Monday, January 9, 2017

نحبّك موش هادي

إن الهدوءَ سمة المقابر ولا يمكن للحياة أن تبزُغ وتعبّر عن نفسها من دون ضجيج. كذلك يدلّ صراخ الوليد على حياته، وكذلك تدلّ الثورة على إرادة الحياة، وكذلك كان المخرج التونسيّ محمّد بن عطيّة يحبّ لبطله الشابّ "هادي" أن يكون.
لقد كان عليّ أن أنتظر نحو سنة تقريبا حتّى يتسنّى لي مشاهدة الفيلم التونسيِّ "نحبّك هادي" وأنظر فيما يبدو أنّه أقنع لجنة تحكيم البرليناله Berlinale (مهرجان برلين السينمائي) لمنحه جائزتي أفضل ممثّل (مجد مستورة في دور هادي) وأفضل عمل أوّل لمخرج (بما أنه العمل الأول لمحمد بن عطيّة).

لقد عرف الفيلم ردود فعل متباينة جدا، ولئن كان الفتور سمَة ردود الفعل التونسيّة، فإنّ الأقلام الأجنبية عانت في تقييمها من سوء فهم لم ينج منه إلاّ قليل. إن علاقة "نحبّك هادي" بالواقع التونسيّ عميقة إلى حدّ يحتاج فيه المرء إلى اطلاع أكبر من تلك المعرفة الساذجة التي تقدّمها البطاقات البريدية والنشرات السياحيّة عن تونس. مع ذلك تبقى نظرة الآخر مهمّة إلى حدّ ما، ذلك أنّ "نحبّك هادي" كسر صورا نمطيّة كثيرة في وجه المشاهد الغربيّ عن البلاد العربية. فإذا به يفاجأ بمنظومة عادات خارج إطار التطرّف الدينيّ، وبحضور طاغ وتسلطيّ للمرأة في علاقتها بالرجال وربما أيضا بتعبيرات دينيّة ذات دلالات تحرّريّة (حفلة العيساويّة المهديّة المسمّاة الحزب).

لم يبحث الفيلمُ أن يصدم المشاهد بأيّ شكل، لقد كان هادئا في أغلب دقائقه الثماني والثمانين هدوءا مستفزّا، أو ربّما هدوءا محتقنا مثل بطله "هادي"، ذلك الشابّ التونسيّ سليل العائلة القيروانيّة رفيعة المقام، المشرف على الزواج وعلى بدء حياة نموذجية هادئة. بدا أنّ كلّ شيء يُعدُّ بشكل يحلم به كلُّ شابٍّ عربيّ تقريبا، فالدار تكاد تجهز لاستقباله، والزوجة جميلة، وسعيدة وبنت حسب وذات أخلاق. وحتى المشاكل البسيطة مثل صعوبات العمل كوكيل تجاريّ لشركة سيارات في بلد يعرف أزمة اقتصاديّة خانقة، فهناك والدة نبيهة تتكفّل بها. الحقيقة أنّ والدة هادي تكفّلت بكل شيء تقريبا، وبدا من خلال مشهد الخطوبة أنّه مستسلم لمشيئة أمّه تماما.

لكنّ العين لا تقدر على الإذعان حين يذعن كلّ شيء آخر. ولقد نقل لنا مجد مستورة بشكل بديع وصادق عنف الكبت الذي يتشكّل داخله. وبملامح جدّية تتناقض بشكل مضحك مع ما يوحي به من براءة حالمة، يحاول هادي أن ينقذ عمله بالبحث عن زبائن في مدينة المهديّة الساحليّة القريبة من القيروان، حينما يتعرّف على ريم المنشّطة السياحية بأحد النزل التي تكاد تخلو من السوّاح، ويقع في هواها قُبَيْل أيّام من زواجه. وبين خيار العودة إلى الواقع والاكتفاء بالحلم، وبين تحويل الحلم إلى مشروع واقعيّ، يحدث الصّراع الدرامي الذي ينقل بطل الفيلم بهدوء عبقريّ من حالة البداية إلى حالة الختام.

ومن الواضح أن الأخوين داردان Dardenne لم يكتفيا بإنتاج الفيلم، فالجانب الاجتماعيُّ كان طاغيا على مشاهده الصامتة والبطيئة والمعبّرة. لقد أولى محمّد بن عطيّة أهميّة لمشاهد بحث هادي عن حرفاء جدد، فعبّر عن ركود قطاعي التجارة والصناعة بصور شتّى كان أكثرها طرافة وعبقرية مشهد المصنع الخالي من كل شيء تقريبا سوى كلبين يرتعان في ربوعه. وباهتمام مشابه صوّر الأوضاع المتردّية للسياحة (ووسائلها البالية لكن ربّما عن غير قصد) ودور ذلك في إحباط الكثير من الشباب التونسيّين. ربّما ربط بين أزمة السياحة وهجرة ريم إلى أوروبا عمدا، ولكنّ ما يهمّنا من الأمر، هو أنّ كل ذلك مرّر في هدوء وبساطة في خلفيّة أحداث الفيلم الدرامية، ما يساعد المشاهدَ على التأمّل فيها بشكل حرّ وبدون تحريض خانق من المخرج. نحن لسنا أمام فيلم "تناول العديد من القضايا الهادفة"، بل أمام فيلم رومانسيّ آخر عن شخص ما أحبّ في الوقت الخطإ وحاول أن يتحدّى نفسه من أجل هذا الحبّ. ولئن كانت هذه القصّة كلاسيكيّة ومألوفة، فإنّ سياقها المتشكّل في الخلفيّة أكسبها بعدا جماليّا عميقا. فبدت بذلك مشاهد الفيلم أقرب إلى اللوحات التشكيلية التي تأخذ وقتها في مكان لا يبدو فيه الوقت عاملا حاسما.

كان مشهد المقبرة أحد هذه اللوحات، ولقد استفاد المخرج من مقبرة المهديّة الشهيرة المطلة على البحر في مشهدين، أحدهما صامت (صمت القبور)، وثانيهما كان خلفيّة لحوار هادي وريم عن الثورة. ويبدو أنّ المخرج كان مصرّا على استعمال عنصر مقبرة المهدية ذلك أنّ العارف بخريطة البلاد التونسية يدرك أنّ سوسة أقرب إلى القيروان، وأكثر رمزيّة فيما يتعلّق بالسياحة في منطقة الساحل، ولا يوجد سبب مقنع للاتجاه إلى المهديّة. إن المقبرة فضلا عن موقعها الجميل، توحي بهدوء مضاعف لإشرافها على البحر، وبسكون كاذب لأنّ الماء يجاورها. تماما مثل هذا الشابّ التونسيّ الذي يحاول أن يكون كما يرتضيه منه الكبار: عاملا مجتهدا، ومشروعا لرجل مسؤول، مهتمّ بعائلته ووضعها الاقتصاديّ والاجتماعيّ. شخصا موافقا، منفّذا، لا يعارض ولا يحتجّ مادام الكبار قد أخذوا على عاتقهم المهمّة الأكبر وهي أخذ القرار.
وحين تعرّف هادي على ريم، كسر قدسيّة الصمت، وتجرّأ على الكلام أمام المقابر عن الثورة. طبعا بنفس الأسلوب المراوغ، لم يكن هادي أو ريم من الثوريين الأفذاذ أو المناضلين القدامى، ولم تكن ريم حاضرة يوم هروب المخلوع، ولم يفعل هادي آنذاك إلا مرافقة زملائه في العمل، لكنّنا نعرف أن هادي في تلك اللحظة كان يحضّر لثورته الخاصّة، ونعرف أنّ ريم هي قلب تلك الثورة.

صنعت لعبة الهدوء والضجيج إيقاعا فنيّا وأدبيّا جميلين، ورغم أنّ الهدوء الطاغي أشعر بعض المشاهدين بالرتابة والملل، فإنّ وجوده كان ضروريّا وطبيعيا حتّى تكتسب لحظات الضجيج قيمتها. لقد عبّر بن عطيّة بالصمت عن كل ماهو مزيّف في حياة هادي، وقابله بالصوت ليعبّر عن كل ماهو حقيقيّ. ربّما لذلك مثلا كان حديثه مع خطيبته خديجة يتمّ بالرسائل النصّية القصيرة، بينما تأخذ علاقته بريم شكلا حواريّا أكبر، مع الكثير من الرقص والضحك والغناء وأصوات أخرى. كذلك كان ظهوره في جامع عقبة بن نافع (قبيل توجّه أخيه لإتمام عقد القران على الطريقة القيروانية الجميلة) صامتا، بينما قابل المخرجُ ذلك بصخب حفلة الحزب (من شعائر الزواج في المهدية حيث يتخمّر الرجال، والنساء حديثا، بالرقص على وقع أناشيد العيساويّة الصوفية). وبينما يلتقي بخديجة خطيبته في سكون الليل داخل سيارته، يمضي الوقت مع ريم على الشاطئ الصاخب بالحياة وفي المقهى الحافل بالضجيج.

ويحافظ هادي على هدوئه العصيب حتى تأتي تلك اللحظات الثلاث الحاسمة التي يحتاج فيها لأن يكسر هدوءه ويثور ويعبّر عن نفسه لا عبر الرسوم كما اعتاد أن يفعل، وإنما عبر الكلمة. يحاول أن يفتكّ مصيره من بين أيدي الكبار الذين يرسمونه له، ويجرب أن يبادر. يطلب في لجظة أولى من خديجة أن تفكر في أمر هذه العلاقة الشبيهة بالقدر، ويعد في لحظة ثانية ريم بأن يتبعها إلى آخر الدنيا وأن يترك عالمه الهادئ من أجلها، ويصرخ بألم في وجه أمّه الملتاعة ويصارحها بالحقيقة.
تمثل اللحظات الثلاث تطوّر ثورة هادي من الشكّ إلى التمرّد، وهو ما يجعل القول فيها ثقيلا ـ فنيا ـ حيث يتوجب على الكلمة فيها أن تكون بليغة ومعبّرة ودقيقة، وهو للأسف ما لم أجده فيها. لقد بدا انفعال مجد مستورة خلال هذه اللحظات متميزا وصادقا (ربما عكس النساء اللاتي كنّ قبالته في كل لحظة) لكنّه ـ اي الانفعال ـ تعرّض للتلعثم بسبب اعتماد المخرج في ما يبدو على عفويّة القول عوض أن يُعدَّ سلفا بشكل دقيق. لقد أفقد التعلثم بعضا من بلاغة المشهد، وعموما لم يكن الحوار أفضل شيء في الفيلم، ولقد ساهم أحيانا في الكشف عن سذاجة بعض الممثلين (كان آداء أمنية بن غالي في دور خديجة جيدا إلى حين لحظة الحوار مع هادي حين بدا أنها لا تستطيع إيهامنا بأنها حقا لا تملك طموحا أيّا كان). ولكن يمكن القول بأنّ الآداء العام كان ممتازا خصوصا هادي وأمّه.

