Saturday, March 3, 2018

أفلامٌ خسرتْها جوائزُ الأوسكار!

نشهد هذا الأحد، النسخة التسعين من حفل الأوسكار. وهي وإن لم تكن أهمّ الجوائز السينمائيّة من الناحية الفنّية فهي حتما أهمّها إعلاميّا. تعدّل الساعات عليها وينتظرها الجميع حتّى وإن عبّروا عن رفضهم مسبّقا لترشيحاتها ولطرق التتويج بها.

لن يخرج هذا العام عن غيره من الأعوام التي شهدت جدلا حول اختيار أوسكار الفيلم الأفضل، أهمّ جوائز الحفلة. فلا بدّ للاختيار أن يثير سخط فئة ما. ولقد سجّل لنا التاريخ سجالات كثيرة، لعلّ أشهرَها، حفل سنة 1995 حين كان على لجنة التحكيم التقرير بين "فورست غمب" Forrest Gump، و"قصة من الصنف الرخيص" Pulp Fiction الحائز آنذاك على السعفة الذهبية، والخلاص من شاوشنك The Shawshank Redemption. أو سنة 1976 حين كان عليها تفضيل "أحدهم طار فوق عش الوقواق" على باري ليندن Barry Lyndon والفكّ المفترس Jaws وعصر يوم قائظ Dog Day Afternoon.

على أنّ هناك سنوات أخرى، لا تحتاج نتائجها إلى سجال أو جدل. بل قد تحتاج إلى خبراء نفسيّين واجتماعيين ومؤرّخين لفهم العناصر التي أدّت إليها. إنّها تلك السنوات التي أجمع الكلُّ فيها، على مرور الأكاديميّة (المانحة للجوائز) بجانب التاريخ، فعوض أن تقرن إسمها بإسم فيلم أيقونيّ، خسرتْ كثيرا بتتويج غيره.

في هذه القائمة، نتحدث عن أهمّ الأفلام الهوليوديّة (أو الناطقة بالانكليزية على الأقل) التي خسرها سجّلُّ الأكاديميّة حين لم يتوّجها بجائزته الكبرى. فهي أفلامٌ تتوّج جوائزَها لا العكس.



10 - سنة 2000
في حفل الأكاديمية الثاني والثمانين، تفوّق فيلم "جمال أمريكيّ" American Beauty عن جدراة، على منافسيه الأربعة، وأبرزهم الميل الأخضر The Green Mile والحاسّة السادسة The Sixth Sense، وفاز بالجائزة الكبرى. ولم يتطرّق أحدهم إلى غرابة خلوّ الترشيحات من فيلميْ نادي القتال Fight Club لدايفد فينشر والمصفوفة The Matrix للأخوين (الأختين فيما بعد) ويشوسكي. ربّما لأنّ الثاني فيلم خيال علميّ ثقيل Hard Sci-Fi، وربما لأنّ الأوّل ذو نزعة أناركيّة أو ذو طابع عنيف قد لا يعجب أكثر ناخبي الأكاديميّة. ولكنّ المؤكّد أنّهما بتقادم الزمن، تحوّلا إلى جزء من الثقافة الشعبية العالميّة. على عكس "جمال أمريكيّ"، لا يحتاج المرءُ إلى مشاهدة المصفوفة، لينسب إليها تلك الشفرات الخضراء المتساقطة بلا نهاية في شاشة سوداء، ولا يحتاج إلى مشاهدة نادي القتال ليدرك طبيعة العلاقة الملتبسة التي تجمع الممثّلين إدوارد نورتن Edward Norton وبراد بتّ Brad Pitt، أو ليعرف القاعدة الأولى للدخول إلى نادي القتال.

لكن لو سرنا إلى ما وراء مجتمعات الإنترنت، وصور الـ 9GAG وجداريّات المدن ووسائط الفنّ الحضريّ، سوف يتراءى لنا سياق تاريخيٌّ مهمّ ولد في لجّته هذان العملان. إنّ المرحلة الانتقالية إلى القرن الجديد، تنعكس بشكل بالغ على هذين العملين. لقد غيّر فيلم ماتركس صورة التكنولوجيا في السينما، واستطاع إحداث مقاربة بين شكلها المعاصر ووظائفها المستقبليّة. وطرحَ مثلَه مثل نادي القتال، صورة استشرافيّة للقرن الجديد : ثورة اتّصالية، مجتمع استهلاكيّ، حكّام خلف أنظمة معقّدة يديرها الضحايا، ويدافع عنها الضحايا، ويبنيها الضحايا.

حصل الماتركس على أربعة جوائز أوسكار بفضل المؤثرات البصرية المدهشة، ولم يقدر أن يتجاوز ذلك رغم ثقله وثرائه، أمّا نادي القتال فقد رشّح لأوسكار تقنيّ لم يفز به. والغالب أنّ أهل السينما لم يدركوا قيمة هذا العمل إلا بعد سنوات من صدورهما، لذلك مرّ الأوسكار بجانبهما دون أن يظفر بإسميْهما في سجلاّته.



9 - سنة 1977
فاز في هذه السنة فيلم رياضيّ Sport Movie لأوّل مرة في تاريخ الأوسكار. والحقيقة أنّ قصّة إنجاز "روكي" Rocky تضاهي قصّة الفيلم نفسه. هل كافأت الأكاديميّةُ كفاحَ سيلفستر ستالوني من أجل إنجاز فيلمه بالأوسكار؟ لا أستبعد ذلك. على أنّنا نعرف يقينا أنّ جودة الفيلم السينمائيّة لا يمكن أن تُقارن بتحفة مثل سائق التاكسي Taxi Driver.

يعتبر سائق التاكسي، مدخل مارتن سكورسيزي Martin Scorsese لعالم المخرجين الكبار، وهو أهمّ أعماله تقريبا مع فيلم آخر نتحدث عنه لاحقا. وكما عبّر الماتركس ونادي القتال بدقّة فنيّة عالية عن هوس الدخول إلى القرن الجديد، كان سائق التاكسي صورة دقيقة للتغيّرات الاجتماعية التي جاءت بها موجة السبعينات إلى نيويورك. لقد كان آداء روبرت دينيرو Robert De Niro أسطوريّا، لحدّ جعل من ترافيس Travis أحد أشهر الأوغاد، أو نقيضي البطل في تاريخ السينما.
كما شهد الفيلمُ انطلاقة الممثلة الشهيرة جودي فوستر، إذ أدّت دورا أثار جدلا كبيرا لسنوات عمرها التي لم تتجاوز الاثنتي عشر. كانت إيريس ملهمة ترافيس وطريقه نحو الخلاص. كلمة القدر التي أضفت لحياته معنى، ولو وهميّا. هل كان ترافيس بطلا أم وغدا؟ هل كان عنفه ردّة فعل متطرّفة لانحطاط المجتمع، أم هو نتاج مرَضيٌّ لتغيّرات العصر، مجرّد أضرار جانبية؟
منح مهرجانُ كانّ الفرنسيّ Cannes Film Festival سعفته الذهبية لفيلم مارتن سكورسيزي، وخلّده في سجّله، أما الأكاديميّة، فعجزت عن تقييمه كما يجب، ومنحت الجائزة لبطل أكثر نمطيّة، إسمه روكي بالبوا.



