ كلّ التعقيدات وكل المستويات المضمونيّة للفيلم. اِستقى المخرج العنوان من أسطورة الثعبان الذي نزل من السماء، من أعماق درب اللبّانة، ليشقّ طريقه المائيّ في أحراش الغابة ويمنحها الحياة. ما الذي يعنيه ثيرو بعناق الثعبان؟ هل هو عناق الأرض للنهر المانح للحياة؟ أم هو عناق الأمريكيّ الأصليّ للنهر في مقابل عناق الرجل الغربيّ له؟ تربكنا الصورة ويربكنا توغّل ثيرو في كلّ تعقيداتها من خلال العلاقات الدرامية المتشابكة التي صنعها بين شخصيّاته. لقد كان الساحر يتعامل مع مريضه الألمانيّ بعداء واضح لا يناسب طبيبا، وكان الأمريكيُّ يقدّم يد السلام إلى الأمازونيّ وهي تضمر شرّا ليست تدريه. لا شيء يشبه ما يبدو عليه، وتلك طبيعة الامبريالية التي يطاردها ثيرو عبر معانقة الثعبان.

تعرّف الإمبريالية على أنّها آخر مراحل الرأسمالية وأقساها، ولئن لم تظهر العبارة ولو تلميحا في الفيلم، إلا أنها تختصر كلّ تلك الأهوال التي صوّرها، وكلّ تلك اللعنات التي أطلقها. إنها لعنة تجاه الحداثة التي ألغت الميتافيزيقا تماما، واعتبرت أن العلم طريقها الوحيد إلى المعرفة، فإذا العلم عاجز أمام الأمراض، وإذا علماء النبات يبحثون عن خلاصهم عند سحرة القبائل البدائية. وإذا العلم محاولة متغطرسة ساذجة للسيطرة على الطبيعة بدل معانقتها والانغماس فيها. وهي أيضا لعنة تجاه الرأسمالية الصناعية، وما تحتويه من عداء فاضح للطبيعة واغتصاب أعمى لثرواتها (صناعة اللدائن هنا). وكذلك هي لعنة للعولمة، سلاح الامبرياليّة الحضاريّ، الذي ألغى الفروق، والملابس، والمعتقدات، واللغات...

لقد اهتمّت الرحلة بالجانب الحضاريّ بشدّة، ولا عجب أنّ الفيلم أنثروبولوجيّ بامتياز. ولقد بلغت المأساة الحضارية منتهاها في مشهد المسيح الدجّال وهو يأمر أتباعه من السكان الأصليين بأكل لحمه المقدّس. هؤلاء الأتباع الذين توحي طبيعة المكان والرحلة أنّهم امتداد لأولئك الأطفال الذين وقعوا ضحايا المبشّر المتطرّف الذي شيطن كل لغة عدا الإسبانية، وكلّ دين عدا دينه.

آخر ما يجب التنويه به، هو أن الفيلم مستوحى من كتابات العالم الألمانيّ تيودور كوخ غرونبرغ، وهو مهدى إلى "الشعوب التي نعرف أبدا أهازيجها". ولقد اعتمد على ممثّلين طبيعيين، استطاعوا ببراعة تستحق التقدير والاحترام أن ينقلوا مبادئهم الجميلة وموروثهم الثريّ، واستطاعوا أن يجعلوني أخرج من القاعة متحسّرا على تلك الأهازيج التي لن أسمعها أبدا.



Saturday, January 23, 2016

دراسة شعرية هادفة: دليلك إلى شعر القرن الأول بعد العشرين

الشعر في هذه الديار نوعان : شعر رومانسيّ (شعر الغزل) وشعر ملتزم (وفي رواية أخرى شعر هادف، وربما يكون ذلك في مقابل الشعر الرومانسيّ المائع الخفيف)

و الرومانسي فيه ستة موضوعات:
- نحبك.
وهو في العادة شعر كثيف الربربة ـ أي يحضر الربّ فيه بكثافة ـ إذا كان بالدارجة أما إذا كان بالفصحى فيحضر كلما اتصل بالمعجم القرآني والعبادة.