قامت الفنانة صباح بوزويتة بعمل رائع في دور الأم المتسلّطة، وبذات الهدوء المستفز الذي انتظم على وقعه الفيلم، مارست للّا بيّة دورها كأمّ مسؤولة عن ابنها الراشد، وعن مستقبله واختياراته وأقداره. فكانت تتحدث عنه وتحلم عنه وتخطط عنه وكان ينصاع لها من دون بوادر خوف حقيقيّة، فهي لا تكتسب سلطتها إلا من خلال حضورها المعنويّ في "الأنا الأعلى" لابنها المطيع المتخلّق. ولئن ذهب الكثير من النقاد الأوروبيين إلى الخوض في العلاقة السلطويّة بين الرجل والمرأة في العالم العربيّ التي قلب الفيلمُ معالمها بشكل صادم، فإنّ ذلك يعود أساسا إلى تعوّدهم على الصورة المعاكسة الأزليّة التي تمطرهم بها السينما المغاربيّة عادة. لقد ساهم الحكم المسبّق في إرساء نوع من سوء الفهم تجاه رمزيّة علاقة الأم بابنها، فسلطة الأم ليست طارئة في المجتمع التونسيّ، وليست استثنائيّة، وطباع هادي المطيع والمذعن ليس طباعا خارقا للعادة التونسية.
إنّ هادي ليس فقط حلم أغلب الآباء التونسيّين من الطبقة المتوسطة، بل هو أيضا تصوّر السلطة التي يملك الكبار دوما زمامها، للشباب : الطاعة، الإذعان، الرصانة، السير وفق المنهج المخطّط له في هدوء وبدون "عربدة الضوضاء". لقد كان تعامل السلطة السياسية مع الشباب يأخذ دوما شكل علاقة للاّ بيّة بابنها : تحميله مسؤولية زائفة، مسؤولية ليس فيها حريّة أو خيار. إيهامه بالمشاركة عبر منتديات حوار وهمية، وعبر مناصب سياسيّة صوريّة، ومن خلال الكلمات المنمّقة الرنّانة، بينما لا تُؤخذ آراؤه مأخذ الجدّ ولا يفهم من تعابيره الفنّيّة المحدَثة والثائرة (يعبّر عن هذا هنا من خلال قصص هادي المصوّرة) سوى شكل من الزخرفة اللطيفة الثانويّة، معلّقة ظريفة يزدان بها جدا النجاح الحقيقيّ الذي يجب على الشابّ أن يحقّقه. وبهذا المعنى كان فيلم "نحبّك هادي" أكثر الأفلام التونسيّة تعبيرا عن الثورة، وملامسة لشظاياها المتناثرة في واقع البلاد لنحو ستّ سنين. هكذا من دون أن يخوض في التفاصيل السياسية الآنيّة، ومن دون المباشرتيّة المنفعلة، وعبر مزج إيقاعيّ بين الهادئ والصاخب، وبين الشباب والكهول، وبين مدن الداخل (القيروان) ومدن الساحل (المهدية)، وبين الشباب المقيم والشباب المهاجر(هادي وأخوه أحمد)، وبين فكرة الهروب وفكرة البقاء، تتجلّى صورة عميقة وعفويّة لتونس الحاضر.

لذلك لم أرَ في نهاية الفيلم وجها للتشاؤم، بل لعلّه التفاؤل ذلك الذي غيّر قرار هادي، ودفعه للبقاء. هادي يولي ظهره للمطار ويعود ليواجه تونس وقد بدت هذه المرة صاخبة، حيّة مزدحمة، مثل تلك الأفكار التي تعتمل في عقله. إنه يعرف أن لا نهر يعود إلى الوراء، وأن عصر سلطة الكبار قد انتهى، وحان الوقت ليندفع ويفتكّ موقعه الطبيعيّ كشخص قادر على الفعل والثورة.
وبذات التفاؤل يمكن أيضا أن نعتبر عمل محمد بن عطية الأول، بداية جديدة للسينما التونسيّة، تنزع فيها عن نفسها قشرة التكلف والنمطيّة، وتهتمّ فيها أكثر بالجانب الجماليّ والقصصيّ. إنّ على السينمائيّين التونسيين أن ينظروا إلى هذا العمل بشكل جدّيّ ويهتمّوا بنقاط قوته، وأسباب نجاحه علّ ذلك يساعدهم على شقّ طريق آخر للسينما التونسية بشكل عام.


الفيلم : نحبّك هادي
السنة : 2016
النوع : دراما
المدّة : 88 دقيقة
المخرج : محمّد بن عطيّة
التمثيل : مجد مستورة، ريم بن مسعود، صباح بوزويتة، أمنية بن غالي، حكيم بومسعودي.

Tuesday, December 27, 2016

سينما 2016 بعدسات 12 فيلما

من المؤكّد أن هذا العام السينمائيّ أسوأ من سابقيه، ومن المؤكّد أنّ هناك شعورا عاما بتغيّر يحصل في هوليود، وينقل الأفكار والجنون والنجوم والمبدعين إلى الشاشة الصغيرة. ولكنّ الابداع خارج الولايات المتحدة ظلّ سخيّا وأتحفنا بصور عبقرية عن العالم كما يراه إنسان اليوم.
في هذه القائمة، أقدّم لكم أهمّ أفلام سنة 2016 التي شاهدتُها. وهذا يعني أنني استثنيت الأفلام التي بثّت للعموم سنة 2016 رغم كونها صدرت في 2015 وأخصّ بالذكر فيلم The revenant للمخرج المكسيكي أليخاندرو إنيارتو Alejandro Iñárritu الذي حصد أوسكارات أفضل إخراج وأفضل سينماتوغرافيا وأفضل ممثل في حفل هذا العام. فيلم ناطحة السحاب High-rise البريطانيّ عرض أيضا في مهرجان تورونتو سنة 2015 ولكنّه لم يعرض في بريطانيا إلا منتصف 2016، وهو فيلم يستحق أن يتواجد في القائمة، وفيلم عناق الثعبان الذي بدأ عرضه في نهاية 2015 بالفعل، ولم أشاهده إلا هذه السنة وأجده أفضل من كلّ أعمال 2016.
وتشهد القائمة تنوّعا كبيرا بين أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وآسيا، وهو أمر مثير، ذلك أن عالم السينما بات أكثر تحرّرا من الأحكام المسبقة ومن الخيالات الجاهزة ومن الصناعة المعتادة. إنه رغم ما يبدو عليه من أزمة، أكثر تجدّدا وجرأة.


12 - المجيء Arrival
كان العام يمضي نحو فشل ذريع في جانب الخيال العلميّ عكس السنوات الماضية، ولكن يبدو أن فيلم المجيء سيلعب دور المنقذ. يستعيد المخرج الكندي دنيس فلنوف Denis Villeneuve تيمة "الاتصال الأول" المألوفة في أدب الخيال العلميّ، ليزورها في أعماقها ويكسبها طابعا أكثر جدّيّة من تلك التي نعرفها بها في الأفلام السابقة.
تعنى أفلام الاتصال الأول بتصوّر المقابلة الأولى التي ستحدث بين الإنسان والمخلوقات الفضائية، وفي هذا الفيلم كان الاهتمام بتفاصيل اللقاء غير مسبوق. ركّز فيلنوف كثيرا على إيجاد خيالات على قدر من الدقة العلمية، فاهتمّ بشكل سفينة الفضاء، وفارق الضغط الجوي الذي يعيش فيه الفضائيون والأرضيون، كما كان تصوّر فيزيولوجيا الفضائيين غريبا وغير مألوف على العادة السينمائية الهوليودية (لا توجد عينان طوليّتان ولا بشرة خضراء الخ) والأهمّ أن عمليّة التواصل بين الكائنين كانت عقدة الفيلم الرئيسية.
حاول فيلنوف عبر هذا التصوّر الخصب أن يطرح أسئلة كثيرة حول علاقة الإنسان بالكون، ومدى جاهزيته للالتفات إلى الفضاء الفسيح، وحول إشكالية اللغة لا كوسيلة اتصال مع الآخر فحسب، بل كحامل ثقافيّ وفكريّ خطير يوجّه طرق تفكيرنا ويساهم في تأسيس ذواتنا. الفيلم من بطولة المتألقة هذا العام آمي أدامز Amy Adams ولقد حصل بالفيلم على جائزة اختيارات النقاد لأفضل فيلم خيال علمي أو رعب لهذا العام، كما رشحت Amy Adams لجائزة الغولدن غلوب Golden Globe لأفضل آداء نسويّ في عمل سينمائيّ دراميّ.



11 - آكواريوس Aquarius
كنت قد تحدّثت مطوّلا عن فيلم آكواريوس في مقال سابق. ويمكن أن أكتفي بالتذكير بأن فيلم المخرج البرازيليّ كليبير فيلهو Kleber Filho قد عرض لأول مرة في مهرجان كانّ Cannes Film Festival وسط احتجاج طاقم الفريق على ما أسموه "عملية انقلاب على الرئيسة الشرعية ديلما روسيف". والفيلم نفسه لا يخلو من الطابع السياسيّ رغم أنه يروي قصّة امرأة مثقفة تحاول الحفاظ على منزلها من سرطان المقاولات الذي يغيّر وجه المدينة وذلك بعد أن تمكنت في زمن سابق من الحفاظ على حياتها من سرطان الثدي.
يتميّز الفيلم باعتماده على البساطة التي لم تمنع ثراءه في مختلف المستويات، فلم تكن الصور مثقلة بالعناصر والشخصيات، ولم تكن الأحداث شديدة التواتر، واتسمت المشاهد بطولها النوعية ما أفسح المجال للنجمة سونيا براغا Sonia Braga لأن تتألّق في دور كلارا بشكل لافت جدّا. كما سمحت تلك اللقطات العامّة Long shots بإحداث مقابلة بين كلارا في مواجهة الأخطار المحدقة بحياتها، وبين المدينة البرازيلية رسيفي Recife والعصر الجديد بعصاباته السياسية ولاأخلاقيته الاقتصادية الذي يمتصّ منها رونقها القديم.


