Thursday, November 23, 2017

الفنّ المعاصر، والعالم المعاصر في مربّع أستلوند


يقول أوسكار وايلد "قد يبدو الأمر معكوسا، ولكنّ فكرة محاكاة الحياة للفنّ ليست أقلّ صدقا من محاكاة الفنّ للحياة". ولئن كان تأثير الفنّ في المجتمعات مسألة بديهيّة، فهو مع الفنّ المعاصر أقلُّ بداهة. ولا شكّ أنّه لم تحدث مع مدرسة فنيّة ما قطيعةٌ مع الجماهير كما حدثت مع مدارس الفنّ المعاصر، رغم أنّ التفاعليّة من أبرز خصائصها. فهل أنّ الفنّ المعاصر فنّ عقيم؟ أم تراه يتعرّض لسوء فهم تاريخي؟ نزور مع المخرج السويديِّ روبرت أستلوند Östlund متحف الفنّ المعاصر بستوكهولم لنحاول التأمّل في هذه الأسئلة كما طرحها فيلمه الفائز بالسعفة الذهبية لهذا العام : المربّع.

يروي فيلم المربّع/الميدان The Square قطعة من حياة كريستيان Christian  أمين متحف الفنّ المعاصر بستوكهولم. أقول قطعة، لأنها لا تشبه كثيرا السرد التقليدي. فالقصص متنوعة ولكنّها تلتقي في شخصية كريستيان سواء داخل المتحف أو خارج، أحداثها مستقلّ بعضها عن بعض، غيرها أنها تدور في ذات الفضاء الزمكانيّ، وتتقاسم بعض الشخصيات. شيء أقرب إلى السيول التي يتفرّع بعضها عن بعض فيجري لحاله وإن كانت الأصول واحدة.

أبرز هذه الحكايات، تبدأ مع حادثة النشل التي تعرّض لها كريستيان عند ساحةٍ (square) قرب المتحف الذي يعمل فيه. وتنتهي مع الولد الساعي لانتزاع اعتذار علنيّ من كريستيان لاتّهامه ظلما بالسرقة. وتتعلّق القصّة الثانية بشكل مباشر بالعنوان، فالتنصيبة الفنّية الجديدة بمتحف الفنّ المعاصر تحمل إسم المربّع، ولإشهارها للعموم، يستنجد المتحف بوكالة تسويق عصريّة لخلق "ضجّة تسويقيّة" مناسبة. ثمّ هناك القصص الصغيرة، كتلك العلاقة الغريبة التي جمعت بين كريستيان والصحفية الأمريكيّة في أربعة مشاهد، أو الأحداث التي رافقت زيارة الفنان جوليان Julian (مقابلته الصحفية، العشاء الذي حضره، تنصيبته التي تقول : ليس عندك شيء You have nothing)...

والواضح أن أستلوند Östlund بهذا البناء الشّجريّ الفريد، يمنح سرده القدرة على التغلغل قليلا في عالم الفنّ المعاصر، وتصوير مختلف الزوايا. وهو تصوير يتصنّع العفويّة بشكل ماكر يضاعف من حجم السخريّة، ويعطي الفيلم طابع الملهاة. إنّ قراءة أوّلية للمربّع، تذهب إلى أنّ الفيلم ينتقد عالم الفنّ المعاصر، فـالعملُ الفنّيُّ يخلو من الاجتهاد، يظهر ذلك في المقارنة الضمنيّة بين التمثال الكلاسيكيّ البديع المقتلع من ساحة المتحف وبين تنصيبة المربّع البسيطة الساذجة التي حلّت محلّه. والفنّان المعاصر ليس إلاّ مدّعيا يبحث عن الإثارة وتسجيل الاختلاف لاغير، وهو ما قد ينطبق على الفنّان Oleg الذي أدّى دور الغوريلا في حفلة العشاء، أو ربّما جوليان صاحب التنصيبة السخيفة التي لم يجد كريستيان حرجا في ترميمها دون إعلام شركة التأمين. والجماهير المهتمّة بهذا الفنّ، ليست أقل ادّعاء، وكان انتقادها في الفيلم واضحا أكثر من مرّة، خصوصا خلال حفل الإعلان عن تنصيبة المربّع، حين تجاهل الجميع كلمة الطبّاخ واتجّهوا نحو الأكل. أمّا الأكثر ادّعاء فهم خبراء الفنّ والنقّاد، من أمثال كريستيان نفسه، الذين يكتبون كلمات رنّانة غامضة لا يفهمونها هم أنفسهم، من قبيل : "ديناميكيّة المعرض ضدّ اللّامعرض"، ويتصنّعون التلقائية ويخطّطون للارتجال. ومن هذه الزاوية يبدو أستلوند حادّا مغلظا، فهو يؤكّد على انتمائهم الطبقيّ من خلال مقارنة نمط عيشهم بنمط عيش المشرّدين، باستعمال مكثف للقطع القافز (Jump Cut). فبين العشاء الفخم الذي يحظى به هؤلاء الأثرياء حين يتحدّثون عن التكافل والمحبّة، وبين اللقم التي يجاهد المشرّدون للحصول عليها من المارّة، لا شكّ أنّ الفارق صادم. ولكنّه ليس فارقا جديدا أو غير معهود. لذلك ذهب كثير من النقاد إلى اعتبار الفيلم متهافتا، لا يضيف نقدُه الساخر جديدا ولا يفضح مجهولا، وينبشُ فيما هو رخو مستباحٌ.

لا شكَّ أنّ أستلوند يحبّ الدعابات الثقيلة، ولا شكّ أنّ مشاكساته لعالم الفنّ المعاصر لاذعة، لكنّها ليست وحي أفكار نمطيّة خياليّة، بقدرما هي وحيُ أحداث حقيقيّة فعلا. ثمّ إنّ السخرية في النهاية ليست إلاّ نتيجة عَرضيّة لما كان يريده المخرج السويديُّ في رحلته. ولا يجب أن تحجب المواقف المحرجة/المضحكة، عفويّتها، أو حسن نوايا أبطالها. لقد كان القائمون على المتحف يعملون بشكل جادّ على تسويق الفنّ المعاصر وتقريبه للعموم. وكان واضحا إيمانُ كريستيان أمين المتحف بمشروع المربّع الجديد. فكان يحاول اعتبار مساعدة المحتاجين واجبا يفرضه وجوده داخل المشترك الإنسانيّ الذي يمثّله المربّع. لكنّ الطريق إلى سوء الفهم مفروش بالنوايا الحسنة.

لقد كان سوء الفهم سمة المشاهد التي جمعت كريستيان بعناصر الطبقة السفلى. ففي البداية تعرّض كريستيان للخداع من قبل بعض هؤلاء، وحين كانت سيارته التسلا Tesla في حيّ شعبيّ، اُعتبر وجودُها مستفزّا، وحين حاول أن يبدوَ بذات الذكاء المخادِع ويستردّ مسروقه، تسبّب في مشكلة لصبيٍّ بريءٍ، ثمّ إنّه لم يُجد التعامل مع الصبيّ، وتسبّب له في أذى جسديٍّ لم  يرغبه. ولقد عبّر كريستيان صراحة عن ذلك في الرسالة المسجّلة لعائلة الصبيّ، معتبرا أنّ هناك حاجزا بين الطبقتين كثّفته الأحكام المسبّقة والصور النمطيّة. والطريف أنّ تلك الرسالة الصوتية ليست إلا حلقة أخرى من سوء الفهم، ومن استعمال لغة غير مناسبة للمقام.


