Tuesday, September 5, 2017

تحفة تارنتينو التي ليست له


في الوقت الذي كانت فيه أغلفة المجلات السينمائيّة محتفية بمشاهد فيلم دنكرك Dunkirk، فاجأنا إدغار رايت Edgar Wright (صاحب فيلم Hot Fuzz وShaun of the Dead) بكوميديا رومنسيّة طريفة بعنوان بايبي درايفر أو السائق بايبي Baby Driver. ودون الدخول في مقارنات غير مجدية، أعتقد أنّه كان أفضل أعمال الصائفة المنقضية.

حين تشاهد فيلم بايبي درايفر فكأنّك تشاهد أفلاما كثيرة في الآن ذاته. في بداية العرض، يطالعك شاب غامض الملامح، خلف مقود سيارة سوبارو Subaru يوحي كلّ شيء فيها أنّها جاهزة لغزو الطريق، ثمّ تطالعك ملامح رفاقه الثلاثة، وهم يخرجون من العربة نحو البنك المواجه، فلا تحتاج إلى اجتهاد كبير لتعرف أنّك أمام أحد أفلام السرقة Heist Movies.
هناك الكثير منها، هناك تلك التي تتميّز بالهدوء، والمقاطع الحواريّة الكثيرة، والنهاية المخادعة plot twist. أعتقد أنّ فيلم اللدغة The Sting لبول نيومان Paul Newman وروبرت ردفورد Robert Redford من أشهرها. وهناك تلك التي تركّز أكثر على الأكشن، كفيلم سرقة السيّارات "رحل في 60 ثانية" Gone in 60 seconds. وهناك تلك التي تجمع بين كليهما، مثل رائعة ستانلي كيوبرك Stanley Kubrick "القتل" The Killing أو تحفة سبايك لي Spike Lee "عميل داخليّ" Inside man. ثمّ هناك تلك الأفلام التي لا تهتمّ بتفاصيل العملية بقدر اهتمامها بكلّ ما يحيط بها (الأشخاص، النتائج، الخ). إنّ السرقة نفسها تصبح فيها سياقا لا أكثر، وهي في العادة تروي عمليّة سطو فاشلة. أبرز نماذج هذا النوع هو فاتحة أعمال فتى هوليود الذهبيّ كوينتن تارنتينو Quentin Tarantino، مستودع الكلاب Reservoir Dogs. لذلك، فلو أنّ Baby Driver فيلم سرقة، فهو حتما فيلم سرقة من هذا النوع.



سنتذكر مستودع الكلاب خصوصا في تلك المشاهد التي تحدث عند مخزن الدكتور Doc الذي أدّى دوره النجم كيفن سبايسي Kevin Spacey. حيث يجمع أعضاءَ العصابة الذين يحملون أسماء مستعارة سخيفة، وطبائع طريفة مضحكة ووشوما مثيرة للغثيان، ثمّ يشرح لهم تفاصيل الخطّة المزمع تنفيذها ويوزّع الأدوار. وسنتذكر مستودع الكلاب حينما نرى جثّة دجاي-دي JD (أحد أفراد العصابة) في مرآب السيّارة، فنحن نعرف أنّه مكان تارنتينو المفضّل. ثمّ إنّنا سنذكره مع أغلب مشاهد الحركة حين يحتفي إدغار رايت Edgar Wright بالعنف ويصنع منه إستطيقاه الخاصّة، ونحن سنذكره حين لا تعمل خطّة الدكتور كما يُفترض وينقلب أفراد العصابة بعضهم على بعض، وتسود الفوضى.
من الصعب أن تُخطئ العين حضور تارنتينو في هذا العمل المهوس بنفسه، المنكمش على أسلوبه. تخبرنا لقطته الأولى أنّنا أمام عمل سينمائيّ يذكّرنا في كلّ لحظة أنّه فيلمٌ سينمائيٌّ، وأنّه لا يحاول بأيّ شكل أن يوهمنا بأنّه قطعة من الواقع. لا شيء واقعيٌّ هنا، لا سائق العصابة الذي يعمل بالموسيقى في أحلك الظروف وأصعبها، ولا المجرمة الخطيرة التي تقتحم البنك كما يقتحم النجوم افتتاحيّات المهرجانات العالمية، ولا ذلك الخروج الموقّع من السيّارة على أنغام تحفة جون سبنسر Jon Spencer Blues Explosion المسمّاة Bellbottoms. لا شيء حقيقيّ في كلّ هذا المشهد، ولهذا تزداد دهشتُنا وتتضاعف حين نتابع لقطة المطاردة الرهيبة بأنفاس منقطعة، فرغم أنّ كل شيء يوحي بالخيال، تبدو المطاردة واقعية جدا! لكنّ لحظة حضور تارنتينو الكبرى، تأتي عند نهاية هذا المشهد، إذ تتغيّر الموسيقى إلى طابع الـRythme & Blues، ويظهر الأصفر المشبع بالأحمر ليملأ عنوانُ الفيلم كامل الصورة. ذلك توقيع تارنتينو الذي عُرف به في كلّ أعماله. لكنّ إدغار رايت Edgar Wright لا يكتفي بالأخذ من صاحب مستودع الكلاب، وإنّما يحاول أن يذهب بالأسلوب إلى ما أبعد منه، فكان توظيفه للموسيقى أكثر عمقا.


اِستعمل رايت ـ كما في أغلب أفلام تارنتينو ـ مادّة موسيقيّة جاهزة، ولم ينجز موسيقى تصويريّة خاصّة بالفيلم Film Score. فسمح له هذا الخيار بتوفير مادّة موسيقيّة ثريّة ورائعة يمكن الاستمتاع بالاستماع إليها لوحدها. مثّلت هذه القائمة الموسيقيّة المميّزة أهمّ عناصر البناء الأسلوبيّ الذي طغى على الفيلم وأفرده بصمة خاصّة.
لكنّ موسيقى Baby Driver تتميّز عن موسيقى أفلام تارنتينو وغيره بتطابقها مع محتوى المشهد، فهي لا تكتفي بترجمة أحاسيس الشخصيات إلى المشاهد (في شكل موسيقى رومانسية أو حزينة مثلا)، ولكنّها تتحوّل إلى تعليق صريح على الأحداث، كما في لقطة دخول البطل بايبي Baby إلى حيث تعمل حبيبتُه رفقة أفراد العصابة، إذ يختار إدغار رايتْ من الأغاني، قطعة سام و دايف Sam&Dave "حين لا يكون حبيبي بخير" When something is wrong with my baby. وأيضا في لقطة وقوع بايبي وحبيبته ديبورا Debora في قبضة المجرم الهارب بُدِي Buddy، إذ كان اختيار إدغار رايت لرائعة باري وايت Barry White "لن أفرّط فيك أبدا أبدا" Never Never Gonna Give You Up أشبه بالتعليق الساخر على المشهد. ثمّ إنَّ الموسيقى التصويريّة عند إدغار رايت لا تبقى خارجة عن الفضاء السرديّ، وإنّما تقتحم خطّ الأحداث وتتداخل معها، وتنبعث من عناصرها. الموسيقى جزء من المشهد، تأتي من راديو السيارة، أو من عازف الساكسو في الطريق، أو من التلفاز، أو من أحد أجهزة الأيبود iPod الكثيرة التي تملأ جيوب البطل بايبي. وفي بعض الأحيان، تبدو وكأنّها تؤثّر على أحداث القصّة نفسها، فحينما تنبعث أغنية تي ركس T. Rex التي تقول "أوه ديبورا، أنت تبدين مثل حمار وحشيّ!" (لا أعرف كيف تبدو هذه الكلمات رومانسية بالانكليزيّة) كانت ديبورا Debora تلبس بالفعل زيّا أبيض وأسود.
يتسرّب التداخل بين الموسيقى والأحداث إلى أعماق البناء الدراميّ، فيتحوّل إلى دافع للأحداث، حينما يصبح وسيلة تعارف لطيفة بين الحبيبين، بحثا شيّقا في الموسيقى عن الأسماء، وعن الأحلام المؤجّلة. وأيضا في بعض اللحظات الأقل رومانسيّة، حين يصرّ بايبي السائق أن ينزل أفرادُ العصابة من السيّارة بالضبط مع إشارة الأغنية، أو حين ساهم بحثه عن موسيقى جيّدة في راديو السيّارة التي افتكّها من صاحبتها في إعطاء فكرة لطيفة لضحيّته المسنّة عنه، وهو ما خفّف عنه حكم المحكمة في النهاية…