10 - مانشستر عند البحر Manchester by the sea
يمكن لمشهد واحد في بعض الأحيان أن ينقل فيلما إلى مستوى آخر من الإبداع، وأعتقد أن فيلم مانشتر عند البحر سيظل وفيّا لأحد مشاهده الأخيرة والمحطّمة للأعصاب. لكنّ الفيلم برمّته لا يقلّ تميّزا، ويمكن اعتباره مفاجأة هذا العام في لحظاته الأخيرة. رشح الفيلم بالفعل لأغلب جوائز اختيارات النقاد وحصل منها على جائزة أفضل ممثل وأفضل ممثل شابّ وأفضل سيناريو أصليّ كما رشح لأغلب جوائز الغولدن غلوب المهمة (أفضل فيلم، أفضل ممثل، أفضل ممثلة، أفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي) وأكاد أجزم أنه سيرشح لنظيرتها من جوائز الأوسكار.
أدّى كاسي أفلك Casey Affleck ببراعة مدهشة دور بوّاب (عامل صيانة منازل) لم يعد يملك تقريبا أي شيء يربطه بالحياة. ولكنّ وفاة أخيه تضطرّه للعودة إلى المدينة التي شهدت مأساته. وفي "مانشستر-عند-البحر"، تلقّى المفاجأة التي لم يكن ينتظرها، وصار عليه طبقا لوصية أخيه أن يعتني بابن أخيه المراهق حتى يبلغ سنّ الرشد القانونيّة، وهو ما يلزمه بالبقاء في ماشستر-عند-البحر (الحقيقة أنني لست واثقا تماما من الترجمة، ربما عبر البحر، المهم أن للأمريكيين طرقا غريبة في اختيار أسماء مدنهم). ترى ما الذي ينفّره من المدينة؟


9 - شيطان النيون The neon demon
من الغريب أن هذا الفيلم تعرّض لفشل تجاريّ كبير، ذلك أنه أكثر أعمال هذا العام استفزازا وإثارة لردود الفعل المتباينة. كعادة أعمال نيكولا ريفن Nicolas Refn، فقد شهد عرض الفيلم في مهرجان كانّ Cannes صافرات استهجان وأيضا تصفيقا حارّا، وبينما اعتبرته صحف أمريكيّة مثل نيويورك تايمز أسخف أفلام السنة، وأكثرها زيفا، اعتبرته مجلّة كرّاس السينما الفرنسية المرموقة ثالث أفضل فيلم لهذه السنة.
تعود ردود الفعل المتباينة إلى الجوانب الحسّاسة التي تطرّق إليها الفيلم عبر قصّة دخول جيسي Jesse إلى عالم العارضات القذر، ولم تكن النكروفيليا سوى جانب هامشيّ من بينها. لقد أثار جمالُ جيسي النقي الطبيعيّ غيرة صديقاتها وحسدهنّ ما فتح الباب لشياطين كثيرة أن تخرج. وقد كان شيطان نيكولاس ريفن السرياليّ جاهزا لإخراج الصور الجديرة بفظاعات هذا العالم.
إنّ الإنسان ملعون بالجمال، ويبدو كأن كل الحكمة البشرية التي حاولت تخليصنا من اللعنة وخلق بعد جماليّ خارج مستوى البصر لم تنجح في قلب الحقيقة المخزية، يقول المصمّمُ سارنو Sarno لجيسي : ليس الجمال كلّ شيء، بل هو الشيء الأوحد.



8 - البقاء واقفا Rester Vertical
يمكن اعتبار هذا الفيلم منافسا لابأس به لشيطان النيون على مستوى الاستفزاز. وقد لقي إشادة كبيرة في أوروبا، وحاز على المرتبة السابعة في قائمة كراس السينما. والفيلم يروي قصة ليو Léo المخرج السينمائيّ الذي قاده البحث عن الالهام إلى علاقة بامرأة ريفيّة، وفي ظلّ تواصل أزمة المبدع التي رافقته، وضغط المنتج الذي قطع عنه التمويل، كان عليه الاعتناء وحيدا بطفله الرضيع.
أحداث الفيلم دوما مفاجئة وتراوح بين المدهش والمفزع والسخيف، رغم طابعها الواقعيّ الرتيب. ولقد مكّنه هذا الأسلوب العبقريّ من التعبير بدقّة عن عجز الإنسان الأوروبي المعاصر وسذاجته تجاه تعقيدات العالم الجديد ومتطلباته، لقد صار الوقوف العموديّ ميزة هذا الكائن العاقل منذ ملايين السنين، مهمّة عسيرة وسط الذئاب.


7 - ديدبول Deadpool
كنت قد قدّمتُ فيلم ديدبول عند بداية العام، ذلك أنه كان المفاجأة السارة في سنة تعجّ بالأبطال الخارقين. ولئن كان الجميع ينتظر أفلاما واعدة مثل باتمان ضد سوبرمان أو الفرقة الانتحارية، فقد حقّقت أفلام أخرى مثل الدكتور سترانج Dr Strange نجاحا عظيما. والحقيقة أن الافراط في استغلال شخصية ما، يعجل بنهايتها التجارية، لذلك كان النجاح حليف الشخصيات الجديدة. ظهرت شخصية ديدبول بشكل ثانويّ في فيلم إكسمان وولفرين، ولكنها المرة الأولى التي يتمحور الفيلم فيها عليها.
وديدبول هو ذلك القاتل المأجور الذي يكتشف وهو في لجة الهوى أن أيام حياته باتت معدودة بسبب السرطان، فيقبل مساعدة مختبر مجرم مجنون يحوّل جسده جينيّا ويجعله ممسوخا. لكنّنا نعرف كل ذاك تباعا، إن القصة منذ بدايتها هي قصة انتقام وأيضا قصة رجل يحاول إنقاذ حبيبته من براثن الشرير، ولكن بأسلوب مغرق في الكوميديا والسخرية والإشارات السينمائية الذكية والوعي الذاتيّ بالنوع الفنيّ وكسر الجدار الرابع والقصّ اللاخطّيّ والصور المنتجة بالكمبيوتر بشكل بديع.


6 - شارع الغناء Sing Street
تلاعب جون كارني John Carney بأحساسي بشكل ممتع جدا من خلال هذا الفيلم الموسيقي الرائع، وبطله كونور Conor. نعيش مع كونور كل عناصر حياة المراهق بشكل كوميديّ وعميق، تأثره بأزمة عائلته المادّية، هروبه المستمرّ من تردّي العلاقة بين والديه، تعرّفه على العالم عبر عينيْ أخيه الأكبر، قصة الحبّ الطريفة التي تجمعه بالجميلة آن Anne، صراعه في المدرسة الدينية وخوفه من المدير المتسلط وفرقة الغناء التي أنشأها وعبر من خلالها عن ذاته وسط كلّ هذا.
الفيلم ميلودراميّ جدا، وهو رغم طابعه المرح بل المضحك واعتماده على الموسيقى، انطوى على حزن عميق. وهو ما لا تعكسه النهاية السعيدة إطلاقا. بل تبدو لنا نهاية الفيلم بمفهومها المباشر غير معقولة ولا تتماشى مع واقعيّته، بل هي أقرب إلى تلك الحلول التي تطرأ في خيالات المراهقين حين تغلق الأبواب في وجوههم. ويبدو أن المخرج أراد الانتصار لخيال كونور المبدع على حساب الواقع الكئيب.


5 - الرجل المبتسم Hymyilevä mies
إسمه أولي ماكي Olli Mäki وعمره ثمانية مباريات ملاكمة محترفة فقط، ويفصله القليل من الوقت عن أهم مقابلة في حياته المهنية الجديدة ضدّ بطل العالم، وبعض الكيلوغرامات التي يجب أن يتخلّص منها ليناسب وزن الريشة. في تلك اللحظات التاريخية من حياته، يتجلّى له شعور غريب لم يعرف مثله من قبل في شكل معلّمة بسيطة جميلة الابتسامة وإسمها ريا Raija.
فيلم الرجل المبتسم Hymyilevä mies أو كما ترجمه مخرجه يوهو كووسمانن "أجمل يوم في حياة أولي ماكي" The happiest day in the life of Ölli هو فيلم فنلنديّ عرض في مهرجان كان في مسابقة Un certain regard (نظرة ما) ولاقى استحسان النقاد لمسألتين الأولى اعتماده على الأبيض والأسود بشكل جماليّ مميّز (لم أجده حقيقة فيه) والثانية هي إعادة تشكيله لملامح سينما الملاكمة، تلك السينما التي تتميّز بالعنف المفرط (Raging Bull) والكفاح المميت من أجل بلوغ النجاح المقدّس (Rockie)، إن أولي ماكي فيلم رومانطيقيّ جدا في مختلف عناصره، حضور الطبيعة، كثافة المشاعر، استعادة الماضي، أهميّة الاستيطيقا في العمل ككل، والصمت الجميل الذي يروي تفاصيل الحكاية.
لكنّ أولي ماكي ليس مشهدا منبثقا من الفراغ، إنه إحدى التعبيرات الكثيرة التي تتراكم يوما بعد يوم فوق سطح العالم الجديد، ضدّ السباق المحموم الذي صار الإنسانُ يدفع إليه دفعا ويطالب بالانتصار فيه وضدّ عصر التنمية البشرية التي تمحور حياة الإنسان حول النجاح. ورغم اختلافه التام مع فيلم Whiplash في طريقة الطرح والأسلوب الفنيّ، إلا أنّ كليهما يلامسان الألم نفسه.