يبرز فيلم المربّع جانب التكلّف في الفنّ المعاصر، وهو تكلّف غير ناجم عن رياء، بل عن فهم ساذج للذات والآخر. ينتمي روّاد هذا الفنّ إلى طبقة مثقفة وثريّة، تحيا حياة مرفّهة وهادئة. يؤمنون بالقيم المثلى، ولهم التزام نسبيّ بها. لكنّه التزام نظريٌّ وحين يكون عمليّا، يظلُّ بهم بعيدا عن خطّ المواجهة. لذلك كان الذهابُ إلى حيّ شعبيٍّ أشبه برحلة لباتمان في غوثام سيتي عند كريستيان وصاحبه. ولذلك أيضا كان تواصله مع المشرّدين أو مع الصبيّ الغاضب، تواصلا مضطربا متلعثما.
إنّ اقتراب هؤلاء من الطبقة السفلى هو أشبه بالاقتراب من الحياة، تخضّهم اشتباكاتهم، وجوعهم، وصراخهم، وتذكّرهم بغرائزهم الأولى.
إنّ تحفيز المشاعر (stimulation) مبحث مهمّ في أعمال الفنّانين المعاصرين، وعروضهم التشكيلية (Performances)، ولذلك كان عرضُ العشاء هو المشهد الرئيسيّ في الفيلم. فأثناء عشاء احتفاليّ أقامه المتحف لعلية القوم من المساهمين والمثقفين والنقاد والفنّانين، يقدّم آليك Oleg عرضه الخاصّ الذي يتمثّل في محاكاة الغوريلا. يحاول العرضُ أن يأخذ القومَ إلى الأدغال، حيث شريعة أخرى تسود، وحيث يشمُّ الوحشُ رائحة الخوف في ضحيّته. أبدى الحاضرون إعجابا بأصالة عمل الفنّان قبل أن يتمادى في أصالته، ويفضح تصنّعهم. وحين اعتدى الفنّان على المرأة، كانت محاكاته للغوريلا قد بلغت ذروتها، وكانت رسالته الفنيّة قد نجحت في تحفيز مشاعر الرعب والكفاح من أجل البقاء، لكنّ هؤلاء الذين استظرفوا الفكرة، واستقبلوا بداية العرض بالاستحسان، لم يأخذوا الأمر مأخذ الجد، والطريف أنّ أول من بادر إلى رفض العرضِ كان فنّانا آخر.

وفي المقابل، يمكن أن نقرأ حادثة السرقة التي تعرّض لها كريستيان كعمل فنّي مدهش. استعمل فيها الفنّان/النشّال مختلف الأسلحة الفنّية، من تمثيل، وتحفيز للمشاعر، ولفت انتباه… لقد كان عملا متقنا، فشل كريستيان في الردّ عليه، فكانت إجابته كارثيّة تسبّبت في اتّهام صبيّ بريء بالسرقة.

لقد أراد كريستيان من المربّع أن يكون مساحة تواصل بين الناس على اختلافهم، لكنّ مربّعات الواقع، تلك المربّعات التي أصرّ أستلوند على إبرازها في خلفيات المشاهد أو أطرافها، لم تكن إلا مساحات اشتباك. فكان تواصلُ كريستيان كاذبا، وأقرب إلى العمل الخيري من الواجب الذي ادّعاه.
واتّضح أن على الفنّ المعاصر أن يتحلّى بشيء من التواضع ربّما، دون أن يتخلّى عن نفسه المبدع، والغامض والطريف. فأستلوند لا يرفضه، ولا يرفض أدواته، بل هو يبدي احتفاءً بها، سواء العرض التشكيلي Art Performance أو الفنّ العلائقيّ Relational Art أو غيرها. بل هو يرفض سياقه، هذا العالم المعاصر نفسه، فهو صاحب الحواجز، وسوء التفاهم والطبقيّة.


إنّ العالم المعاصر يتطوّر بشكل أكبر من قدرة الفنّ نفسه على استيعابه، فإذا هو أمام مواقف غريبة ومحرجة لا يعرف أحد فيها كيف يتصرّف. هل نضحك لما يبدُر من مصاب بمتلازمة توريت Tourette's Syndrome بكل عفوية؟ أم نتجاهله على أساس أنه مرض كأي مرض آخر، وما يبدر من صاحبه عاديٌّ؟ ربّما لذلك كانت قصّة كريستيان مع الصحفيّة الأمريكيّة آن Anne (قامت بالدور إليزبث موس Elisabeth Moss) إحدى أهمّ فروع السيناريو. فقد رصد عبرها المخرجُ مأزق العلاقات البشريّة في هذا العصر: سوء التفاهم الناتج عن إفراط في التأويل، وفي الحكم المسبق. بلغ ذروته في مشهد عبثيّ مضحك إلى حدّ هستيريّ. لقد كان الفنّ عاجزا عن تحقيق لغة للحوار، بل كان صوتا معرقلا كما تبيّن في المشهد الأخير من علاقتهما، حين منعهما ضجيج تنصيبة الكراسي من التحاور بشكل سليم.
ويبرز المأزق التأويليُّ أيضا في نهاية القصّة "الرئيسيّة"، حين انقلب تأويل الصحفيين انقلابا تامّا بمجرد أن أعلن كريستيان عن استقالته، ومن الحديث عن أخلاقية العمل الفنيّ، والمسؤولية تجاه أموال دافعي الضرائب، تحوّل الحديث عن قمع ذاتيّ، وحرب ضدّ حريّة الرأي. لقد اتّسع المعنى في هذا العالم المعاصر حتّى لم يعد قابلا للفهم.

إنّ من الظلم اعتبار فيلم المربّع مجرّد ردّة فعل انفعالية تجاه الفنّ المعاصر، وليست رحلة في عالمه، تحاول أن تفهمه، وتشاكسه، ربّما بأسلحته. فالفيلم نفسه أقرب إلى قطعة فنّ معاصرة، لا تخلو من عمل تجريبيّ، ومن لمسات تشكيليّة تجريديّة (إبراز شكل المربع في مشاهد مختلفة وعبر عناصر متنوعة من المشهد، التذكير ببعض العناصر في مواضع مختلفة كالتذكير بالغوريلا من خلال قردة الصحفية)... ولا شكّ أنّه غزير بأفكار أخرى لا يتّسع المقام لبحثها، لكنّها ساهمت في تتويجه عن جدارة بسعفة كانّ الذهبيّة لهذا العام، ولا شكّ أنّه أحد أجود أعمال هذه السنة.

------------------------------------------------------------------------
العنوان : المربّع The Square
البلد : السويد 
السنة : 2017
المدة : 142 دقيقة
الصنف : كوميديا ساخرة 
المخرج : روبن أستلوند Ruben Östlund
البطولة : كلايس بانغ Claes Bang، إليزبث موس Elisabeth Moss، دومنيك وست Dominic West...