8 - سنة 1999
بعد فيلميْ قائمة شندلر والحديقة الجوراسيّة، كان العالم ينتظر تحفة ستيفن سبيلبرغ الجديدة. لا يتميّز هذا الرجل بنفسٍ إبداعيّ عظيم، لكنّ له قدرة عظيمة على إدارة أعقد المشاريع السينمائيّة واستخراج كنوز مبدعيه الصغار في شتّى عناصر الصورة، كما ترتكز صورته على كتابة سينمائيّة دراميّة الطابع حتّى لو كانت قصة الفيلم بسيطة قليلة الأحداث. لذلك كلّه، كان حدثُ إنزال النورماندي (دخول الأمريكيين إلى فرنسا لتحريرها من النازيين) كلّ ما يحتاجُ إليه سبيلبرغ ليصنع تحفة على كلّ المستويات.

فيلم إنقاذ الجنديِّ ريان Saving Private Ryan هو أحد أهمّ الملاحم في تاريخ السينما، وأحد أهمّ أفلام الحروب، وبعضُ مشاهده تملّصت من سياقها الدرامي لتصبح أيقونات سينمائية شهيرة.
لم يكن هناك من شكّ سنة 1999 أنّ جائزة الأوسكار في طريقها إلى سبيلبرغ مرّة أخرى. ربما بشيء من المنافسة مع تحفة روبرتو بينيني Roberto Benigni الحياةُ جميلة La vita è bella. لكنّ الأكاديميّة فاجأت الجميع بتتويج فيلم آخر بالجائزة هو شكسبير عاشقا Shakespeare in love.

ليس من عادة الأكاديمية الاهتمام بالكوميديا الرومانسية، لكن شكسبير العاشق حرّك بعض الأقلام المؤثرة مثل الناقد الكبير روجر إيبرت الذي منحه اربعة نجوم (من اربعة). وراج أنّ وراء الأكمة المنتج المهاب هارفي واينستاين Harvey Weinstein، إذ ضغط لتحويل وجهة التصويت. وكتب أحدهم واصفا السجال: الاختيار هنا بين الانتصار للحرب أو الانتصار للحب! هكذا انتصرت الأكاديمية للـ"حبّ" ولكنّ ذاكرة الناس احتفظت بالحرب، ونُسيَ "شكسبير عاشقا" كأنّه لم يكن.




7 - سنة 1974
اِرتبط إسم جورج لوكاس George Lucas بأفلام حرب النجوم حتّى يخيَّل أنّه لم ينجز غيرها. بالنسبة لي، أنجز خيرا منها سنة 1973، وتوّجت تحفته آنذاك بخمس جوائز أوسكار لم تكن جائزة أفضل فيلم من بينها.

كلّ شيء متميّز في فيلم جداريّة أمريكيّة American Graffiti. حقبة الخمسينات (وبداية الستينات) التي استعادها بدقة بالغة، عناية اختيار الألوان، لتمنح المشهد لُدونة (Plasticity) بطاقات المعايدة العتيقة، وتحوّل قصص اليافعين (Teenagers) المتقاطعة في شوارع كاليفورنيا إلى ذكريات صيف عابر. انسيابيّة اللقطات المنسجمة مع حركة السيّارات المتنوّعة. لا تشبه ميكانيكا السيارات في الجدارية الأمريكيّة، تلك التي نراها في أفلام هذا العصر، بل تأخذ سمة رومانسية مضحكة، وبدائيّة حميميّة، كأنّها تعود بنا إلى زمن ما قبل الصورة الباردة القاتلة للسيارة، أو كأنّها تستعيد بدايات علاقة الشغف التي تربط اليافعين بها.
لكنّه أيضا يستعيد الكثير من تفاصيل الصّبا الأمريكيّ، ومرحلة الاستعداد للانتقال إلى عالم الشباب. لذلك تجري أحداثه كلّها في ليلة واحدة لها دلالاتها، فهي ليلة حفل التخرج. تلك الليلة الصيفيّة الأخيرة، التي يتفارق فيها الزملاء، ويمضي كلٌّ إلى جامعته، وعالمه الجديد. ولقد عبّر لوكاس عن كلّ ذلك، بقالب جماليّ مدهشٍ لا يمكن أن يقارن أصلا بفيلم اللدغة The Sting، الذي يروي تفاصيل عملية احتيال جميلة على كلّ حال. هل أثّرت مبيعات هذا الفيلم على أصوات الأكاديميّة؟ ربّما، لكن من المؤكّد أنّها اختارت الفيلم الخطأ، وخسرت أحد أهم الأفلام في تاريخ هوليود (الثاني والستون في ترتيب معهد الفيلم الأمريكيّ لأفضل الأفلام في تاريخ هوليود).



6 - سنة 1952
لنتخيّل الآتي: مسرحيّة من تأليف الكاتب الكبير تينيسي ويليامز، يحوّلها إلى السينما مخرجٌ أمريكيٌّ بقيمة إيليا كازان Elia Kazan، ويلعب دور البطولة فيها ممثلان بحجم مارلون براندو Marlon Brando (العرّاب) وفيفيان لي Vivien Leigh (في مهبّ الريح). هل يمكن أن يكون هذا حقيقيّا؟ أجل، في عربة إسمُها الرغبة A Streetcar named desire، أحد كلاسيكيّات السينما الأمريكيّة، وأحد أفلامي المفضّلة. ما لا يمكن أن يكون حقيقيّا، هو عدم حصول هذه التحفة على الأوسكار، وخسارته لصالح غنائيّة جين كيلي Gene Kelly الراقصة : أمريكيٌّ في باريس An american in Paris.

من المؤكد أن فيلم جين كيلي، أحد كلاسيكيّات السينما الأمريكية أيضا، وهو أحد أفضل الأفلام الغنائية أيضا، ولكنّه عدا لوحاته الجميلة، لا يخرج قيد أنملة عن الصورة النمطيّة لباريس، وهو في أحسن أحواله لوحة إعلانية بديعة للسياحة في فرنسا.

كيف لهذا الفيلم أن يتفوّق على الدراما الثلاثية التي جمعت الشقراء ستيلا وزوجها ستانلي (براندو) بأختها بلانش دوبوا Blanche Debois؟ يقدّر الكثيرون أنّ الفيلم قدّم لنا أفضل آداء أنثويّ في تاريخ هوليود (فيفيان لي)، بالنسبة لي، قدم لنا أيضا آداء رجاليا مضاهيا في شخص براندو. ورغم الطابع المسرحيّ الطاغي على العمل، لا تزال بعض مشاهده احتفالا سينمائيّا ودراميّا خالدا. هاي! ستيلاّ! تخترق تلك الصرخة العاتية شاشة العرض، مثلما يخترق خيالُ الآنسة دوبوا واقعها الأليم، فيصوّر لها أنها سيدة مجتمع راقية، تستحق مكانة أرفع بكثير من حجرة حقيرة عند أختها. ويصوّر لها عنف زوجها، عنفوانَ فارس الأحلام الجدير بها… 


5 - سنة 1961
حين ظهرت نظريّة المؤلّف Auteur Theory، كان المخرجُ البريطانيُّ ألفرد هيتشكوك عنوانها الأبرز. فقد اعتبر الناقد الفرنسيّ أندري بازان André Bazin مؤسّس مجلة كرّاس السينما، أنّ هيتشكوك هو النموذج الأكمل للمخرج المؤلف. وتوالت الأطروحات لتتعمّق في هذا الطرح، وتبرز وحدة الصّورة السينمائيّة التي يقدّمها البريطانيُّ في كلّ أعماله.