4 - يعيش القيصر! Hail, Caesar!
أعتقد أن رائعة الأخوين كوهين لهذه السنة قد وقعت ضحيّة قرار المنتجين بعرضها في بداية السنة ما يضاعف برأيي من حجم المهزلة. إن هذا الفيلم مجزرة بحق هوليود! أحد أجمل الأفلام الساخرة التي شاهدتها رغم كون الموضوع مستهلكا إلى حدّ كبير، حتّى إنّ الأخوين كوهين قدّما من قبل فيلما بعناصر مشابهة (Barton Fink 1991). ذلك أن المبدعين في هوليود قادرون دوما على التجديد حينما يتعلق الأمر بموضوعين اثنين هما صناعة السينما، والهولوكوست.
قصة الفيلم لا تكاد تعني شيئا هنا، نحن في عصر هوليود الذهبيّ، قبل بروز حركة الموجة الجديدة بفرنسا، حين كان المخرج السينمائي مجرّد موظّف عند المدير التنفيذيّ بالاستوديوهات العملاقة. يصوّر الأخوان كوهين عبر مشاهد متنوعة ستظل راسخة في الذاكرة ما أخفته عنّا كاميرا العصر الذهبي: نجوم الورق المصنوعة، الصحافة الجادة والعابثة التي تحمل الوجه نفسه، تأثير الدين والسياسة والاقتصاد على هوليود في مرحلة ما بعد الحرب وبداية الحرب الباردة. الله، الشيوعية، قياصرة العصر، الخطيئة، المال، الإيديولوجيا، التنظيمات السرية، الحرب والجوسسة، الفضائح، الأخلاق... كل شيء في هوليود يقدّم على الفنّ لأنّه :
Would that it were so simple? (أي أكان يمكن أن يكون بسيطا؟).


3 - ما روزا Ma' Rosa
أعتقد أن المخرج Brillante Mendoza لامع بالفعل. فالمرء يحتاج إلى أكثر من أدوات السينما السينما البسيطة التي استعملها لينجز شيئا عبقريا كهذا. شارك الفيلم في مهرجان كانّ Cannes الأخير وربحت فيه جاكلين خوسي Jacklyn Jose البطلة جائزة أفضل أداء نسائي. (الحقيقة أن أداء جاكلين لم يبد مبهرا ولعلّ فوزها بالجائزة كان من باب التعويض للفيلم الذي كان يستحقّ شيئا ما).
تدور الأحداث وسط طقس فيلبيني استوائي، حيث تمتزج غزارة الأمطار بحرارة الجوّ، وفي قلب حيّ شعبي فقير،تبدو فيه المقايضة أكثر انتشارا من العملة. وفي مكان كهذا يصبح كل شيء صالحا للارتزاق وتدبّر قوت العائلة وما يلزم الصغار من مصاريف لدراستهم وسهراتهم وما يحتاج إليه أيضا الزوج لتعمير "الكيف".
هكذا تعيش بطلة الفيلم Rosa Reyes، أو كما يناديها عائلتها Ma' Rosa، قبل أن تحدث المشكلة وتجد نفسها محتجزة في مركز الشرطة رفقة زوجها. لكن لا يزال هناك أمل لتنقذ نفسها وتتحرّر. هي فقط تحتاج إلى مجهودات أبنائها الثلاثة : بنت وولدان.
وعبر معاناة العائلة، نكتشفُ مجتمع الفيلبين بمختلف تفاصيله وأشكاله وتضاريسه وعجائبه، ما يجعل الفيلم بشكل ما أقوى تأثيرا وصدقا من الفيلم الوثائقي. لكنّ هذا ليس كلّ شيء، فما’ روزا هو أيضا فيلم لكل دول العالم الثالث، وهو صورة لمجتمعاتهم وفساد أنظمتها بشكل يثير الغيظ. لماذا لا يستطيع مبدع عربيّ إنجاز شيء عبقريّ كهذا؟


2 ـ شعر بلا توقف Poesía sin fin
عالم خودورفسكي Jodorowsky لمن لا يعرفه سرياليّ مغرق في الواقعية، مغرق في الدهشة، مغرق في الرمزية أيضا. وفي "شعر بلا توقّف" لا يتخلّص من أدواته، وإنّما يخلطها بذاكرته وقد شارف على التسعين، ليحدثنا عن ذلك الزمن البعيد، هناك في تشيلي، حينما كان يافعا يبحث عن نفسه، ويحاول أن يفهم سرّ وجوده.
بطريقته الساخرة الكاريكاتورية والمتميّزة، يقلّب خودوروفسكي مرحلة المراهقة التي صنعت منه ماهو الآن عليه. يعيد تفكيك علاقاته القديمة مع عائلته ورفاقه الأوائل، يبرز قيمة كلّ من هذه العلاقات في بناء شخصيّته التي نعرفها، صديقه في محنة الشعر، حبيبته الشاعرة، أمّه الحالمة المنشدة، أصدقاؤه الفنّانون، ويقف طويلا عند علاقته المعقدة بوالده، هذا الأب المبالغ في حبّه حتّى القسوة المطلقة، "الرجال لا يبكون"، "الرجال لا يقرأون الشعر لأنه للشواذّ"، "الرجال يصبحون أطبّاء ويجمعون المال الكثير"...
كيف تسرّب الإبن الرقيق الخائف من بين براثن الأب ليعيش حياة الشاعر التي يتمنّاها؟ كيف تعامل مع جمهور المثقفين حين حانت له ولرفيق شعره، أن يقفا عند ذات المنبر الجامعيّ الذي وقف عنده شاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا؟ ماذا تعلّم من حبيبته ستيلا؟ وماذا تعلّم من صديق دربه انريكي؟ والأهمّ من هذا كلّه، ماذا يفعل الشاعر السوريّ الكبير عليّ أحمد سعيد اسبر، أو أدونيس في هذا الفيلم؟!


1 ـ طوني إغدمان Toni Erdmann
أعتقد أن هناك شبه إجماع بشأن أفضل فيلم لهذا العام، ولسبب غير مفهوم لم يحظ عمل المخرجة الألمانية ماغن آده Maren Ade بسعفة كانّ الذهبية رغم تنويه الجميع به. ولكنّ المؤكد هو أنه يتصدّر القائمة الطويلة للأفلام المرشّحة لأوسكار الفيلم الأجنبي.
طوني إيغدمان هي دراما كوميدية طويلة تتجاوز الساعتين ونصف، من بطولة الممثل النمساوي الرائع بيتر زمونيشك Peter Simonischek والممثلة الألمانية زَندغا هوله Sandra Hüller، وتروي لنا تفاصيل رحلة الأب الستيني السيد كونغادي Conradi إلى رومانيا من أجل انقاذ ابنته إيناس Ines المستشارة المتألقة في إحدى شركات الاستشارة العالمية العملاقة، ومع رفض إيناس لوجود أبيها إلى جانبها، وُلدت شخصية طوني إيغدمان، الرجل الغامض والظريف، تجده المرأةُ في كل مكان تقريبًا، ومع كل معارفها، فتتعقد مهمتها الاستشارية إلى حدود الانهيار.
يبدو الفيلم كوميديا في ظاهره، ولكنه مأساوي بشكل كبير في باطنه، إنه احتفاء ببساطة الحياة المعاصرة بقدر ما هو شكوى من خطاياها، محاولة لإيجاد سبب كافٍ للضحك رغم المآسي. ترجمت آده ذلك بعبقرية ألمانية أصيلة عبر مشهد العامل الروماني الفقير. جاء الأب (وابنته) ليستعمل مرحاضه (وما قد يرمز إليه ذلك) فأهداه العاملُ كيسٍا من التفاح وابتسامة بسيطة ساذجة. اِختصر إيغدمان تناقض الكوميدي والمأساوي في الفيلم بوصيته التي تركها للروماني الذي لا يعلم بعد أنه سيطرد آجلاً بسبب استشارة إيناس المنتظرة "حافظ على ابتسامتك دائمًا!".

لا يبدو العام بهذا السوء في نهاية الأمر. ربما لا توجد أعمال مرشّحة لأن تكون كلاسيكية في ما بعد، وربما يحتاج الأمر إلى شيء من الوقت لتكسب الأعمال قيمة إضافية. لكنّ الحصيلة ليست بهذا السوء. يمكن أن نضيف أعمالا كثيرة في القائمة تستحقّ المشاهدة، فهناك عمل جيم جارموش Jim Jarmush المسمّى Paterson والذي أثار ضجّة في إيران بسبب البطلة الإيرانية (گلشیفته فراهانی‎‎)، كما يمكن ترشيح الفيلم الإيرانيّ فروشنده (البائع) لأصغر فرهادي والفيلم الانكليزي أنا، دانييل بلايك (I, Daniel Blake) الفائز بالسعفة الذهبية، والفيلم الإيطالي نار في البحر (Fuoccomare) الفائز بدبّ برلين الذهبي، وخولييتا (Julieta) للإسباني المتألق بيدرو ألمودوفار، وآخر أعمال الكوريّ "تشان ووك بارك" المعينة Ag-ah-ssi وغيرهم.