Tuesday, October 31, 2017

العفاريت كما تراها كوثر بن هنيّة


بين صرخة الانتفاضة وأمل الثورة، نبتت بالوعة من فراغات التهافت. ثمّ، وكأنّها ثقب أسود، راحت تسحب النور من بين أعين التونسيّين حتّى بات الظلام متهالكا على الأفق، قريبا من اليقين، وبات اليأسُ لغة التواصل، ومشتَركا حين فرّقتهم سياسات التّوافق. لا شيء يبشّر بالجمال تقريبا، ولا شيء يعد بأفضل منه، ربّما باستثناء بعض ذلك الذي يحدث في السينما. فمع كلّ سنة من الحرّيّة، يزداد تردّد الأصوات السينمائيّة التونسيّة، في المهرجانات الكبرى، وبعد أن دوّت صورة "نحبّك هادي" لمحمّد بن عطيّة في برلين السنة الماضية، جاء دورُ المخرجة كوثر بن هنيّة لتظفر بمشاركة متميّزة في مهرجان كانّ الأخير من خلال فيلمها الجديد "على كفّ عفريت".

وبعد أن تُوجّت السنة الماضية بالتّانيت الذهبي بفضل فيلمها الروائيّ الطويل الثاني "زينب تكره الثلج"، تشارك بن هنية مرّة أخرى في مهرجان قرطاج بفيلمها الذي شارك في مسابقة "نظرة ما" Un certain regard في نسخة كانّ Cannes الأخيرة.
يستعيدُ فيلم "على كفّ عفريت" جزءا من البالوعة التي تسحب الألوان من مشاهد الحياة التونسيّة، ينبش فيها، ويعيد تشكيلها بإيقاعات أكثر حدّة من حواسّنا الرّاكدة، عسى أن يوقظ ما نام فينا، أو يحرّك ما سكن. من خامات الرعب، والقبح، واليأس كما يعيشها التونسيون، رسمت كوثر بن هنية، طريقا جديدا للإبداع ربّما لم تألفه السينما التونسيّة الغارقة في وحل التقليد منذ سنوات طويلة. فإذا اليأسُ من الوطن، أملٌ في سينماه، وإذا الكفر بنظمه، إيمانٌ بشاشته الكبيرة.

يصعب الحديث عن "على كفّ عفريت" دون التطرّق إلى العفريت، وإلى كفّه، وإلى الظروف التي دفعت "البطلة" إلى الوقوع على هذا الكفّ. لحسن الحظّ، لا ينتقص حرق الأحداث شيئا من سطوة الموقف، ولا من وقع الصدمة، فخطوط القصّة العامّة معروفة عند الشارع التونسيّ منذ أربع سنوات تقريبا، حينما تفاعل مع ما حدث لمن أطلق عليها إسم "مريم"، شابّة تونسيّة تعرّضت رفقة صديقها إلى اعتداءٍ من بعض أعوان البوليس، فقط لأنهما لقمة سائغة، في وضع ضعيف يسمح بالابتزاز، أو هكذا خيّل للأعوان.

ليست هذه المرّة الأولى التي تعتمد فيها كوثر بن هنية على مادّة مستوحاة من الواقع، فقد كان فيلمها الروائيُّ الأول مبنيّا على قصّة من عرف بـ"شلاّط تونس". لكنّ التعامل مع القصص الواقعية، يبقى أمرا نادر الحدوث في السينما التونسيّة، لا لسعة الخيال وإنّما لضعفه، فالعمل على اللامتخيَّل يتطلّب اهتماما أكبر بالكيفيّة، بالأسلوب، لأنّه، حينما تكون الدراما معدَّة سلفا، يبقى هو أهمّ مواطن الإبداع. كتبت المخرجة التونسيةُ سيناريو الفيلم انطلاقا من مذكّرات مريم بن محمّد (وهو إسم مستعار) المنشورة تحت عنوان "ذنبي أنني اغتُصبت" Coupable d'avoir été violée، لذلك كان عليها أن تشتغل على الصورة لتنقل إليها القيمة المضافة للقصّة، ولقد كان هذا العملُ جليّا منذ المشهد الأول.

تؤدّي مريم الفرجاني أوّل دور لها من هذا الحجم، لكنّها منذ اللقطة الأولى، تواجه الكامرا/المرآة بثقة تبعث على البهجة، معها صديقتُها تساعدها على الاستعداد لاقتحام سهرة جامعيّة صاخبة في تونس العاصمة. تتصرّف كأيّة فتاة حديثة العهد بهذا العالم المغوي، تتقلب بين الحماس والارتباك والدهشة والرغبة، تتبع مسارا سطّرته قمرة (كامرا) المخرجة المتسلّطة على المشهد، المسيطرة بإتقان كبير لكلّ تفاصيله. تجول بنا في أركان الفضاء بفضل لقطة متتالية (long take) من عشر دقائق، هي إحدى تسعة لقطات فحسب كوّنت الفيلم كلّه. وبفضل عمق الحقل (deep focus) الذي سمح به الفضاءُ وهندسةُ المخرجة، أمكن رؤية ما هو أبعد من رؤية البطلة نفسها. هناك عند الركن، يقف ذلك الشابّ الذي لحظت اهتمامه بها، يتحدّث مع إحدى رفيقاتها، فنعرف ـ نحن المشاهدون ـ قبل البطلة نفسها، كيف ستتعرّف عليه.
هكذا بما قلّ من الكلمات وما دلّ من الصور، صرنا داخل إطار المشهد، نتحرك خلف قُمرته الحيّة النشيطة المغرية، كأنّها تتجاوز علاقة التلصّص التي تجمع ـ عادة ـ بين المشاهد وبين الشخصيّات، إلى علاقة شراكة هي مفتاح الإثارة Thriller الذي سوف يواجهنا بعد حين.

تنتقل المخرجة من التمهيد إلى جوهر الأحداث بعنف صادم. تنقلب الوجوه، وتتغيّر العبارات، ويفقد الفضاء موسيقاه المرحة. في المشهد/اللقطة المتتالية الثانية، يتمُّ تجاهل الحدث القادح، أو يتمُّ حجبه بشكل مستفزّ، ولا نفهم وقوعه إلا بشيء من التأخير. كما في رائعة كاغيموشا Kagemusha لا نحضر المعركة، ولكن تطالعنا أوجه الجرحى ورائحة الموت فنفهم كلّ شيء. رسمت مريم الفرجاني على ملامح شخصيّتها ما نحتاج إليه من رعب، وصدمة عصبية، وإحساس بالضياع لندرك ما حلّ بها، فالاغتصاب هو الاغتصاب أينما كان في بلاد الدنيا، أما ـ ما تلا الاغتصاب ـ فهو شيء تونسيٌّ فريدٌ يجب أن نعيشه من وراء الشاشة لنشعر به، ونفهمنا.