يكشف كلّ ذلك عن عمل كبير قام به إدغار رايت لتحديد القائمة الموسيقيّة. لقد نصح تارنتينو زميلَه بعدم تحديد الأغاني بشكل قاطع عند كتابة السيناريو لأنّ استوديوهات الإنتاج كثيرا ما تجد مشاكل عند شراء حقوق استغلال هذه الأغاني. مع هذا، فقد أقدم إدغار على المخاطرة الكبيرة. نحن نعرف أنّه لو لم يحصل على أغنية ديبورا لـT. Rex، لاضطرّ لإعادة كتابة قسم كبير من الفيلم مثلا. الموسيقى أوّلا، هي ما يبدو شعار المخرج في هذا الفيلم. فالسائق بايبي يحدّد الوقت اللازم لعملية السطو بواسطة المقاطع الموسيقيّة، يختار المقطع المناسب ويحدّد به لحظةَ بداية العملية (الخروج من السيارة) ونهايتِها (العودة إلى السيارة) وهي أيضا لحظةُ بداية دوره كسائق فذّ. اِستوجبت طريقة عمل بايبي، كتابةَ مشاهد السطو انطلاقا من القطعة الموسيقيّة لا العكس، وهو ما دفع إدغار رايت إلى تسجيل الموسيقى بشكل مباشر خلال التصوير، وهذا وحده كافٍ للدلالة على عبقريّة الفيلم.


تسمح هذه الميزات بتصنيف Baby Driver كفيلم موسيقيّ بشكل ما، فلئن كان أبطاله لا يغنّون بشكل مفاجئ خارج السياق الدراميّ، فهم يغنّون داخله بتعلّات ذكية. ديبورا تدندن بصوت أثار انتباه بايبي، وبايبي يتابع أغنية تي راكس متمتما مترنّما راقصا، وباتز Bats (جيمي فوكس Jamie Foxx) يردّد مقطع Tequila وهو يفرغ خزّان المسدّس في ضحاياه، وحتّى الدكتور (كيفن سبايسي) كان له نصيب من الغناء حين تحوّلت عبارته (متخلّف يعني بطيء، هل هو بطيء؟) إلى مقطع رمكس Remix عبقريّ تسلّى بايبي بإنجازه.
والتأثير الكبير للموسيقى على المَشاهد، يجعلنا نتحدث عن كوريغرافيا موسيقيّة شبيهة بتلك التي نراها في الغنائيّات. خذ مثلا مشهد شراء القهوة، فمباشرة بعد شارة البداية، وانسحاب العنوان الكبير، تأخذنا الكاميرا في مشهد من لقطة واحدة طويلة، لتنقل لنا رحلة السّائق القصيرة من المبنى الذي يضمّ مخزن العصابة، إلى محلّ القهوة القريب. كلّ شيء كان موقّعا، محسوبا، منسجما مع خطواته الأقرب إلى الرقص، حتى الجدران التي كتبت عليها بعض كلمات الأغنية المصاحبة في شكل غرافيتي Graffiti. أو مثلا مشهد المجزرة الصغيرة التي تسبّب فيها باتز في مخزن تاجر الأسلحة، إذ كان كلّ شيء موقّعا على أنغام أغنية تاكيلا Tequila اللاتينية الشهيرة.


وحتّى قصة الحبّ البسيطة التي أضفت رونقا رومنسيّا لطيفا على الفيلم، تكاد تشبه قصص الحبّ التي نراها في الأفلام الغنائيّة. ولئن لم يؤدّ الحبيبان مقطعا غنائيّا متكامل العناصر، فقد أحالا ضمنيّا إلى ذلك، خصوصا في ذلك المشهد الرومانسيّ البهيج في محلّ غسل الثياب، حين اضطرّتهما سمّاعتا جهاز الأيبود iPod اللّتان يقتسمانها، إلى أن يتحرّكا معا بشكل منسجم كأنهما يرقصان مصحوبيْن في رقصتهما بحركة الأقمشةِ الملوّنة الزاهية اللولبيّة داخل آلات الغسيل.



لم يكن استعمال الأسلوب الغنائيّ بديعا سينمائيّا زخرفيّا لا أكثر، وإنّما كان منسجما تماما مع محتوى الفيلم. يجب أن نذكر دوما أنّنا نرى المشاهد بعيون السائق بايبي، هذا الفتى الغريب الذي فقد أمّه صغيرا بسبب حادث سيّارة، واحتفظ بذكرى صوتها العذب، وبحاجته الدائمة للموسيقى ليتجاوز مشكلة أذنيه التي خلّفها الحادث. لا يستطيع بايبي أن يستمع إلى العالم من دون خلفيّة موسيقيّة، لذلك كانت الأغاني حاضرة باستمرار، ولذلك أيضا كنّا نسمع الموسيقى من جهة واحدة حين ينزع أحدهم إحدى السمّاعتين من أذنيه.
ولأنّ السائقَ كما يقول باتز يجب أن يكون عينين وأذنين، فقد كنّا نرى الأشياء بعينيْ بايبي. لذلك بدت شخصيّات الفيلم ممعنة في الكاريكاتوريّة. بُدي Buddy ودارلينغ Darling العاشقان حتّى السخف، وباتز المتهوّر حتى الغباء، وأبوه يوسف Joseph الأكول، والدكتور زعيم العصابة الذي لا يجد كلمة سريّة سوى "بانانا" (موزة)... إنّ الواقع حتما لا يشبه كلّ هذا، ولكنّ بايبي يقوّض الواقع ويجعله أجمل بواسطة الموسيقى. معاناة والده المقعد والأصمّ تصبح أقل إرهاقا، وصوت الموت المنهمر من حوله يصبح أكثر هوانا، وأحلام حبيبته اللامعقولة تصبح أقرب إلى المنال. إنّ هذا هو أجمل ما في Baby Driver، الموسيقى التي لا تخدّر آلامنا فحسب، وإنّما تجعل الواقع ممكنا.
فيلم Baby Driver ليس فيلم سرقة فحسب، بل هو فيلم موسيقيّ بامتياز، وهو أيضا فيلم مطاردات لم نرَ مثله منذ زمن بعيد. ليس ذلك النوع من المطاردات التي تغلب عليها المؤثرات البصرية كما في سلسلة أفلام "السرعة والغضب" The fast and the furious. وإنّما تلك المطاردات التي نشعر بتفاصيلها ونراها على خارطة نرسمها في أذهاننا بسهولة.
لقد تلاعب إدغار رايت بأصناف سينمائيّة كثيرة في فيلم واحد، يطغى على أحداثه الرّصاص والأوغاد، وتطغى على أسلوبه الموسيقى، تماما كما كان يفعل تارنتينو في مرحلة التسعينات وبداية الألفينات، ولئن كان رايت أقلّ عبقريّة في كتابة الحوار، فقد عوّض ذلك بإحداث علاقة فذّة بين الموسيقى التصويريّة والأحداث. جاء Baby Driver بهيجا، متّقدا، حركيّا كما يجدر بأفلام الصيف، ولكنّها أيضا جاء مبدعا، ذكيّا، جديرا بأن يُذكر في شهر شباط القادم.


------------------------------------------------------------
العنوان : بايبي السائق Baby Driver
السنة : 2017
المخرج : إدغار رايت Edgar Wright
النوع : سرقة، مطاردات، جريمة، موسيقى، كوميديا رومانسية
البطولة : أنسل إلغُرت Ansel Elgort (بايبي)، جون هام Jon Hamm (بودي)، ليلي جايمس Lilly James (ديبورا)، كيفن سبايسي Kevin Spacey (الدكتور)، سي جاي جونز CJ Jones (الأب)
المدة : 112 دقيقة

Tuesday, August 22, 2017

معركة ضدّ الزمن

تقول الناقدة الكبيرة كارلا جنين "من الممكن اختزال أعمال مخرج/مؤلّف Auteur في فيلم واحد". وهو قول نجد فيه الكثير من الوجاهة والدقّة حينما يتعلّق الأمر بالمخرج البريطانيّ الأمريكيّ كرِستُفر نولان Christopher Nolan. إنّ هذا الرجل يكتب فيلما واحدا تقريبا منذ سنة 2000 حينما أخرج تلك الأيقونة المسمّاة Memento. وإن كان لهذا الفيلم من إسم، فهو حتما "لعبة الزمن" أو "معركة الزمن" أو أيّ شيء آخر ينتهي بـ"الزمن".
طبعا لا وجود للناقدة الكبيرة كارلا جنين، ولكنّ نولان نفسه لا يهتمّ كثيرا لمثل هذا التدقيق مادام قادرا على خلق جوّ أكثر واقعيّة من الحقيقة. في فيلم دنكرك قد ترى بوارج حربيّة فرنسيّة تُجلي البريطانيّين على أساس أنها سفينة بريطانية، وقد ترى الطائرات الألمانية تجوب الفضاء بأنف أصفر في زمن لم يُتّخذ فيه هذا القرار بعد، ولكنّها تفاصيل ثانويّة جدا لم يقف عندها الجندي المتقاعد العجوز وهو يشاهد الفيلم في إحدى قاعات لندن ويقول "لقد كان الوضع كما في الفيلم تماما". ومع ذلك، لم تخلُ واقعيّة نولان من هشاشة مثيرة للإحباط...