وإن كان الجدل قائما حول أفضل أعمال هيتشكوك، فما من شكّ أن فيلم سايكو Psycho هو أشهرُها. يحتوي الفيلمُ على كلِّ تلك العناصر التي جعلت من هتشكوك إسما خالدا في تاريخ السينما. الجريمة، الغموض، الإثارة، الرعب النفسي والتوتّر المتواصل… يقال إنّ هتشكوك اشترى كلّ نسخ رواية روبرت بلوخ الأصليّة، حتّى لا يحرق أحدٌ مفاجأة النهاية. ولكن حتّى على معرفتنا بها، ظلّ الفيلمُ نموذجا للإثارة، وأصبح مشهد الحمّام وموسيقاه المرعبة مادّة لا تنضب للمحاكاة والاقتباس.

لا يكتفي هتشكوك بإبراز الإثارة في الأحداث، وفي غموضها. بل ينزع إلى عمليّة إسقاط لنفسيّة الشخصيّة البطلة على الرعب الخارجيّ الذي يتهدّدها، فيعيد تفكيك علاقاتها مع الآخر ويغوص في خفاياها من خلال الخطر المستحوذ على ظاهر الأحداث. وكان سايكو أحد أهمّ الأفلام التي أنجز فيها هتشكوك هذا النموذج. فأصبح من بعده سنّة سينمائية متواترة.

المضحك أنّ سايكو لم يكن أصلا مرشّحا للأوسكار سنة 1961، وفازت به كوميديا رومنسية بعنوان الشّقّة The Appartment. فيلم طريف وممتعٌ، ولكنّه لم يحدث أي تأثير حقيقيّ في السينما، ولا يمكن أصلا مقارنته بسايكو. بل إنّ هتشكوك لم يفز يوما بأوسكار أفضل إخراج رغم ترشيحه للجائزة خمس مرّات، ولم يحصل له فيلمٌ على أوسكار سوى ريبيكا Rebecca سنة 1941 وكان أول ترشيح له.

لم تكن الأكاديمية في ذلك الوقت تأخذ أفلام الإثارة بشكلٍ جدّيّ، وكانت تمنحها بعض الجوائز التقنية لا أكثر. واحتاج العالم إلى نظرية المؤلّف للاعتراف بقيمة المخرج البريطانيّ، قبل أن تأتي نظريّات أخرى مثل النظريّة النسوية Feminist film theory لتتوغّل أكثر في أعماله. هكذا تمكّنت أفلامٌ من نفس النوع مثل "صمت الحملان" على حصد الجوائز الكبرى فيما بعد.



4 - سنة 1972
إذا كانت الأكاديميّةُ قد فهمت أخيرا قيمة سينما الرعب النفسي والإثارة Thriller، فإنّها لم تفهم بعدُ قيمة الخيال العلميّ. وفي واحدة من أكثر لحظاتها تهوّرا، منحت الأكاديمية كلَّ الأوسكارات الأربعة التي ترشح لها "برتقالة ميكانيكيّة" A Clockwork Orange لفيلم فيليب دانطوني : الطرف الفرنسيّ The french connection. يُعتبر فيلم دانطوني نُقلة نوعيّةً في سينما الأكشن، من خلال واقعيّة مشاهده وواقعيّة موضوعه أيضا (شبكة تهريب الهيروين إلى أمريكا عبر أوروبا كانت موجودة بالفعل)، وساهم في خلق هذه الواقعيّة أداءٌ متميّز من جين هاكمان Gene Hackman.

هل كان هذا كافيا للتغلّب على تحفة ستانلي كيوبرك؟ لا أعتقد، فالأكاديمية مثلما ذكرتُ، تستخفُّ بأفلام الخيال العلميّ، ولا تعتبرها على قدر كافٍ من الجديّة. قد أضيف إلى ذلك علاقات كيوبرك السيّئة بهوليود، ما دفعه إلى إنجاز فيلمه في بريطانيا.

لم يحمه هروبه من هوليود، من المشاكل، فقد استُقبل برتقالة ميكانيكيّة بانتقادات لاذعة بخصوص العنف المفرط فيه، واعتبرهُ الناقد روجر إيبرت فيلما يحتفي بالعنف والرذيلة والسقوط الأخلاقي، واضطرّ كيوبرك إلى إيقاف عرض الفيلم في بريطانيا لمدّة طويلة.
لذلك ربّما، اِكتفت الأكاديميةُ بترشيحه لجوائز الأوسكار دون أن تتوّجه بشيء. ولقد كانت الطرف الخاسر في هذه الصفقة. فإذا كان "الطرف الفرنسيُّ" إيذانا ببدء تملُّص هوليود من قانون هايس Hayes Code (الذي يلزم المنتجين بلوائح أخلاقية تجاه مشاهد الأفلام)، فإنّ فيلم برتقالة ميكانيكيّة تهديم تامٌّ لمعبدها، تجاهلٌ تامّ لها كأنّها لم تكن. وإذا كان فيلم دانطوني شاهدًا قيّما على تلك الفترة الانتقاليّة، فإنّ فيلم كيوبرك لا يزال إلى اليوم فيلما مدهشا ومثيرا!
إنّه أحد الأعمال المرئيّة النادرة التي تتفوّق على مصدرها الروائيِّ على كلّ المستويات، وهو آية نادرة لحجم المعاني والأفكار التي يمكن أن تنقُلها الصورةُ وحدها.



3 - سنة 1981
أحيانا يصبح عدم التتويج بالأوسكار تتويجا في حدّ ذاته. مَن مِن المخرجين لا يتمنّى أن يوضع إسمُه في قائمة فيها ستانلي كيوبرك وألفرد هيتشكوك؟ لقد كان مارتن سكورسيزي Martin Scorsese قاب قوسين أو أدنى من هذا الإنجاز لولا فيلم الرّاحل The Departed سنة 2006.

ليس الرّاحلُ أفضل أفلام سكورسيزي، بل هو في رتبة متدنّية من قائمته الزاخرة بأعمال جليلة. ما يجعله أكثر المخرجين حضورا في قائمة الظلم هذه. لقد ذكرنا فيلم سائق التاكسي، ولم أذكر مثلا الأصحاب Goodfellas الذي خسر الجائزة لصالح الرّاقص مع الذئاب Dances with Wolves لقيمة الفيلم الثاني، لكنّه جدير بالقائمة.
لكنّ أكثر أفلام سكورسيزي تعرّضا للظلم، كان فيلم الثور الهائج Raging Bull سنة 1981، فقد خسر الجائزة لصالح دراما اجتماعيّة لا يكاد يذكرها أحد. من منكم يعرف فيلم أناس عاديون Ordinary People؟ أنا أيضا لا أعرفُه. وحين حاولت معرفته لم أجد شيئا يستحقّ الانتباه، أو على الأقلّ لم أجد شيئا يمكن أن يضاهي الإبداع الكبير الذي حقّقه الثنائي "سكورسيزي - دي نيرو" في الثور الهائج. قد يكون الفيلمُ أفضلَ عملٍ ثنائيٍّ لهما، وقد يكون مثلما تشهدُ بذلك قائمة معهد الفيلم الأمريكيِّ، أعظم فيلم لسكورسيزي على الإطلاق، وأحد أهم الأفلام في تاريخ هوليود (تضعه القائمة في المرتبة الرابعة (بعد المواطن كين، العرّاب والدار البيضاء). لكنّ الأكاديمية سنة 1981 لم ترَ هذا كلّه واكتفت بتتويج دي نيرو بجائزة الأداء، وتلما شونمايكر بجائزة التركيب.