في ثمانية لقطات متتاليات يتراوح طولها بين الثمانية والثمانية عشر دقيقة، نجول مع مريم ويوسف (غانم الزرلّي) بين المستشفيات ومراكز البوليس وشوارع العاصمة، نحمل ثقل المذلّة والمهانة التي يحملان، ويعترينا شعور بالإثم عظيمٌ مع كلّ نظرة إدانة في وجه شخصٍ يُفترض منه المساعدة. وكأنّنا في محاكمة كافكا التي لم تلتئم، يضيع وسط البيروقراطية كلُّ إحساس بالتّكافل، والرحمة والإشفاق، وتسود اللامبالاة. فأمام حالة الضحيّةِ الرثّة، تجدُ موظّفة الاستقبال بالمصحّة وقتا للحديث عن الشاي والسكّر. ويُرفع شعار القانون الذي لا يلتزم به أحد منهم: لا يمكن قبول المريضة بدون هويّة رسمية. لا يمكن قبول طالبة في المبيت بعد العاشرة. لا يمكن أن تركب سيارة أجرة دون أن تدفع ثمنا كاملا… كأنّنا في زمن الاشتباك لغسان كنفاني، يبدو مشهد الناس في قسم "الاستعجالي" في المستشفى مرعبا، يشتبكُ الناس ويتهافتون كلٌّ من أجل حياته، لا أحد ينظر إلى الآخر تقريبا، كأنّنا في فيلم زومبي.

لقد استعاد يوسف هذه الاستعارة وهو يتحدّث عن حياته. يشعر أنّه البشر الوحيد الباقي وأنّ الجميع من حوله يريد أن يعضّه ويخلّصه من إنسانيّته. ربّما لذلك يبدو لوهلة أنّه البشريُّ الوحيد من حولها، الشخص الذي صمّم أن يطالب بحقّه من العدالة، فزرع فيها ذات العزيمة. لكنّنا نكتشف تباعا، أن يوسف ليس وحيدا، فهناك بعض أمارات الإنسانيّة في بعض هؤلاء الناس، ربّما مثلا تلك الممرّضة التي وكأنّها إذ تتابع قصّة مريم، تتابع مسلسلا تركيّا، وربّما الدكتور البحروني (الطبيب الشرعي) الذي ـ في ممارسته لمهنته بمثل ما يُفترض منه أن يفعل ـ بدا شخصا خارقا، ولكن خصوصا عون البوليس الذي استعاد دوره كعون أمن يحمي الضحيّة قبل أن تُطبق عليها كفُّ العفريت.

ولكنّ استعارة الزومبي تتجلّى بشكل أبرز هناك، في جبّ العفاريت، حين يطاردُ المعتدون ضحيّتهم. مرة تحتمي منهم بالكلاب (ربّما في إشارة إلى استعارة أخرى)، ومرّة بالهراوات، ومرّة بالاختباء وراء باب مغلق. لا يمكن أن نُخطئ خلوَّ هذه المطاردات من كلّ داعٍ دراميِّ حقيقيِّ، ولا يمكن أن نغفل عن حركات ثلاثتهم السخيفة والمبالغ فيها. من قال إنّ الموتى الأحياء لا يمكن أن يظهروا في دراما واقعيّة؟ بين جدران مراكز الأمن، تخطو كوثر بن هنيّة على حافّة أفلام الرعب، ورهاب الأماكن المغلقة، وحتّى عند الخروج إلى الشارع الخالي الفسيح، لا يزال الاختناق سمة المكان. كأنّ البلاد كلّها ثكنة بوليس كبيرة، مهمّة أعوانها الأساسيّة حفظ نمط ثقافيّ يقدّس الذكرَ ويختزل المرأة في أنوثتها، أو ما يُعرف اصطلاحا بثقافة النظام الأبويّ (Patriarchy).

لقد عملت كوثر بن هنيّة على النبش في مفاصل النظام الأبويّ، فكان حاضرا على حافّتيْ الدراما كسكّة تقودها. منذ البداية، تجنّبُ علاقةَ مريم بيوسف من التقاليد المألوفة. لا يهرع الشابُ إليها، ولا تتمنّعُ، بل تتوجّهُ إليه وتعرض عليه الخروج من دون أن تعرف إسمه. لكنّ خيارها لا يخيب إذ يتّضح ـ فيما بعدُ ـ أنّه "الرجلُ/المثالُ".
وخلال رحلتهما، تنثرُ المخرجةُ الكثير من الأفكار الرّائجة في مجتمعات النظام الأبويّ. فالمرأة المغتصَبة مدانة مسبقا، ربّما من قِبَل النساء قبل الرجال. لقد كانت النساءُ أكثر قسوة في تعاملهنّ مع البطلة، فموظّفة الاستقبال في المصحّة الخاصّة، اتّهمتها بمحاولة الكيدِ لشخص ما، والصحفيّةُ "المحترفة" فضّلت مواصلة النوم على أن تهتمّ لأمرها، فهي لا تعدو أن تكون قصّة للنشر، ولكنّ أقسى الأحكام، أطلقته عليها الشرطيّةُ التي أسأنا فهم هدوئها. فمع أوّل اختلاف برزت تلك الفكرةُ المخفيّةُ جانبا، قالت لها بنظرة اتّهام لا غبار عليها : عاهرة.
لقد ظلّت هذه المشاهدُ ثانويّةً لأحداث القصّة، وظلّ تأويلها مضمَّنا لا صريحا، ولم تحاول كوثر بن هنية أن تخلق أية مواجهة إيديولوجيّة، ما جعل الصورة تصل ببلاغة لم أعهد مثلها في السينما التونسيّة. لم تتوقّف كوثر بن هنيّة عند القمع الذكوريِّ للمرأة، بل ذهبت إلى القمع الذكوريِّ للرجلِ أيضا. فكان ما تعرّض إليه يوسف من ضروب الإذلال أقسى وأعنف. فأسقطت عنه "الرجولة" لأنّه عجز عن حمايتها، وفي كلّ مرة حاول فيها عون بوليس استفزازه، كانت هي الوسيلة. حتّى عند خلافه مع سائق سيارة الأجرة، كانت إهانة السائق تمرّ عبر الفتاة :"إذا كنت مفلسا، لماذا تُتعب بنت الناس معك؟".

لقد ربط "على كفّ عفريت" بخفّة عبقريّة، بين النظام الأبويّ والنظام البوليسيّ. فبالنسبة لكوثر بن هنيّة، لا يعدو الثاني إلاّ أن يكون تمظهرا للأوّل. لا ديمقراطيّة مع نظام بوليسيٍّ، هكذا بدت المواجهة بين يوسف والأسعد (المحقّق الأول)، لكن أيضا، لا يمكن التخلصّ من النظام البوليسيّ مع الإبقاء على النظام الأبويّ، وهكذا بدا بورتريه Portrait أعوان البوليس في الفيلم. يقفون متجاورين، كأنّهم يحشدون التِّسْتُسْتِيرون، يأخذ أحدهم موقع الزعامة، ربّما بفضل شاربه الطويل، ينفخ صدره قدر ما يستطيع، يمارسون الوصاية على المرأة، يسمّونها "الوليّة"، "الصبيّة"، أو ربّما بنعوت سوقيّة أخرى. لا يتبنّى العنفُ البوليسيُّ ثقافة الـPatriarchy فهو وليدُها، وتجلّيها، لذلك يمتزجان بشكل مكثّف في عبارات الترهيب والتخويف النمطية: "نكلّمو بوك"، "فضيحتك على كل لسان"، "شكون باش يرضى بيك؟"… بدون الوقوع في تمطيط مملّ، أو تكرار لما يعرفه الجميعُ، استعاد الفيلمُ أهمّ تقنيات البوليس التونسيّ، وطرقه لمغالطة المواطنين والتلاعب بهم وبأعصابهم. إنّهم عكس مريم المواطنة، يحفظون القانون جيّدا، يخفونه حين يدينهم، ويتلونه في خشوع حين يخدم مصالحهم. يسهل عليهم وضع الضحيّة في موضع الجاني، الوقت في صالحهم كما ذكر الشاذلي (أداء مميّز من الشاذلي العرفاوي)، والنظام يحميهم لأنّهم عمادُه.