أين كان الإحباط؟ تختلف التأويلات وتتنوّع، وتطال مختلف عناصر الفيلم. يقولون إنّ قصّته لا بداية لها ولا نهاية، لا تمهيد ولا استقرار، مشوّشة الأحداث على غير هدى أو هدف. لكنّنا نحن الذين شاهدنا الفيلم بدون حبوب هلوسة، نعرف أنّ كلّ هذا ليس صحيحا، ونحن الذين شاهدنا الفيلم أكثر من مرّة، نعرف أنّ نولان نجح مرّة أخرى في ما يميّزه عن غيره من المخرجين: الرواية.

لحظة ظهور المقاتلة النازية في أعين الجنود العالقين
تبدو الرواية ذات طابع كلاسيكيّ مألوف. جنود، حصار، الحرب العالمية الثانية، دنكرك شمال فرنسا، مئات الآلاف من الجنود البريطانيين المحاصرين في الشاطئ بانتظار معجزة لإنقاذهم. هكذا دوما قصص الحرب الملحميّة. ومنذ أقلّ من سنة طالعنا مِل جبسُن Mel Gibson بإحداها من خلال مرتفع المنشار Hacksaw Ridge. لكن ليس حينما يتعلّق الأمر بنولان.
يتميّز نولان بهوس كبير في ما يتعلّق بأسلوب السرد. ولئن بدا ذلك أوضح في فيلم Memento (سنة 2000) فهو يتردّد في كلّ أفلامه الأخرى، على أنّ دنكرك اتّخذ منحًى تجريبيّا أعمق وأشدّ. إنّ المغامرة بتقنية سرديّة معقدة في أحد أفلام الميزانيات الكبرى Blockbusters لهي جرأة تستحقّ التنويه.


تقوم هذه التقنية على المراوحة بين ثلاث جبهات سردية، الأولى عند حاجز الأمواج Mole أو لنقل عند الشاطئ، وتمتدّ أحداثها لأسبوع كامل. والثانية في بحر القنال الانكليزية وتمتدّ أحداثها على يوم واحد. والجبهة الثالثة جويّة فوق الجبهتين وتمتدّ على ساعة وحيدة فحسب. وتتداخل الجبهات في نقطة ما من السرد لتصبح مشهدا واحدا قبل أن تتفرّق من جديد.
قد يخيّل للمشاهد في البداية أنه أمام تركيبة روائية بسيطة بعض الشيء، ثلاث قصص متناثرة، استغلّها نولان لرسم ملامح انسحاب دنكرك الشهير. مجرّد عنصر ثانويّ لا مناص من وجوده. لكنّ من شاهد أفلاما لنولان يعرف أنّه لا يحب البساطة، أو لنقل إنّه يحبّ تبسيط الأمور بأعقد شكل ممكن، لذلك فقد كانت عملية الربط بين القصص الثلاث معقّدة فعلا، ترتكز أساسا على الصورة لأنّ الحوار غائب تقريبا. فحين يبدأ نولان سرد الجبهة الجوية مثلا، نرى الطائرات الثلاث تحلّق فوق مركب أزرق. إنّه نفس المركب الذي استعمله الجنود عند الشاطئ في محاولتهم الأخيرة للهروب من دنكرك في آخر الفيلم. ومن خلال عناصر كهذه يمكننا أن نشكل صورة ذهنيّة لمسار الأحداث وكيف أنّ ما يحدث في الجبهة الجوّيّة ليس إلا ساعة يتيمة من آخر يوم من أسبوع الأحداث التي كانت تقع عند الشاطئ.
لقد تمّ سرد أحداث الجبهة الجويّة على امتداد فيلم يقارب الساعتين بينما دامت داخل القصة أقل من ساعة واحدة، أمّا أحداث الشاطئ، فلم يكن بسيطا أن يقتنع المشاهد أنّها امتدّت على أسبوع كامل. كان تعاقبُ الليل والنهار واضحا، ولكنّ المراوحة السردية مع جبهتي البحر والجوّ، ابتلعت هذا التعاقب، ومنحت أحداث الشاطئ تعاقبا أسرع من زمن السرد بكثير، وهذه لعبة نولان المعهودة مع الزمن.


زمن السرد وزمن القصة

يصرّ نولان أن فيلم دنكرك ليس فيلما عن الحرب، وإنّما عن البقاء. لكن من قال إنّ أفلام الحرب ليست في أغلبها أفلاما عن البقاء؟
بالعودة إلى الجبهات الثلاث، يمكن القول إنّ نولان قد عرض علينا المواضيع الرئيسية الثلاثة التي نجدها في أفلام الحروب: فعند حاجز الأمواج، يحاول الشابّ الإنكليزيّ الهروب من جحيم دنكرك بأي طريقة ممكنة، إنّ البقاء هو هدفه الوحيد. أمّا في الجبهة البحريّة، فكان الممثّل مارك ريلانس Mark Rylance يؤدّي دور مدنيٍّ بريطانيّ يهرعُ بيخته إلى دنكرك لينتشل أكبر عدد من الجنود البريطانيّين ويعود بهم إلى بلادهم. لا يحمل الرجلُ سلاحا ولا يحمل أيّة نيّة للقتال، فهدفه الوحيد هو الإنقاذ (ربّما يحيلنا ذلك مرّة أخرى إلى فيلم ميل جبسون، وبشكل أقل إلى تحفة سبيلبرغ إنقاذ الجندي ريان Saving Private Ryan). وأخيرا، نجد أنّ الجبهة الجويّة، هي الجبهة الوحيدة التي تمثّل هدف الحرب الطبيعي، أي القتال. فالطائرات الثلاث تخرج من أجل إسقاط الطائرات النازيّة وتأمين نقل البارجات الحربيّة للجنود البريطانيّين.
لقد حقّق نولان أهداف هذه الجبهات في مشهد الالتقاء المتميّز، حين أسقط الطيّارُ Farrier (آداء الممثّل المتميّز Tom Hardy) المقاتلة النازيّة التي كانت تهدّد المراكب البريطانية، ومنح بذلك وقتا للجنود العالقين في مياه القنال للبحث عن سبيل للنجاة، ومنح أيضا اليخت المدنيّ البريطانيّ الفرصة لإنقاذهم.

على أنّ هاجس البقاء ظلّ مسيطرا على أحداث الفيلم. ربّما لأنّه يتعلّق أساسا بإنقاذ أربعمائة ألف جنديّ من حصار مميت. وربّما لأنّ نولان حاول من خلال الصورة، أن يعدّد ضروب الموت المحقّق التي تطارد الجنود. الرّصاص المتهافت من أزقّة مدينة دنكرك، الرصاص الذي يخترق جدران المراكب، الجوع والبرد والعطش، مياه البحر حين تقتحم مركبا يغرق، أو حين تقتحم كابينة قيادة طائرة أسقطت، النيران المشتعلة في بركة البترول على سطح الماء، وبالأخص قنابل الطائرات المدوّية. كان وجه الموت الأصفر يطلّ من مقدّمة الطائرات النازيّة التي تظهر بين الفينة والأخرى، وكان وجه القبطان عند الحاجز الصخريّ يعلن عن ظهور الموت بعينيه البليغتين، في مشاهد هي الأكثر إمتاعا في الفيلم.
ومن المهمّ التأكيد على غياب الطرف الثاني في الصراع، أي الجانب النازيّ. فلا نرى من الجنود النازيّين إلا ظلالهم في مشهد الفيلم الأخير. وهذا التعمّد من نولان، يرمز إلى إبعاد هذا الطرف من الصراع، مصرّا مرّة أخرى أنّ المعركة كانت بين شخصيّات الفيلم وبين الزمن. لقد كان الزّمن أكثر حضورا من العدوّ، بل ربّما أكثر حضورا من شخصيات الفيلم الرئيسية.