Tuesday, October 18, 2016

إذا جاء عصر الدّلو

يقول المنجّّمون أنّ السماء مجزَّأة إلى اثني عشر برجا من النجوم. ويقولون إنّ مصائر الإنسان رهينة البرج الذي تسبح في فلكه الشمس. ويقولون إنّ الشمس حين تكمل دورتها على كامل الأبراج، تبدأ دورتها الجديدة في الاتجاه المعاكس. ولكنّ المنجّمين يختلفون في أمر العصر الفلكيّ الذي نعيش فيه اليوم. هل انتهى عصر الحوت بالفعل؟ هل بدأت الدورة العكسية التي طال انتظارُها وهل دخلنا في عصر الأكواريوس (برج الدلو) أم أنّ التغيير الكبير لم يحدث بعد؟
يحاول المخرج البرازيليّ كليبير مندُنسا فيلهو عبر فيلمه الجديد آكواريوس Aquarius أن يخوض على طريقته في هذا السؤال.
لا يتعلّق الفيلمُ بالأبراج والنجوم كما خمّنتم. نحن في مدينة رسيفي Recife الساحليّة البرازيليّة. هناك تعيش كلارا Clara وحيدة بعد أن توفّي زوجها وغادر أبناؤها واحدا بعد آخر ليواجهوا أقدارهم. لكنّ كلارا التي تجاوزت الستين، لا تشعر بنهاية حياتها بعدُ. إنّها لا تزال هناك، تحافظ على لون الحياة في شقّتها البسيطة رفقة معينتها العجوز، وتحافظ على رشاقة جسدها بفضل إصرارها الدائم على السباحة رغم مخاوف السبّاح المنقذ الشابّ الذي بات صديقَها، وتحافظ على ضحكتها بفضل صديقاتها اللاّتي يؤنسن سهراتها أحيانا. لا تشعر كلارا بنهاية حياتها بعد، ولكنّها لا تستطيع أن تمنع الذكريات من أن تتسرّب إلى روحها. تذكر شبابها حينما يعلن ابن أخيها أنه سيأتي بحبيبته القادمة من ريو دي جانييرو للعيش معه، تذكر أمومتها حين يطلُّ أطفالها الكبار بمشاغلهم ونصائحهم عديمة الفائدة، تذكر مهنتها حين تجيء الصحفيّة المبهورة لتجريَ تحقيقها مع كلارا الناقدة الموسيقيّة الشهيرة. وحتّى الشقة لا تبخل عليها بالذكريات، وهي التي عرفت فيها أجمل أيّامِها وأمرَّها. وحين جاءها السيّد بونفيم Bonfim وابنُه لإقناعها بالتخلّي عن الشقّة لفائدة مقاولاته التي تستعدّ لمشروع عقّاريّ جديد، لم تكن كلارا مستعدّة للتفاوض. حاول الإبنُ جيرالدو بكلّ الوسائل لفت انتباهها فلم يفلح. ولم يبدُ أنّ شهائده الأمريكيّة وحماسة الشباب المتوقّدة فيه، وطموحه، كانت قادرة على إقناعها. وإذا بكلارا النّزيلة الأخيرة في مبنى أكواريوس (بعد أن بيعت كلّ شققه بالفعل)، تواجه أصنافا غريبة من القمع والتحرّش للمغادرة. وبدا أن استماتتها في مقاومة هذا المدّ الرأسماليّ الجارف، كان أشبه باستماتتها حين تغلّبت على سرطان الثدي منذ ثلاثين سنة خلت.
اُختير فيلم آكواريوس ضمن النخبة الرسميّة لمهرجان كانّ (Cannes) السينمائيّ لهذا العام. ورغم أنّه لم يظفر بجائزة ما، فقد ترك بصمته في المهرجان، خصوصا عندما وقف فريق العمل قبيل عرض الفيلم حاملين لافتات مساندة للرئيسة البرازيليّة ديلما روسيف Dilma Rousseff، ومتّهمين الحملة ضدّها بانقلاب على السلطة الشرعية، وعلى أصوات الناخبين. والفيلمُ نفسه لا يخلو من تلميحات بشأن الحالة السياسيّة الجديدة في البلاد، بعض المتحمّسين ذهب إلى أنّ كلارا تجلٍّ فنيّ لديلما، وأنّ شركة بونفيم ليست إلاّ شكلا مجازيّا للوبيّات السياسيّة التي تسيّرها عصابات المال والأعمال. طبعا هذه مقاربة مفرطة في الحماس، وهو ما أكّده المخرجُ مندُنسا فيلهو Kleber Mendonça Filho. فقد شرع في كتابة القصّة قبل ظهور أزمة ديلما روسيف بالفعل. وشخصيّة كلارا لا يمكن أن تكون ظلّا لأية شخصيّة أخرى، خصوصا بعد الأداء الاستثنائيّ لسونيا براغا Sonia Braga.
لقد كان حضور سونيا طاغيا في الفيلم. حتّى وهي تغادر إطار المشهد، تكاد تشتمّ رائحتها فيه. وبدا كأنّ مندُنسا لا يجعل كلارا محورا للقصّة فحسب، بل للفيلم أيضا. ولقد أثّرت شخصيّة الممثّلة سونيا براغا كثيرا في تشكيل هذا الانطباع. فهي نجمة سينمائية كبيرة في البرازيل، ولا يخفي مندُنسا الناقدُ السينمائيّ سروره بالظفر بفرصة التعامل معها بعد أن كان يكتفي بالكتابة عن أعمالها فيما ما مضى. وعبر سونيا براغا، بدت كلارا في إقبالها البهيج على الحياة، في حالة حرب دائمة: باردة، واثقة وقويّة، تبتسم لحلفائها وتنظر شزرا لأعدائها، ولا ينجح الأوغاد في إحباطها. كلارا التي حاربت السرطان وانتصرت، لاتزال تحمل على صدرها أثر انتصارها، ولا تزال تستمدّ من هذا الأثر قوّة شخصيتها وقدرتها على التجاوز ولو سبّب لها ذلك المتاعب. لقد كان جميلا كيف لم ينتقص غياب أحد ثدييها من أنوثتها، بل زاد من قوّتها، ولقد كان مدهشا كيف عبّرت براغا عن ذلك.
إنّ معركة كلارا مع السرطان ليست معركة جانبيّة في الفيلم بل هي معركة محوريّة امتدّت طويلا في الزمن. لذلك كان نسق الفيلم بطيئا. أراد مندُنسا للمَشاهد أن تأخذ وقتها مثلما ينبغي، وأن يعيش المتفرّجُ في ذاكرة البطلة وقتا لابأس به قبل أن ينتقل إلى حاضر السرد. كان مهمّا بالنسبة له أن نرى الماضي الذي تغيّر، أن نلحظ أثر التغيير في وجوه من ظلوا أحياء، وأن نستمع إلى من أصبحوا فيما بعدُ ألبوم صور لا أكثر. لقد كان وجودهم في ما مضى حاسما في المعركة الأولى، وكان مهمّا لكلارا أن تستحضرهم في معركتها ضدّ السرطان الجديد الذي يهدّد بيتها. إنّ المقاربة بين السرطان الذي نخر جسد كلارا وسرطان الشركة التي تريد أن تقوّض معالم حياتها، جليّ إلى كبير، وبلغ ذروته في مشهد مداهمة الشقق المجاورة المثير.
ولقد استغلّ مندُنسا هذه المقاربة بشكل عبقريّ ليصنع ازدواجيّة طريفة على مستوى المعنى. وبين جسد كلارا وبيتها، بين الزمن السعيد القديم، وزمن التغيرات المخيفة، يراوح المخرج بين أثرين للتغيير. فأمّا الأول، فتعبّر عنه كلارا في علاقتها بالجيل الجديد الذي ينمو من حولها، وفي صراعها من أجل الحفاظ على عناصر حياتها. لم يكن سهلا على هذه المرأة المثقفة البرجوازية أن تذعن لضرورة أن تشرح لأبنائها، ولأعدائها، بل ولعشيق الليلة، أنّ الستين لا تعني موتها، أنّ الحياة لا تزال حقّا مكفولا لها. لم يكن سهلا عليها أن تتجاهل ذلك الإحساس الممضّ بأنّ الآخرين ينظرون إليها كعجوز متصابية أو مخرّفة ترفض فسح المجال إلى الجيل الجديد.
تنتمي كلارا إلى جيل الستينات، ذلك الجيل الذي شبّ على ثورة أيار 1968، وموجة الهيبي والتحرّر الجنسي. وهو الجيل الذي يعتبرُ عصرَه بأنه عصر الآكواريوس The age of Aquarius، حتّى باتت العبارة مرتبطة بثقافة الهيبي بشكل كبير، كما عبّرت عن ذلك الأغنية الخالدة "آكواريوس/اتركوا أشعة الشمس تدخل" Aquarius Let the sunshine in. لكنّ سليلة عصر الآكواريوس لا تؤمن أنّ الإنسان يخضع للتغيير الذي يحدّده القمر وكوكب المشتري. إنّ التغيير لا يحدث إلاّ حينما ترفع قبضتها في الفضاء محتجة، وحينما تقول لا في وجه السرطان بأي شكل. أعتقد أنّ مندُنسا عبّر عن هذا الموقف الوجوديّ من خلال تلك اللوحة المثيرة التي هي كلّ ما يثير الانتباه في شقة كلارا : معلّقة لفيلم "باري ليندون" Barry Lyndon للمخرج الكبير ستانلي كيوبرك. إنّ سرّ وجود هذه المعلّقة يكمن في المقابلة الواضحة بين مصير باري ليندون (أو ربّما زوجته التي تظهر بشكل أوضح في المعلقة) ومصير كلارا. وفيما كان مصير باري ليندون طيلة حياته رهين الصدف كأنّ أبراج السماء تلهو به، بدا أنّ كلارا تتحدّى هذه الأبراج بعنادها. إنّ انتماء كلارا لعصر الآكواريوس كان محض اختيار، وبذات الإرادة الكامنة أيضا، قرّرت كلارا الوقوف في وجه عصر ما بعد الأكواريوس.
وأما الأثر الثاني للتغيير، فعبّر عنه البيتُ نفسه، لا من خلال محنته فحسب، وإنما من خلال رمزيّته كفضاء لم يتغيّر وسط مدينة كاملة تتغيّر. كأنّه آخر معاقل المقاومة، يحاول البيت الوقوف أمام مدّ التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبرازيل. ذات الشاطئ الذي كانت كلارا تذهب إليه ليلا رفقة أصدقائها، صار خطيرا وفارغا في وضح النهار. ذات الشاطئ نفسه الذي تفخر به مدينة رسيفي كلها، صار مقسّما إلى شاطئ للميسورين وشاطئ شعبيّ للآخرين، لا يفصل بينهما سوى قنال صرف مياه قذرة لأحد النزل الفاخرة. ذات الجيران الذين كانوا هنا، اختفوا في غياهب المدينة، تاركين بيوتهم لشركات التهجير ورياح التغيير. ذات العشّاق بوسامتهم الآسرة، ولكنّهم صاروا جبناء، ودغمائيّين. لقد كان التغيير الذي يطرأ على المدينة خفيّا وقاتلا، مثل السرطان تماما. ومثلما كان البيت مجازا عن المدينة، فقد كانت رسيفي مجازا عن البرازيل.

تعبّر فكرة عصر الآكواريوس عن وعي الإنسان بضآلة قدرته أمام اتساع الكون والزمن، وأنّه في نهاية الأمر يخضع لتأثير التغييرات الميكانيكيّة والماديّة في حركة التاريخ الذي يعيشه ويلاحظه. لكنّ مندُنسا فيلهو يحاول أن يحمّل التعبيرة الهيبيّة الدارجة ثقلا وجوديا طريفا بإعلانه أنّ الإنسان هو الذي يصنع تغييره وهو ما يُكسب حياتَه معنى. وبهذا التوجّه يصبح الفيلم دعوة أخرى للوقوف بوجه سرطانات التغيير، تلك القوى الخفيّة التي تعمل على التحكم في مصائرنا رغما عن أنوفنا، من خلف نظم وميكانيزمات ضخمة ومعقدة. تلك القوى التي تقسّم الرمل والبحر إلى شاطئ للأثرياء وآخر للفقراء.