وكما ربط الفيلم بين السلطة البوليسية والسلطة الأبوية، ربط أيضا بين ثورة الحرّيّة وجهاز البوليس. بين شباب القصبة وأعوان القمع، فلا ننسى أنّ كوثر بن هنيّة ابنة سيدي بوزيد. فأحدث استعمالُ عبارة "على كفّ عفريت" في خطاب الشاذلي، مقاربةً بين مريم وتونس، الأولى المعنيّة بعنوان الفيلم، والثانية المعنية بعبارة المحقّق (البلاد على كفّ عفريت وأنت تحب تشكي؟). كلاهما ضحيّة والجاني واحد يأخذ شكل بطل يحمي الحمى من الإرهاب.

إنّها المرة الأولى التي يخرج فيها فيلمٌ تونسيٌّ بهذه الجرأة في الشكل وهذا الاندفاع والوضوح في المضمون. لكنّه مع ذلك لم يخلُ من الهنّات خصوصا على مستوى الآداء. فرغم عمل مريم الفرجاني المميّز في شخصيّة مريم، إلا أنّها عرفت بعض لحظات الضعف خصوصا في مشهد المستشفى الأوّل (لا ما تصوّرنيش!)، كما كان الكثير من الأدوار الثانويّة هشّ الآداء، فالممرّضة في المستشفى لم تكن تنظر إلى الممثلين تقريبا، وأداء المعتدين الثلاثة كان أحيانا أقرب للهزل منه للرّعب، أمّا المحقق سي الأسعد، فلم أسمع عن محقّق ألطف منه. لقد دفعه يوسف بالفعل، ومع ذلك لم يمسّه بسوء، بل أبدى ثقافة عالية تجعلني أتساءل كيف لشخص يجيد الاستعارات الميثيقية أن يتصرّف بتلك الرّداءة؟ لقد كان مثال يوسف النجار ومريم العذراء و"ما عندناش منه في القرآن" سيّئا بقدر ما كان مثال الزومبي ناجحا.
ويبقى خطأ شاشة الهاتف السوداء حين تظاهر الشاذلي بأخذ رقم الأب منه، أسوأ الأخطاء التقنية. لكنّ هذه الأخطاء وإن أثّرت بعض الشيء على جودة العمل، فهي لم تسلب منه قوّته، ولا مساحة الإبداع فيه، ليبقى برأيي أحد أهم التعبيرات السينمائيّة التونسيّة ودليلا على أنّ رياح الحريّة قد بدأت تنحت بصماتها.

العنوان : على كفّ عفريت
السنة : 2017
المخرج: كوثر بن هنيّة
الصنف : دراما، اجتماعي، إثارة
المدّة : 100 دقيقة
البطولة : مريم الفرجاني، غانم الزّرلّي

Tuesday, October 24, 2017

بلايد رنر 2049 : وصفة التكملة الناجحة


"وبدأ العدم الأسود الدموي في الدوران..
نظام من الخلايا المترابطة داخل خلايا مترابطة،
داخل خلايا مترابطة داخل جذع واحد.
رهيب تميّزها عن الظلام، تلك النافورة البيضاء العالية.."


راجت تجارة اللّواحق (sequels) والسوابق (prequels) وجعلت من سينما الميزانيات الضخمة (Blockbusters) أشياء كريهة أقرب لبرامج التسلية التلفزيونية. مشاهدٌ مؤسّسة على اللقطة الخاطفة، والتركيب الكثيف، والخلفية الخضراء الشهيرة التي تنقل العمل من أستوديو التصوير إلى شاشة الكمبيوتر. في سياق كهذا، لا يمكن النّظر إلى مشروع بلايد رنر 2049 إلا كفرصة تجارية أخرى. لكنّ المخرج الكنديَّ دنيس فيلنوف Denis Villeneuve أثبت كم هو ممكن ورائعٌ أيضا، إنجازُ التكملات، إذا ما عُرف الغرض الأساسيُّ منها. لمن شاهد منكم الفيلمين، وخصوصا الفيلمَ الأول، دعوني أحدّثكم عن الوصفة السحريّة التي أنجز بها فيلنوف، بلايد رنر 2049.

تقع أحداث الجزء الأول سنة 2019، ولئن بدا التاريخُ بعيدا جدّا لريدلي سكوتّ Ridley Scott حينما أنجزَه في بداية الثمانينات، فإنّه اليوم زمنُ الحاضرِ. وصار محتّما على دنيس فلنوف أن يأخذ مسافة زمنية من أحداثه، فقدّر أنّ 2049 يمكن أن يكون ملائما، فلا هو بالقريب بحيث يكون ظهور دكرد Deckard (بطل الجزء الأول) بملامحه العجوز (يؤدّي الدور هارسون فورد Harrison Ford) معقولا، ويكون المجال لتصوّر مستقبليّ جديد ممكنا، ولا هو بالبعيد بحيث يحافظ المشهد الدستوبيُّ المميّزُ لبلايد رنر على خصائصه، وتحافظ رواية فيلنوف على رابط عضويّ بقصّة سكوتّ.

أنجز بلايد رنر 2049 وفق حقيقتين: أنّه تكلمة لفيلم كلاسيكيّ، وأنّه فيلم قائم بذاته. ولقد عمل فيلنوف على الرقص بينهما رقصا عبقريا تجلّى في كلّ العناصر، فهو محافظ ومجدّد في آن، فأبقى بذلك على روح الفيلم القديم، وعمل على تجاوزه على مختلف المستويات.


1 - تصميم الفضاء
لا تزال لوس أنجلس Los Angeles كما تخيّلها سيد ميد Syd Mead في الجزء الأول، مظلمة وساطعة الأضواء في آن، عامرة بالبشر من مختلف الأجناس والثقافات، مكتظة قذرة. ولا يزال التباين واضحا بين عالمها السفليّ والعلويّ، وبين طبقة القمّة وطبقات القاع.
لكنّ فيلنوف لم يقف عند تلك الشوارع التي ألفناها، بل وسعت صورةُ قُمْرَتِه (كاميراه) أطراف المدينة وأقصاها. فصرنا نرى حدودها، حيث السّور الضخم الذي يقيها مياه أمواج المحيط العاتية. ثمّ صرنا نرى ما وراء المدينة، حيث حقل إنتاج الطاقة، وحيث مصبّ النفايات، ثمّ صرنا نرى مدنا أخرى مثل لاس فيغاس Las Vegas التي أصبحت مدينة مهجورة في هذا الزمان.

