Friday, January 19, 2018

فيلم أمّ والتأويليّة

لا شكّ أنّ علاقة المخرج الأمريكيّ دارن أرنوفسكي Darren Aronofsky باليهوديّة أكبر من الانتماء الثقافيّ الذي أكّده. فالحضور اليهوديّ في أعماله كان دوما هناك، إلى أن تحوّل في فيلم "نوح" إلى تجربة هرمنوطيقيّة. ولئن بدا فيلم "أمّ" mother امتدادا لهذه التجربة، فإنّه برأيي أقرب إلى مقولة فريدرش نيشه الشهيرة : لا توجد حقائق، فقط تأويلات. لقد ضاعت الحقيقة وسط التهافت التأويليّ الذي أبهر البعض، وأزعج الآخرين، فلم نخرج بالنهاية إلا بمشاعر متضاربة لعلّها أهمّ ما قدّم أكثر الأفلام جدلا في السنة المنقضية.


لا يمكن الحديث عن فيلم أم! mother! دون التّورّط في حرقه، فالامتناع عن الإخبار عن أحداثه لا ينقذ القارئ، لأنّ جزءا من فهمها توفّره أداة التأويل. والخيار الأسلم هو أن يُشاهَد الفيلمُ قبل القراءة عنه.
تجربتي الأولى معه كانت مربكة، محيّرة وممتعة أيضا. لم أستطع الخروج بصورة كاملة، فالمشهد أشبه بشظايا لعناصرَ هجينة. لم يكن معقّدا أن أرى بعض المشاهد التوراتيّة الواضحة. فمع دخول الأخوين إلى المنزل واقتتالهما حتّى موت أحدهما، كان واضحا أنّنا أمام تمثّل لقصّة قابيل وهابيل، ما يعني أنّ أباهما ليس سوى النبيّ آدم وزوجته الشقراء (ميشال فايفر Michelle Pfeifer) الفضوليّة المندفعة ليست سواء حوّاء.

ومن هنا، يتحوّل الأمر إلى تمرين تأويليّ. قلبٌ للمشاهد والعناصر إلى رموز واستعارات. لقد جاء الرجل العجوز (إد هاريس Ed Harris) إلى منزل الشاعر (خبيير بارذم Javier Bardem) ليعبّر عن عشقه لكلماته، ولقدرته الفريدة على الخلق. نستنتج من ذلك ما ترمز إليه شخصيّة الشاعر، الذي لا يُعرفُ له إسم، ويشارُ إليه بـ"هو" Him بهاء كبيرة. وتظهر الإشارة إلى حوّاء (ميشال فايفر) في البداية مع تلك الندبة التي برزت عند ظهر العجوز ليلة قدومها، كأنّ ضلعا من ضلوعه قد اختفى! ويُمعن أرونفسكي في توضيح العلاقة بين الزوجينِ والشاعر، حينما دفعت الزوجةُ/حواء زوجَها إلى الدخول إلى الغرفة الممنوعة، فكسرا قطعة الكريستال، فطردهما الشاعر من الغرفة بإشارة بليغة بيده.
وبعد جريمة القتل، تواصلت المقاربة مع مشاهد سفر التكوين. فقد خلّفت الجريمة بقعة من الدم حفرت عميقا في أرضيّة المنزل ولم تضمحلّ، كإشارة إلى تأثيرها في مستقبل الإنسانية. ومن الحفرة، تسرّبت الدماء إلى باطن المنزل، وفتحت بابا في الجدار، فخرجت من خلفه ضفدعة هي رمزٌ للشرور في الكتاب المقدس.

وجاءت الشرور مع الناس الذين تهافتوا على المنزل ليعبّروا عن عشقهم لكلماته وإبداعه، فإذا هم يعيثون في بيته فسادا، ولم ينتهوا عن ذلك إلا عندما كسروا حوض المطبخ وتسببوا في ما يشبه طوفان نوح. وبالفعل، كان الطوفان سببا في إجلائهم عن المنزل. ثمّ إنّ أرنوفسكي انتقل إلى العهد الجديد، فهاهو يحدّثنا عن هذا الطفل المنتظر الذي بمجيئه، جاء الوحيُ مرّة أخرى، وولدَ الكتاب/الانجيل. فعاد الناس، وعاد الفساد إلى حدّ مروّع، وتحوّل المنزل إلى ساحة حرب حقيقيّة، وجنَّ الناسُ والتهموا ابنَ شاعرهم حيّا واقتسموا لحمه ودمه، في إشارة إلى ضلوع البشر في قتل المسيح ـ حسب الرواية المسيحية.


لم يكن تأويل المشاهد انطلاقا من المدوّنة التوراتيّة معقّدا، خصوصا مع مخرج مثل أرونفسكي. مع ذلك، فنحن لم نظفر أكثر من ذلك سوى بحيرة مطلقة. ماذا يريد أرونوفسكي من هذه المقاربات؟ أين تصبّ هذه الرموز؟ والأهمّ من ذلك، إلى ماذا ترمزُ الأمّ التي جسّدت دورها جنفر لورانس Jennifer Lawrence؟
تبدو "هي" عصيّةً على التأويل من داخل المدوّنة التوراتية، فـ"هو" لا زوج له، وحتّى رمزيّا لا يبدو أن الأمر يستقيم كثيرا، ربّما عدا فكرة أن ترمز إلى "الطبيعة الأمّ" Mother nature الدارجة في الثقافة الغربية. لكن سرعان ما يتداخل ذلك مع الأمّ كوالدة لما يبدو أنّه المسيح، فينهار البناء التأويليُّ مرّة أخرى.
إنّ طبيعة الأمّ ليست أمرا عارضا وسط البناء، بل هي محور المشهد، ومنطلَقه. فنحن نرى الأحداث من وجهة نظرها، ونتفاعل بشكل مشابه تقريبا لانفعالاتها. ربّما نستغرب غالبا طيبتها وصبرها المفرط، لكنّنا لا نستطيع أن نفهم تقريبا ردود فعل الشخصيات الأخرى. إنّها شخصيات غريبة ومثيرة لكلّ شيء سيّئ تقريبا. ولقد عمد المخرجُ إلى أن تتحرّك القُمرةُ مع تحرّك الأمِّ فتجعلنا نكتشف ما تكتشفه، ونرى ما تراه، وهو ما منح الفيلم طابع الإثارة والفزع.

ولأن الأمّ هي الشخصيّةُ المحوريّة فلم يكن هذا التناقض التأويليّ بين العهد القديم والجديد منطقيّا. كان لا بدّ من البحث عن فكرة جديدة خارج المدوّنة الدّينيّة، ولقد منح بناءُ الفيلمِ فضاءً خصبا للبحث وإعادة التركيب.
لا يجب أن نغفل عن الحقيقة البديهيّة، التي مفادها أنّ الفيلم ليس عن آدم أو حوّاء أو عن هذا الزخم من البشر الوحشيّين. لقد اختارت القُمرة رفيقها منذ البداية، فصاحبت الأمّ طيلة الرحلة الرهيبة منذ استيقاظها وحتّى احتراقها، وعدا نقل مشاعرها تجاه المعتدين عليها، كانت أيضا تنقل مشاعرها تجاه زوجها الذي كان أكثر ساديّة تجاهها بنرجسيّته المفرطة. لا شكّ أنّ علاقة الزوجين، تأخذ في هذا الفيلم بُعدا أكبر بكثير من مقاربة سخيفة بين الله والطبيعة.


قد لا نشكّك في مشاعر الحبّ التي تجمع الزوجين، فـ"هو" يجد دائما الكلمة المناسبة ليعبّر عن ذلك، وفي أسوإ الأوضاع، كان دوما يجد طريقا لإيجادها وإنقاذها، ثمّ إنّه لم يمسّها بسوء حتّى النهاية (بشكل مباشر على الأقل). أما "هي" فكان دوما مصدر ثقتها الوحيد، تعود إليه كلّما تقوّض العالم من حولها. على أنّ العلاقة اتّخذت لونا لا يشبه كثيرا لون الحبّ، إذ غلبت عليها صفة عموديّة مبطنةٌ، أضمرتها طبيعةُ الزوج النرجسيّة، وطبيعة زوجته المُؤْثِرَة. لا يشغل الرجلَ سوى إشكاليّة الخلقِ، سواء خلال أزمة الوحي الّتي استبدّت به في الجزء الأوّل، أو خلال حفلة التمجيد وهستيريا الإجلال التي تقرب للعبادة في الجزء الثاني. تبلغ نرجسيّة الرجلِ حدّا لا يطاق، حدّا تتزامن به قدرتُه على الكتابة مع قدرته على الإنجاب، لذلك وهبهم في النهاية ولده، كأنّما يهبهم شِعرَه.
وفي المقابل، تتصرّف زوجته كامرأة معياريّة، نموذجيّة طبقا للصورة النمطيّة. أنوثتها طاغية، ولقد ركّز المخرج كثيرا على هذا الجانب، فرأينا جينفر لورانس كما لم نرها من قبل، خصوصا في المشهد الأول حينما وقفت بثوب النوم الرقيق الذي تخلّلته أشعة شمس خجولة، أمام المنزل. إيمانُها بمؤسسة الزواج يقينيّ، حتّى بدت كأنّها جاهزة سلفا لاستقبال جنين، ورغبتها في الإنجاب كانت عارمة إلى حدّ لم يخفَ على ضيفتها الثقيلة. وينعكس اهتمامها بالعائلة، على اهتمامها بالمنزل، وإشرافها المباشر على تهيئته. إذ لا تنفكُّ تشكّل معالمه وألوانه في إصرار وحبّ جديرين بربّة بيت نموذجيّة.
نحن إذا أمام صورة نمطيّة للزوجين، ربّما كاريكاتوريّة أيضا، وهي صورة لا تلقي بألوانها خجلا على هامش المشهد، بل هي محوره، لذلك كان لزاما أن نعيد النّظر في مسألة التأويل القصصيّ المسيحيّ.

نشعر إزاء ما حدث في المنزل بانزعاج حقيقيّ، كما لو أننا الزوجة. لا نفهم سببا للتخريب الذي يمارسه أناس تستضيفهم وتمنحهم كلّ شيء. لكنّنا لا نفهم أشياء أخرى كثيرة. ربّما كان هؤلاء أغرابا، أمّا الزوج فلا، ومع ذلك فهو يتصرّف بشكل مزعج، ربّما لا يوجد أمر أكثر إزعاجا في الفيلم من نظراته البريئة الخاوية. أحيانا ننفصم عن الزوجة، فنشعر حيالها بذات الانزعاج، لأنّها تحافظ على قدرتها على الخضوع والعطاء، في ظرف مستحيل. لقد بدت لي هذه العلاقة المرَضيّة بين الزوجين أكثر إثارة من الغزو البربريّ للمنزل، حتّى كأنّ الغزوَ تجسيد كابوسيّ لهذه العلاقة. هل كنتُ مخطئا؟

أجل، بحسب أرنوفسكي ليس الأمر سوى إعادة تشكيل لقصة الإنسان على الأرض من وجهة نظر الطبيعة الأمّ، واستنادا إلى القصص التوراتي وعناصر مسيحيّة أخرى. يتلخّص الفيلم إذا بحسب المخرج في تلك المقاربة التي تجعل الطبيعة امرأةً تمنح الناس كلّ شيء، فيواجهون عطاءها بجحودٍ ساديّ، وبوحشيّة مخيفة. وهو تفسير محبط كثيرا، كان على أرونوفسكي تجنّب البوح به على الأقلّ، إذ أجدُه ينتقص من العمل أكثر بكثير ممّا يضيف إليه.