يرى البعضُ أنّ دنكرك يعاني من تملّصه المفرط من أبطاله، فهو لا يقدّم لنا أسماءهم، ولا يطلعنا على ماضيهم ولا يسمح لنا بالتالي بالتعاطف معهم. ولا أعرف من أين جاؤوا بهذه القاعدة الغريبة. ففيم يفيد ماضي الشخصيات حين يصارعون الموتَ وحده، لا همّ لهم سوى الاستمرار في البقاء، والوصول إلى ضفّة الحياة؟ ولماذا على المشاهد أن يعرف أوّلا إن كان البطلُ سارقا أم مرابيا أم رجل مبادئ أم أحمقا أم محتالا ليتعاطف معه في هذا الصراع؟ إنّ القصة لا تتعلّق بقتال من أجل إيديولوجيا معيّنة، أو من أجل فكرة ما، ولا يحتاج نولان لتبييض تاريخ أبطاله أو إدانتهم، فحسبه أنّهم بشر يفعلون ما يفعله كلّ مشاهد طيلة حياته وإن بشكل أبسط وأقل عنفا : البقاء حيّا!
كان توجّه نولان في الفيلم واضحا، فهو يحاول أن ينقل الأحداث من الداخل لا من الخارج. لا يهتمّ بأن نرى الصورة كاملة بل أن نراها كما يراها أبطاله. لا نرى طائرة الموت إلا بلقطات الزاوية المنخفضة Low angle shots كما يراها الجنود، إذ تتهاوى من حالق على الجمع العاجز الذي يرتمي أرضا في استسلام ويستقبل قنابلها المدوّية فتصمّ آذاننا قبل أن تصمّ آذانهم. ولا نرى غرق البارجة الحربيّة بشكل كامل، بل نرى ذلك من داخل البارجة، حيث يرتجّ المكان، وتقتحمه المياه، ويميل بعنف، ولا نرى من الخارج إلا ما يراه الضابط الفرنسيُّ الذي كان بالخارج فعلا. أمّا مشاهد المعارك الجويّة فكانت تحفا تقنيّة حقيقيّة تجبر المشاهد على الميلان برأسه كأنّه يقود الطائرة بدل فارييه Farrier وصاحبه كولنز Collins.
لم يكتف نولان بتحويل عدساته إلى عيون أبطاله، بل نقل إلى المشاهد أحوال أبطاله النفسية والمعرفيّة. لذلك لا نعرف أكثر ممّا يعرف الأبطال عن ما يحدث حولهم، وما يعرفونه يكاد يكون منعدما أحيانا.


مشهد تشابك القصص الثلاث

ويبدو أن بعض النقّاد وخصوصا أولئك الذين ما انفكّوا يدفعون هوليود إلى أدلجة خياراتها الجماليّة منذ سنوات لم يستسيغوا واقعيّة دنكرك، أو لعلّهم لم يفهموها كما لم يفهموا ـ ربما ـ معنى التعبيرة الحرّة، ومعنى الرؤية المختلفة، ومعنى السينما. ورغم عدم خلوّ الفيلم من العيوب، لم يرعهم إلاّ خلوّ الفيلم من النساء (في الواقع، دفع نولان في نهاية الفيلم ببعض النساء في مشاهد المراكب المدنيّة البريطانية التي رست عند شاطئ دنكرك)، ومن سود البشرة (في الواقع رأيت بعض الجنود سود البشرة ولكنّ ذلك لا يرضي هؤلاء). واقترح بعضهم تفضّلا أنّ الفيلم كان ليكون أفضل لو أنّه تحدث عن جنديّة عوضا عن جنود ذكور. كأنّ تجنيد النساء خلال الحرب الثانية كان فكرة رائجة وطبيعية آنذاك، أو كأنّ على نولان أن يعيد تشكيل أحداث انسحاب دنكرك التاريخيّة المدوّنة، بحسب ما يشتهون.
إنّ هؤلاء القوم يدفعون بالسينما دفعا إلى مربّع أخلاقويّ بغيض ويمارسون نوعا من الرقابة الأخلاقية أسوأ بكثير من رقابة الحكومات القمعية، لأنّها رقابة تصم المخالفين بكلّ أشكال الميز العنصريّ، وتشيطن أي قول عفويّ مخالف.

مع ذلك، يوجد باب آخر أكثر أهميّة لنقد واقعيّة نولَن وتبيان نقائصها. فالرجلُ الذي أصرّ على تصوير الفيلم عند شاطئ دنكرك في ذات المكان الذي وقعت فيه الأحداث، ورفض ما أمكن استعمال الصور المحدثة بالكمبيوتر CGI وفضّل عليها بدائل أكثر بدائية لإضفاء أكبر قدر من الواقعية على المشهد، لايزال يعاني من ذات المشاكل التي تغافل عنها في فيلمه السابق Interstellar.

مشكلة نولان برأيي أنّه خلال اهتمامه بالتفاصيل العظيمة التي تجعلنا نشهق انبهارا، تجاهل التفاصيل البديهية التي لا نلتفت إليها إلا حين غيابها. وما كنتُ لأهتمّ لهذه التفاصيل لولا تركيز نولان على الواقعية منذ اللقطات الأولى للفيلم.
بدأ نولان فيلمه بمشهد الجنود الذين يمشون على مهل في طرقات دنكرك العتيقة، توحي ملامحهم باليأس وتوحي سلوكاتهم بالعطش والارهاق. كيف عرفنا أنّها طرقات دنكرك؟ من جذاذات ورقية ألقاها "العدوّ" من الجوّ، إذ التقط جنديٌّ إحداها، ونقلت إلينا عدسة نولان/عين الجنديّ فحواها: أنتم هنا، البحر أمامكم، العدو حولكم. خريطة بسيطة تفسر كل شيء في لحظات. وحين يبدأ حفل الرصاص من ورائهم، لا نرى من يضرب، ولا نعرف وجهة الهروب، كما هو حال الجنديّ الأخير الهارب. يتسلّق باب الحديقة، يختبئ وراءه والرصاص يشتدّ ويصبح أكثر عنفا. وتشعر وكأنّك مختبئ بجانبه، وأنّ كل شيء حقيقيّ من حولك، ثمّ يبتعد البطلُ خطوات عن الباب، ويعرّجُ يمينا نحو سور جانبيّ، لكنّ الرصاص لا يزال ينطلق من ورائه كأنّ مصدره قد عرّج مثله يمينا. لكنّك تعرف أن هذا مستحيل، وإلا لكان العدوّ على بعد خطوتين من الجندي البريطانيّ، وإذا بالمشهد يتهاوى، وتعود إلى مقعدك في السينما بعد أن كنتَ في دنكرك.

ينتابك نفس الشعور حين تدكّ القنابلُ الشاطئ ويرتفع الرمل في عنان السماء ثمّ ترينا الكاميرا شاطئا لا أثر فيه للحفر التي خلّفتها القنابل، كأنها لم تحدث. وينتابك نفس الشعور وأنت ترى مباني دنكرك الجميلة كأنها ليست تحت القصف، بل هي المدينة كما هي اليوم، وينتابك نفس الشعور وأنت ترى البحر مضطربا ثم هادئا وديعا في لقطتين من نفس المشهد. ومرّة أخرى حين تلحظ رقم البارجة الحربية H36 التي تمّ قصفها في النهاية وتذكر أنّك رأيتَها تقترب من الميناء البريطانيّ في بداية الفيلم. لكنّ الضربة القاصمة للواقعيّة التي أرادها نولان كانت اختفاء العنف ومشاهد الدماء. فربّما كان من حقّ نولان وأستوديوهات وارنر بروز Warner Bros أن يفكّروا في أكبر عدد من المشاهدين بمن فيهم المراهقين وكل من سيسمح له تقييم جمعية الفيلم الأمريكية MPAA Rating بمشاهدته، ولكن ليس من حقّه إدّعاء الواقعية في فيلم ينقل جحيم عمليّة انسحاب دنكرك وليس فيه أشلاء أو قطرة دم واحدة.
منذ البداية نعرف أنّ هناك خط التقاء بين الجبهتين البحرية والجوية

لم يعد نولان صياغة نوع سينما الحرب، بل إنّه استعاد مواضيعها الرئيسية (القتال، الإنقاذ، البقاء)، ولئن فشل في عملية الإيحاء بالواقعية رغم كلّ التقنيات السردية والتصويرية المبهرة التي استعملها، فقد نجح كالعادة في كسب معركته مع الزمن، فقوّض إدراكنا له، إلى حدّ استوت معه الساعة واليوم والأسبوع، واستحالت جميعها إلى دقّات ساعة متسارعة، نبضات قلب يرتفع نسقها إلى ما لا نهاية، تماما كموسيقى هانس تسمّر Hans Zimmer العبقريّة التي غلّفت الفيلم وملأت أجواؤه ربّما بإفراط كان من الأفضل تفاديه أحيانا.