مثال :
يا شمس صلاتي،
عشقك صومعتي وزكاتي،
يا جنة خلدي يا امرأة،
أخذت مني حياتي!

(تراتيل شاعر مجهول)

لكنّ بعض الفلتات الشعرية، تحيد عن العادة، وتقدّم لنا روائع تنغمس بنا في روح الكون السرمديّ فنذوب في الذوبان، ونتقلص بالبرورة ونتحرحر بالحرارة، ومن ذلك ما تقوله الشاعرة الخالدة منى بعزاوي في قصيدة عشق في المنتهى :


هويت هواك بالهوى
و ذابت روحي بالهواء
هواك عطر الهوى
و عطرك نفس و ارتواء 

في عينيك عشت المنى 
و بين أحضانك الحرف انتهى 
يا سيدة القلب و عبق الماء
هل لي بوصلك كالهواء
لأتنفسك في دنيا الهوى؟

أنيس الروح، أحد أهم الرواة في القرن الحادي والعشرين.

- خاينة وما عدت نصافيك. وهو لسبب ما حكر على الرجال بالدارجة وعلى النساء بالفصحى مع الاستثناءات طبعا.
مثال:
قلبك الموزّع بين حزمة من نساء افتراضيات
ضعه على جدارك الفايسبوكي
أرشّه عطرا فوق قبر الخيانات قبل النوم،

(الشاعرة إكرام ب. الوسط)


- ورحل.
وهو شعر عموما عن الباه. فهو عند الرجال مباشر وصريح تخنقك رائحة التستوستيرون فيه ولكنه يتجاوز ذلك ببعض الإشارات ذات الطابع "الثقافي"، وعند النساء لمّاح ومخادع ومبهم يرسم حالة من الهستيريا الشديدة الذي ينتاب أولئك اللاتي يعانين من أزمة كبت حادة.
مثال :
سائلي المنوي،
يسحبك من تلافيف حلماتك،
إلى ماضي الألم، وحاضر العدم،
صاهباء صاهباء... 

(شاعر متمرد)


- حبيبان في مدينة الظلام.
وهذا النوع قريب من الشعر الهادف لأنه ينقد وطنا يحرّم الحبّ ولكنّه يركز أكثر على علاقة العشق الجميلة من قبيل : موتوا بغيظكم. أو تراه يركز عمله على احداث مقاربة بين المرأة والوطن (لأنه لم يقتنع كثيرا بما قدمه نزار قباني ربما) في حالة الشاعر، أو على وحشة الوطن بدونه في حالة الشاعرة.
مثال :
لنهدم أعمدة المعابد فوق رؤوسهم،
ونمارس الحب خلف أسوار المدينة،
سأصنع من نهديك عاصمتي،
وخلفهما أبني مسرحا ومارينا...

(شاعر بنزرتي)


- نحبك وما نعرفكش.
وهذا نوع من شعر "ورحل" خاص أكثر بالبنات المراهقات اللاتي لم يدركن بعدُ ما يعتمل في أجسادهنّ. 
مثال: 
ليلك طويل،
والقمرة بنينة،
نحبك بحذايا، تعنقني، تشرّقني،
بغناية حزينة،
خيالك سارح،
وإسمك موش واضح،
وعيني تتحسر عاللي ما صارش البارح.. 

(الشاعرة منى باك ماط)
- ما احلاك وانت ساجدة. وهذا شعر خاص بطائفة من البشر...


أما الشعر الملتزم فهو أيضا ستة أصناف:
- شعر بني وطني.
نوع مالنشيد الوطني الاحتياطي لعلهم يحتاجون إلى التغيير يوما ما. وعموما يجب على كل شاعر أن يكتب قصيدة عن الوطن والا فهو شاعر مائع منحلّ، وإذا لاموا أحدهم على الافراط في شعر الغزل، فحتما سوف يقول : لا كتبت عالوطن! 