يجعلني هذا التفسير أتساءل عن وظيفة القصص الدينيّ في هذه المقاربة. حكاية الطبيعة مع الإنسان بدأت مع الإنسان الأوّل، وربّما وجد أرنوفسكي الملحدُ أنّ قصة آدم استعارةٌ لطيفة لتلك اللحظة، وبالمثل، كانت الجريمة الأولى التي حدثت بسبب الميراث، استعارةً أخرى لفكرة بدء الصراع البشريّ/البشريّ لامتلاك الأرض، وهو الصراع الذي كان وراء كلّ المصائب التي تعرّضت لها الطبيعة. لكنّنا مع مرور هذه الشذرات البلاغيّة، نوغل أكثر في ضباب عقيم، فما دلالة الطوفان مثلا؟ لقد كان انفجار أنبوب المياه في المطبخ كارثيّا على الأم، لكن من قال إنّ الطوفان كان ضارّا بالطبيعة؟ وتنتهي لعبة الاستعارة مع الوليد، ذلك أنّ الأمّ نفسها تكفّ عن كونها تجسيدا للطبيعة، وتتحول إلى شخصيّة دينيّة أخرى هي مريم. فما علاقة هذا التحوّل بالطبيعة؟ ولماذا بدا وكأنّ ميلاد المسيح، أشبه شيء بقيامته؟
لقد كانت مشاهد الحروب المروّعة أقرب إلى عصرنا الحالي، وهو عصر خالِ من الوحي والنبوّة والمعجزات، بل ومن الإنجيل نفسه تقريبا، فلماذا كان ميلاد الرضيع شارة بداية لهذا الخراب؟

عدم استقامة المقاربة بين الزوجة والطبيعة، لا يقف عند تأويليّة القصص الدينيّ، ويجعله بلا فائدة تقريبا، بل يحدث شروخا في رمزية العلاقة الزوجيّة أيضا. ألا يفترض من الطبيعة أن تكون إحدى إبداعات الشاعر أيضا؟ ربما كان ذلك ما حاول الشاعر تجسيده من خلال قطعة الكريستال، لكن ما دلالة هذا التزاوج بين الإلهي والطبيعيّ فيما يخصّ انتهاك البيئة؟ ربّما هو اتّهام ضمنيّ لتواطؤ الدين وسلبيّته تجاه ما وقع للطبيعة. ولكنّه تأويل متكلّف، لا يحتملُ محوريّة شخصيّة الزوج، واهتمام المخرجِ المفرط بهِ.


وأخيرا، هناك علاقة الزوجة بالمنزل. وهي أقل العلاقات تطوّرا، رغم كونها الأكثر قيمة في المقاربة. فإذا كانت الزوجة تمثّلُ الطبيعة، فالمنزل حتما يمثل كوكب الأرض، أو على الأقل، هو امتداد مكانيُّ لذات الطبيعة التي جُسّدت. لقد حاول أرنوفسكي تبيين هذه العلاقة العضويّة في لقطتين، كانت فيهما الأمُّ تسمعُ نبض المنزل، وتشعر بالحياة تدبُّ فيها. وفي اللقطتين، تواصل الأمُّ عملها الدؤوب الأبديّ لتأثيثه وتطوير الحياة فيه. وتُبدي كلّما سنحت الفرصةُ فخرها بإنجازها. على أنّ الإنجاز الذي نقلته عينا الأمّ بدا متواضعا، باهت الألوان، هشّا، خاليا من كلّ زخرفة، وخاليا من كلّ شكل تكنولوجيّ متطوّر. يهمسُ أحدهم أنّ في ذلك إحالة إلى أبديّة الفضاء وعدم ارتباطه بزمن ما، ولكنّ الأمر ليس كذلك فعلا! تذكّروا الهاتف في المطبخ، والعناصر المعاصرة في الصالون وفي الحمّام. وفي تلك اللحظة التي خرجت فيها الأمّ وواجهت الخضرة الممتدّة حول منزلها، بدا الفارق عظيما حتّى التناقض بين المحيطين. وهي لحظة، أراد منها أرونوفسكي أن يخلق تواصلا، فإذا هو يحدث قطيعة بصريّة. لقد ولدت الطبيعةُ عظيمة، مشبعة الألوان، بهيجة، حيّة، أو هكذا عرفها الإنسان الأوّل على الأقل، لذلك، أعتقد أن أرنوفسكي فشل في أهمّ استعارات الفيلم.

منزل/أرض لا يغري كثيرا بالحياة، وقصص دينيّ جانبيّ لا يخدم فكرة الفيلم التي يروّج لها المخرج، وتأويل لا يرقى كثيرا إلى الهرمنوطيقا (كممارسة تأويليّة على النصّ المقدّس واستخراج معانيه العميقة). كلّ ذلك يدفعنا إلى تجاهل ما يقول المخرجُ، والعودة مرّة أخرى إلى ما تقوله صورتُه. نرى مرّة أخرى علاقة زوجيّة متقلّبة. نراها بمنظور الزوجة، فهي النعيمُ كلّما كانا وحيديْن ولا شيءَ يحول بينها وبينه، وهي الجحيمُ كلّما اقتحم هذه الخلوة شخصٌ أو أشخاصٌ. ولئن كنّا لا نرى الأشياء من منظور الزوج، إلا أنّنا نستطيعُ أن نخمّنه. فخلال الخلوة، لم يبدِ الزوجُ حضورا نفسيّا حقيقيّا، وغالبا ما كان حانقا لغياب الوحي، ولم يعاوده الحماسُ إلا حين انقطاع الخلوة. يُنشدُ الرجلُ سعادته خارج محيط الزوجيّة، وهو المكان الذي تبحث فيه الزوجة عن سعادتها. ثنائيّةٌ قديمة ومستهلكةٌ بالفعل، وجزء من صورة نمطيّة للرجل والمرأة: الرجلُ الكاتب، الخالق، سليل الحضارة، والمرأةُ/الطبيعية الخصبة، عماد العائلة، ربّة البيت، القلقةُ دوما، الخائفة أبدا… إنّ استعارة الرجل الشاعر وربّة البيت للدلالة عن الله والطبيعة، ليست في الحقيقة سواء تقيّة عن عدم وجود استعارة! فالله الذي ـ بحسب المخرج ـ لا يؤمن بوجوده، لا يبدو متّهمًا بالجرائم البيئيّة، ولو كان متّهما، فالرسالة الموجّهة لنا كبشر، تفقد كلّ معنى. وجودُه في المقاربة إذا أقلّ قيمةًَ بكثير من حضوره الطاغي في الفيلم، والسبّب أنّ الفيلم الذي يصوّرُ ظاهريّا جرائم الناس في حقّ الطبيعة، يصوّر في باطنه، جرائم هذا الكائن المبدعِ الخالق النرجسيِّ تجاه زوجته المخلصةِ الوفيّةِ. أتُرانا نتحدثُ عن أرنوفسكي نفسه؟

شهد زمن إنجاز الفيلمِ علاقةً بين المخرج أرنوفسكي والبطلة جنفر لورنس، وامتدّت إلى ما بعدَ العرض بشهور قليلة. وكشفت لورنس للصحافة عن هوسِ صديقها المفرط بفنّه، فحالما انتهت جولتهما الترويجيّة، ظلّ الفيلم موضوعه المفضّل، أما هي فكان كلّ همّها آنذاك أن تنسى عملها وتفكّر في أمر آخر مع صديقها. لقد تميّز الشاعرُ بنرجسية قوية، ولكنّها نرجسية أصيلة، جديرة بفنّان، ولا شكّ عندي أنّ أرونفسكي لم يشكّل هذه الشخصيّة بعين الخيال. ومن ذات المصدرِ، جاء بشخصيّة الأمّ. لقد انتهت علاقتُه بجينفر لورنس التي أبدعت في فيلم mother! ومنحته كلّ ما عندها بالفعل، لتبدأ ربما علاقة لا نعرف عنها شيئا، بدقّة شبيهة بتلك التي وصفها في نهاية الفيلم.
إننا حيال بورتريه ذاتيّ كابوسيّ مقنّع للمخرجِ، ومحاولة ربما للاعترافِ بفضل المرأة في عمليّة الخلقِ، بل تراهُ ينسبُ إليها عمليّة الخلق الأجلِّ والأعظم وهي خلق الحياةِ، فيوازي بين الوليد وبين القصيدِ.

فيلم أمّ! ليس كما يبدو في "باطنه" المقنّع، بل هو أقربُ شيء لظاهره الساذج، ولم تكن محاولات التقيّة والإلهاء بالقصص الدينيِّ والأفكار البيئيّة سوى مقاربات منقوصة وتفتقر للدقّة، وأحيانا للعلّة (لا يوجد سبب مقنع لاستعمال القصص الدينيّ في مقاربة عن الطبيعة). لقد كان واضحا أنّ الفيلم نتاج كتابة سريعة غير متأنّية مثلما أكّد المخرجُ نفسه (قال إنّه كتب النص في ثلاثة أيام)، فمع التأنّي لا نكسبُ الدقّة والمتانة فحسب، وإنّما نخسر الكثير من ذلك الرابط الخفيّ الذي يجعلُ العمل الفنيّ شخصيّا يكاد يحمل وجه صاحبه.
ولا يتميّز الفيلمُ بأفكارٍ جديدة، أو تساؤلات عميقة حقيقيّة، ولا يجعلنا متردّدين أمام موقفين، إنّما يكتفي بالوصف بعيونِ شخصيّاته ونفسيّاتهم، ولكنّه يمنحنا الكثير من الحيرة اللطيفة، ويجعل تجربة مشاهدته فريدة حقّا.
أمّ ليس تحفة فنيّة عظيمة كما حاول إيهامنا الكثير من المتحمّسين، وليس أيضا فيلم سيئا كما أكّد أغلب من لم يفهموه. ولكنّه على قدر كبير من الإبداع، وعلى قدر أكبر من الإنسانيّة.