يصوّر لنا الثور الهائجُ، قطعة من حياة الملاكم جايك لاموتّا Jake LaMotta المسمّى بالثور الهائج لعنفه المبالغ، وانفعاله الكبير، حيث يبرز سكورسيزي علاقة حضوره القويّ في حلبة الملاكمة، بحضوره العنيف في حياة زوجته. لقد تعامل سكورسيزي برهافة حسّ بالغة في تصوير شخصية لاموتّا داخل الحلبة وخارجها، قرب زوجته وبعيدا عنها، في لحظات تعبيره عن حبّه الكبير، وفي لحظات انتقامه المخيفة…
كيف لعمل عبقريٍّ كهذا أن يخسر أمام أول فيلم أخرجه نجمُ الشبّاك روبرت ردفورد؟ يقول أحدهم، لأنّ شعر ردفورد أجمل!



2 - سنة 1969
يقول روجر إيبرت حين خرج من العرض الأول لفيلم أوديسا الفضاء : كنتُ أرى بعض المتفرجين المغادرين بعد العرض، وهم واثقون بأنّهم كانوا أمام أجمل شيء شاهدوه في حياتهم.

يتّفق نقادٌ كثرٌ وسينمائيون كبار مع هذا الرأي، لعلّ أبرزهم مارتن سكورسيزي الذي تحدّثت عنه. حيث يعتبرون أوديسا الفضاء ( 2001 A Space Odyssey) آيةً سينمائيّة مكتملة الأركان. أوبيرا بصريّة خالصة الجمال، تحدّثنا عن الإنسان في مراحل نموّه المتعدّدة، وتطرح علينا في قالب سينمائيّ خالص، أهمّ القضايا التي تواجه إنسانَ هذا العصر، وتضع أمامه آفاقا عدّة.

لقد أعاد ستانلي كيوبرك من خلاله إعادة الاعتبار لجنس الخيال العلميِّ، وجعله صنفا سينمائيّا مثيرا، واسع الآفاق، وحاملةً لأبرز القضايا الإنسانيّة وأعقدها. ورغمَ اعتماد هذا الجنس على التقنيةِ لإحداث الخدع البصريّة اللازمة، فإنّه استطاع أن يظلَّ مدهشا ومثيرا للبصر بعد خمسين سنة من صدوره! ولو قارنّاه مثلا بفيلم كوكب القرود The planet of the apes الذي أنجز في نفس السنة (1968) وصار يعدُّ كلاسيكيّا، لأدهشتنا المقارنة.
رغم كلّ ذلك، لم ترَ الأكاديمية سنة 1969 أيّ شيء استثنائيٍّ فيه، وخيّرت عليه غنائيّة عائليّة بعنوان أوليفر! مقتبسة  من مسرحيّة غنائية مستوحاة بدورها من رواية تشارلز ديكنز الشهيرة… هكذا في لحظة مهمّة من تاريخ الصراع الفضائيّ الأمريكيّ السوفياتيّ، وقبل أشهر فحسب من نجاح الرحلة الأولى إلى القمر، بدا لهؤلاء أنّ تغليب قصة طفل بريطانيّ من القرن 19، أهمُّ وأعمق معنى من تتويج فيلم بعنوان أوديسا الفضاء!
وليكون الأمر عبارة عن ملهاة متكاملة، لم يُرشَّح الفيلم أصلا لأوسكار أفضل صورة، وفاز بتتويج وحيد عن الخدع البصريّة، كانت الجائزة الوحيدة التي حصل عليها كيوبرك من الأكاديمية طيلة مسيرته الكبيرة. هل هناك زلّة للأكاديمية أكبر من هذه؟



1 - سنة 1941
أجل، في هذه السنة حدثت خطيئة الأكاديمية التي سوف تجعل من جوائز الأوسكار ماهي عليه اليوم : جوائز اعتراف بجودة الأعمال، لكنّها أبعد ما تكون تتويجا للأفضل. ليس لأنّ الأفضل مسألةٌ نسبيّة (فهي كذلك طبعا) ولكنّ لأنّ الأفضل ليس دائما ما يثير اهتمامها.
“كم كان الوادي أخضر!" How green was my valley هو فيلمٌ للمخرج الكبير جون فورد، لا يكادُ المرء يعرفُ عنه سوى أمرٍ وحيد : فوزُه بالأوسكار أمام فيلم المواطن كاين Citizen Kane.

يبدو الأمر لوهلة أولى متناقضا، فمن الطبيعيِّ أن يفوز مخرجٌ معروف مثل جون فورد بالأوسكار، وهو الذي كان قد فاز بها في مناسبتين : في السنة التي قبلها عن عناقيد الغضب The Grapes of Wrath، وسنة 1936 عن المخبر The Informer (ثمّ فاز بها مرة رابعة سنة 1953 عن الرّجل الصامت The quiet man). أمّا أورسن ويليس Orson Welles، فكان آنذاك شابّا عمره 27 سنة تقريبا، وكان فيلم المواطن كاين، ثاني فيلم روائيّ طويل له كمخرج. المسألة محسومة إذا.

ربّما بالنسبة للأكاديميّة آنذاك، أمّا السينمائيون في ما بعد، فقد أوفوا "المواطن كاين" حقّ قدره، وعدّه أغلبهم أهم عملٍ سينمائيٍّ تمَّ إنجازه على الإطلاق. لذلك يحتلُّ دون منازع رأس قائمة معهد الفيلم الأمريكيّ لأفضل أفلام هوليود، حتّى بعد مراجعة القائمة بعد عشر سنين من إنجازها.

قد لا تبدو قصّة المواطن كاين بهذه العظمة. إنها حكاية الفقير اليتيم الذي فعل كلّ شيء ليتسلّق سلم المجتمع ويستوي عند هرمه ليدرك أنّه رغم كلّ نجاحاته لم يحقق سعادته. لكنّ أسلوب قصّها كان غير مألوف على السينما الأمريكيّة آنذاك. لقد أدخل أورسن ويليس على المشهد السينمائيّ أدوات ملهمة أصبحت بعد ذلك أساسيّة يتعلّمُها كلُّ طالب في معاهد السينما.
من الرّواة الكاذبين كأسلوب للسرد، إلى اللقطة العميقة Deep Focus كأسلوب عرض، إلى تقنيات الراديو كأسلوب صوت، إلى تفكيك كلّ الأعراف الهوليودية في التصوير والإنتاج وإعادة بنائها، مثّل المواطن كاين ثورة سينمائية شاملة لم تدركها هوليود في وقتها، بل أهمل الفيلمُ بشكل كبير، ولم يحقق نجاحا تجاريّا معتبرا، ولم يتمّ الاعتراف به إلا بعد إعادة عرضه في الخمسينات ورواجه في شاشات التلفاز.
ويمكن القول إنّ الأكاديمية لم تكن مخطئة في تجاهلها للمواطن كاين، بل كان ناخبوها كغيرهم من معاصري الفيلم، عاجزين عن إدراك قيمته الحقيقيّة، فخيّروا الفيلم الأكثر التزاما بما تعلّموه في أستوديوهات التصوير. إنّ عجزهم هذا هو بالفعل ما جعل المواطن كاين فيلما عظيما!