ولئن أحببتُ هذا النفس الثوريّ الصّامت والضّمني في الفيلم، فإنني لم أرتح كثيرا للمقاربة التي اعتمد عليها. هناك أمام باب الشقة المناضلة، يتواجه جيلان مختلفان، كلارا بنت جيل "عصر الأكواريوس" المتحرّر والمتمرّد القديم، وجيرالدو ابن البرازيل الجديدة، سليل الشهائد الجامعية الأمريكية، وثقافة اليوتيوب، وكتب "كيف تنجح في سبعة أيام". وبقدر ماكانت كلارا عنيفة في المقابلة، كان جيرالدو لبقا رغم أنّ أفعاله لا تشبهه البتّة، فهو على كل حال الشخصيّةُ المعرقلة، أو الوغدُ في القصة. ولكن، هل إنّ جيرالدو وغد حقا؟ لقد كان جيرالدو يبحث أن يثبت ذاته في مجال عمله، أن يثبت أن الأموال التي خسرها والده في دراسته بالخارج لم تذهب عبثا، وكان "آكواريوس" مشروعا عقّاريا مهمّا بالنسبة لشاب مثله. أتحدث من منظور رمزيّ بحت هنا، فقد كان عناد كلارا أشبه بتشبث شخص قديم بالماضي بالفعل، ولم يكن من قيمة حقيقية للمبنى سوى ذكرياتها الشخصيّة وربما بعض من الرمزية الراجعة لبنائه في اربعينات القرن الماضي. ولئن المخرج لم يتوقف كثيرا عند قيمة البناء، ولم يبرز ذكريات كلارا إلا عند بداية الفيلم، وعبر صور فوتوغرافية لم توحي بالكثير، فلم يبد من موقف كلارا إلا ما يشبه تشبّثا بالماضي الذي لا يعود، معاندةً عبثيّة للزمن. إنّها تعيش حياتها بشكل أقرب إلى الازدواجية في النهاية : تسهر، تواعد، تسبح، تستمتع بالموسيقى وبالحياة، وتصل الرحم والأصدقاء، ولكنّها في الوقت ذاته، تستغرق في التذكر، وفي العودة إلى الماضي. أجد المفارقة بشكل واضح في علاقتها بالموسيقى. تقول كلارا إنها لا تستعمل الفونوغراف فحسب، وإنما لا تجد حرجا في مسايرة التطوّر التكنولوجيّ، وهي تستمتع بالموسيقى سواء على شكل MP3 أو أقراص فونوغراف. لكنّ كلارا لم تعد ناقدة كما يبدو، ولم تعد تعمل، وإنما تكتفي بالاستمتاع بتقاعدها. كأنّما العمل في الحقل الثقافيّ لا يحمل بين طيّاته شكلا من الالتزام الثوريّ الذي يتجاوز نظم التقاعد. لم تكن كلارا غير منتجة فحسب، وإنما فيما يبدو غير مهتمة كثيرا بالحديث عن الموسيقى، وما كان مهمّا في محاورتها للصحفية في بداية الفيلم، قصة أخرى من الذاكرة، عن قصاصة صحفية عن جون لينون كان ربّما آخر مقابلاته الصحفية قبيل اغتياله سنة 1980.
تناضل كلارا من أجل حقّها في الحياة، ولكنّها في الوقت نفسه ترفض استكمال أدوارها كلّها. تحاول معاندة الزمن الذي لا يعاند بينما تترك مقعدها الذي أعدّه لها شاغرا. من المؤكد أنه لا أحد يغلب الزمن، ولئن كانت اليوم قادرة على الرقص، فغدا ستصبح عاجزة بالفعل. ومن المؤكد أن الحياة لا تنتهي بالشيخوخة أو التقاعد، ومن المؤكد أيضا أنّ هذا العمرَ له سحره وقيمته، وله متعُه الصغيرة التي تظهر بمجرّد قبولنا بالتغيير. لقد بدا مندُنسا فيلهو في لحظة ما، كأنّه يخوض حربا جانبية مع جيل الحاضر الذي لا يفهمه، وبدت كلارا بشكل ما (بعيدا عن عدوانه طبعا)، كأنّها تحرم جيرالدو من حقّه في أن يصنع ذكريات كتلك التي صنعتها. أليس تعاقب الحياة عبر الأجيال سرّ استمرارها؟


الفيلم : أكواريوس أو برج الدلو Aquarius
المدّة : 142 دقيقة
النوع: دراما
المخرج: كليبير مندُنسا فيلهو Kleber Mendonça Filho
البطولة: سونيا براغا Sonia Braga

Saturday, March 12, 2016

الصنبة والمنڤالة

في هذا الوقت العصيب الذي تُختبر فيه صلابة الدولة وتماسكها عبر بوّابة مدينة بن ڤردان الحدودية، تبدو خزينة الدولة أكثر من أي وقت مضى عزما على اقتطاع ما يلزم من المال لتنفيذ رؤية سيادة رئيس الجمهورية لمدينة الغد : إنّها ـ تعريفا ـ المدينة التي عاد إلى وسطها تمثال بورقيبة المقلوع، أي أنها المدينة التي تشبه ماضيها.

لا أحد ينكر قيمة أن يعترضه نصبٌ ما وسط كلّ مدينة عند أهمّ مفترقاتها. وربما لذلك عزمت الدولة على تمويل هذه المشاريع بصفة عاجلة بينما تركت أمر الاهتمام بعائلات شهداء الجيش الذي يخوض حربا ويدافع عن البلاد، إلى التبرعات الشعبية العشوائية.
حسبة الدولة كالعادة ذكيّة وتثير الاحترام، ويبدو أنّ الرقم الذي قُدّم بخصوص استعادة تمثال العاصمة ليس من وحي الخيال. ستة مائة وخمسون ألف دينار، أو ما يفوق ثلاثمائة ألف دولار هو رقم متواضع جدّا بالمقارنة مع عظمة الإنجاز (وعظمة الرشاوي وكثرة الوظائف الوهميّة التي ستنجرّ عنه).

لكنّني لا أحبّ أن أتوقّف طويلا عند هذه المسائل الماديّة. أنا إنسان رومانسيّ جدّا كما تعلمون، ولستُ بذلك أشذّ عن من صرختُ مثلهم "خبز وماء وبن عليّ لا" قبل أن يذهب الخبزُ والماءُ وبن عليّ جميعا. ورومانسيّتي تحملني أن أبتلع ما بقيَ من قطعة الكرواسون، وأتأمّل بشكل أعمق في رمزيّة هذه العمليّة.

لقد كان بورڤيبة شديد التأثر بالحضارة الفرنسية، وخلافا عن غيره من المصلحين التونسيين، كان أعمق إدراكا للحضارة، وأبعد من اختزالها في المظاهر التي وقع في شراكها مصلحون كبار كأحمد باي. مع ذلك، لم يستطع الرجلُ مقاومة زهوّه بنفسه وبما قدّم لوطنه، فرأى أنّه يمثّل حريّة تونس بذات القدر الذي يمثّل به جول فيري Jules Ferry احتلالَها، وهكذا حُقَّ له أن يغيّر تماثيلَ مدبّر الاستعمار بتماثيلِه التي صوّرته في أشكال مختلفة (على صهوة حصان أو واقفا ينظر إلى الأفق بشموخ، وأشياء من هذا القبيل).
 إن من المعلوم أنّ الثقافة التونسية بحكم انتمائها للعالم العربيّ والإسلاميّ، لا تألف فنّ الصورة، ولا تمارسها إلا في حدود ضيقة جدا، وهذا ما جعل من التماثيل التي ركّزها الرئيس بورڤيبة في بعض المناطق (تونس، قصر هلال، منزل بورڤيبة، الخ) غير معبّرة بالمرة عن الهوية التونسيّة، كما تفعل تلك التماثيل الفرنسية المنتشرة في كل شبر من بلادهم. لقد اهتمّ بورڤيبة بتماثيله ونسيَ أن يهتمّ بفنّ النحت ويجعله أقرب إلى الجمهور وإلى الثقافة الشعبية.
لازلت أذكر ذلك التمثال الذي كان يتوسّط ساحة مدينتي، ولازلت أذكر كيف كان يبدو غريبا وباهتا، وبعيدا جدّا عن روعة التمثال الفرنسيّ الذي نصّب مكانه. لكنّه أيضا كان معبّرا عن تلك المرحلة. مرحلة الاستقلال بذات جديدة، وعنيدة، ومتحدّية رغم صغر سنّها وسذاجة معرفتها. ولازلت أذكر أيضا ذلك اليوم الذي أزيل فيه التمثال من أجل الانطلاق في مشروع جديد يحلّ محلّه، مشروع السابع من نوفمبر!

اِنتشرت ساعات بن عليّ ذات الوجوه الأربع في كل مناطق البلاد، عكس تماثيل بورڤيبة محدودة العدد، وأخذت تزحف في كلّ المفترقات، وصار المشهد واحدا تقريبا وإن اختلفت الأحجام. فلا تحظى كلّ المدن بذات التقدير ولا بذات النصيب من الأموال والرعاية. ولأنّ وسط العاصمة هو المكان الأهمّ في البلاد، فلقد حظي بأضخم ساعة كان يمكن لبن عليّ تخيّلها، كلّفت الدولة فيما أذكر نحو 18 مليون دينار (عدا الرشاوي بالتأكيد!). ولئن ظهرت بعض النّصب التذكارية المختلفة كلّما توفّرت الفرصة، فالأكيد أن الإصرار على "المنڤالة" الرديئة كان يعكسُ ما تتميّز به هذه المرحلة. لا وجه ولا روح، لا شكل ولا مضمون، تردٍّ مفزعٌ في الذوق والحسّ الجماليّ، اِنعدام تامّ للإبداع والخيال، وبراغماتية زائفة فضحها عجز كلّ تلك الساعات عن فرض الانضباط واحترام الوقت، بل إنّ تلك الساعات نفسها كانت عاجزة عن الإشارة للتوقيت السليم، وكثيرا ما تندّرنا باختلاف المواقيت في كلّ وجه من وجوهها الأربعة. كانت غاية بن عليّ من وراء الساعة بسيطة جدا، وتتلخص في السطو على مكان بورڤيبةمن دون إحلال ذاته بصفة مباشرة، فتغيّرت بعض شوارع الحبيب بورڤيبة إلى شوارع 7 نوفمبر (تاريخ انقلابه الشهير) وكذلك الساحات العامّة، أمّا التماثيل فعوّضت بالساعات، وعوّض رأس بورڤيبة في العملة بشعار الجمهورية وبذكرى الانقلاب. فكان دافع عمله الغيرة مثلما كان دافع بورڤيبة الانبهار.