Friday, December 29, 2017

ما تبقّى لنا .. من 2017

ينتهي 2017 قريبا، ويترك بابه مفتوحا لتلك الأفلام التي سمعنا عنها الكثير ولم تسمح لنا ظروف التوزيع باكتشافها بعدُ. سوف أترُكها لسنة 2018، مثلما تركت لي السنةُ الماضيةُ أفضل بقاياها لأضمّها إلى أهمِّ أعمال هذه السنة، فإذا هي تتبوّأ أعلى ترتيبها كأنّ أفضل أفلام 2017 هي أفلامُ 2016!


هل هذه السنةُ هزيلة إلى هذا الحدّ؟ ليس تماما، فقد شهدت نجاحا غير مسبوق للأفلام المستقلّة رغم عائدات أفلام ديزني الخياليّة، وشهدت محاولات شديدة التنوّع رغم الإفراط في أفلام الأقليّات حتّى التخمة، ولقيت أفلام سينما العالم حظّها بشكل جيّد. على أنّ كلّ هذه الأعمال لم ترتقِ في أغلبها إلى مستوى الأعمال العظيمة، ولن ترتبط سنة 2017 إلاّ بنزر منها قليل. سأقدّم هذه السنة قائمة طويلة نسبيّا لأنّ المستوى متقارب، ولأنّ تفضيلاتي في كثير من الأحيان غير دقيقة، كما أنّ مدّ القائمة، يمنحها تنوّعا وثراء أكبر ربّما يفيد القرّاء.



20 - دنكرك Dunkirk ـ كْريستُفِر نُولَنْ
كنتُ قدّ قدّمت قراءة للفيلم هنا، لذلك لن أقف عنده طويلا. يعود نولَن إلى الحرب العالميّة الثانية، وتحديد إلى عمليّة انسحاب دنكرك التي نجح فيها البريطانيون من إجلاء مئات الآلاف من جنودهم العالقين في الساحل الفرنسيّ المحاصر بقوّات المحور. وفي هذا الفيلم، يمارس المخرج البريطانيُّ لعبته الأثيرة مع الزمن، ومع خطوط السرد، مستعينا بمحرار موسيقيٍّ متميّز جديد من هانس تْسِمِّر Hans Zimmer. ما أعيبه على الفيلم، هو تلك الأخطاء القاتلة في التفاصيل الصغيرة، في فيلم يعتدُّ بتفاصيله الصغيرة نفسها!



19 - اُخرج Get Out ـ جُرْدَنْ بِيلْ
يحتاج هذا الفيلم إلى نصّ مفرد، ليس لأنّه أكثر الأفلام نجاحا في ورقات النقّاد، ولكن لأنّه قدَّ من لغةٍ ذكيّة استعادت زلاّت اللغة الاجتماعيّة، وهفوات اللباقة السياسيّة لتفضح مخابئ العنصريّة الباقية في المجتمع الأمريكيّ. ولعلّ فيلم جودن بيل أحدُ أهمِّ أفلام الرّعب في السنوات الأخيرة، ولولا أنّه في مستوى الشكل إذْ أعاد استعمال عناصر سينما الرّعب، حافظ على مظهرها إلى حدّ مملّ وفاضح (كان كلّ شيء معروفا مسبقا بحيث لا يمكن أن تشعر بالإثارة) ومغالط أيضا (حتّى إنّه عدّ فيلما كوميديّا في حفل الغولدن غلوب)، لكان أهمّ فيلم لهذا العام. والأكيد أنّنا سنجد Get Out في حفل الأوسكار القادم.


18 - لاشيوود أو نوثينغ-وود Nothingwood ـ سنية كْرُنْلُودْ
لا أشاهد كثيرا الأفلام الوثائقيّة وربّما كنتُ مقصّرا في هذا الجانب، ولكن مادمنا في عالم القصّة والخيال، فهذا الوثائقيّ لا يخرج عن طبيعة القائمة. فنوثنغوود هي سينما اللاشيء، لا هي بهوليوود ولا بوليوود، حيث الأموال والمعدّات والبنى التحتيّة. سينما اللاشيء توجد في أفغانستان التي لم تنفض عن نفسها غبار الحرب بعدُ، ولا غبار سنوات طالبان والقاعدة، ومؤسّسها والناشط الوحيد فيها، هو نجم أفغانستان السينمائيُّ سليم شاهين. يعمل سليم شاهين مخرجا وممثلا وكاتبا ومنتجا وربّما مؤلف أغانٍ أيضا، ووكيل أعمال، ومفاوضا وموزّعا… باختصار سليم شاهين هو دار صناعة السينما في أفغانستان، وهي صناعة فقيرة، بسيطة، في العتاد وفي الشكل والمضمون، لكنّ لها سحرا في قلوب الأفغان رافقهم طيلة سنوات الظلام. إن قصة سليم شاهين تشبه ربّما قصة Edwood الشهيرة، ولكنّها قصة واقعيّة هذه المرة. إن ما يشدّ في هذا العمل التوثيقيّ هو قدرته على تسجيل سخافة العمل نفسه، والمَلكة الفنيّة العظيمة التي يملكها صاحبها ولم تُصقل طيلة السنين الطويلة. كما أنّ صديقه قربان عليّ الذي يضطلع بالأدوار النسائيّة مادّة لفيلم توثيقيّ آخر تماما عن عالم الأقليّات الجندرية في أفغانستان.


17 - الأمريكية الحُلوة American honey ـ لأندريا أرنُلد
أجل هو أحد أفلام 2016 لكنّ توزيعه خارج الولايات كان غالبا هذه السنة. على امتداد يقارب الساعات الثلاث، تسافر بنا أندريا في أمريكا التي لا نعرفها، مع مجموعة من شباب الهامش الذي لا مأوى لهم. مهمّتهم إقناع الناس بشراء اشتراكات دوريّة في مجلات يحصلون على نسبة من أرباحها. مع ستار Star الجميلة، نعيد اكتشاف أمريكا وطبقاتها المختلفة، ونتعرف على أولئك الكادحين كي لا يقعوا تحت خطّ الفقر. أدّت ساشا لاين Sasha Lane دور ستار بشكل متميّز فعلا، ورافقها بامتياز شِيا لبوف Shia LeBoeuf.

16 - لاكي Lucky ـ جون كارُل لِنش
مع نهاية العام، يفاجئنا هذا الفيلمُ بالمخرج الكبير دايفد لِنش David Lynch ممثلا. تعاني شخصيّتُه من تعلّقها بسلحفاة يعرف أنّها سوف تعيش أكثر منه بكثير. لكن هذا ليس إلا انعكاسا لشخصية الفيلم الرئيسيّة. يؤدّي هاري دين ستانتُن Harry Dean Stanton شخصية لاكي، عجوزٌ وحيد يعيش في مدينة صغيرة، بحفاظه على روتين يوميّ بسيط وفيه بعض النشاط والرياضة، كان لاكي يعتبر نفسَه منالا بعيدا عن الموت، إلى أن جاءت اللحظة التي وقع فيها على الأرض من دون أيّ سبب. يقول له الطبيب ليس بك شيء، وداؤك في الهرم. تفزعه حقيقة الكون كأنّما يراها لأوّل مرة، فيحاول مواجهتها، ويحاول فهمها، لعلّه يتقبّلها قبل فوات الأوان. قصة لاكي مؤثّرة جدّا ورائعة، ولا يعيبها برأيي سوى فشلها في التخلّص من العقدة، وانزلاقها نحو استنتاج لا يبدو منسجما كثيرا مع ما يسبقه. ما يزيد في خصوصيّة هذا الفيلم، تعلّقه الكبير بهاري دين ستانتن، فقد حدّد بنفسين روتين شخصيّته، استئناسا بحياته الشخصية، كما أنّ هاري توفّي بالفعل قبل عرض الفيلم بأشهر قليلة، ليجعله عملا في أصالته نادرا!



15 - مهما كلّف الأمر Hell or High Water ـ دايفد ماكنزي
هو أيضا أحد أعمال 2016، وكان في بداية هذا العام أحد المرشّحين لأوسكار أفضل فيلم. وفيه قدّم جفّ بريدجز Jeff Bridges أحد أجمل أدواره منذ مدّة طويلة.
هذه تكساس، بقبعاتها، وربطات عنقها الفريدة وبلداتها الصغيرة وأناسها الذين يملكون فكرة مختلفة عن اللطف والود، لا أحد يمزح مع المال في تكساس، حيث تبدو ثقافة الرأسمالية محافظة على طبيعتها البدائية ولم تغلفها العولمة بعد، وبذات الأسلوب البدائي توالت عمليات الأخوين توبي وتانر لنهب فروع بنك تكساس ميدلاند، وكان ماركس وزميله ألبرتو باركر (ذي الأصول الهندية) في أثرهما لإيقافهما.
ومع توالي العمليات واقتراب لحظة المواجهة، نكتشف أننا ربما اخترنا منذ البداية الفريق الخطأ، وأن الحقيقة حمالة أوجه في تكساس.



14 - صمت Silence ـ لمارتن سكورسيزي
لا أفهم لماذا تجاهل القوم هذه التحفة الجميلة لسكورسيزي. لقد قدّم لنا هذا العامُ أفلاما كثيرة بحثَ أصحابُها فيها عن الله، وعبّروا عن أزماتهم الروحية والفكرية تجاه الغيب والله وما بعد الموت، وصمت هو أكثرُها وضوحا.

يعود سكورسيزي إلى اليابان في حقبة مظلمة عرفت تعذيب المتنصّرين والمبعوثين المبشّرين، لا ليكتفيَ بوصف عذاباتهم، وجهاد المؤمنين في سبيل الله، وإنّما ليحلّل أثر انتقال الدين أو الإديولوجيا من ثقافة إلى أخرى، 
وليقتفيَ صوتَ الله في لحظات الهزيمة وفي ذروة الشكِّ، وفي مستنقع الصّمت.



13 - مشروع فلورِدا The Florida Project ـ لشين بايكر
فكرتُنا عن فلورِدا لا يمكن أن تتخلّص من شمسِها الساطعة ولا من اللون الأزرق الذي يغمر أكثر مشاهدها، ولا من ذلك الرأس الأسود ذي الأذنين الدائريّتين. ديزني هو فلوردا مثلما هوليود هي لوس أنجلس.

قريبا من أكبر منتجع ترفيهيّ في العالم، تعيش الطفلة موني Moonee مع أمها هايلي في إقامة بسطية يديرها بوبي (ويليم ديفوي). لا أحد يحبّ طريقة هيلي في التعامل مع ابنتها، فهي لا ترغمها على فعل شيء، لا تُشعِرها بأي واجب، لا توبّخها، وإنما تشجّعها فقط على إصلاح أخطائها. تحاول هايلي أيضا أن لا تشعر ابنتُها بمشاكلها الماديّة. فليست وظيفة الأطفال أن يهتمّوا بهذه الأمور. ولكن لا يبدو الأمر بهذه البساطة.