إنّ أغلب الأفلام المتوجة بالأوسكار هي أفلام على جودة عالية، وهي وإن كثر الجدل حول أحقّيتها، لا خلاف حول قيمتها. يضفي الجدال أحيانا قيمة أكبر لبعض الأفلام، ويزيد من حماسنا تجاه هذا الفيلم أو ذاك ويغذّي غرامنا بالشاشة الفضيّة الساحرة وهو ـ وإن زلّت الأكاديميّة زلات مضحكة ـ أجمل ما تقدّمه لنا حفلة الأوسكار.

Friday, January 19, 2018

فيلم أمّ والتأويليّة

لا شكّ أنّ علاقة المخرج الأمريكيّ دارن أرنوفسكي Darren Aronofsky باليهوديّة أكبر من الانتماء الثقافيّ الذي أكّده. فالحضور اليهوديّ في أعماله كان دوما هناك، إلى أن تحوّل في فيلم "نوح" إلى تجربة هرمنوطيقيّة. ولئن بدا فيلم "أمّ" mother امتدادا لهذه التجربة، فإنّه برأيي أقرب إلى مقولة فريدرش نيشه الشهيرة : لا توجد حقائق، فقط تأويلات. لقد ضاعت الحقيقة وسط التهافت التأويليّ الذي أبهر البعض، وأزعج الآخرين، فلم نخرج بالنهاية إلا بمشاعر متضاربة لعلّها أهمّ ما قدّم أكثر الأفلام جدلا في السنة المنقضية.


لا يمكن الحديث عن فيلم أم! mother! دون التّورّط في حرقه، فالامتناع عن الإخبار عن أحداثه لا ينقذ القارئ، لأنّ جزءا من فهمها توفّره أداة التأويل. والخيار الأسلم هو أن يُشاهَد الفيلمُ قبل القراءة عنه.
تجربتي الأولى معه كانت مربكة، محيّرة وممتعة أيضا. لم أستطع الخروج بصورة كاملة، فالمشهد أشبه بشظايا لعناصرَ هجينة. لم يكن معقّدا أن أرى بعض المشاهد التوراتيّة الواضحة. فمع دخول الأخوين إلى المنزل واقتتالهما حتّى موت أحدهما، كان واضحا أنّنا أمام تمثّل لقصّة قابيل وهابيل، ما يعني أنّ أباهما ليس سوى النبيّ آدم وزوجته الشقراء (ميشال فايفر Michelle Pfeifer) الفضوليّة المندفعة ليست سواء حوّاء.

ومن هنا، يتحوّل الأمر إلى تمرين تأويليّ. قلبٌ للمشاهد والعناصر إلى رموز واستعارات. لقد جاء الرجل العجوز (إد هاريس Ed Harris) إلى منزل الشاعر (خبيير بارذم Javier Bardem) ليعبّر عن عشقه لكلماته، ولقدرته الفريدة على الخلق. نستنتج من ذلك ما ترمز إليه شخصيّة الشاعر، الذي لا يُعرفُ له إسم، ويشارُ إليه بـ"هو" Him بهاء كبيرة. وتظهر الإشارة إلى حوّاء (ميشال فايفر) في البداية مع تلك الندبة التي برزت عند ظهر العجوز ليلة قدومها، كأنّ ضلعا من ضلوعه قد اختفى! ويُمعن أرونفسكي في توضيح العلاقة بين الزوجينِ والشاعر، حينما دفعت الزوجةُ/حواء زوجَها إلى الدخول إلى الغرفة الممنوعة، فكسرا قطعة الكريستال، فطردهما الشاعر من الغرفة بإشارة بليغة بيده.
وبعد جريمة القتل، تواصلت المقاربة مع مشاهد سفر التكوين. فقد خلّفت الجريمة بقعة من الدم حفرت عميقا في أرضيّة المنزل ولم تضمحلّ، كإشارة إلى تأثيرها في مستقبل الإنسانية. ومن الحفرة، تسرّبت الدماء إلى باطن المنزل، وفتحت بابا في الجدار، فخرجت من خلفه ضفدعة هي رمزٌ للشرور في الكتاب المقدس.

وجاءت الشرور مع الناس الذين تهافتوا على المنزل ليعبّروا عن عشقهم لكلماته وإبداعه، فإذا هم يعيثون في بيته فسادا، ولم ينتهوا عن ذلك إلا عندما كسروا حوض المطبخ وتسببوا في ما يشبه طوفان نوح. وبالفعل، كان الطوفان سببا في إجلائهم عن المنزل. ثمّ إنّ أرنوفسكي انتقل إلى العهد الجديد، فهاهو يحدّثنا عن هذا الطفل المنتظر الذي بمجيئه، جاء الوحيُ مرّة أخرى، وولدَ الكتاب/الانجيل. فعاد الناس، وعاد الفساد إلى حدّ مروّع، وتحوّل المنزل إلى ساحة حرب حقيقيّة، وجنَّ الناسُ والتهموا ابنَ شاعرهم حيّا واقتسموا لحمه ودمه، في إشارة إلى ضلوع البشر في قتل المسيح ـ حسب الرواية المسيحية.


لم يكن تأويل المشاهد انطلاقا من المدوّنة التوراتيّة معقّدا، خصوصا مع مخرج مثل أرونفسكي. مع ذلك، فنحن لم نظفر أكثر من ذلك سوى بحيرة مطلقة. ماذا يريد أرونوفسكي من هذه المقاربات؟ أين تصبّ هذه الرموز؟ والأهمّ من ذلك، إلى ماذا ترمزُ الأمّ التي جسّدت دورها جنفر لورانس Jennifer Lawrence؟
تبدو "هي" عصيّةً على التأويل من داخل المدوّنة التوراتية، فـ"هو" لا زوج له، وحتّى رمزيّا لا يبدو أن الأمر يستقيم كثيرا، ربّما عدا فكرة أن ترمز إلى "الطبيعة الأمّ" Mother nature الدارجة في الثقافة الغربية. لكن سرعان ما يتداخل ذلك مع الأمّ كوالدة لما يبدو أنّه المسيح، فينهار البناء التأويليُّ مرّة أخرى.
إنّ طبيعة الأمّ ليست أمرا عارضا وسط البناء، بل هي محور المشهد، ومنطلَقه. فنحن نرى الأحداث من وجهة نظرها، ونتفاعل بشكل مشابه تقريبا لانفعالاتها. ربّما نستغرب غالبا طيبتها وصبرها المفرط، لكنّنا لا نستطيع أن نفهم تقريبا ردود فعل الشخصيات الأخرى. إنّها شخصيات غريبة ومثيرة لكلّ شيء سيّئ تقريبا. ولقد عمد المخرجُ إلى أن تتحرّك القُمرةُ مع تحرّك الأمِّ فتجعلنا نكتشف ما تكتشفه، ونرى ما تراه، وهو ما منح الفيلم طابع الإثارة والفزع.