ويبدو أن سيادة الرئيس فهم أغلب هذه المعاني، خصوصا وأن أوقات التأمّل في قصر قرطاج كثيرة جدّا. لقد رأى بتجارب السنين، أن ساعاتٍ غير ذات وجه، هي رمز للنظام البائد الذي ثار ضدّه التونسيون، وهي بذلك لا تعبّر عن روح الثورة بأية حال، حتّى لو أطلق على ساحاتها 14 جانفي. ولأنّه يعتقد جازما أنّ الثورة كانت ضدّ بن عليّ أساسا، ولم تكن ضدّ الهيكل المتراكم منذ 1956 ونسمّيه دولة، ولأنّه يعتقد جازما أنّ التونسيّ كان سعيدا مطلق السعادة حتّى جاء بن عليّ ليفسد كلّ شيء، فلقد عبّر عن ذلك باستعادة رمز تلك المرحلة. "نرجعو وين كنّا" هي الإجابة التقدّمية المستشرفة لتونس الغد، كما يراها السيد الرئيس ذي التسعين ربيعا. وليس انبهاره ببورڤيبة إلا جزءا من انبهار بورڤيبة بجول فيري، ولئن اختار الثاني أن يعبّر عن انبهاره بالتحدّي والتقليد، فقد اختار الأول أن يعبّر عن انبهاره كما تفعل القبائل الوثنية بأجدادها: تستحضرهم بطوطم.
الصنبة أم المنڤالة؟ أفضل التمثال طبعا، فلقد كان محاولة أولى تشجّع على المضيّ نحو شيء أفضل. أما سيادة الرئيس فلم يختر لا الصنبة ولا المنڤالة، بل اختار الطوطم المقدّس، الأب الذي قتلوه وصار ذنبه ملازما لهم حتّى العبادة.

تمثال ذكرى كارثة فرفاديت كان بمدينة فيريفيل (منزل بورڤيبة) قبل أن ينقل إلى فرنسا ويزدان وسط المدينة بتمثال  صغير للحبيب بورڤيبة
 

Sunday, February 28, 2016

العائد وهستيريا الأوسكار

"كلنا متوحّشون". يبدو أنّ هذه العبارة هي أجلّ ما يبقى في الذاكرة من الكلام الذي قيل في فيلم العائد The revenant، وهو كلام قليل جدّا بالمناسبة. وحتّى هذه العبارة لم ترد على لسان أحد شخصيات الفيلم، بل ظهرت بلغة فرنسيّة على لافتة معلّقة في مشهد كئيب محبط.

أجد في العبارة فاتحة لا بأس بها للحديث عن هذا الفيلم الذي شغل العالم وأثار اللغط بترشيحاته الاثني عشر لليلة الأوسكارات المرتقبة. فالعبارة الصامتة تحيل على سطوة الصورة على الصوت، أو على سطوة المحسوس على المدرَك، ما يفسح المجال لمدير السينماتوفرافيا إيمانويل لوبزكي والمخرج إينيارتو لاستعراض عضلاتهما التقنية كـ "وحشيْن" حقيقيّين في هوليود. وبعد كلّ العبقريّة التي أظهرها الرجلان في "الرجل الطائر" (Birdman)، بحثَـا في "العائد" عن تحدّ جديد خارج الفضاء المغلق، واتّخذا من ترويض شلالات كندا وجبالها الثلجية، هدفا جديدا. لا تدور قصة الفيلم في كندا أو الأرجنتين لكنّ إينيارتو اعتمد على أماكن خلاّبة في هذين البلدين لاستعادة مشاهد السهول الكبرى الأمريكيّة في منطقة داكوتا. أما الزمان، فهو بدايات القرن التاسع عشر، حينما كانت الولايات المتحدة تتشكّل فوق جثث أهالي القبائل الأمريكيّة الأصلية، وأراضيهم ومتاعهم. الفوضى والحرب والعنف هو ما يتسم به كل شيء في هذا المشهد الذي أصبح فيما بعد أقوى دولة في العالم: بعثاتُ الصيادين الأمريكيّين العسكرية لجلب الفراء الثمين من أعماق البرّيّة المخيفة، قبائلُ الآريكارا الأمريكيّة التي لا ترحم سارقيها ومغتصبي ثرواتها، التجّارُ الفرنسيّون الأوغاد الذين يستغلّون حاجة هذه القبائل للسلاح والأدوات المفيدة لعيشهم وحربهم، وقوى الطبيعة العاتية التي عبثا تحاول فسخ هذا المشهد الإنسانيّ القبيح.

كلّ شيء متوحش في هذا العالم، ولم يدّخر إينيارتو وصديقه لوبزكي جهدا ليعرض لنا تفاصيل هذه الوحشية. منذ المشاهد الأولى تنهال النبال والرماح على بعثة الصيّادين البيض من كل جانب في مشهد بانوراميّ مبهر، يجعلك تتلفّت من حولك خوفا من سهم طائش خارج الشاشة. تضطرّ البعثة للتراجع وترك غنائمها من الفراء. ويصرّ قائد البعثة أندرو هنري (دومنال غليسون) على الأخذ برأي دليله الخبير هيوغ غلاس Hugh Glass (ليوناردو ديكابريو) والابتعاد عن النهر وسلك طريق وعرة عبر الجبال الثلجية. لم يكن الجميع مؤيدا للقرار، ولم يخف جون فتسجيرَلد (توم هاردي) تبرّمه منه، خصوصا لما عُرف عن هيوغ غلاس من معاشرته لقبيلة الباوني وانجابه منهم ابنَه الذي يرافقه هاوك (فورست غودلك). ولكي لا أكشف عن مفاجآت الفيلم وأحداثه، أكتفي بالإشارة إلى أنّ الفيلم يتتبّع هيوغ غلاس في رحلته المذهلة وسط جحيم الطبيعة القاسية، وبجسد شبه محطّم، حتّى وصوله إلى المستعمرة الأمريكيّة وطلبه الثأر ممّن سبّب له كلّ ذلك الأذى.
هل هو فيلم أكشن؟ ليس تماما، لنقل إنه دراما عامرة بالمغامرة والإثارة. حيث تصبح القصة ثانويّة أمام تأثير عناصرها في نفس المشاهد. والعناصر هنا كثيرة، لكنّ أهمّها العمل الإخراجيّ والسينماتوغرافيّ المتميّز الذي قام به إينيارتو ولوبزكي. لن أدخل في تفاصيل التصوير، والتقنيات الحديثة جدا، وساعات التصوير المضنية في تلك الأمكنة المتجمّدة أو الخطيرة، ولكن لنتأمّل قليلا في النتيجة. لا أعتقد أنّ المشاهد سوف ينسى بسهولة مشهد الصراع مع الدبّ، وكم بدا واقعيا، وكم بدا مفزعا. تقول الأسطورة أن مشهد لجوء هيوغ غلاس (ديكابريو) إلى جثة الحصان والاحتماء بجلده (بعد نزع أحشائه) تمّ باستعمال حصان حقيقيّ. وهي طبعا لا تتجاوز أن تكون إشاعة مردّها قوّة المشهد نفسه وسطوته على مشاعر المشاهدين. أما مشهدي المفضل في الفيلم، فهو بكلّ تأكيد حينما تضرّع هيوغ غلاس أمام رجل الباوني المنكبّ على جثة البيسون، ليعطيه بعضا من اللحم، وكضبع شريد، حصل هيوغ على قطعة اللحم النيء وراح يلوكها في نهم. كما قلت فكلّ شيء متوحّش في هذه الصورة، ولكنّك لن تدير وجهك عنه. جمال البشاعة؟ كلاّ، بل هي سطوة البشاعة، وسيطرتها على الإنسان، تلذّذه الخفيّ بوحشيّته التي لم يتخلّص منها تماما، لأنّنا جميعنا متوحّشون، مهما أبدينا من تحضّر ومهما ادّعينا من قيم.