مشروع فلوردا The Florida Project يصف العالم بعينيْ طفلة صغيرةٍ، تطارد حقّها في أن تكون طفلةً صغيرة، لكنّ منظومة الحلم الأمريكيّ بإصرار ملفت ترفض ذلك.

مشروع فلوردا، هو أحد أهمّ أفلام هذا الموسم ومعلّقته لعلّها الأجمل في هذا العام!


12 - المُبجَّلُ واو. Le vénérable W. ـ باغبت شغوده Barbet Schroeder
عندما انتشرت صور مجازر بورما، مع التعليقات الركيكة المجيّشة للمشاعر، كانت فكرتي عن الموضوع أساسا أنّها أبعد ما يكون عن الواقع، وأنّ ما يحدث هو أقرب للحرب الاهلية فيه ضحايا من الجانبين، بل إنّي اعتبرت الكلمةَ متهوّرة، واعتبرت أنّ الأمر ليس بالوحشية التي تسوّق. ثمّ إنّني شاهدتُ هذا الفيلم الوثائقيَّ ورميتُ كلّ هذا الكلام في الماء…

في الفيلم الفرنسي الصادم، يذهبُ السويسري باغبت شغوده إلى ماندلاي Mandalay إحدى أكبر مدن ميانمار (أو بورما) وقابل رجل الدّين البوذيّ ويراتو Wirathu زعيم تنظيم راديكاليّ ينادي بالتطهير العرقي للبلاد من الـ كالار Kalars كما يطلقون على المسلمين.

ويرجع الفيلم للحظات الأولى لتكوّن أفكار ويراتو، وكتاباته الأولى المصادرة، ونضالاته وتحوّله إلى زعيم دينيّ وطنيّ في بلاد يحكمها العسكر بالحديد والنار والدّين.

حاول شغوده أن ينقل أكثر ما يمكن بتجرّد، فكان ذكيّا ونقل مختلف العناصر الّتي ألهبت هذا الصراع: بالعودة إلى الجذور التاريخية، بالاجابة على السؤال العرقي، بالاهتمام بوضع الجيش، وبالوضع الاقتصادي، وبما تمثّله منطقةٌ تجمع أغلب المسلمين الروهينجا بالنسبة لأصحاب السلطة... وبذكاء كبير راوح بين منطق الراهب "المبجّل" ويراتو، وبعض الاقتباسات من كتب بوذية مقدسة، نرى بوضوح تأثير اللعبة التأويليّة... أيضا راوح بين خطاب التخويف العرقي من المسلمين، والأرقام والوقائع، ولمّح من خلالها إلى ذات المخاوف اللي تتردّد في أوروبا...

الحقيقة أنّ الفيلم مساحة هائلة للتأمّل في أشياء كثيرة بخصوص الدولة والدين والاقتصاد والهوية والسلطة…


11 - قصة شبح A Ghost story ـ دايفد لوري
سبق وأن خصّصت مقالا لهذا الفيلم الجميل هنا. لذلك سأكتفي بالتذكير إلى أنه أحد أنجح الأفلام المستقلة لهذا العام. وقد أثمرت تعبيرتُه التجريبيةُ شيئا فريدا بالفعل. لذلك لا يمكن الحديث عنه كثيرا. هناك شبح، وهناك زوجان، ومنزل، وأثر المكان، وأثر الإنسان ودورة الزمانِ، وأسئلة كثيرة ترهقُ المخرجَ عمّا سيبقى منه بعد نهاية الأكوان، وهل يستحقُّ الأمرُ عناء المواصلة.

10 - بلا حبّ Nelyubov ـ أندري زفياغنتساف


لا شكّ أن الفيلمَ الفائز بجائزة لجنة التحكيم في كانّ Cannes هو أحد أهم التعبيرات السينمائية لهذا العام. فبحركة سينمائيّة بطيئة ولقطة عريضةِ ذات مسافة من شخصيّاته، يحكي "بلا حبّ" قصّة اختفاء الطفل آليوشا Alyosha من منزل والديه المشرفيْن على الطلاق، فيجبرهما على التخلّي عن عشيقيْهما وحياتيْهما المستقلّتين، والعودةِ إلى مواجهة الغياب، وما يتداعى معه من رسوبات الماضي. ليس آليوشا ثمرة حبٍّ، وربّما لن يكونه، لكنّه يصرّ أن لا تستمرَّ آلة المنظومة المعاصرة في الدّوران وإنتاج قطعان الأنانيّة والانكفاء على الذّات، يصرّ أن يحفر عميقا ويزرع الذّنبَ انتقامًا بل عقوبة. وبين المسافة التي تأخذُها القمرةُ عن الأبوينِ، وعن عمليّة البحث اليائسة، تتوالدُ روسيا المعاصرة، روسيا الفردانيّة، روسيا السيرة المهنيّة النظيفة والطموح، روسيا التي تتظاهر بالركض إلى الأمام، وهي قابعة في مكانها.

 9 - بايبي درايفر Baby Driver ـ إدغار رايت
من المتوقّع وجود هذه التحفة الظريفة في القائمة الضيّقة، فهو أحد الأفلام القليلة التي تهتمّ بالشكل وبالجماليّة وبالكيف أكثر من المضمون، ما يجعلُ قصةَ بطل الفيلم بايبي Baby غير ذات بال. فأغلبها مألوفٌ ومن قوالب شبه جائزة للاستعمال: فتى موهوب، فتاة جميلة، عصابة سرقة، مطاردات، نهب بنوك… لكنّ رايت أبدع في إخراج قوالب جمالية جديدة ومشاهد ذات إيقاع (حرفيّا) وروحٍ تجعل مشاهدة الفيلم تجربة شديدة المتعة.
لقراءة مقال مفصّل يرجى الانتقالُ هنا.

 8 - اللّي حصل في الهلتون The Nile Hilton Incident ـ طارق صالح
من المؤسف أنّ هذا الفيلمَ ليس مصريّا، فمخرجُه وأكثر أبطاله مصريون مع مساهمة عربيّة فعّالة يأتي أغلبها من المهجر. بل إنّ السلطات المصريّة منعت طارق صالح السويديَّ الأصل، من متابعة إنجاز الفيلم في القاهرة، فتحوّل بعتاده وممثّليه إلى الدار البيضاء. وبعد أن حوّل صوره إلى أهمّ فيلمٍ بوليسيٍّ في سنة 2017 بشهادة مهرجان سندانس Sundance الشهير، تمَّ منعه من العرض في مصر.

المشكلُ أن الفيلمَ لا يتعرّضُ للنظام الحاليِّ وإنما يرجع بنا إلى زمنِ حسني مبارك قبيلَ انتفاضة 25 يناير بقليلٍ، فينصّبُ فيها جريمة قتلِ مغنيّةِ شهيرةٍ يتورّط فيها رجل أعمالٍ كبيرٍ كما لو أنّها جريمة قتلِ سوزان تميم إذا ما وقعت في القاهرة بدل دبي. ثمّ إنّه يقدّمُ لنا فيليب مارلو المصريَّ : نور الدين مصطفى (وهو في الحقيقة ليس مصريّا جدّا إذ يؤدّي الدور ببراعة فائقةٍ اللبنانيُّ فارس فارس). يأخذ نور الدين القضيّةَ على عاتقه، لا لأنّه محقّق يبحث عن العدالة، ولكن لأنه مرتشٍ يبحث عمّن يدفع أكثر. لكنّه يتورّط في شوارع القاهرة، وخباياها، ويجد نفسه في لعبة ماكرة كبيرة، ويضيعُ بين غانيةٍ هي صديقة القتيلةِ، وبين شاهدةٍ سودانيّةٍ تحاول الحفاظ على الأنفاس في روحها الخائفة. الفيلمُ أيقونة بوليسيّة من صنف نوار Noir لم أرَ أرفع منه منذ زمن بعيدٍ. إفرازات جماليّةٌ من الظلالِ ومن أصفر القاهرةِ الممتقعِ، تخبّئ ما تخبّئ وتفضح أكثرَ ممّا تخبّئُ. تعكسُ ثناياها، متاهة المحقّق إذ يحاول فهم ما حصل في الهلتون، ومتاهة الجسدِ المصريّ بين أجهزة الرشوة والفسادِ. فكان زمن السّرد قبيلَ انتفاضة الشعبِ، ربطا سببيّا أراده المخرجُ ولم تحبّه الرقابةُ.

ما يعيب الفيلمَ عدمُ قربه الكبير من الواقع المصريِّ الجديد، فصاحبُ الفيلم وإن كانت أصوله مصريّةً، لم يبدِ درايةً بالواقع المصريِّ لغةً وما وراء اللغةِ، أي على مستوى الموسيقى وما شابه. ولئن كانت العينُ الأعجميةُ لا ترى ذلك، فالعين العربيُّ لا يمكنُها أن تخطئه، ولولا ذلك لكان اللي حصل في الهلتون في مرتبة متقدّمة أكثر هنا.
 7 - شنيع Grave ـ جوليا دُكوغنو Julia Ducournau
لا أعتقد أنّ العنوان يتعلّق بما يحدثُ في الفيلم بقدرِ ما يتعلّق بالإحساس الذي يداهم المتفرّج خلال هذه التجربة المفزعة. هل هو فيلمُ رعبٍ؟ ربّما، ولكنّه أعمق من ظاهره بكثير، لذلك يثير فينا إحساسا بالغثيان. فمشاهده الدموية ليست كثيرة في الواقع، وتفاصيلها ليست أكثر بشاعةً من أفلام الرعب المعويّ الشهيرةِ، لكنّها تنجح في لمسِ شيء في عمقِ المشاهدِ فيتوقّف أن يكون محايدا.

في هذا الفيلم الفرنسيِّ، نواكب تحوّلات شابّةِ في عامها الأوّل في جامعة الطبّ البيطريِّ إذ تتبع طريق أختها الكبرى. كانت جوستين نباتيّةً، قبل أن يرغمَها حفلُ استقبال الدفعة الجديدةِ، على أكل قطع لحمٍ صغيرةٍ. تكتشف بعدها شراهة عظيمة للّحوم، ثم تتوالى الاكتشافات بشاعةً بعد أخرى، وتزداد معها علاقتُها بأختها تبلورا وتعقيدا. إنّ ما يجمع الإخوةَ رابطة دمويّة قاسيةٌ، فيها ما فيها من البشاعة، أحيانا تحمينا وأحيانا تجرفنا إلى الأعماق. وكان على جوستين، أن تواجه رابطة الأخوّة وأن تكبرَ.