ولأن الأمّ هي الشخصيّةُ المحوريّة فلم يكن هذا التناقض التأويليّ بين العهد القديم والجديد منطقيّا. كان لا بدّ من البحث عن فكرة جديدة خارج المدوّنة الدّينيّة، ولقد منح بناءُ الفيلمِ فضاءً خصبا للبحث وإعادة التركيب.
لا يجب أن نغفل عن الحقيقة البديهيّة، التي مفادها أنّ الفيلم ليس عن آدم أو حوّاء أو عن هذا الزخم من البشر الوحشيّين. لقد اختارت القُمرة رفيقها منذ البداية، فصاحبت الأمّ طيلة الرحلة الرهيبة منذ استيقاظها وحتّى احتراقها، وعدا نقل مشاعرها تجاه المعتدين عليها، كانت أيضا تنقل مشاعرها تجاه زوجها الذي كان أكثر ساديّة تجاهها بنرجسيّته المفرطة. لا شكّ أنّ علاقة الزوجين، تأخذ في هذا الفيلم بُعدا أكبر بكثير من مقاربة سخيفة بين الله والطبيعة.


قد لا نشكّك في مشاعر الحبّ التي تجمع الزوجين، فـ"هو" يجد دائما الكلمة المناسبة ليعبّر عن ذلك، وفي أسوإ الأوضاع، كان دوما يجد طريقا لإيجادها وإنقاذها، ثمّ إنّه لم يمسّها بسوء حتّى النهاية (بشكل مباشر على الأقل). أما "هي" فكان دوما مصدر ثقتها الوحيد، تعود إليه كلّما تقوّض العالم من حولها. على أنّ العلاقة اتّخذت لونا لا يشبه كثيرا لون الحبّ، إذ غلبت عليها صفة عموديّة مبطنةٌ، أضمرتها طبيعةُ الزوج النرجسيّة، وطبيعة زوجته المُؤْثِرَة. لا يشغل الرجلَ سوى إشكاليّة الخلقِ، سواء خلال أزمة الوحي الّتي استبدّت به في الجزء الأوّل، أو خلال حفلة التمجيد وهستيريا الإجلال التي تقرب للعبادة في الجزء الثاني. تبلغ نرجسيّة الرجلِ حدّا لا يطاق، حدّا تتزامن به قدرتُه على الكتابة مع قدرته على الإنجاب، لذلك وهبهم في النهاية ولده، كأنّما يهبهم شِعرَه.
وفي المقابل، تتصرّف زوجته كامرأة معياريّة، نموذجيّة طبقا للصورة النمطيّة. أنوثتها طاغية، ولقد ركّز المخرج كثيرا على هذا الجانب، فرأينا جينفر لورانس كما لم نرها من قبل، خصوصا في المشهد الأول حينما وقفت بثوب النوم الرقيق الذي تخلّلته أشعة شمس خجولة، أمام المنزل. إيمانُها بمؤسسة الزواج يقينيّ، حتّى بدت كأنّها جاهزة سلفا لاستقبال جنين، ورغبتها في الإنجاب كانت عارمة إلى حدّ لم يخفَ على ضيفتها الثقيلة. وينعكس اهتمامها بالعائلة، على اهتمامها بالمنزل، وإشرافها المباشر على تهيئته. إذ لا تنفكُّ تشكّل معالمه وألوانه في إصرار وحبّ جديرين بربّة بيت نموذجيّة.
نحن إذا أمام صورة نمطيّة للزوجين، ربّما كاريكاتوريّة أيضا، وهي صورة لا تلقي بألوانها خجلا على هامش المشهد، بل هي محوره، لذلك كان لزاما أن نعيد النّظر في مسألة التأويل القصصيّ المسيحيّ.

نشعر إزاء ما حدث في المنزل بانزعاج حقيقيّ، كما لو أننا الزوجة. لا نفهم سببا للتخريب الذي يمارسه أناس تستضيفهم وتمنحهم كلّ شيء. لكنّنا لا نفهم أشياء أخرى كثيرة. ربّما كان هؤلاء أغرابا، أمّا الزوج فلا، ومع ذلك فهو يتصرّف بشكل مزعج، ربّما لا يوجد أمر أكثر إزعاجا في الفيلم من نظراته البريئة الخاوية. أحيانا ننفصم عن الزوجة، فنشعر حيالها بذات الانزعاج، لأنّها تحافظ على قدرتها على الخضوع والعطاء، في ظرف مستحيل. لقد بدت لي هذه العلاقة المرَضيّة بين الزوجين أكثر إثارة من الغزو البربريّ للمنزل، حتّى كأنّ الغزوَ تجسيد كابوسيّ لهذه العلاقة. هل كنتُ مخطئا؟

أجل، بحسب أرنوفسكي ليس الأمر سوى إعادة تشكيل لقصة الإنسان على الأرض من وجهة نظر الطبيعة الأمّ، واستنادا إلى القصص التوراتي وعناصر مسيحيّة أخرى. يتلخّص الفيلم إذا بحسب المخرج في تلك المقاربة التي تجعل الطبيعة امرأةً تمنح الناس كلّ شيء، فيواجهون عطاءها بجحودٍ ساديّ، وبوحشيّة مخيفة. وهو تفسير محبط كثيرا، كان على أرونوفسكي تجنّب البوح به على الأقلّ، إذ أجدُه ينتقص من العمل أكثر بكثير ممّا يضيف إليه.


يجعلني هذا التفسير أتساءل عن وظيفة القصص الدينيّ في هذه المقاربة. حكاية الطبيعة مع الإنسان بدأت مع الإنسان الأوّل، وربّما وجد أرنوفسكي الملحدُ أنّ قصة آدم استعارةٌ لطيفة لتلك اللحظة، وبالمثل، كانت الجريمة الأولى التي حدثت بسبب الميراث، استعارةً أخرى لفكرة بدء الصراع البشريّ/البشريّ لامتلاك الأرض، وهو الصراع الذي كان وراء كلّ المصائب التي تعرّضت لها الطبيعة. لكنّنا مع مرور هذه الشذرات البلاغيّة، نوغل أكثر في ضباب عقيم، فما دلالة الطوفان مثلا؟ لقد كان انفجار أنبوب المياه في المطبخ كارثيّا على الأم، لكن من قال إنّ الطوفان كان ضارّا بالطبيعة؟ وتنتهي لعبة الاستعارة مع الوليد، ذلك أنّ الأمّ نفسها تكفّ عن كونها تجسيدا للطبيعة، وتتحول إلى شخصيّة دينيّة أخرى هي مريم. فما علاقة هذا التحوّل بالطبيعة؟ ولماذا بدا وكأنّ ميلاد المسيح، أشبه شيء بقيامته؟
لقد كانت مشاهد الحروب المروّعة أقرب إلى عصرنا الحالي، وهو عصر خالِ من الوحي والنبوّة والمعجزات، بل ومن الإنجيل نفسه تقريبا، فلماذا كان ميلاد الرضيع شارة بداية لهذا الخراب؟

عدم استقامة المقاربة بين الزوجة والطبيعة، لا يقف عند تأويليّة القصص الدينيّ، ويجعله بلا فائدة تقريبا، بل يحدث شروخا في رمزية العلاقة الزوجيّة أيضا. ألا يفترض من الطبيعة أن تكون إحدى إبداعات الشاعر أيضا؟ ربما كان ذلك ما حاول الشاعر تجسيده من خلال قطعة الكريستال، لكن ما دلالة هذا التزاوج بين الإلهي والطبيعيّ فيما يخصّ انتهاك البيئة؟ ربّما هو اتّهام ضمنيّ لتواطؤ الدين وسلبيّته تجاه ما وقع للطبيعة. ولكنّه تأويل متكلّف، لا يحتملُ محوريّة شخصيّة الزوج، واهتمام المخرجِ المفرط بهِ.