-------------------------------------------------------
الإسم : دنكرك
المخرج : كرِستُفر نولَن Christopher Nolan
البلد : الولايات المتّحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، هولندا
المدّة : 106 دقيقة
النوع : حرب، تاريخ
البطولة : فيون وايتهاد Fionn Whitehead، أنورِن بارنرد Aneurin Barnard، مارك رايلنس Mark Rylance، توم هاردي Tom Hardy

Sunday, July 23, 2017

فضائيّ : رعب الصورة، ورعب الفكرة

عادت سلسلة أفلام "فضائيّ" Alien إلى قاعات السينما، بجزء جديد يحمل عنوان Alien : Covenant كتكملة للفيلم السابق بروميثيوس Prometheus (سنة 2012) وكحلقة وصل بين أحداث الجزء الأوّل والأحداث التي عرفناها في الفيلم الأصليّ لسنة 1979.


لقد عادت السلسلة منذ 2012 إلى مخرجها الأوّل ريدلي سكوتّ Ridley Scott الذي ارتبطت به وارتبط بها، رغم تعاقب مخرجين كبار على أجزائها الأربعة التالية. إذ قدّم جيمس كامرون الجزء الثاني Aliens سنة 1986، وأخرج دايفد فينشر الجزء الثالث Alien3 سنة 1992 وأشرف صاحب تحفة Amélie الفرنسيُّ Jean-Pierre Jeunet على الجزء الرابع Alien Resurrection سنة 1997، فكان كلّ جزء أضعف من سابقه وأقلّ ثراءً وإثارة للجدل. وربّما ظُنّ أنّ ردلي سكوتّ يملك سرّ وصفة الرّعب المطلوبة للكائن الفضائيّ الذي عُرف بإسم زينومورف Xenomorph، فتمّ الاستنجاد به (بسكوتّ لا بزينومورف!) لإنجاز الثلاثية الجديدة التي بدأت مع فيلم بروميثيوس Prometheus.


لقد كانت الانتظارات كبيرة في ما يخصّ بروميثيوس ولكنّنا منينا بخيبة أمل تجعلنا لا نرجو الكثير من الجزء الثاني Covenant. وتجعلنا أيضا نتساءل: ما الذي جعل Alien الأوّل أيقونة سينمائيّة بلا نظير في عالم الخيال العلمي؟ ولماذا فشلت المحاولات اللاحقة لاستعادة كلّ ذلك القدر من النجاح؟


تبدأ قصّةُ "فضائيّ" مع قصّة صنعه، فتعود بنا إلى بداية السبعينات حين كان الكاتب دان أوبانون Dan O'Bannon مغمورا يبحث عن انطلاقة ما، وكان المخرجُ الكبير جون كاربنتر John Carpenter طالبا يبحث عن مشروع تخرّج. أثمر لقاؤهما عن فيلم النجم المظلم Dark Star سنة 1974 وهو خيال علميّ كوميديّ تقريبا. ولأنّ أوبانون كان يرغب في الحفاظ على الفكرة مع الانتقال من الكوميديا إلى الرعب، فقد بدأت فكرة Alien تتبلور.


اِستفاد أوبانون كثيرا من تجربته مع التشيليّ أليخاندرو خودورفسكي Jodorowsky في المحاولة الفاشلة لإنجاز فيلم كثيب Dune إذ التقى آنذاك بهانس غودي جيجه H. R Giger مصمّم شخصيّة Alien فيما بعد، كما كان لقاؤه برونالد شوست Ronald Shusett لكتابة فيلم Total Recall مؤثّرا جدا، فرونالد كان شريكَه في كتابة Alien أيضا. وبعدما عرضا النصّ على المنتجين، أعيدت كتابة الفيلم بشكل كليّ. كما لم تكن شركة Fox 20th Century لتعطي الضوء الأخضر لإنتاجه لولا النجاح الكبير الذي حقّقه فيلم حرب النجوم حينئذ. لقد كان فيلم Alien النصّ الوحيد المتاح عن المركبات الفضائية!

إنّ كلّ هذه المعلومات مهمّة جدّا لقراءة فيلمٍ لا يُمكنُ إخضاعُه إلى نظرية المؤلّف الكلاسيكيّة Auteur theory، فإسهام ريدلي سكوتّ كان لاحقا لتشكّل أغلب ملامح Alien، بشكل تراكميّ جماعيّ، ولا ينبغي لقراءة الفيلم أن تتجاوز هذه الحقيقة، ليس فقط لأنّها جوهرية في عمليّة الفهم، وإنّما لأنّ الفيلم كان واعيا بها بشكل مدهش.
تتجلّى هذه الحقيقة في كل مشهد في Alien. فكثيرا ما يحيلنا إلى فكرة وفكرة مقابلة أو فكرة موازية، أو أفكار كثيرة أخرى غير مترابطة، ما يجعل محاولة توحيدها أو دمجها أمرا غير مجدٍ. لذلك ارتأيتُ أنّ  التمشّي الأفضل هو أن نزور مشاهد الفيلم الجوهريّة والتي يمثّلُ كلّ منها قسما مستقلاّ قابلا للقراءة بشكل منفصل.

المشهد الأول : الولادة
وسط الظلام الذي يغلّف الكون، ويغمر مركبة الفضاء نوسترومو Nostromo، يتّخذ مشهد الولادة لونا أبيض ساطعا، يبدّد به الظلمة، ويعلن من خلاله نهاية جمود طاقم نوسترومو الطويل.


إنّها الولادة، حيث يخرج رائد الفضاء ليواجه المستقبل والمصير حاملا لواء البشرية جمعاء. يمثّل رائد الفضاء في مدوّنة الخيال العلمي، كلّ فضائل الإنسان الحديث، إنّه الرجل الخارق الذي استطاع تجاوز السماء، بفضل علمه وأخلاقه وقوّته، وهو لذلك كلّه يكون رجلاً لا امرأة، بل إنّه يخفي كلّ صفة جنسيّة له خلف زيّه الأبيض الصّامت، كما لاحظت ذلك فيفيان صُبشاك Vivian Sobchack في دراستها عن "عذرية رائد الفضاء1" .


وما من شكّ أنّ ردلي سكوتّ وطاقمه، لا يجهلون هذه الأفكار، بل لعلّهم استندوا إليها في صنع هذا المشهد. تأمّل هذه الموسيقى الهادئة، وهذا النهوض المتدرّج الناعم من كبسولة التجميد. ثمّ هذه القطع القماشيّة التي تخفي العورات وتنشد العفّة كأنّنا أمام لوحة قروسطيّة لآدم وحوّاء.



أمّا فكرة الولادة، فتحيلنا إليها عناصر ثلاث. فأمّا الأولى ففكرة الاستيقاظ من بعد جمود طويل، كأنّ أعضاء الطاقم السبعة قد منحوا حياة جديدة. وأما الثانية، فخروجهم من كبسولات التجميد الزجاجيّة، كأنّهم صنيعة الأنابيب. لقد كان أطفال الأنابيب أحد أهمّ أحداث السبعينات، ولقد سبّب هذا السبق البيولوجيّ جدلا أخلاقيّا كبيرا انتهى عند ذلك السؤال المفزع : هل بدأ العدّ التنازليّ للتخلّي عن المرأة كحامل للحياة؟ وأمّا العنصر الثالث فهي الأمّ Mother، ذلك الكمبيوتر المركزيّ المشرف على مركبة نوسترومو، والمسؤولُ عن عمليّة الإيقاظ بعد تلقيه إشارات قادمة من كوكب قريب.