 6 - عن الروح والجسد Teströl és lélekröl ـ إندِكو إنيادي 
الدبُّ الذهبيُّ لهذا العام كان من المجر، ورغم كونه رومانسيّا، إلا أنّ الجليدَ سمتُه الغالبة. فمشاهدُه في أغلبِها هادئةٌ، روتينيّةٌ كأيّام العملِ، وبطلاهُ، مديرُ حساباتٍ بمسلخٍ فترتْ ذراعُه اليسرى عن الحياةِ، وفتر قلبُه الكهلُ عن الحياةِ، ثمَّ دكتورةُ هندسةِ الجودةِ بالمذبحِ نفسه، تحاول أن تلتزم بروتينٍ يقيها عجزَها المرَضيَّ عن التواصلُ الاجتماعيِّ بسببِ متلازمة أسبرغر Asperger. كيف يحدث الحبُّ في كلّ هذا؟ وكيف ينبتُ في جسدين بهذا البرودِ؟ يكتشفُ كلاهما صدفةً أنّهما يحلمان بذات الحلمِ، أعني حرفيّا، وأنّ الظبي(ـة) التي/الذي يراه(ـا) كلُّ منهما، ليس(ـت) سوى الآخر. أو لعلّه(ـا) روحه. يقرّران سويّا الكفاحَ في الواقع، من أجل أن يتعانق الروحان في الحلمِ…


 5 - حيوانات ليليّة Nocturnal Animals ـ توم فورد
كنتُ قد قدّمتُ هذا الفيلم بالتفصيل هنا في بداية هذا العام، وشرحتُ في المقال سرّ حماسيَ الكبير تجاهه. إنّه ليس فيلمًا مدّعيا أو متكلّفا كما يزعمون، بل هو فيلمٌ عن التكلّف في الفنّ والأصالة فيه. هو فيلم عن تلك العلاقة العضويّة التي تربطُ بين القول وصاحبه، وبين الكتابةِ وحبرِها. عبر ثلاثة خطوط سرديّة متقاطعةٍ، يصفُ المخرجُ توم فورد عمليّة قراءةٍ قاسيةٍ قامت بها مديرةُ معرض فنيّ معاصر فخمٍ لروايةِ جريمةٍ كتبها طليقُها وحبيبُها القديم. فيشكّلُ عبر لعبٍ من التماهي والتقابلِ، علائقَ الرواية الخياليّة بماضي الحبيبينِ، ثم يتابع بمكرٍ أثرها ـ القراءة ـ في مستقبلهما… فيلم ذكيٌّ جدا، وأنيقٌ، لم أرَ أكثر منه بلاغةً في الانتصار لفنّ الكتابة القصصيّةِ، وقيمتِها.

 4 - ضوء القمر Moonlight ـ بَارِي جِنْكِنْزْ
قالت لي المرأة العجوز "راكضًا في المكان، قابضًا على حزم من الضوء، في ضوء القمر، الأولاد السود يبدون زرقًا، أنت أزرق! هذا ما سأناديك به، أزرق!"

لم يحدث ـ لو صدّقتُ ذاكرتي ـ أن تحوّل اهتمامُ السينمائيّين بقضايا الأقليّات العرقية والجندريّة إلى الهوس الذي رأيناه في 2017. لقد شاهدتُ مالا يقلُّ عن سبعة أفلام عن العنصرية تجاه السّود في 2017، فضلا عن أفلام الاحتفاءِ بقصص الحبِّ المثليّةِ، وجميعُها أفلامٌ على مستوى عالٍ من الاتقانِ الفنيِّ والأدبيِّ، وإن كان الاحتفاء بأكثرها مبالغا فيه. غير أنّ التّنويهِ بفيلم ضوء القمرِ له ما يبرّره، وفوزه بأوسكار أفضل فيلمٍ مبرّرٌ وإن كان وراءه مساندةٌ ذاتُ طبيعةٍ غير فنيّةٍ لا تخفى على أحدٍ.

قصة ضوء القمر، هي قصة ألوان تغزو مسامّ الصورة وتحيل مأساة البطل إلى ألوان مدينة ميامي الكابوسية الجميلة، لذلك فالصورة هي العنصر الأبرز في الفيلم بلا شك، ولقد استعان باري جنكنز بمبدعين حقيقيين للتعبير ببلاغة الضوء عن مشهد ميامي وهي تحت رحمة الشمس والبحر، زرقة مفعمة وألوان مشبعة وملامح غليظة.

في ثلاثة ألوانٍ تسيّدَ كلّ منها المشهدَ تباعا، ، يتابع جنكنز حياة طفل معدم في شوارع ميامي في الثمانينات، وحكاية تحوله من ليتل Little، إلى شيرون Shiron، ثم إلى بلاك Black الرجل القوي الذي تهابه المدينة. ولئن كان في الجانب الاجتماعيِّ للقصّةِ بعضُ التكلّفِ غير المريحِ، فإنّ الجانب الوجوديَّ فيه متميّزٌ ويستدعي الانتباه. فبعيدا عن طبيعةِ المشاكلِ التي كوّنت دراما شيرون منذُ كان صبيّا، يمكنُ الاهتمامُ بأثرها فيه، وكيف ساهمت في تحوّلاته المختلفةِ، وكيف استطاع في النهاية أن لا ينساق إليها انسياقا تامّا ويتّخذ موقفًا حيال كينونته، فيقرّر ما سوف يكون.

 3 - المربّع The Square ـ روبرت أوستلُند
تأتي السّعفة الذهبيّةُ لهذا العام في المرتبة الثالثة. وهي شجرةُ دعابات ثقيلةٍ أحيانا، ومربكة في أغلب الأحيان، بطلُها الرئيسيُّ أمينُ متحف الفنِّ المعاصر بستوكهولم الذي يكافحُ حتّى يلتقيَ الفنُّ النخبويُّ بالواقعِ اليوميِّ، وحتّى ينسجمَ المثقّفُ في ذاته بالإنسانِ.

إن من الظلم اعتبار فيلم المربع مجرد ردّة فعل انفعالية تجاه الفن المعاصر (كما ادّعى كثيرون)، وليست رحلة في عالمه تحاول أن تفهمه وتشاكسه، ربّما بأسلحته. فالفيلم نفسه أقرب إلى قطعة فنّ معاصرة لا تخلو من عمل تجريبي ولمسات تشكيلية تجريديّة (إبراز شكل المربع في مشاهد مختلفة وعبر عناصر متنوعة من المشهد، التذكير ببعض العناصر في مواضع مختلفة كالتذكير بالغوريلا من خلال قردة الصحفية) ولا شك أنه غزير بأفكار أخرى لا يتسع المقام لبحثها، لكنها ساهمت في تتويجه عن جدارة بسعفة كان الذهبية لهذا العام، ولا شك أنه أحد أجود أعمال هذه السنة.
لقراءة تفصيليّة يرجى الانتقالُ إلى هذا الرّابط.

 2 - بلايد رنّر 2049 Blade Runner ـ دُنِي فِلْنُوفْ
منذ تشرين الماضي وأنا أنتظرُ عملاً يملؤني حماسًا أكثر من هذا الفيلمِ فلم أعثر. ولا شكّ عندي إنّه فيلمي المفضّلُ لهذا الموسم السينمائيّ بانتظار مفاجآت الشهر القادم. ولأنّ جوائز الأوسكار كانت دوما ظلوما تجاه أفلام الخيال العلميِّ، فإنّي غالبا ما أتحمّس لإيفاء تحفٍ كهذه حقّها.

كما تعرفون من فيلمٍ كانت تكملتُه (جزءه الثاني خصوصا) في مستوى التوقّعات؟ أعمال تُعدّ على الأصابعِ. فماذا لو كانت أعلى من مستوى التوقّعات؟ في موسمٍ مليء بالاستعادات والسّوابق واللواحق، بدا عملُ دني، استثناءً عظيما، وأنموذجًا يُتّبع لفيلمٍ نخبويٍّ Arthouse movie وذي ميزانيّةٍ ضخمةٍ Blockbuster في آنِ. ولئن كان شبّاكُ التذاكر متعسّفا معه، فقد تأتي الأعوام القادمة ببعض الإنصاف له، كما أنصفت جزءه الأوّل أعواما عديدةً بعدما عرضَ.

لقد أنجز بلايد رنر 2049 وفق حقيقتين: أنه تكملة لفيلم كلاسيكي، وأنه فيلم قائم بذاته، ولقد عمل فيلنوف على الرقص بينهما رقصًا عبقريًا تجلى في كل العناصر، فهو محافظ ومجدد في آن، فأبقى بذلك على روح الفيلم القديم، وعمل على تجاوزه على مختلف المستويات.
ولقراءة أكثر تفصيلا لهذا العمل، يمكن الانتقال إلى هذا الرّابط.


 1 - لا لا لاند La La Land ـ داميان شازال
حسن، إني على يقين أنّ أغلبكم لن يوافق على هذه المرتبة، وهو أمر أقبله، فالغنائيّات شيء خاصٌّ في عالم السينما، وله جمهوره. لكن أن يُعتبرَ الفيلمُ سيئا أو بسيطا، فهذا قِصرُ نظرٍ أدعو إلى مراجعته.

تقدم هذه الغنائية مدينةََ لوس أنجلِس بين ما تعد به الحالمين وما تبتليهم به، ولقد عبر شازال عن ذلك من خلال الإشارة للكلاسيكيات الغنائية الهوليودية في عصرها الذهبي (الخمسينيات) في إطارات غنائية حاولت أن تكون واقعية بقدر كبير، يشهد بذلك الحوار والسيناريو الذي خاطب نفسه في نهاية الفيلم معلنًا أنه يمثل نقيض الصورة الوهمية التي تخدعنا بها أفلام مثل "أمريكي في باريس" و"مطريات شغبوغ" و"الغناء تحت المطر".

كلُّ شيء في لالالاند موقّعٌ، دقيقٌ، كلُّ شيء يبدو تحت سيطرةِ يدٍ صارمة لا تعبثُ. ورغم هشاشة التعبيرات في وجهِ ريان غوسلنغ، وبساطة كاريزما الحضورِ لدى إيما ستون، فإنّ دقّة المشهدِ وصخبَ الموسيقى يحجبان كلَّ ذلك، ويتركان في نفس المشاهدِ، صدًى راقصا لم ينقطع بعدَ سنةٍ من مشاهدته، ووعدًا بالنّجاحِ ولو بعدَ عناءٍ.
قراءتي للفيلم تجدونها هنا.


أخيرا، أحبّ أن أذكّر ببعض الأعمال التي تستحقّ التجربة وربّما تستحقّ مكانا في القائمة السابقة، خصوصا وأنّها لم تلق حظّها من التنويه. فهناك الفيلم الإيرانيُّ "لِرد" (بمعنى اللورد أو السيد) الذي يصف لنا بعبقريّة كيف يبتلعُ النظامُ الفاسدُ أعداءه. وهناك فيلم السرقة الأبرز لهذا العام لوغان لاكي Logan Lucky، ولا ننسى الفيلمَ السوريّ البلجيكيّ Insyriated والتونسيّ على كفّ عفريت.
 