وأخيرا، هناك علاقة الزوجة بالمنزل. وهي أقل العلاقات تطوّرا، رغم كونها الأكثر قيمة في المقاربة. فإذا كانت الزوجة تمثّلُ الطبيعة، فالمنزل حتما يمثل كوكب الأرض، أو على الأقل، هو امتداد مكانيُّ لذات الطبيعة التي جُسّدت. لقد حاول أرنوفسكي تبيين هذه العلاقة العضويّة في لقطتين، كانت فيهما الأمُّ تسمعُ نبض المنزل، وتشعر بالحياة تدبُّ فيها. وفي اللقطتين، تواصل الأمُّ عملها الدؤوب الأبديّ لتأثيثه وتطوير الحياة فيه. وتُبدي كلّما سنحت الفرصةُ فخرها بإنجازها. على أنّ الإنجاز الذي نقلته عينا الأمّ بدا متواضعا، باهت الألوان، هشّا، خاليا من كلّ زخرفة، وخاليا من كلّ شكل تكنولوجيّ متطوّر. يهمسُ أحدهم أنّ في ذلك إحالة إلى أبديّة الفضاء وعدم ارتباطه بزمن ما، ولكنّ الأمر ليس كذلك فعلا! تذكّروا الهاتف في المطبخ، والعناصر المعاصرة في الصالون وفي الحمّام. وفي تلك اللحظة التي خرجت فيها الأمّ وواجهت الخضرة الممتدّة حول منزلها، بدا الفارق عظيما حتّى التناقض بين المحيطين. وهي لحظة، أراد منها أرونوفسكي أن يخلق تواصلا، فإذا هو يحدث قطيعة بصريّة. لقد ولدت الطبيعةُ عظيمة، مشبعة الألوان، بهيجة، حيّة، أو هكذا عرفها الإنسان الأوّل على الأقل، لذلك، أعتقد أن أرنوفسكي فشل في أهمّ استعارات الفيلم.

منزل/أرض لا يغري كثيرا بالحياة، وقصص دينيّ جانبيّ لا يخدم فكرة الفيلم التي يروّج لها المخرج، وتأويل لا يرقى كثيرا إلى الهرمنوطيقا (كممارسة تأويليّة على النصّ المقدّس واستخراج معانيه العميقة). كلّ ذلك يدفعنا إلى تجاهل ما يقول المخرجُ، والعودة مرّة أخرى إلى ما تقوله صورتُه. نرى مرّة أخرى علاقة زوجيّة متقلّبة. نراها بمنظور الزوجة، فهي النعيمُ كلّما كانا وحيديْن ولا شيءَ يحول بينها وبينه، وهي الجحيمُ كلّما اقتحم هذه الخلوة شخصٌ أو أشخاصٌ. ولئن كنّا لا نرى الأشياء من منظور الزوج، إلا أنّنا نستطيعُ أن نخمّنه. فخلال الخلوة، لم يبدِ الزوجُ حضورا نفسيّا حقيقيّا، وغالبا ما كان حانقا لغياب الوحي، ولم يعاوده الحماسُ إلا حين انقطاع الخلوة. يُنشدُ الرجلُ سعادته خارج محيط الزوجيّة، وهو المكان الذي تبحث فيه الزوجة عن سعادتها. ثنائيّةٌ قديمة ومستهلكةٌ بالفعل، وجزء من صورة نمطيّة للرجل والمرأة: الرجلُ الكاتب، الخالق، سليل الحضارة، والمرأةُ/الطبيعية الخصبة، عماد العائلة، ربّة البيت، القلقةُ دوما، الخائفة أبدا… إنّ استعارة الرجل الشاعر وربّة البيت للدلالة عن الله والطبيعة، ليست في الحقيقة سواء تقيّة عن عدم وجود استعارة! فالله الذي ـ بحسب المخرج ـ لا يؤمن بوجوده، لا يبدو متّهمًا بالجرائم البيئيّة، ولو كان متّهما، فالرسالة الموجّهة لنا كبشر، تفقد كلّ معنى. وجودُه في المقاربة إذا أقلّ قيمةًَ بكثير من حضوره الطاغي في الفيلم، والسبّب أنّ الفيلم الذي يصوّرُ ظاهريّا جرائم الناس في حقّ الطبيعة، يصوّر في باطنه، جرائم هذا الكائن المبدعِ الخالق النرجسيِّ تجاه زوجته المخلصةِ الوفيّةِ. أتُرانا نتحدثُ عن أرنوفسكي نفسه؟

شهد زمن إنجاز الفيلمِ علاقةً بين المخرج أرنوفسكي والبطلة جنفر لورنس، وامتدّت إلى ما بعدَ العرض بشهور قليلة. وكشفت لورنس للصحافة عن هوسِ صديقها المفرط بفنّه، فحالما انتهت جولتهما الترويجيّة، ظلّ الفيلم موضوعه المفضّل، أما هي فكان كلّ همّها آنذاك أن تنسى عملها وتفكّر في أمر آخر مع صديقها. لقد تميّز الشاعرُ بنرجسية قوية، ولكنّها نرجسية أصيلة، جديرة بفنّان، ولا شكّ عندي أنّ أرونفسكي لم يشكّل هذه الشخصيّة بعين الخيال. ومن ذات المصدرِ، جاء بشخصيّة الأمّ. لقد انتهت علاقتُه بجينفر لورنس التي أبدعت في فيلم mother! ومنحته كلّ ما عندها بالفعل، لتبدأ ربما علاقة لا نعرف عنها شيئا، بدقّة شبيهة بتلك التي وصفها في نهاية الفيلم.
إننا حيال بورتريه ذاتيّ كابوسيّ مقنّع للمخرجِ، ومحاولة ربما للاعترافِ بفضل المرأة في عمليّة الخلقِ، بل تراهُ ينسبُ إليها عمليّة الخلق الأجلِّ والأعظم وهي خلق الحياةِ، فيوازي بين الوليد وبين القصيدِ.

فيلم أمّ! ليس كما يبدو في "باطنه" المقنّع، بل هو أقربُ شيء لظاهره الساذج، ولم تكن محاولات التقيّة والإلهاء بالقصص الدينيِّ والأفكار البيئيّة سوى مقاربات منقوصة وتفتقر للدقّة، وأحيانا للعلّة (لا يوجد سبب مقنع لاستعمال القصص الدينيّ في مقاربة عن الطبيعة). لقد كان واضحا أنّ الفيلم نتاج كتابة سريعة غير متأنّية مثلما أكّد المخرجُ نفسه (قال إنّه كتب النص في ثلاثة أيام)، فمع التأنّي لا نكسبُ الدقّة والمتانة فحسب، وإنّما نخسر الكثير من ذلك الرابط الخفيّ الذي يجعلُ العمل الفنيّ شخصيّا يكاد يحمل وجه صاحبه.
ولا يتميّز الفيلمُ بأفكارٍ جديدة، أو تساؤلات عميقة حقيقيّة، ولا يجعلنا متردّدين أمام موقفين، إنّما يكتفي بالوصف بعيونِ شخصيّاته ونفسيّاتهم، ولكنّه يمنحنا الكثير من الحيرة اللطيفة، ويجعل تجربة مشاهدته فريدة حقّا.
أمّ ليس تحفة فنيّة عظيمة كما حاول إيهامنا الكثير من المتحمّسين، وليس أيضا فيلم سيئا كما أكّد أغلب من لم يفهموه. ولكنّه على قدر كبير من الإبداع، وعلى قدر أكبر من الإنسانيّة.