تأخذ عمليّة الولادة إذا بعدا رمزيّا يصلح منطلقا مفيدا لقراءة الفيلم. فرائد الفضاء، الذي يمثّل زبدة الحضارة الإنسانية، هو وليد التقنية التي تمثّلها الأمُّ، وهو يدُها التي ستطلقها عميقا في الفضاء لسبر أغواره واختراق أسراره.

ويمضي المشهد الموالي في ذات التوجّه وهو يقدّم للمشاهدين أعضاء الطاقم أثناء تناولهم الطعام. حيث نلحظ منذ البداية، سيطرة العنصر الرجاليّ، فهو الجنس الطبيعيُّ لرواد الفضاء. ومن ضمن الرجال الخمسة، يبرز ثلاثيّ القيادة : دالاس قائد الطاقم الأول، الذي يمثّل فضيلة القيادة، وآش Ash المسؤول العلميّ الذي يرمز إلى فضيلة العلم والمعرفة، وباركر Parker المسؤول الهندسيّ، وهو في الغالب يرمز إلى فضيلة الرّجولة. وهذا الثلاثيّ معا يرمز إلى خصال الرّائد العذريّ، وهو ما يمكن توقّعه من مركبة تُسمّى نوسترومو Nostromo (أو رَجُلُنَا). وحتى على مستوى النساء، فتبدو لامبرت Lambert بشعرها القصير ولباسها المحايد أقرب إلى الذكور، وهي بشكل ما، تمثّل الأنثويّة المقموعة (والهستيرية أيضا).
وحدها ريبلي Ripley تبدو بشعرها الطويل، وسحنة وجهها الواثقة، أقرب إلى حقيقتها الأنثوية. يمثّل القطّ Jones هذه الحقيقة، حيث يجلس هادئا بجانبها على طاولة الطعام. ما علاقة القطّ بحقيقتها الأنثوية؟ هذا سؤال لا يليق طرحه، يكفي التأمّل قليلا في معاني الكلمة بالإنجليزية…

المشهد الثاني : مطوِّق الوجه Facehugger
لئن تميّز القسم الأول من الفيلم بمشهد الولادة، فإنّ  جوهر القسم الثاني كان مشهد "مطوِّق الوجه" Facehugger. لم يكن هجوم الكائن الفضائيِّ على كاين Kane هجوما تقليديّا ولا يشبه ما ألفناه من الفضائيّين في مدوّنات الخيال العلمي، فذلك يحدث غالبا عن بعد، وباستعمال قوى خارقة تسلب إرادة المرء، أو روحه، أو تتحكّم في عقله، ولعلّها تقتله دون أن يَحدث تلامسٌ مباشر. في هذه المرّة، كان الهجومُ أشبه شيء بالافتراس. لقد تحوّل رائد الفضاء إلى طريدة لكائن فضائيّ مجهول، يتصرّف بوحشيّة الأدغال وبدائيّتها، ويحوّل قفزة الإنسان الحضاريّة الكبرى في المستقبل، إلى عودة مخيفة إلى الزمن السحيق، حينما لم يعتلِ بعد قمّة السلسلة الغذائية، ولا يزال طريدة لكائنات أشدّ افتراسا وأقوى.





غير أنّ قراءة المشهد لا تتوقّف عند هذه الرؤية، ذلك أنّها مرتبطة بالعناصر الكثيرة المبثوثة في هذا القسم، والتي لا يسعنا إلاّ اقتفاء آثارها حتّى نفهمه (المشهد) بشكل أشمل.
كانت العلاقات بين أعضاء الطاقم تتطوّر شيئا فشيئا، فتعمّق طورا فكرة الرّائد العذريّ التي يمثّلها المجتمع الأبويّ القائم في المركبة، وتبرزُ طورا آخر، تلك الحالة الخاصّة التي تميّز ريبلي Ripley عن هذا المجتمع.
وفي حين تكشف لامبرت Lambert بشكواها الدائمة عن جانب هستيريّ يرمز إلى القمع الذي تسلّطه على نفسها لتلائم مجتمع الروّاد الذكوريّ (أو اللاجنسيّ)، تتبلورُ أكثر صورة ريبلي المتمرّدة على نواميس هذا المجتمع وسلطته الأبويّة. ريبلي تناقش قرارات القائد دالاس، وتبدي اعتراضها عليها، ريبلي تشكّك في القراءة "العلميّة" للرسالة المستقبَلة وتعتقد أنّها تحذير ما وليست استغاثة، ريبلي تواجه تحرّش باركر بعينين حادّتين، وثقة مربكة. وأخيرا، ريبلي ترفض أوامر القائد المخالفة لقواعد السلامة. إنّ شخصيّة ريبلي تنبني على تحدّي كلّ الخصال التي تؤسس لشخصيّة الرّائد العذريّ، ولذلك من المهمّ قراءة مشهد "مطوّق الوجه" من منظور جنسيّ، خصوصا وأنّ عناصر القراءة وفيرة جدا!


عبّر الفيلم منذ بدايته عن وعيه واستيعابه لصورة الرّائد العذريّ الكلاسيكيّة، ولئن بدا متواطئا معها في مشهد البداية، فمتحدّيا في مشهد الفطور وما يليه، فقد أصبح ساخرا في هذا القسم مستهزئا. واتّخذت المشاهد خفيةً، طابع المحاكاة الساخرة منذ الاقتراب من الكوكب الغامض وحتّى مشهد مطوّق الوجه: هاهي مركبة الرائد العذريّ، أقصى منجزات العقل البشريّ، وزبدة معجزاته التقنيّة تنطلق كحيوان منويّ نحو الكوكب الساكن كبويضة تنتظر التخضيب، لكن بمجرّد الاقتراب من الغلاف الجويّ، يهتزّ الثبات وتمّحي القوّة والاعتدادُ، فترتعش بشكل مثير للشفقة وتنجو من التحطم بمعجزة. ويعاود المشهد تكرار ذات المقاربة، وذات الاستعارات وإن بشكل أكثر وضوحا. هذه المرة، سيخرج الروّاد بأزيائهم البيضاء الناصعة من ممرّ المركبة القضيبيّ، نحو مصدر الرسالة الصوتية التي التقطت الأمُّ إشاراتها : جسم ضخم مهيب، أقرب إلى سفينة مهجورة، تتّخذ شكل الرحم (أو على الأقل جزء المبيضين) بدون أدنى محاولة للمواربة!
وفي داخل السفينة الغامضة، سوف يداهمنا الشعور بأنّ جدران الممرّات تأخذ طابعا عضويّا مألوفا، حتّى إنّ المكان العامر بالبويضات الذي اكتشفه ـ لسوء حظّه ـ كاين Kane لم مفاجئا كثيرا. فما الذي يمكن أن نتوقّع وجوده في آخر النفق المؤدّي إلى المبيض؟ وإلامَ سيفضي استئثار رائد/حيوان منويّ لوحده بالدخول إلى المكان؟ عمليّة إخصاب مثلا. لكنّ عملية الإخصاب حدثت بالاتجاه المعاكس في قلب جديد للصورة والمفاهيم. وخلافا لحادثة ارتجاج السفينة في المقاربة الأولى، لم يكن قلب المفاهيم هنا "ظريفا" بل مرعبا وعنيفا وخاليا من المقدّمات. أطبق مطوّقُ الوجه ـ الشكل البدائيُّ للكائن الفضائيّ ـ على وجه ضحيّته الأولى وتغلغل بجزء خفيّ منه إلى داخل فمه تاركا جزءه الظاهر كيدٍ تمنع فريستها من الصراخ، فالصورة لا تتوقّف عند عملية قلب المفاهيم، من خلال "إخصاب" عكسي من البويضة إلى الرّائد، بل تتجاوزه إلى التعبير عن اعتداء جنسيّ عنيف. فهل له ما يبرّره؟

المشهد الثالث : ممزِّقُ الصدر Chestbuster
يتميّز القسم الثالث من الفيلم، بمشهد ممزّق الصدر Chestbuster الرّهيب، وهو المشهد الأهمّ في الفيلم والأكثر كابوسيّة وتأثيرا في المشاهدين. ولذلك فإنّ لقراءته أوجها عديدة متنوّعة.
ورغم اتّخاذ الكائن الفضائيّ شكلا فيزيولوجيا جديدا، فقد تواصلت طبيعة عدوانه الجسديّة ذات الأبعاد الجنسيّة الواضحة. يستعيرُ الظهور الثاني صورة الولادة، ربّما الولادة القيصرية الدمويّة، ولكنها أيضا ولادةٌ قسرية، تذكّرنا مرّة أخرى أنّ ما حدث في السفينة الغامضة، كان اغتصابا.
وأمعن شكلُ ممزّق الصدر القضيبيُّ في عملية التذكير هذه، وكأنّ عملية الاغتصاب الجديدة تحدث من الداخل إلى الخارج لا العكس. وربّما كان ذلك أحد مصادر الرعب الكبير الذي أحدثه المشهد في النفوس. تؤكّد ذلك كاثرين كونستابل في تحليلها للفيلم، فقد فسّرت الرّعب الذي يمثّله الفضائيُّ بحقيقة أنّه "يقدّم عرضا لما هو داخليٌّ على أنّه خارجيّ، معيدا لعين المشاهد شبحَ لُزُوجَةٍ جسدية تمّ نبذُها". إنّه رعب جسديٌّ ـ جسديٌّ بالأساس، يقف فيه الجسد قبالة نفسه التي أنكرها ويواجه فيها مخاوفه القصوى. ومن أهمّ هذه المخاوف، الإنجاب.