لقد قدّمت لنا الشاشة الذهبية أشياء جميلة هذا العام رغم كلّ شيء، ولكنّنا نرجو أن يجيء العامُ القادمُ بأيقونات سينمائيّة خالدةٍ تجعلنا نذكره طويلا. كلّ عام وأنتم بخير!

Thursday, November 23, 2017

الفنّ المعاصر، والعالم المعاصر في مربّع أستلوند


يقول أوسكار وايلد "قد يبدو الأمر معكوسا، ولكنّ فكرة محاكاة الحياة للفنّ ليست أقلّ صدقا من محاكاة الفنّ للحياة". ولئن كان تأثير الفنّ في المجتمعات مسألة بديهيّة، فهو مع الفنّ المعاصر أقلُّ بداهة. ولا شكّ أنّه لم تحدث مع مدرسة فنيّة ما قطيعةٌ مع الجماهير كما حدثت مع مدارس الفنّ المعاصر، رغم أنّ التفاعليّة من أبرز خصائصها. فهل أنّ الفنّ المعاصر فنّ عقيم؟ أم تراه يتعرّض لسوء فهم تاريخي؟ نزور مع المخرج السويديِّ روبرت أستلوند Östlund متحف الفنّ المعاصر بستوكهولم لنحاول التأمّل في هذه الأسئلة كما طرحها فيلمه الفائز بالسعفة الذهبية لهذا العام : المربّع.

يروي فيلم المربّع/الميدان The Square قطعة من حياة كريستيان Christian  أمين متحف الفنّ المعاصر بستوكهولم. أقول قطعة، لأنها لا تشبه كثيرا السرد التقليدي. فالقصص متنوعة ولكنّها تلتقي في شخصية كريستيان سواء داخل المتحف أو خارج، أحداثها مستقلّ بعضها عن بعض، غيرها أنها تدور في ذات الفضاء الزمكانيّ، وتتقاسم بعض الشخصيات. شيء أقرب إلى السيول التي يتفرّع بعضها عن بعض فيجري لحاله وإن كانت الأصول واحدة.

أبرز هذه الحكايات، تبدأ مع حادثة النشل التي تعرّض لها كريستيان عند ساحةٍ (square) قرب المتحف الذي يعمل فيه. وتنتهي مع الولد الساعي لانتزاع اعتذار علنيّ من كريستيان لاتّهامه ظلما بالسرقة. وتتعلّق القصّة الثانية بشكل مباشر بالعنوان، فالتنصيبة الفنّية الجديدة بمتحف الفنّ المعاصر تحمل إسم المربّع، ولإشهارها للعموم، يستنجد المتحف بوكالة تسويق عصريّة لخلق "ضجّة تسويقيّة" مناسبة. ثمّ هناك القصص الصغيرة، كتلك العلاقة الغريبة التي جمعت بين كريستيان والصحفية الأمريكيّة في أربعة مشاهد، أو الأحداث التي رافقت زيارة الفنان جوليان Julian (مقابلته الصحفية، العشاء الذي حضره، تنصيبته التي تقول : ليس عندك شيء You have nothing)...

والواضح أن أستلوند Östlund بهذا البناء الشّجريّ الفريد، يمنح سرده القدرة على التغلغل قليلا في عالم الفنّ المعاصر، وتصوير مختلف الزوايا. وهو تصوير يتصنّع العفويّة بشكل ماكر يضاعف من حجم السخريّة، ويعطي الفيلم طابع الملهاة. إنّ قراءة أوّلية للمربّع، تذهب إلى أنّ الفيلم ينتقد عالم الفنّ المعاصر، فـالعملُ الفنّيُّ يخلو من الاجتهاد، يظهر ذلك في المقارنة الضمنيّة بين التمثال الكلاسيكيّ البديع المقتلع من ساحة المتحف وبين تنصيبة المربّع البسيطة الساذجة التي حلّت محلّه. والفنّان المعاصر ليس إلاّ مدّعيا يبحث عن الإثارة وتسجيل الاختلاف لاغير، وهو ما قد ينطبق على الفنّان Oleg الذي أدّى دور الغوريلا في حفلة العشاء، أو ربّما جوليان صاحب التنصيبة السخيفة التي لم يجد كريستيان حرجا في ترميمها دون إعلام شركة التأمين. والجماهير المهتمّة بهذا الفنّ، ليست أقل ادّعاء، وكان انتقادها في الفيلم واضحا أكثر من مرّة، خصوصا خلال حفل الإعلان عن تنصيبة المربّع، حين تجاهل الجميع كلمة الطبّاخ واتجّهوا نحو الأكل. أمّا الأكثر ادّعاء فهم خبراء الفنّ والنقّاد، من أمثال كريستيان نفسه، الذين يكتبون كلمات رنّانة غامضة لا يفهمونها هم أنفسهم، من قبيل : "ديناميكيّة المعرض ضدّ اللّامعرض"، ويتصنّعون التلقائية ويخطّطون للارتجال. ومن هذه الزاوية يبدو أستلوند حادّا مغلظا، فهو يؤكّد على انتمائهم الطبقيّ من خلال مقارنة نمط عيشهم بنمط عيش المشرّدين، باستعمال مكثف للقطع القافز (Jump Cut). فبين العشاء الفخم الذي يحظى به هؤلاء الأثرياء حين يتحدّثون عن التكافل والمحبّة، وبين اللقم التي يجاهد المشرّدون للحصول عليها من المارّة، لا شكّ أنّ الفارق صادم. ولكنّه ليس فارقا جديدا أو غير معهود. لذلك ذهب كثير من النقاد إلى اعتبار الفيلم متهافتا، لا يضيف نقدُه الساخر جديدا ولا يفضح مجهولا، وينبشُ فيما هو رخو مستباحٌ.

لا شكَّ أنّ أستلوند يحبّ الدعابات الثقيلة، ولا شكّ أنّ مشاكساته لعالم الفنّ المعاصر لاذعة، لكنّها ليست وحي أفكار نمطيّة خياليّة، بقدرما هي وحيُ أحداث حقيقيّة فعلا. ثمّ إنّ السخرية في النهاية ليست إلاّ نتيجة عَرضيّة لما كان يريده المخرج السويديُّ في رحلته. ولا يجب أن تحجب المواقف المحرجة/المضحكة، عفويّتها، أو حسن نوايا أبطالها. لقد كان القائمون على المتحف يعملون بشكل جادّ على تسويق الفنّ المعاصر وتقريبه للعموم. وكان واضحا إيمانُ كريستيان أمين المتحف بمشروع المربّع الجديد. فكان يحاول اعتبار مساعدة المحتاجين واجبا يفرضه وجوده داخل المشترك الإنسانيّ الذي يمثّله المربّع. لكنّ الطريق إلى سوء الفهم مفروش بالنوايا الحسنة.

لقد كان سوء الفهم سمة المشاهد التي جمعت كريستيان بعناصر الطبقة السفلى. ففي البداية تعرّض كريستيان للخداع من قبل بعض هؤلاء، وحين كانت سيارته التسلا Tesla في حيّ شعبيّ، اُعتبر وجودُها مستفزّا، وحين حاول أن يبدوَ بذات الذكاء المخادِع ويستردّ مسروقه، تسبّب في مشكلة لصبيٍّ بريءٍ، ثمّ إنّه لم يُجد التعامل مع الصبيّ، وتسبّب له في أذى جسديٍّ لم  يرغبه. ولقد عبّر كريستيان صراحة عن ذلك في الرسالة المسجّلة لعائلة الصبيّ، معتبرا أنّ هناك حاجزا بين الطبقتين كثّفته الأحكام المسبّقة والصور النمطيّة. والطريف أنّ تلك الرسالة الصوتية ليست إلا حلقة أخرى من سوء الفهم، ومن استعمال لغة غير مناسبة للمقام.


يبرز فيلم المربّع جانب التكلّف في الفنّ المعاصر، وهو تكلّف غير ناجم عن رياء، بل عن فهم ساذج للذات والآخر. ينتمي روّاد هذا الفنّ إلى طبقة مثقفة وثريّة، تحيا حياة مرفّهة وهادئة. يؤمنون بالقيم المثلى، ولهم التزام نسبيّ بها. لكنّه التزام نظريٌّ وحين يكون عمليّا، يظلُّ بهم بعيدا عن خطّ المواجهة. لذلك كان الذهابُ إلى حيّ شعبيٍّ أشبه برحلة لباتمان في غوثام سيتي عند كريستيان وصاحبه. ولذلك أيضا كان تواصله مع المشرّدين أو مع الصبيّ الغاضب، تواصلا مضطربا متلعثما.
إنّ اقتراب هؤلاء من الطبقة السفلى هو أشبه بالاقتراب من الحياة، تخضّهم اشتباكاتهم، وجوعهم، وصراخهم، وتذكّرهم بغرائزهم الأولى.
إنّ تحفيز المشاعر (stimulation) مبحث مهمّ في أعمال الفنّانين المعاصرين، وعروضهم التشكيلية (Performances)، ولذلك كان عرضُ العشاء هو المشهد الرئيسيّ في الفيلم. فأثناء عشاء احتفاليّ أقامه المتحف لعلية القوم من المساهمين والمثقفين والنقاد والفنّانين، يقدّم آليك Oleg عرضه الخاصّ الذي يتمثّل في محاكاة الغوريلا. يحاول العرضُ أن يأخذ القومَ إلى الأدغال، حيث شريعة أخرى تسود، وحيث يشمُّ الوحشُ رائحة الخوف في ضحيّته. أبدى الحاضرون إعجابا بأصالة عمل الفنّان قبل أن يتمادى في أصالته، ويفضح تصنّعهم. وحين اعتدى الفنّان على المرأة، كانت محاكاته للغوريلا قد بلغت ذروتها، وكانت رسالته الفنيّة قد نجحت في تحفيز مشاعر الرعب والكفاح من أجل البقاء، لكنّ هؤلاء الذين استظرفوا الفكرة، واستقبلوا بداية العرض بالاستحسان، لم يأخذوا الأمر مأخذ الجد، والطريف أنّ أول من بادر إلى رفض العرضِ كان فنّانا آخر.

وفي المقابل، يمكن أن نقرأ حادثة السرقة التي تعرّض لها كريستيان كعمل فنّي مدهش. استعمل فيها الفنّان/النشّال مختلف الأسلحة الفنّية، من تمثيل، وتحفيز للمشاعر، ولفت انتباه… لقد كان عملا متقنا، فشل كريستيان في الردّ عليه، فكانت إجابته كارثيّة تسبّبت في اتّهام صبيّ بريء بالسرقة.