لقد أتاح توسّعُ فيلنوف في فضاء السرّد، مجالا مدهشا للتّصوّر الحرّ بدون أن يهدم شيئا من بناء بلايد رنر القديم، بل زاد عليها وأثراها. هناك في لوس أنجلس، ينعكس المعمار والبيئة على نمط حياة السكّان ومظهرهم، فهم لا يكتفون باصطحاب مظلات المطر والمعاطف المقاومة للماء بشكل دائم، بل يستعملون مظلات مضيئة بالنيون Neon ومعاطفَ شفافة تعكس أنوار الإعلانات الضخمة المنتشرة. وقد استمرّت هذه العلاقة العضويّة خارجها، فهناك عند مصبّ الفضلات العملاق، حيث يصبح كلُّ شيء قذرا، يطغى اللون البُنّيُّ على الألبسة، وتتحوّل الأنشطة الاقتصادية إلى قطع الطرق، والاتّجار بالأطفال، ورسكلة الخردة (recycling). لا ننسى أنّ العالم السفليّ للمدينة كان قائما على الموادّ المرسكلة، ومراكمة التعديلات، فكان توجّهُ فيلنوف نحو المصبّ ونشاط الرسكلة، إثراءً رائعا لفكرة الجزء الأول.

لقد خضع تصميم الفضاء في بلايد رنر للهاجس البيئيّ، واستمرّت العلاقة بينهما في 2049. ولئن كانت الإشارات التحذيريّة واضحة في الفيلم الأول بهذا الخصوص (الطقس الممطر باستمرار وغياب الشمس، وانقراض الحيوان) فإنّ الجزء الثاني جعلها مفتاح المشهد. لقد نوّع فيلنوف من الكوارث البيئيّة، فعوّض الأمطار في أغلب الوقت بالثلوج (وهو أمر غريب عن مدينة ربيعية كلوس أنجلس)، وأضاف أمواج تسونامي القاتلة، والزوابع الرعدية، والضباب الكثيف، وعواصف الغبار، كما أنّ غياب الحيوان بات منعكسا على ألبسة القوم الذين يحاولون التبجّح بقطع فراء اصطناعيّ (معطف كي K' وأزياء فتيات الليل الخ). لقد كانت كلّ المشاهد الخارجية محمولة على خلفيّة الكارثة البيئيّة المحدقة بإنسان هذا العصر، فأعراض السّقام تمارس تأثيرا جماليّا على الصورة، وتعوّض في كثير من الأحيان خصائص فيلم النّوار Noir التي تميّز الجزء الأول (الكياروسكورو أو ثنائية الضوء والعتمة). وما كان تلميحا مع سكوتّ صار تصريحا مع فيلنوف، فهذا العالم الديستوبيّ المريع، الخالي من النبات والحيوان، بات يعيش على تربية الديدان المصنّعة في معامل شركة والاس Wallace Corp واستخراج بروتيناتها في مزارع غير ذات نبت. وهذا العالم بات ينظر إلى جذع شجرة ميّتة، نظرة الخائف المرتاب. وما كان تحذيرا في الجزء الأول باتَ إدانة في هذا الجزء، فإنسان 2049 لا يبدو نادما على أخطائه القاتلة، بل هو مغرق في همجيّته وتوحّشه. ولو أمكن له أن يعوّض الفراء الاصطناعيّ الذي يزيّن كلّ أزيائه، بفرو حقيقيّ لفعل دون تردّد!


2 - إعادة التوزيع الديمغرافيّ
بالتوازي مع التوسّع في تصميم الفضاء، عمل فيلنوف أيضا على الجانب السوسيولوجيّ، فحاول أن يعيد ترتيب الهرم الاجتماعيّ للمدينة، مضيفا بعض الفئات الأخرى. فمنح الأطفال مساحة معتبرة، وهم طبعا أطفال الهامش، المستغلُّون بالاتّجار والعمل القسريّ والحرمان. ولا شكّ أنّ صورتهم وهم يعملون على رسكلة الخردة، لا تحتاج إلى جهدٍ لنقرأ فيها وضع الأطفال الآسيويين العاملين في مصانع الشركات العملاقة.
أمّا ذلك الجوُّ البابليُّ (نسبة إلى قصّة برج بابل في الكتاب المقدّس) المدهش الذي ملأ مشاهد الجزء الأوّل، فقد استغنى عنه فيلنوف في حركة أجدُها أسوأ خياراته. صارت شوارع لوس أنجلس خالية ونظيفة وصارت عناصرها أكثر انسجاما، ولم نرَ من أهلها إلاّ القليل، مثلَ البائع الصّوماليِّ وبائعاتِ الهوى. كان تركيز فيلنوف واضحا على العلاقة بين البشر وبين المستنسخين، فصمّم مجتمعا قائما على صراع طبقيّ بينهما.

لكن يمكن أن نميّز أكثر من طبقتين اجتماعيّتين، ففي أعلى الهرم يوجد أرباب المال والأعمال، صانعو العالم بشركاتهم العابرة لكلّ شيء. ويرمز لهؤلاء السيد والاس Wallace الذي ورث كلّ متعلّقات تايرل Tyrell ورمزيّته. ثمّ يأتي كهنة النظام، حفظة الأمن، وتحتهم التقنيّون والأطبّاء، وكلّ هؤلاء هم المتمعّشون من النظام ويمثّلون بشكل ما الطبقة الوسطى.
أمّا القاعدة ففيها باقي البشر وأغلبهم من المهاجرين، ورغم نمط عيشهم الشقيّ، فهم أعلى مقاما من المستنسخين، وفي القاع نجدُ البشر المنفيين خارج المدينة وخارج الحساب، كما نجد الكائنات الرقميّة مثل جوي Joi، التي تلعب دور الجارية تقريبا.

فالمستنسخون في رؤية فيلنوف جزءٌ من المجتمع، يعيشون فيه ويتفاعلون معه، ويخلقون داخله نوعا من الاستقرار الاجتماعيّ. إذ أنّ وجودهم أشبه بالعازل بين بشر القمّة وبشر القاع، فالأوائل يستعملون المستنسخين بالصُّنع وتحقيق الثروة، وبالاستخدام وتحقيق الأمن، والآخرون يستعملونهم كواجهة للنظام، يعلّقون عليهم سخطهم عليه، وعلى وضعهم البائس. وكما يحدث في عصرنا الحاضر، فكلّ طبقة لا تواجه القمع المسلّط عليها بالاحتجاج وإنّما بقمع الطبقة الأقل منها. لقد خلنا لوهلة أنّ المستنسخين هم أراذل القوم، وضحاياه الأشدّ، حتّى رأينا موقف المومس المستنسخة، من جوي Joi الكائن الرقميّ، إذ قالت لها في اشمئزاز : اُصمتي. لقد كنتُ داخلك، ولم يكن هناك شيء تقريبا.

تفسّر هذه المقاربة، ذلك التشابه الواضح والمقصود بين وضع المستنسخين في لوس أنجلس فيلنوف، ووضع المهاجرين وأصحاب البشرة الملونة في مجتمعات البيض. فنظرة الذلّ واحدة، والشتائم واحدة، والأحكام المسبّقة والشيطنة واحدة.