مثال :
“نحن لا نأتي الحياة ببرد الموت
لا لا نهوى الكفن
نحن أبطال الوطن
نحن أبناء الشروق
نحن أبناء الشفق”
(الشاعر هيثم ب. )


- يا ميمتي الغاليّة.
وهو أقدس الأشعار وإيّاك ثم إياك أن تنتقد شعرا عن الأم فلن يرحمك أحد. إن أي كارثة لغوية أو فنية تكتبها عن الأم مرحب بها.
مثال: 

يا ملكتي التي حملتني شهورا تسعا،
أنت ملكتي وحبي الأول،
وكل ما بعدك محاولات فاشلة...

- قادمون. وهو الشعر الذي يكتب في (حق) فلسطين. وهو إما وعيد وتهديد عند الشعراء الإسلاميين وإما أسى وحسرة عند القوميين مع الكثير من شجر اللوز والبرتقال وأي شيء قاله غسان كنفاني في الخمسينات أو محمود درويش في الثمانينات. مثال:


سنعود إليكم،
من خلاف التلال،
يا عملاء الاحتلال،
وسوف نعيد القدس، والتفاح والبرتقال،
إننا للبطولة أشبال،
وسوف ترون ذلك يا أشباه الرجال، 

(شاعر يتحدث كثيرا مع صفية)

- الرجل الشرقي. وهذا اختصاص نسويّ (فيمنست) وهو ضرب من أشعار (حبيبان في مدينة الظلام) ولكن من دون حبيب. لأن الحبيب شرقي، والشرقي كخّة. وقد ازدهر هذا الشعر كثيرا منذ صدور نسيان.كوم. 

مثال:
سخرت من أناتي ودموعي،
اعتقدت أنني ضعيفة،
ولكنك لم تفهم بعد يا رجلا،
أن المرأة الذكية خطيرة،
لذلك تفضل دوما الحمقاء،
شرقكم يا سيدي، يكره الذكاء،
ويكره النساء.
(الشاعرة شروق) 


- شعر الريف والفقر وكل ما لا يعيب المرء لكنّه يشتكي منه. وهو شعر عن الريف او عن الفقر او عن اي شيء لا يرى الشاعر انه عيب ولكنه يتظلم منه. مثال:
لفظوه لأنه معدم،
غدا أيها المجتمع المريض ستندم،
غدا سوف ترى كيف يُصنع الرجال،
وكيف يقال لذاك الفقير : أفندم.


ـ الأشعار الكونية
وهي أشعار لا تتحدث عن شيء أصلا، لأنها روح الكون اللغوية. وهي فلسفة المطلق كما تقول موناليزا العرب منى بعزاوي، وقد اشتهر الشاعر العالمي منير مزيد بهذا النمط الشعري ما أهّله لجائزة نوبل عن جدارة لولا الأحقاد. ويقول الشاعر العالمي منير مزيد :
لَا يَكُفُّونَ عَنَ الْعُوَاءِ
وَالقَصِيدَةُ تَقُولُ دَوماً
مَهْمَا عَوَىٰ الْكَلْبُ عَلَىٰ الْقَمَرِ
يَمُوتُ الْكَلْبُ مِنَ النُّبَاحِ
وَيَبْقَىٰ الْقَمَرُ سِرَاجًا مُنِيرًا يضيءُ السَّمَاء


وعلى هذا الدرب تقول الشاعرة إكرام ب. (الوسط)

تراقصني مياه الدرب، 

في ليلة شاخصة،
على وقع انسكاب الحزن، 

في غيمة قارصة.

ويتميز هذا النمط وهو الأكثر ثراء وعمقا، بومضيته، أي أنه قصيدة ومضة، يتقـ.. يبتدعها بعض الشعراء على صفحاتهم الثريّة كل دقيقتين تقريبا، في غزارة شعرية قلّما نجدها في ثقافة أخرى، وهذا طبيعيّ على لغة الشعر.

في الفصل الثاني من الدراسة، سنحاول اكتشاف الأساليب السحرية التي جاءنا بها شعر القرن الحادي والعشرين، ودلالتها البلاغية.

مواطنون يضعون لافتة عملاقة للمطالبة بمنح الشاعر الكوني منير مزيد جائزة نوبل

There was an error in this gadget

Translate