ليس غريبا إذا أن تهتمّ النسويّات بفيلم Alien وأن يكتبن عنه الكثير، بناء على النظرية النسوية Feminist theory. ومن هذا المنظور، من البديهيّ أن يمثّل الفضائيُّ كل رذائل النظام الذكوريّ ووحشيّته، إذ يمارس كلّ أشكال الاغتصاب والاعتداء الجسدي، ويتجلّى في قالب ذكوريّ لاشكّ فيه. وهذه قراءة قاصرة لا تلقي بالا لأشكال الفضائيِّ الأخرى، ولا لمدلولية البويضة التي انبثق منها. كما أنّها تتجاهل حقيقة أنّ ضحيّة الوحش الفضائيّ هنا، هو هذا النظام الأبويّ نفسه، ممثّلا في المركبة الفضائيّة، وفي الرّائد كاين Kane (في هذا المشهد).
ولقد قلبت القراءة النسويّة الثانية هذه الصورة، معتبرة أنّ الفضائيَّ ذو طبيعة أنثويّة أساسا، يحاول قلب نواميس النظام الذكوريّ، بالاعتداء على رمزها الأرقى : الرائد العذريّ. لذلك طالت الاعتداءاتُ الرجالَ، والنساء المكبوتات اللاتي يحاولن الاندماج في النظام الذكوريّ، أي نساءٍ مثل لامبرت Lambert، أما الأنثى التي ترفض ذلك مثل ريبلي، فهي الجديرة بالنجاة.
لكنّ هذه القراءة أيضا تصطدم ببداهة الأشكال الذكوريّة لاعتداءات الكائن الفضائيّ (الاغتصاب الفموي، الشكل القضيبي، استعمال الذيل بعد التحوّل إلى زينومورف، الخ)، إضافة إلى حقيقة أنّ الكائن لا جنسَ له، فهو أقرب للخنثى يجمع بين الذكر والأنثى، مؤكّدا بذلك حقيقة بسيطة : رمزيّةُ الجنس هنا موظّفة في اتجاه معنى خارج مشكل الجندرة أصلا.


لقد اعتمد الفيلمُ على المقاربة الجنسية بشكل مجازيٍّ في رأيي، معتمدا على التشبيه المألوف في الثقافة الغربية الذي يرمز للطبيعة بالمرأة، ويرمز للحضارة بالرجل. فبهذا المعنى، يمثّلُ النظام الذكوريُّ القائم بالمركبة، نظام الإنسان الحديث القائم على التطور التقني، والإيغال في المعرفة للتخلّص من طبيعة الإنسان الوحشيّة. إنّ أسمى صور التفوق التقنيّ حينئذ تتمثّل في التخلّص من الجنس، ومن عملية التكاثر الطبيعية، لصالح ولادة مقنّنة، بشَّر بها الخيال العلميّ ربما منذ رواية Brave New World لهكسلي، ولكنّها أخذت طابعا جدّيا مع أطفال الأنابيب في السبعينات. أمّا الفضائيّ فيمثّل طبيعة الإنسان المتوحّشة الخالصة التي تحاول التقنية قمعها، فتتجلّى بأعنف الصور الممكنة. وبهذا المعنى أيضا، يمكن فهم ما يعنيه هجوم الوحش، على هؤلاء الروّاد، الذين يمثّلون أيدي الحضارة الأكثر رقيّا، وما يعنيه الشكل الجنسيّ لهذا الهجوم.


يتمتّع الفضائيُّ بكلّ تلك الرذائل التي يحاول الإنسان الحديث التملّص منها، رذيلة الجنس وبالأخصّ رذيلة العنف، يتجاوز كلّ طرح أخلاقيّ ممكن لهذه الاعتداءات، على اعتبار أنّه كائن مطارد وأنّ الإنسان طريدته الطبيعيّة، على اعتبار أنّه خلق ليكون أقوى، فهو بلسان نيتشه ما وراء الخير والشرّ. فهل إنّ نزوع الإنسان إلى التملّص من طبيعته الجنسية والعنيفة، هو تملّص من حقيقته الإنسانيّة، ومن تفوّقه؟ هل يمكن أن يمثّل الفضائيُّ وهو يطلّ من صدر كاين المحطّم ذلك الوحش الكامن فينا؟



يجيب تصميم فرويد البنيويّ الشهير للنفس عن هذا التساؤل بشكل ما، إذ يمثّل الفضائيُّ جانب "الهو" Id في الإنسان أي غرائزه ورغباته الدفينة وانفعالاته البدائية مثلما يمثل الروّاد العذريّون، جانب الأنا الأعلى Super Ego فيه، أي مثله العليا وسلطة القمع والكبت فيه. وهي مقاربة لا تفسّر وحشيّة الفضائيِّ فحسب، وإنّما تفسّر سبب هلعنا منه أيضا.


ولو استعرنا فكرة أخرى لفرويد عن الأحلام، يمكن القول بأنّ الفضائيّ كعنصر كابوسيّ، هو حمّالٌ لمعان كثيرة ومختلفة، تماما كما يحدث في عالم الأحلام. إنه الطبيعة المتوحّشة التي لا تقبل أيَّ ترويض، وهو أيضا الهو الوحشيّ الكامن فينا رغم كلّ القمع الذي تمارسه فضائل الحداثة والمعرفة والتقنية. لذلك لا يملك الفضائيُّ جنسا واضحا بعينه، إنّه يمثّل أحيانا الأنثى المتكاثرة الولاّدة البيولوجيّة، وأحيانا سلطة القضيب الذكري القاصمة. ولكنّه في الحالتين، يثير في المتفرّج هلعا لا لأنّه يرى فيه الآخر الذي لا يمكن أن يكونه، كما يحدث عادة مع الشخصية الشريرة، وإنّما لأنّه يرى فيه الآخر الذي يمثّل جزءا منه، إنّه الآخر الذي في داخله. وهو ما يحدث فيه شعورا بالاشمئزاز والدناءة، كما تفترض ذلك نظريّة جوليا كريستيفا Abjection theory.

في هذا القسم من الفيلمِ تتحدّدُ أكثر شخصية ريبلي، كامرأة تجد نفسها في مواجهة دائمة مع بقية الطاقم. تواجه تحرّش باركر وبرت، تواجه سلوك آش Ash المشبوه، وتواجه قرارات دالاس Dallas غير المسؤولة وانتقادات لامبرت Lambert المتبنّية لمنطق قامعيها. ريبلي ترفض أن تبقى في الظّل، وأن تنصاع.

المشهد الرابع : ظهور الزينومورف Xenomorph
في هذا القسم، يمعن المخرج في ما سبق أن أشرنا إليه، أي الإيحاءات الجنسية المتوارية خلف جدار الرعب. إنّ كلّ تفصيل بريء يمكن أن يؤوّل جنسيّا، هو إنذار بجريمة مرتقبة. ففي طريقه إلى الزّينومورف، اخترق دالاس بوّابة دائرية تنفتح كما المهبل، وعندما تحسّس تلك المادّة اللزجة كان الزينومورف أمامه.
لكنّ الفضائيّ أخذ شكله الزينومورف النهائيَّ الذي اشتهر به، قبل أن يهاجم بريت Brett. وقد سبق الهجوم أيضا إشارات واضحة، مثل لقطة الماء المنسكب على وجهه وتجلّيه أوّلا عبر ظلّ ذيله الكبير. كما أنّ الاعتداء تمّ بخروج قسم من فمه الوحشيّ على شاكلة قضيبيّة phallic قامت بالاعتداء.