لقد أراد كريستيان من المربّع أن يكون مساحة تواصل بين الناس على اختلافهم، لكنّ مربّعات الواقع، تلك المربّعات التي أصرّ أستلوند على إبرازها في خلفيات المشاهد أو أطرافها، لم تكن إلا مساحات اشتباك. فكان تواصلُ كريستيان كاذبا، وأقرب إلى العمل الخيري من الواجب الذي ادّعاه.
واتّضح أن على الفنّ المعاصر أن يتحلّى بشيء من التواضع ربّما، دون أن يتخلّى عن نفسه المبدع، والغامض والطريف. فأستلوند لا يرفضه، ولا يرفض أدواته، بل هو يبدي احتفاءً بها، سواء العرض التشكيلي Art Performance أو الفنّ العلائقيّ Relational Art أو غيرها. بل هو يرفض سياقه، هذا العالم المعاصر نفسه، فهو صاحب الحواجز، وسوء التفاهم والطبقيّة.


إنّ العالم المعاصر يتطوّر بشكل أكبر من قدرة الفنّ نفسه على استيعابه، فإذا هو أمام مواقف غريبة ومحرجة لا يعرف أحد فيها كيف يتصرّف. هل نضحك لما يبدُر من مصاب بمتلازمة توريت Tourette's Syndrome بكل عفوية؟ أم نتجاهله على أساس أنه مرض كأي مرض آخر، وما يبدر من صاحبه عاديٌّ؟ ربّما لذلك كانت قصّة كريستيان مع الصحفيّة الأمريكيّة آن Anne (قامت بالدور إليزبث موس Elisabeth Moss) إحدى أهمّ فروع السيناريو. فقد رصد عبرها المخرجُ مأزق العلاقات البشريّة في هذا العصر: سوء التفاهم الناتج عن إفراط في التأويل، وفي الحكم المسبق. بلغ ذروته في مشهد عبثيّ مضحك إلى حدّ هستيريّ. لقد كان الفنّ عاجزا عن تحقيق لغة للحوار، بل كان صوتا معرقلا كما تبيّن في المشهد الأخير من علاقتهما، حين منعهما ضجيج تنصيبة الكراسي من التحاور بشكل سليم.
ويبرز المأزق التأويليُّ أيضا في نهاية القصّة "الرئيسيّة"، حين انقلب تأويل الصحفيين انقلابا تامّا بمجرد أن أعلن كريستيان عن استقالته، ومن الحديث عن أخلاقية العمل الفنيّ، والمسؤولية تجاه أموال دافعي الضرائب، تحوّل الحديث عن قمع ذاتيّ، وحرب ضدّ حريّة الرأي. لقد اتّسع المعنى في هذا العالم المعاصر حتّى لم يعد قابلا للفهم.

إنّ من الظلم اعتبار فيلم المربّع مجرّد ردّة فعل انفعالية تجاه الفنّ المعاصر، وليست رحلة في عالمه، تحاول أن تفهمه، وتشاكسه، ربّما بأسلحته. فالفيلم نفسه أقرب إلى قطعة فنّ معاصرة، لا تخلو من عمل تجريبيّ، ومن لمسات تشكيليّة تجريديّة (إبراز شكل المربع في مشاهد مختلفة وعبر عناصر متنوعة من المشهد، التذكير ببعض العناصر في مواضع مختلفة كالتذكير بالغوريلا من خلال قردة الصحفية)... ولا شكّ أنّه غزير بأفكار أخرى لا يتّسع المقام لبحثها، لكنّها ساهمت في تتويجه عن جدارة بسعفة كانّ الذهبيّة لهذا العام، ولا شكّ أنّه أحد أجود أعمال هذه السنة.

------------------------------------------------------------------------
العنوان : المربّع The Square
البلد : السويد 
السنة : 2017
المدة : 142 دقيقة
الصنف : كوميديا ساخرة 
المخرج : روبن أستلوند Ruben Östlund
البطولة : كلايس بانغ Claes Bang، إليزبث موس Elisabeth Moss، دومنيك وست Dominic West...

Tuesday, October 31, 2017

العفاريت كما تراها كوثر بن هنيّة


بين صرخة الانتفاضة وأمل الثورة، نبتت بالوعة من فراغات التهافت. ثمّ، وكأنّها ثقب أسود، راحت تسحب النور من بين أعين التونسيّين حتّى بات الظلام متهالكا على الأفق، قريبا من اليقين، وبات اليأسُ لغة التواصل، ومشتَركا حين فرّقتهم سياسات التّوافق. لا شيء يبشّر بالجمال تقريبا، ولا شيء يعد بأفضل منه، ربّما باستثناء بعض ذلك الذي يحدث في السينما. فمع كلّ سنة من الحرّيّة، يزداد تردّد الأصوات السينمائيّة التونسيّة، في المهرجانات الكبرى، وبعد أن دوّت صورة "نحبّك هادي" لمحمّد بن عطيّة في برلين السنة الماضية، جاء دورُ المخرجة كوثر بن هنيّة لتظفر بمشاركة متميّزة في مهرجان كانّ الأخير من خلال فيلمها الجديد "على كفّ عفريت".

وبعد أن تُوجّت السنة الماضية بالتّانيت الذهبي بفضل فيلمها الروائيّ الطويل الثاني "زينب تكره الثلج"، تشارك بن هنية مرّة أخرى في مهرجان قرطاج بفيلمها الذي شارك في مسابقة "نظرة ما" Un certain regard في نسخة كانّ Cannes الأخيرة.
يستعيدُ فيلم "على كفّ عفريت" جزءا من البالوعة التي تسحب الألوان من مشاهد الحياة التونسيّة، ينبش فيها، ويعيد تشكيلها بإيقاعات أكثر حدّة من حواسّنا الرّاكدة، عسى أن يوقظ ما نام فينا، أو يحرّك ما سكن. من خامات الرعب، والقبح، واليأس كما يعيشها التونسيون، رسمت كوثر بن هنية، طريقا جديدا للإبداع ربّما لم تألفه السينما التونسيّة الغارقة في وحل التقليد منذ سنوات طويلة. فإذا اليأسُ من الوطن، أملٌ في سينماه، وإذا الكفر بنظمه، إيمانٌ بشاشته الكبيرة.

يصعب الحديث عن "على كفّ عفريت" دون التطرّق إلى العفريت، وإلى كفّه، وإلى الظروف التي دفعت "البطلة" إلى الوقوع على هذا الكفّ. لحسن الحظّ، لا ينتقص حرق الأحداث شيئا من سطوة الموقف، ولا من وقع الصدمة، فخطوط القصّة العامّة معروفة عند الشارع التونسيّ منذ أربع سنوات تقريبا، حينما تفاعل مع ما حدث لمن أطلق عليها إسم "مريم"، شابّة تونسيّة تعرّضت رفقة صديقها إلى اعتداءٍ من بعض أعوان البوليس، فقط لأنهما لقمة سائغة، في وضع ضعيف يسمح بالابتزاز، أو هكذا خيّل للأعوان.

ليست هذه المرّة الأولى التي تعتمد فيها كوثر بن هنية على مادّة مستوحاة من الواقع، فقد كان فيلمها الروائيُّ الأول مبنيّا على قصّة من عرف بـ"شلاّط تونس". لكنّ التعامل مع القصص الواقعية، يبقى أمرا نادر الحدوث في السينما التونسيّة، لا لسعة الخيال وإنّما لضعفه، فالعمل على اللامتخيَّل يتطلّب اهتماما أكبر بالكيفيّة، بالأسلوب، لأنّه، حينما تكون الدراما معدَّة سلفا، يبقى هو أهمّ مواطن الإبداع. كتبت المخرجة التونسيةُ سيناريو الفيلم انطلاقا من مذكّرات مريم بن محمّد (وهو إسم مستعار) المنشورة تحت عنوان "ذنبي أنني اغتُصبت" Coupable d'avoir été violée، لذلك كان عليها أن تشتغل على الصورة لتنقل إليها القيمة المضافة للقصّة، ولقد كان هذا العملُ جليّا منذ المشهد الأول.

تؤدّي مريم الفرجاني أوّل دور لها من هذا الحجم، لكنّها منذ اللقطة الأولى، تواجه الكامرا/المرآة بثقة تبعث على البهجة، معها صديقتُها تساعدها على الاستعداد لاقتحام سهرة جامعيّة صاخبة في تونس العاصمة. تتصرّف كأيّة فتاة حديثة العهد بهذا العالم المغوي، تتقلب بين الحماس والارتباك والدهشة والرغبة، تتبع مسارا سطّرته قمرة (كامرا) المخرجة المتسلّطة على المشهد، المسيطرة بإتقان كبير لكلّ تفاصيله. تجول بنا في أركان الفضاء بفضل لقطة متتالية (long take) من عشر دقائق، هي إحدى تسعة لقطات فحسب كوّنت الفيلم كلّه. وبفضل عمق الحقل (deep focus) الذي سمح به الفضاءُ وهندسةُ المخرجة، أمكن رؤية ما هو أبعد من رؤية البطلة نفسها. هناك عند الركن، يقف ذلك الشابّ الذي لحظت اهتمامه بها، يتحدّث مع إحدى رفيقاتها، فنعرف ـ نحن المشاهدون ـ قبل البطلة نفسها، كيف ستتعرّف عليه.
هكذا بما قلّ من الكلمات وما دلّ من الصور، صرنا داخل إطار المشهد، نتحرك خلف قُمرته الحيّة النشيطة المغرية، كأنّها تتجاوز علاقة التلصّص التي تجمع ـ عادة ـ بين المشاهد وبين الشخصيّات، إلى علاقة شراكة هي مفتاح الإثارة Thriller الذي سوف يواجهنا بعد حين.

تنتقل المخرجة من التمهيد إلى جوهر الأحداث بعنف صادم. تنقلب الوجوه، وتتغيّر العبارات، ويفقد الفضاء موسيقاه المرحة. في المشهد/اللقطة المتتالية الثانية، يتمُّ تجاهل الحدث القادح، أو يتمُّ حجبه بشكل مستفزّ، ولا نفهم وقوعه إلا بشيء من التأخير. كما في رائعة كاغيموشا Kagemusha لا نحضر المعركة، ولكن تطالعنا أوجه الجرحى ورائحة الموت فنفهم كلّ شيء. رسمت مريم الفرجاني على ملامح شخصيّتها ما نحتاج إليه من رعب، وصدمة عصبية، وإحساس بالضياع لندرك ما حلّ بها، فالاغتصاب هو الاغتصاب أينما كان في بلاد الدنيا، أما ـ ما تلا الاغتصاب ـ فهو شيء تونسيٌّ فريدٌ يجب أن نعيشه من وراء الشاشة لنشعر به، ونفهمنا.