لا يبدو سهلا فهم الصورة الخفيّة من وراء مشاهد "العائد". سيكون طبيعيّا أن نقول إنّ الفيلم مجرد قصّة أخرى عن الانتقام، ومحاولة جديدة من المخرج المكسيكيّ لتجاوز نفسه واستعراض موهبته، والحصول على تمثال ذهبيّ جديد ربّما يملأ به فضاء متروكا في مكتبه. ولكنّ إينيارتو أثبت في كلّ مرة أنه ليس سطحيّا إلى هذا الحدّ، وأن له فكرته عن السينما وعن ما يريدنا أن نراه. في مستوى ثانٍ، يمكن أن نقول إنه جاءنا من كتب التاريخ ببعض مشاهد المجزرة. الأمريكيون البيض، يفتكون أرض الأصليين، ويسرقون فراء حيواناتهم التي يعيشون عليها، والفرنسيون يتاجرونهم فيأخذون منهم مقابل إرجاع أملاكهم التي سرقها الآخرون منهم، يغتصبون نساءهم، يتركونهم لليأس والانتحار، ثمّ يطلب من المشاهد أن يتأفف من طريقة أكل اللحم النيء البدائية، أو من مقاومة الهنود لهؤلاء البيض وقتلهم حيثما ثقفوهم. كلّنا متوحشون، لكنّ هناك من أجبر أن يكون متوحّشا، وهناك من اختار أن يكون كذلك. لقد أعلن ديكابريو أثناء تسلمه جائزة أفضل ممثل عن دراما في حفل الجولدن جلوب، أنه يهدي الفيلم إلى الأمريكيّين الأصليين الذين سقطوا ضحايا الحرب الأمريكية الهندية، ومجازرها المريعة. ربّما هناك فكرة أنّ هؤلاء هم شهداء الوطن الأمريكيّ، ولقد ماتوا في سبيل أن تكون أمريكا وطنا للجميع، وهي فكرة أكثر رومانسية ليتبنّاها شخصٌ متّهِمٌ بطبعه كإينيارتو. لذلك نجد أنفسنا في مستوى ثالث، حيث نلحظ هذا التقابل بين المنزع الواقعيّ الذي يسيطر على المشاهد وعلى ملامح الشخصيات، وبين تعمّد إينيارتو تغيير الكثير من القصة التي دوّنها التاريخ عن مغامرة هيوغ غلاس في سبيل البقاء. لقد جعل منه المخرجُ المكسيكيُّ، عنوانا للتزاوج الممكن بين الأمريكيّ الأبيض، والأمريكيّ الأصليّ. إنه ذلك الخيار الوسط الذي يحمي الأمريكيَّ الأبيض على حساب عدوّه حينا، ويحمي الأمريكيّ الأصليّ على حساب عدوّه الأبيض حينا آخر (قتله للضابط الأمريكيّ حينما هاجموا قبيلة الباوني، وحاولوا قتل زوجته). فلم يُعرف عن الرجل أنه خالط الباوني إلى حدّ الزواج منهم، وإنجاب هاوك، ذلك الحلم الأمريكيّ في شكل غلام وديع. ولم يعرف أنه أنقذ ابنة أحد زعماء الآريكارا من براثن الفرنسيّين. كان ذلك مجالاً لإينيارتو ليحلم، ويصنع أمريكيّا معاديا لجون فيتسجيرالد، الرجل الذي اختصر كلّ شيء سيء في أمريكا: القتل، البراغماتية الميكافيلية، الرأسمالية الإمبريالية، العنصرية، التآمر، الخديعة، الكذب… المصلحة الاقتصادية، قبل الشرف، وقبل الأخلاق، والتفكير العمليّ والمنفعيّ، يجعل من القيم الأخلاقية مسألة رجعيّة ومثيرة للسخرية. في حالة هيوغ غلاس، كان المنطق عقيما، ومخطئا، وتحولت حكمة فيتسجيرالد إلى جريمة قتل. وكان على الطبيعة الأمريكيّة القاسية، أن تنتخب أحدهما للبقاء، ولتمثيل أمريكا. نحن نعرف من بقيَ منهما، وكذلك إينيارتو، لكنّه أصرّ أن يحلم، واصل حلمه حتى النهاية، حينما (ويمكنكم أن تتجاوزوا هذا السطر لئلاّ تنكشف لكم أحداث مهمة) ترك قاتله للطبيعة نفسها لتواصل عملها الانتقائيّ الفذّ.
كلّنا متوحشون، لأنّ الطبيعة نفسها متوحّشة، عنيفة، ضاربة في العمق الإنسانيّ، وناحتة لأساس المجتمع. إنّ الفيلم من هذه الزاوية، عودة إلى جذور المجتمع الأمريكيّ ونفسيّته. وهي نفسيّة مقاتلة افتكّت بقاءها من براثن الطبيعة افتكاكا.

من المؤكد أن إينيارتو من يتوغّل كثيرا في هذه المقاربة التي أشرت إليها، ولكنّها كانت هناك. ومن المؤكد أيضا أن من زعم أن الفيلم معدٌّ أساسا لحصد الجوائز، لم يبتعد عن الحقيقة كثيرا، لكن من الإجحاف أن نختصر الفيلم في هذه الصورة. لقد وقع الفيلم ضحية نجاح إينيارتو، وربما أيضا ضحية نجاح ديكابريو، لو أنه تمكن من الأوسكار المنتظر.
لا أحد يجهل أمر الهستيريا الغريبة على الانترنت حول علاقة ليو بتمثال الأوسكار. فهو بنظر الكثيرين أكثر شخص حرم من الجائزة، وأكثر شخص ظلم في الحفلات السابقة. ولقد صارت الفكرة مسيطرة على الأذهان كلّما ظهر الرجل في فيلم جديد. وهو ما جعل التركيز منصبّا تماما على آدائه، وجعل من تقييمه أمــرا غير موضوعيّ بالمرة.
أولا، ليس ليو أكثر شخص ترشح للجائزة ولم يظفر بها. فقد ترشح بطل لورانس العرب، بيتر أوتول للجائزة ثمانية مرات، ولم يظفر بأية واحدة منها، كما ترشح ريتشرد برتن (من المرعوب من فرجينيا وولف؟) لها سبع مرات، بينما ترشحت غلين كلوز (100 كلب دالماس وكلب) ستّ مرات دون أن تظفر بإحداها.
ثانيا، لم يكن ليو مظلوما كثيرا في المرات التي حرم فيها من الأوسكار، بقدرما كان غير محظوظ، ويمكننا أن نعود إلى الترشيحات الأربعة الماضية لندرك ذلك. لقد كان دوره في فيلم مارتن سكورسيسي "ذئب وول ستريت" متميّزا، لكن من الإجحاف مقارنته بالدور الأسطوريّ لماتيو ماكونوهي في فيلم نادي دالاس للمشترين. حين أدّى الرجل دور مصاب بالإيدز، تنقلب حياته من العبث والفساد إلى الصراع من أجل قضية عادلة.
وفي سنة 2007، ترشح ليو عن دوره المتميّز في فيلم الألماس الدمويّ، وفاز بالجائزة فورست وايتايكر عن الدور الوحيد الذي سيذكره الناس به : الطاغية عيدي أمين في فيلم "آخر ملوك اسكتلندا". لا مجال للمقارنة، يمكنني أن أؤكد لكم ذلك!
أما في سنة 2005، فلقد قدّم ليو برأيي أفضل أدواره، وكان نقطة التحوّل في مسيرته الحافلة بالأعمال المتميزة. أتحدث هنا عن فيلم الطيّار Aviator ودور هاورد هيوغز الرائع. ومن غير شكّ فليو في ذلك العام كان ليستحق الأوسكار لولا فيلم Ray، وجهد جيمي فوكس الخرافيّ لتجسيد أسطورة البلوز الأمريكيّة الذي توفّي في تلك السنة، ويجعل القلوب كلّها تميل إلى كفّة جيمي.
أما أول ترشيح لليو، فقد كان عن دوره الثانويّ في فيلم ماذا يأكل جيلبر جرايب، وقد كان بعدُ فتى مغمورا ذي عشرين عاما، ولم يكن له حظّ أمام العملاق تومي لي جونز آنذاك حتّى وإن كان أفضل منه.

لقد عانى ديكابريو من سوء الحظ كثيرا، وأعتقد أنه في دوره الثانويّ في فيلم دجانغو، كان يستحق ترشيحا للأوسكار، ربما لو لم يطغ دورُ كريستوفر والتس على الفيلم حينئذ، حيث فاز الرجلُ بالأوسكار بالفعل. إن قسمات وجه ليو الحادّة، تُداهم الذاكرة بسهولة وتحفر لها مكانا فيها، مهما كانت الشخصية التي تجسدها. إن المشاهد يرى ليو، قبل أن يرى هيوغ غلاس، أو هاورد هيوغس، أو جوردان بلفورد. ربما يعطي ذلك انطباعا زائفا بفشل التقمص، أو ضعف الآداء، لكنّني أعتبر الرجل موهوبا بالفعل. وأعتقد أن دوره في فيلم العائد، يستحقّ الأوسكار لو فاز به، وليس مجاملة فرضتها هستيريا الانترنت، لأنه يجب أن ندرك أن تلك الهستيريا أفرزت أيضا هستيريا معاكسة جعلت الضوء مسلّطا بشدة على ديكابريو، ربما أكثر من اللازم.
لقد ترشح توم هاردي عن دوره في الفيلم نفسه، كأفضل آداء عن دور ثانويّ، وأثار الإعجاب كثيرا، رغم أنّ شخصيته وتقاسيم وجهه (إذا ما تجاوزنا الماكياج والزيّ) هي نفسها شخصية رون التي قدّمها في فيلم أسطورة (2016). لكن لا أحد يسلّط الضوء على توم هاردي. الكلّ يجزم تماما أن الفيلم أعدّ على مقاس ليو، ولعبت الآلة الإعلامية لتسرّب حجم المعاناة التي واجهها لإنجاز الفيلم، وأنا أعتقد أنّ كل ذلك صحيح. إن ليو يبحث عن الجائزة، ولكنّها ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. لقد كان ذئب وول ستريت أيضا محاولة لإخراج كلّ الانفعالات الممكنة من ليو، لإقناع لجنة التحكيم. تدحرج وصرخ وضحك وعبث وفعل كل شيء ليظفر بالجائزة، ولكنّ الهستيريا لم تكن مسلّطة كما ينبغي آنذاك.
إن ليو يبحث عن الجائزة وهذا حقّه، أما نحن، فعلينا أن نتجاوز ذلك لننظر إلى العمل نفسه. لقد كان ليو يستحق الجائزة في 2014، لكن كان هناك من هو أفضل منه، أما اليوم فيبدو أنه أفضل المرشّحين رغم أنّه ليس أفضل آداء له في مسيرته.
لقد شاهدتُ مايكل فاسبندر في ستيف جوبز، ولقد كان عاديا جدا، بل ربما لم يشبه ستيف جوبز أصلا. أما برايان كرانستون في ترمبو Trumbo، فقد كان رائعا، ولكن يمكنني أن أمنح التميّز أكثر لشخصية الكاتب دالتون ترامبو، وربما لشخصية كرانستون نفسه التي لا يألفها المشاهد مثلما يألف ليو. مات دايمون في فيلم رجل المريخ The martian كان مبدعا وقدم آداء فريدا، وهو برأيي يستحق الجائزة أيضا، لكنّ أعتقد أن الدور كان ثريّا ويسمح له بأشياء كثيرة، على عكس دور غلاس الضيق جيدا، والمقتصر على الحركة والملامح. أما دور إيدي ريمان في الفتاة الدانماركيّة فلا يمكنني إبداء رأي بشأنه لأنني لم أشاهده.

إنّ ما أريد أن أذهب إليه، هو أن العائد فيه تكلف كبير على مستوى السيناريو (مبالغات كان بالامكان تفاديها لو أخلص المخرج أكثر للقصة الحقيقية) وربما على مستوى الصورة والآداء، لكنّ ذلك لا ينبغي أن يجعلنا ننساق وراء الهستيريا المضادة ونتجاهل عبقرية ما فيهما. إن إينيارتو يستحق جائزة الإخراج مرة أخرى (رغم المنافسة الشرسة) وإن ديكابريو يستحق التمثال الذهبيّ، وإن لم يكن أفضل آداء له في مسيرته.

تبدو الصورة مثيرة للسخرية، لكن لو تجاوزنا الخلفية الصفراء وظل الأوسكار، وأعدنا الصورة إلى خلفيتها الطبيعية في الفيلم، فستبدو لنا معبرة ودرامية. كذلك هو آداء ديكابريو في فيلم العائد
There was an error in this gadget

Translate