المشهد الخامس : الأندرويد آش Android Ash
يتمحور هذا القسم أساسا حول شخصيّة آش Ash الذي نكتشف طبيعته الالكترونية، واستتباعاتها. لقد كان هذا الكشف مفاجئا جدّا وبعيدا عن مسار الأحداث. والسبّب أنّه لم يكن موجودا في القصّة الأصليّة، وإنّما كان إضافة المنتجين، ولقد اعترف الكاتب رونالد شوست أنّها كانت إضافة رائعة.
لم يكن هذا الكشف مجرّد بهارات سرديّة وتنويعا في الرعب، بل وقع دمج الفكرة بشكل رائع في فكرة الفيلم الرئيسية، وتمّ الاستفادة منها كما ينبغي. وأعتقد أنّ الفضل في ذلك يعود إلى المخرج ريدلي سكوتّ. إنّ لهذا الرجل منزلة فريدة في عالم الخيال العلمي، ويكفي أنّ إسمه مقترن بهذا الفيلم، وبفيلم Blade Runner الشهير. ورغم أنّ سكوتّ يبدو بالنظر إلى ظروف إنتاج الفيلم، أقرب لمدير التصوير للمخرج المؤلّف، فإنّ بصمته لا تخطئها العين، وقدرته على استيعاب أفكار الكتّاب المساهمين، والفنّانين المصمّمين مبهرة حقّا.

لقد تجلّت هذه القدرة في مشهد خطاب آش Ash الأخير خصوصا، إذ يقف الجميع منصتين إلى رأس الأندرويد المقطوعة المثبتة جوار الجسد الهامد وقد لفظ أسلاكه وسوائله البيضاء المقلقة. لقد تردّد هذا المشهد كثيرا في ما بعد، في أعمال السايبربنك Cyberpunk على وجه الخصوص، وكأنّها الحالة الوحيدة التي ينقاد فيها الأندرويد لقول الحقيقة.






والحقيقة لا تتعلّق بتواطؤ Ash والشركة والأمّ The mother لجلب الزينومورف ولو على حساب حياة الطاقم البشري، وإنّما تتعلّق بما يكنّه الكائن اللابشريّ، هذا الذكاء الصناعيُّ، من "شعور" تجاه الزينومورف. فهو لا يخفي إعجابه العميق بالكائن، وبنقائه. بل إنّه يغبطه، ويعتبره القدوة التي ينبغي اتّباعها، لذلك كان اعتداؤه على ريبلي بالصحيفة الملفوفة بشكل اسطوانيّ، ذا بعد جنسيّ لا غبار عليه. إنّ Ash بحكم طبيعته اللابشريّة، لا يحمل أيّة مشاعر جنسية، ولكنّه يتبنّاها ويتبنّى رمزيّتها ويلفظ ما يفترض أن يمثّله الكائن الآليُّ من رقيّ حضاريّ، وتطوّر تقنيّ مذهل. وبعبارة أخرى، فقد كان Ash الجانب المقابل للزينومرف، جانب العقل والعلم والتجرّد من المشاعر كنقطة ضعف مؤثّرة على السلوك والأفكار. ولكنّه في تمثيله لهذا الجانب، انتهى إلى حقيقة أنّه عاجز أمام هذا الكائن النقيّ المتوحّش الأكثر رقيّا. لقد تعرّض آش للخلل التقنيّ الذي يرافق صناعة الإنسان، بينما لم يبد على الزينومروف أي علامة من علامات النقصان أو الضعف.


المشهد السادس: ريبلي Ripley
في عملية قلب أخرى لما هو مألوف، كانت لامبرت المرأة الهستيرية الشقراء وباركر الأسود آخر ضحايا الزينومورف، ففي أفلام الرعب الكلاسيكيّة يكونان عادة الضحيّة الأولى. في المقابل، كانت لامبرت ضحية كلاسيكيّة جدا، لطباعها الهستيريّ الذي تمتلئ به أفلام الرعب، ولتناسُبِ هذا الطباع مع الإشارة الجنسية القويّة التي يستعملها الوحش قبيل الاعتداء.

في الأثناء، كانت شخصيّة ريبلي التي تتطوّر في كل قسم أكثر تجاه القيادة والأخذ بزمام الأمور، قد باتت جاهزة لفعل ما يجب فعله : مواجهة الأمّ.
كانت الأمّ Mother جهاز الكمبيوتر المركزيّ الذي يدير المركبة، ولقد فهمنا بمرور الوقت أنّ هذه الأمّ التكنولوجيّة لا تمنح الحياة كما أوهمتنا به في مشهد الافتتاح، بل هي أمٌّ تمتلك خصال القتلة. أمٌّ تتآمر لتلقيَ بأبنائها إلى التهلكة، فترسلهم نحو كوكب مجهول، وتسمح بتسرّب الوحش القاتل إلى داخلها. وهاهي في هذا القسم لا تلقي بالا لطلبات ريبلي Ripley. لقد أدركت ريبلي أخيرا، أنّ "أمّها" قاتلة (الحقيقة أنّها استخدمت وصفا آخر أكثر دقّة في الفيلم)، وأنّها إذا ما أرادت البقاء، فعليها الاعتماد على غريزتها.


يمثّل القط جونس Jones طبيعتها الأنثويّة النقيّة من كلّ شوائب الحضارة لذلك لم يكن في أيّة لحظة هدفا للزينومورف. وكلّما بدا لنا وكأنّها تحاول إنقاذ جونز، كان جونز/غريزة الأنثى بداخلها منقذَها. وعندما هرعت إلى داخل سفينة الإنقاذ الصغيرة،
لم تتخلّ ريبلي عن الأمّ وعن مركبة نوسترومو فحسب، بل تخلّت عن انتمائها للرّواد العذريّين، بتجرّدها من زيّها الرسميّ الأبيض، والكشف عن تضاريس جسدها الأنثويّ الذي طالما قمع داخل الزيّ الموحّد. إنّه مشهد هذا القسم الرئيسيّ، وأحد مشاهد الفيلم الأيقونيّة، وبفضله احتفظت سيجورني بإسمها في سماء هوليود. لا أحد يفهم سرّ الأنوثة الطاغية التي أطلّت من ظلال جسدها النحيل الطويل، لتخلّصها من كلّ انتماء إلى الرواد العذريين. لا أحد يفهم السرّ، ولكنّ هناك شبه إجماع على نجاح تأثيره.


كانت النهاية معقولة ومنطقية جدا عند هذا الحدّ، ومتناسقة مع الأفكار التي سبق الحديث عنها. فريبلي بتقبّلها لطبيعتها الأنثويّة، وتمرّدها على منظومة الحضارة، استطاعت أن تتحوّل إلى ندّ كفء للزينومورف والتخلص منه. لكن يبدو أنّ المخرج يراوغنا مرة أخرى بظهور الفضائيّ الأخير. فقد أجبر ظهور الفضائيِّ ريبلي على العودة إلى زيّ الرّائد، وتغطية جسدها من جديد. وكان عليها أن تعود إلى الحضارة مرّة أخرى، وتعتمد على التقنية للتخلّص من الفضائيّ. لقد بدا وكأنّ المخرج لا يريد أن يتّخذ موقفا واضحا، بل يقترح نهايتين مختلفتين ومتناقضتين، متسائلا هل باتّباعنا لطريق العلم والمعرفة، وتخلّصنا من ذواتنا البدائيّة المتوحّشة، نسلك طريقا طبيعيا؟ أم أنّنا نتخلّى عن طبيعتنا؟


تكاد تمرّ أربعون سنة على عرض Alien، ورغم صدور أجزاء كثيرة طوال هذه السنين، لا يزال الجزء الأوّل مصدرا لا ينضب للدراسات والنظريات والجدل. وهذا يطرح أسئلة بخصوص عيوب الأجزاء اللاحقة أكثر ممّا يطرحه بشأن عبقريّة الجزء الأول.

إسم الفيلم : فضائيّ Alien
سنة الإنتاج : 1979
المخرج : ردلي سكوتّ Ridley Scott
الصنف : خيال علمي، رعب
المدّة : 117
البطولة : سيجورني وييفر Segourney Weaver
There was an error in this gadget

Translate