في ثمانية لقطات متتاليات يتراوح طولها بين الثمانية والثمانية عشر دقيقة، نجول مع مريم ويوسف (غانم الزرلّي) بين المستشفيات ومراكز البوليس وشوارع العاصمة، نحمل ثقل المذلّة والمهانة التي يحملان، ويعترينا شعور بالإثم عظيمٌ مع كلّ نظرة إدانة في وجه شخصٍ يُفترض منه المساعدة. وكأنّنا في محاكمة كافكا التي لم تلتئم، يضيع وسط البيروقراطية كلُّ إحساس بالتّكافل، والرحمة والإشفاق، وتسود اللامبالاة. فأمام حالة الضحيّةِ الرثّة، تجدُ موظّفة الاستقبال بالمصحّة وقتا للحديث عن الشاي والسكّر. ويُرفع شعار القانون الذي لا يلتزم به أحد منهم: لا يمكن قبول المريضة بدون هويّة رسمية. لا يمكن قبول طالبة في المبيت بعد العاشرة. لا يمكن أن تركب سيارة أجرة دون أن تدفع ثمنا كاملا… كأنّنا في زمن الاشتباك لغسان كنفاني، يبدو مشهد الناس في قسم "الاستعجالي" في المستشفى مرعبا، يشتبكُ الناس ويتهافتون كلٌّ من أجل حياته، لا أحد ينظر إلى الآخر تقريبا، كأنّنا في فيلم زومبي.

لقد استعاد يوسف هذه الاستعارة وهو يتحدّث عن حياته. يشعر أنّه البشر الوحيد الباقي وأنّ الجميع من حوله يريد أن يعضّه ويخلّصه من إنسانيّته. ربّما لذلك يبدو لوهلة أنّه البشريُّ الوحيد من حولها، الشخص الذي صمّم أن يطالب بحقّه من العدالة، فزرع فيها ذات العزيمة. لكنّنا نكتشف تباعا، أن يوسف ليس وحيدا، فهناك بعض أمارات الإنسانيّة في بعض هؤلاء الناس، ربّما مثلا تلك الممرّضة التي وكأنّها إذ تتابع قصّة مريم، تتابع مسلسلا تركيّا، وربّما الدكتور البحروني (الطبيب الشرعي) الذي ـ في ممارسته لمهنته بمثل ما يُفترض منه أن يفعل ـ بدا شخصا خارقا، ولكن خصوصا عون البوليس الذي استعاد دوره كعون أمن يحمي الضحيّة قبل أن تُطبق عليها كفُّ العفريت.

ولكنّ استعارة الزومبي تتجلّى بشكل أبرز هناك، في جبّ العفاريت، حين يطاردُ المعتدون ضحيّتهم. مرة تحتمي منهم بالكلاب (ربّما في إشارة إلى استعارة أخرى)، ومرّة بالهراوات، ومرّة بالاختباء وراء باب مغلق. لا يمكن أن نُخطئ خلوَّ هذه المطاردات من كلّ داعٍ دراميِّ حقيقيِّ، ولا يمكن أن نغفل عن حركات ثلاثتهم السخيفة والمبالغ فيها. من قال إنّ الموتى الأحياء لا يمكن أن يظهروا في دراما واقعيّة؟ بين جدران مراكز الأمن، تخطو كوثر بن هنيّة على حافّة أفلام الرعب، ورهاب الأماكن المغلقة، وحتّى عند الخروج إلى الشارع الخالي الفسيح، لا يزال الاختناق سمة المكان. كأنّ البلاد كلّها ثكنة بوليس كبيرة، مهمّة أعوانها الأساسيّة حفظ نمط ثقافيّ يقدّس الذكرَ ويختزل المرأة في أنوثتها، أو ما يُعرف اصطلاحا بثقافة النظام الأبويّ (Patriarchy).

لقد عملت كوثر بن هنيّة على النبش في مفاصل النظام الأبويّ، فكان حاضرا على حافّتيْ الدراما كسكّة تقودها. منذ البداية، تجنّبُ علاقةَ مريم بيوسف من التقاليد المألوفة. لا يهرع الشابُ إليها، ولا تتمنّعُ، بل تتوجّهُ إليه وتعرض عليه الخروج من دون أن تعرف إسمه. لكنّ خيارها لا يخيب إذ يتّضح ـ فيما بعدُ ـ أنّه "الرجلُ/المثالُ".
وخلال رحلتهما، تنثرُ المخرجةُ الكثير من الأفكار الرّائجة في مجتمعات النظام الأبويّ. فالمرأة المغتصَبة مدانة مسبقا، ربّما من قِبَل النساء قبل الرجال. لقد كانت النساءُ أكثر قسوة في تعاملهنّ مع البطلة، فموظّفة الاستقبال في المصحّة الخاصّة، اتّهمتها بمحاولة الكيدِ لشخص ما، والصحفيّةُ "المحترفة" فضّلت مواصلة النوم على أن تهتمّ لأمرها، فهي لا تعدو أن تكون قصّة للنشر، ولكنّ أقسى الأحكام، أطلقته عليها الشرطيّةُ التي أسأنا فهم هدوئها. فمع أوّل اختلاف برزت تلك الفكرةُ المخفيّةُ جانبا، قالت لها بنظرة اتّهام لا غبار عليها : عاهرة.
لقد ظلّت هذه المشاهدُ ثانويّةً لأحداث القصّة، وظلّ تأويلها مضمَّنا لا صريحا، ولم تحاول كوثر بن هنية أن تخلق أية مواجهة إيديولوجيّة، ما جعل الصورة تصل ببلاغة لم أعهد مثلها في السينما التونسيّة. لم تتوقّف كوثر بن هنيّة عند القمع الذكوريِّ للمرأة، بل ذهبت إلى القمع الذكوريِّ للرجلِ أيضا. فكان ما تعرّض إليه يوسف من ضروب الإذلال أقسى وأعنف. فأسقطت عنه "الرجولة" لأنّه عجز عن حمايتها، وفي كلّ مرة حاول فيها عون بوليس استفزازه، كانت هي الوسيلة. حتّى عند خلافه مع سائق سيارة الأجرة، كانت إهانة السائق تمرّ عبر الفتاة :"إذا كنت مفلسا، لماذا تُتعب بنت الناس معك؟".

لقد ربط "على كفّ عفريت" بخفّة عبقريّة، بين النظام الأبويّ والنظام البوليسيّ. فبالنسبة لكوثر بن هنيّة، لا يعدو الثاني إلاّ أن يكون تمظهرا للأوّل. لا ديمقراطيّة مع نظام بوليسيٍّ، هكذا بدت المواجهة بين يوسف والأسعد (المحقّق الأول)، لكن أيضا، لا يمكن التخلصّ من النظام البوليسيّ مع الإبقاء على النظام الأبويّ، وهكذا بدا بورتريه Portrait أعوان البوليس في الفيلم. يقفون متجاورين، كأنّهم يحشدون التِّسْتُسْتِيرون، يأخذ أحدهم موقع الزعامة، ربّما بفضل شاربه الطويل، ينفخ صدره قدر ما يستطيع، يمارسون الوصاية على المرأة، يسمّونها "الوليّة"، "الصبيّة"، أو ربّما بنعوت سوقيّة أخرى. لا يتبنّى العنفُ البوليسيُّ ثقافة الـPatriarchy فهو وليدُها، وتجلّيها، لذلك يمتزجان بشكل مكثّف في عبارات الترهيب والتخويف النمطية: "نكلّمو بوك"، "فضيحتك على كل لسان"، "شكون باش يرضى بيك؟"… بدون الوقوع في تمطيط مملّ، أو تكرار لما يعرفه الجميعُ، استعاد الفيلمُ أهمّ تقنيات البوليس التونسيّ، وطرقه لمغالطة المواطنين والتلاعب بهم وبأعصابهم. إنّهم عكس مريم المواطنة، يحفظون القانون جيّدا، يخفونه حين يدينهم، ويتلونه في خشوع حين يخدم مصالحهم. يسهل عليهم وضع الضحيّة في موضع الجاني، الوقت في صالحهم كما ذكر الشاذلي (أداء مميّز من الشاذلي العرفاوي)، والنظام يحميهم لأنّهم عمادُه.

وكما ربط الفيلم بين السلطة البوليسية والسلطة الأبوية، ربط أيضا بين ثورة الحرّيّة وجهاز البوليس. بين شباب القصبة وأعوان القمع، فلا ننسى أنّ كوثر بن هنيّة ابنة سيدي بوزيد. فأحدث استعمالُ عبارة "على كفّ عفريت" في خطاب الشاذلي، مقاربةً بين مريم وتونس، الأولى المعنيّة بعنوان الفيلم، والثانية المعنية بعبارة المحقّق (البلاد على كفّ عفريت وأنت تحب تشكي؟). كلاهما ضحيّة والجاني واحد يأخذ شكل بطل يحمي الحمى من الإرهاب.

إنّها المرة الأولى التي يخرج فيها فيلمٌ تونسيٌّ بهذه الجرأة في الشكل وهذا الاندفاع والوضوح في المضمون. لكنّه مع ذلك لم يخلُ من الهنّات خصوصا على مستوى الآداء. فرغم عمل مريم الفرجاني المميّز في شخصيّة مريم، إلا أنّها عرفت بعض لحظات الضعف خصوصا في مشهد المستشفى الأوّل (لا ما تصوّرنيش!)، كما كان الكثير من الأدوار الثانويّة هشّ الآداء، فالممرّضة في المستشفى لم تكن تنظر إلى الممثلين تقريبا، وأداء المعتدين الثلاثة كان أحيانا أقرب للهزل منه للرّعب، أمّا المحقق سي الأسعد، فلم أسمع عن محقّق ألطف منه. لقد دفعه يوسف بالفعل، ومع ذلك لم يمسّه بسوء، بل أبدى ثقافة عالية تجعلني أتساءل كيف لشخص يجيد الاستعارات الميثيقية أن يتصرّف بتلك الرّداءة؟ لقد كان مثال يوسف النجار ومريم العذراء و"ما عندناش منه في القرآن" سيّئا بقدر ما كان مثال الزومبي ناجحا.
ويبقى خطأ شاشة الهاتف السوداء حين تظاهر الشاذلي بأخذ رقم الأب منه، أسوأ الأخطاء التقنية. لكنّ هذه الأخطاء وإن أثّرت بعض الشيء على جودة العمل، فهي لم تسلب منه قوّته، ولا مساحة الإبداع فيه، ليبقى برأيي أحد أهم التعبيرات السينمائيّة التونسيّة ودليلا على أنّ رياح الحريّة قد بدأت تنحت بصماتها.

العنوان : على كفّ عفريت
السنة : 2017
المخرج: كوثر بن هنيّة
الصنف : دراما، اجتماعي، إثارة
المدّة : 100 دقيقة
البطولة : مريم الفرجاني، غانم الزّرلّي
There was an error in this gadget

Translate