3 - تمتين الحبكة الدراميّة
تواصلت سياسة فيلنوف المتبنّية والمتوسّعة في آن مع الجانب الدراميّ، فاستعمل ذات البنية القصصية للفيلم الأول: طرف خيطٍ يقود إلى آخر، يصنع رحلة البطلِ من وضعِ التابع للنظام، إلى وضع المنشقِّ عنه. لقد برع في هذه اللعبة حتّى الإمتاع، فكانت الخيوط مشدودة بعضها إلى بعض بشكل أمتن من الفيلم الأوّل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى "التواءة الأحداث" Plot twist، فقد أضحت جوهر الدراما بعدما كانت إضافة ملحقَة في فيلم سكوتّ. هل كان دكرد بشرا أم مستنسَخا؟ بقدر ما يبدو السؤال جوهريّا، فإنّ الإجابة عنه ليست كذلك. ولقد تبنّى فيلنوف جوهريّة السؤال وغموض الجواب، فلم يضف إلى ما نعرف عن طبيعة دكرد رغم أنّ أغلب المؤشرات توحي بكونه مستنسخا، وفي المقابل فقد كان واضحا تماما في ما يخصّ طبيعة بطله الجديد كي K' (ريان غوسلنغ Ryan Gosling) فاحتفاظه بالسؤال (ما معنى أن تكون إنسانا) لا يقتضي الاحتفاظ بصيغته.

جاء بطل فيلنوف شبيها بدكرد، ساخرا، ذي سحنة عدمية، لا يملك أمام أجهزة النظام إلا التّأكيد على فقدانه للخيار. لا يملك كي إسما، وإنّما تختصرُ رئيسته في العمل رقمه المتسلسل حين مناداته، لكنّه اختصار ذو دلالة، فإسم كي يذكّرنا ببطل فرانتس كافكا : يوسف كي Joseph K' الذي كان أيضا عاجزا أمام بيروقراطيّة النظام. وقد أكّد فيلنوف على هذه المقاربة حين أطلقت عليه جوي Joi رفيقته الرقميةُ إسم دجو Joe.
ولعلّ جوي هذا الكائن الرقميُّ اللامتجسّد هو ما يميّز كي فيلنوف عن كي كافكا وأيضا دكرد سكوتّ. فهي تعكس قدرته على الحلم، ورغبته الدفينة في أن يكون إنسانا، "يملك الخيار"، ويقدر لا على الحبّ فحسب، بل على تأسيس عائلة. كانت إرادة التغيير كامنة منذ البداية تحت ركام الأوامر والشتائم، وكانت بانتظار محرّك التاريخ لتبدأ به الرحلة نحو الخلاص، وهي رحلة معاكسة لرحلة دكرد، فقد بدأها مستنسخا واعيا بزيف ذاكرته، فإذا بها تصبح حقيقيّة، وإذا به يصبح مشروع معجزة استثنائية.

لقصّته مع جويْ مقوّمات فيلم مستقلّ بذاته. بل لعلّه يتفوّق على فيلم "هي" Her لسبايك جونز Spike Jones الذي يقترح حالة مشابهة. وهي ليست بمعزل عن سياق البطل الاجتماعي: فهو يرفض إقامة علاقة مع امرأة طبيعيّة (رئيسته في العمل)، لأنّه قد لا يمثّل عندها سوى لعبة جنسية، هي التي ترى أنّ العالم لا يستقيم إلا بوجود حدود صارمة بين الأنواع. وكذلك الأمر مع المستنسخات (بائعات الهوى) فقد اعتدنَ اعتبار أنفسهنَّ كذلك. أما جوي، فهي مبرمَجة مسبقا لتكون ما يريد. وما يريده كي، هو تجاوز الحدود بين الأنواع، فلئن كان عاجزا عن الشعور بالمساواة مع البشر لافتقاده للروح، فهو قادر على معاملة جوي بندّية رغم افتقادها للجسد.

أما جوي، فهي خلاصة كلّ الأسئلة الأُنطولوجية. إنّها امتداد لفكرة المستنسخين، أولئك المبرمجين الذين يملكون حضورا مادّيا ولا يملكون امتيازا روحيا. فهي لا تملك أيا من هذين، وحسبُها وجودها الرقميُّ، كفكرة في فضاء سايبيريّ لا أكثر. وهي مع ذلك لا تفتأ تثبت وجودها بقرارات جريئة (طلبها الانتقال النهائي إلى المنبع الجوّال emanator بتعلّة أنّ المنبع إن تحطّم فستموت كما يموت البشر أيضا) وردود فعل مُربكة (محاولاتها إيقاظَ كي من إغماءته رغم العطب الذي أصاب منبعها أثناء سقوط السيّارة). هل تملك جوي إرادتَها؟ أم أنّها تسير وفق ما بُرمجت عليه؟ حين نشهد قراراتها المناوئة لصانعيها وتضامنها الكامل مع مالكها/حبيبها قد نذهب إلى الاحتمال الأول، لكنّنا في ما بعد، نرى ذلك الإعلان الذكيَّ العملاق الذي خاطب كي بإسم "جو" Joe كما كانت تفعل حبيبته الرّاحلة، فنعيد التفكير…
جوي شيءٌ معقّد ومحيّرٌ، صنيعة رقميةٌ وكيانٌ ذكيٌّ، نسخة من بين آلاف النسخ، وذاتٌ مدركةٌ حقّقت تجربتها الوجوديّة المستقلّة. ما الذي يميّز جوي التي يملكُها كي، عن بقية النسخ المبيعة؟ هل هي الذاكرة؟ ولكنّ الذاكرة عند كي مختلقة، مزروعة، فكيف له أن يؤمن بذاته؟

حديثُ الذاكرة مجال آخر للتوسّع ـ والتفلسف ـ عند فيلنوف، فقد ذهب بنا إلى مصدرها، وأرانا كيف يتمّ تصنيعها، فكانت آنّا Anna بديلَ سيباستيان Sebastian في الفيلم الأول، تشترك معه في عجزها عن السفر إلى العالم الخارجيّ بسبب المرض، وتشترك معه في القرب من النظام وفي العمل على المستنسخين وفي روح الفنّان الكامنة فيهما، لكنّ آنّـا تملك بُعدا دراميّا أهمّ…

أمّا شخصيّة لوف Luv فلا أظنّها تملك مقابلا في نسخة سكوتّ، فتايرل Tyrell لم يكن يملك "ذراعا يمنى"، ولا يمكن أيضا مقابلة العلاقةِ بين دكرد وباتي Batty بالعلاقة بين كي ولوف. فباتي كان متمرّدا على النظام، وكفاحُه وجوديٌّ بحت، أمّا لوف، فهي كاهنُ نظامٍ يستعبدها، لا تكتفي بإضفاء شرعية لوجوده، أو خدمته، بل تقمع كلّ محاولة لمقاومته أو الاحتجاج عليه. لقد تغذَّت بالخوف إلى حدّ لم يعد معه وقوعها في حبِّ كي، كافيا لانتشالها من تبعيّتها، فاكتفت بتركه حيّا حينما كان متاحا قتله، وهي بذلك نقيض جوي.


4 - أكثر من ضيوف شرف
لأنّ الفيلمَ تكملةٌ لأيقونة لها مريدوها، فقد كان واجبا على فيلنوف أن يستحضر بعض شخصيات الجزء الأوّل، ونعني أساسا دكرد بطل الفيلم. وفي هذا المستوى، لم يكتف المخرجُ الكنديُّ بحضور مزيّف باهت كذلك الذي رأيناه في نسخ دزني الجديدة لحرب النجوم، بل أدمج الجضور الشرفيَّ للجيل القديم بشكل رائع داخل السرّد وداخل المشهد. والمؤكّد أنّ هارسون فورد (مؤدي دور دكرد) لم يؤدِّ دورا بهذه القيمة منذ زمن لابأس به، كما كان حضور ريتشل مذهلا دون أن أبوح بتفاصيله، دعك من أنّ شخصيّتها تمثّل لبّ الفكرة الرئيسية للقصة.


5 - العمل على الرّموز البصرية والدراميّة
في مستوى أخير من سياسة التبنّي والتوسّع، لا ينبغي أن نغفل انتباه فيلنوف لأهمّ الرموز البصرية للفيلم الأول. فقد تبنّى فكرة مشكَّلات الأوريغامي Origami من خلال إطلالة صانعها غاف Gaff القصيرة، التاركة لمُشَكَّلِ خروف (تلميحا للرواية الأصلية "هل تحلم الأندرويدات بخرفان كهربائية؟") ثمّ طوّرها إلى منحوتات خشبيّة تحيل إلى حصان دكرد الذي حلُم به في الجزء الأوّل.

وحافظ على مدلوليّة العين، كواسطة للرؤية، والمعرفة والتجربة الحسيّة، وكنافذة على الروح، فكانت عينُ كي، أوّل شيء طالعنا، وكانت العين وسيلة أساسية للتحقّق من الهوية، سواء بالنسبة للمستنسخين (بواسطة الرقم المتسلسل المكتوب عليها)، أو بالنسبة للنّفاد إلى المواقع المحظورة والمقيّدة. وكما جرت المفارقة، فالمستنسخون يملكون قدرات بصرية متميّزة على عكس البشر الذين يعانون من مشاكل في البصر. وإذا كان تايرل يحتاج إلى نظارات شديدة السُّمك، فإنّ والاس أعمى تماما، ما يدلّ على ذهاب روحه بلا رجعة.
وتبقى حالة فريزا Freysa هي الأكثر جدلا في هذا المستوى، ففقدانُها لأحد عينيها لا يمكن أن يؤوَّل في ضوء هذا المدلول، سوى على أنّ روحها معطوبة، وأنّ خياراتها سيّئة رغم أهدافها النبيلة. فهي كزعيمة حركة مقاومة المستنسخين ضدّ النظام، لا تجد حرجا في قتل شخص بريء مثل دكرد من أجل أن تظلّ المقاومة مستمرّة. وهو أمر رفضه كي في النهاية. فهل هي شبه إدانة من فيلنوف لحركات المقاومة المسلّحة في العالم؟ وهل هي دعوة لانتهاج المقاومة السلمية؟ لا شكّ عندي أنّ اختيار النجمة الفلسطينية هيام عبّاس لدور فريزا لم يكن عشوائيّا…

أمّا اختبارُ فويت ـ كامبف Voight-Kampff، فقد ارتأى فيلنوف تغييرَه، وهو أمر منطقيٌّ لانقراض أجيال المستنسخين القديمة، وانتفاء الحاجة للكشف عنهم. فحلّ محلُّه الاختبار الأساسيُّ Baseline test، ومهمّته الكشفُ عن المستنسخين الذين نمت فيهم الانفعالات البشريّة، ما يجعلهم خطرا يجب إزاحته. يقوم هذا الاختبار على ترديد كلمات بعينها من خطاب يلقيه صوتٌ صارمٌ جافٌّ، ويتمّ تحليل صوت المختبَر للكشف عن أية انفعالات يحاول إخفاءها.

ـ اُتل اختباركَ الأساسيّ
ـ وبدأ العدم الأسود الدموي في الدوران.. نظام من الخلايا المترابطة داخل خلايا مترابطة،  داخل خلايا مترابطة داخل جذع واحد. رهيب تميّزها عن الظلام، تلك النافورة البيضاء العالية.."
ـ خلايا
ـ خلايا…

استوحى فيلنوف نصّ الاختبار من رواية لنابوكوف Nabokov بعنوان نار شاحبة، وهي ذات الرواية التي نراها في منزل كي. وتتحدث الرواية عن شخص قرأ عن امرأة رأت نافورة بيضاء خلال تجربة الدنوّ من الموت، فحاول مقابلتها لأنّه عاش التجربة ذاتها، لكنّه اكتشف أنّ هناك خطأ مطبعيا وأنّها رأت جبلا (mountain) لا نافورة (fountain). لم يغيّر الخطأ من طبيعة الشعور، مثلما لم تغيّر حقيقةُ كي المحبطة، من تعاظم إدراكه لذاته، ككيان "مترابط" (Interlinked) بكيانات أخرى تمثّل جذعا كاملا. لذلك لم ينجح كي في الاختبار الأساسيّ، ونجح في الوعي بذاته كفرد داخل المجموعة.


لقد نجحت سياسة فيلنوف في مختلف مستويات الفيلم، ربّما ما عدا الموسيقى التي فشل هانس تسمّر Hans Zimmer في الخروج بها من بوتقة أعماله السابقة ـ خصوصا دنكرك ـ وجَعْلِها امتدادا مقبولا لموسيقى فانجلس Vangelis العبقريّة التي رافقت الجزء الأول. ولقد أحسن فيلنوف إذ أعاد استغلال بعض هذه المقاطع، خصوصا مقطع مشهد "كدمع في المطر" الشهير. فقد ساهمت الموسيقى في إحداث مقاربة بين المشهد الشهير، وبين مشهد سقوط كي إذ أتمَّ مهمّته. فالمشهدان يتفقان على طابع النهاية الملحميِّ، ويشتركان في تتويج البطلين بتحقيق وُجوديهما. فكلاهما يعاني من إشكال في علاقته بالذاكرة، الأوّل موقن بضياعها، والثاني موقن بزيفها، لذلك يلجآن إلى الآخر، ليحتضن عنهما هويّتهما وتجربتهما. لقد أدرك كي أنّ ذكرى الحصان ليست له، ولكنّ إحساسه بالثلوج حقيقيّ، تجربته التي قادته إلى التضحية بنفسه من أجل أبٍ وابنته، حقيقيّة لا مراء فيها، وكما شاركته آنا Anna ذكراها مع الحصان، شاركها هو تجربته مع الثلوج، فتجربة الإنسان الوجودية، لا تكتمل إلاّ بالآخر، أو هكذا أرادها فيلنوف أن تكون.

عنوان الفيلم : بْلَايْد رَنَرْ 2049 Blade Runner
المدّة : 164 دقيقة
الصنف : دراما، خيال علمي
المخرج : دنيس فيلنوف Denis Villeneuve
البطولة : ريان غوسلنغ Ryan Gosling، آنا دي أرماس Ana de Armas، روبن رايت Robin Wright، جارد ليتو Jared Leto، هارسن فورد Harrison Ford

There was an error in this gadget

Translate