Friday, December 29, 2017

ما تبقّى لنا .. من 2017

ينتهي 2017 قريبا، ويترك بابه مفتوحا لتلك الأفلام التي سمعنا عنها الكثير ولم تسمح لنا ظروف التوزيع باكتشافها بعدُ. سوف أترُكها لسنة 2018، مثلما تركت لي السنةُ الماضيةُ أفضل بقاياها لأضمّها إلى أهمِّ أعمال هذه السنة، فإذا هي تتبوّأ أعلى ترتيبها كأنّ أفضل أفلام 2017 هي أفلامُ 2016!


هل هذه السنةُ هزيلة إلى هذا الحدّ؟ ليس تماما، فقد شهدت نجاحا غير مسبوق للأفلام المستقلّة رغم عائدات أفلام ديزني الخياليّة، وشهدت محاولات شديدة التنوّع رغم الإفراط في أفلام الأقليّات حتّى التخمة، ولقيت أفلام سينما العالم حظّها بشكل جيّد. على أنّ كلّ هذه الأعمال لم ترتقِ في أغلبها إلى مستوى الأعمال العظيمة، ولن ترتبط سنة 2017 إلاّ بنزر منها قليل. سأقدّم هذه السنة قائمة طويلة نسبيّا لأنّ المستوى متقارب، ولأنّ تفضيلاتي في كثير من الأحيان غير دقيقة، كما أنّ مدّ القائمة، يمنحها تنوّعا وثراء أكبر ربّما يفيد القرّاء.



20 - دنكرك Dunkirk ـ كْريستُفِر نُولَنْ
كنتُ قدّ قدّمت قراءة للفيلم هنا، لذلك لن أقف عنده طويلا. يعود نولَن إلى الحرب العالميّة الثانية، وتحديد إلى عمليّة انسحاب دنكرك التي نجح فيها البريطانيون من إجلاء مئات الآلاف من جنودهم العالقين في الساحل الفرنسيّ المحاصر بقوّات المحور. وفي هذا الفيلم، يمارس المخرج البريطانيُّ لعبته الأثيرة مع الزمن، ومع خطوط السرد، مستعينا بمحرار موسيقيٍّ متميّز جديد من هانس تْسِمِّر Hans Zimmer. ما أعيبه على الفيلم، هو تلك الأخطاء القاتلة في التفاصيل الصغيرة، في فيلم يعتدُّ بتفاصيله الصغيرة نفسها!



19 - اُخرج Get Out ـ جُرْدَنْ بِيلْ
يحتاج هذا الفيلم إلى نصّ مفرد، ليس لأنّه أكثر الأفلام نجاحا في ورقات النقّاد، ولكن لأنّه قدَّ من لغةٍ ذكيّة استعادت زلاّت اللغة الاجتماعيّة، وهفوات اللباقة السياسيّة لتفضح مخابئ العنصريّة الباقية في المجتمع الأمريكيّ. ولعلّ فيلم جودن بيل أحدُ أهمِّ أفلام الرّعب في السنوات الأخيرة، ولولا أنّه في مستوى الشكل إذْ أعاد استعمال عناصر سينما الرّعب، حافظ على مظهرها إلى حدّ مملّ وفاضح (كان كلّ شيء معروفا مسبقا بحيث لا يمكن أن تشعر بالإثارة) ومغالط أيضا (حتّى إنّه عدّ فيلما كوميديّا في حفل الغولدن غلوب)، لكان أهمّ فيلم لهذا العام. والأكيد أنّنا سنجد Get Out في حفل الأوسكار القادم.


18 - لاشيوود أو نوثينغ-وود Nothingwood ـ سنية كْرُنْلُودْ
لا أشاهد كثيرا الأفلام الوثائقيّة وربّما كنتُ مقصّرا في هذا الجانب، ولكن مادمنا في عالم القصّة والخيال، فهذا الوثائقيّ لا يخرج عن طبيعة القائمة. فنوثنغوود هي سينما اللاشيء، لا هي بهوليوود ولا بوليوود، حيث الأموال والمعدّات والبنى التحتيّة. سينما اللاشيء توجد في أفغانستان التي لم تنفض عن نفسها غبار الحرب بعدُ، ولا غبار سنوات طالبان والقاعدة، ومؤسّسها والناشط الوحيد فيها، هو نجم أفغانستان السينمائيُّ سليم شاهين. يعمل سليم شاهين مخرجا وممثلا وكاتبا ومنتجا وربّما مؤلف أغانٍ أيضا، ووكيل أعمال، ومفاوضا وموزّعا… باختصار سليم شاهين هو دار صناعة السينما في أفغانستان، وهي صناعة فقيرة، بسيطة، في العتاد وفي الشكل والمضمون، لكنّ لها سحرا في قلوب الأفغان رافقهم طيلة سنوات الظلام. إن قصة سليم شاهين تشبه ربّما قصة Edwood الشهيرة، ولكنّها قصة واقعيّة هذه المرة. إن ما يشدّ في هذا العمل التوثيقيّ هو قدرته على تسجيل سخافة العمل نفسه، والمَلكة الفنيّة العظيمة التي يملكها صاحبها ولم تُصقل طيلة السنين الطويلة. كما أنّ صديقه قربان عليّ الذي يضطلع بالأدوار النسائيّة مادّة لفيلم توثيقيّ آخر تماما عن عالم الأقليّات الجندرية في أفغانستان.


17 - الأمريكية الحُلوة American honey ـ لأندريا أرنُلد
أجل هو أحد أفلام 2016 لكنّ توزيعه خارج الولايات كان غالبا هذه السنة. على امتداد يقارب الساعات الثلاث، تسافر بنا أندريا في أمريكا التي لا نعرفها، مع مجموعة من شباب الهامش الذي لا مأوى لهم. مهمّتهم إقناع الناس بشراء اشتراكات دوريّة في مجلات يحصلون على نسبة من أرباحها. مع ستار Star الجميلة، نعيد اكتشاف أمريكا وطبقاتها المختلفة، ونتعرف على أولئك الكادحين كي لا يقعوا تحت خطّ الفقر. أدّت ساشا لاين Sasha Lane دور ستار بشكل متميّز فعلا، ورافقها بامتياز شِيا لبوف Shia LeBoeuf.

16 - لاكي Lucky ـ جون كارُل لِنش
مع نهاية العام، يفاجئنا هذا الفيلمُ بالمخرج الكبير دايفد لِنش David Lynch ممثلا. تعاني شخصيّتُه من تعلّقها بسلحفاة يعرف أنّها سوف تعيش أكثر منه بكثير. لكن هذا ليس إلا انعكاسا لشخصية الفيلم الرئيسيّة. يؤدّي هاري دين ستانتُن Harry Dean Stanton شخصية لاكي، عجوزٌ وحيد يعيش في مدينة صغيرة، بحفاظه على روتين يوميّ بسيط وفيه بعض النشاط والرياضة، كان لاكي يعتبر نفسَه منالا بعيدا عن الموت، إلى أن جاءت اللحظة التي وقع فيها على الأرض من دون أيّ سبب. يقول له الطبيب ليس بك شيء، وداؤك في الهرم. تفزعه حقيقة الكون كأنّما يراها لأوّل مرة، فيحاول مواجهتها، ويحاول فهمها، لعلّه يتقبّلها قبل فوات الأوان. قصة لاكي مؤثّرة جدّا ورائعة، ولا يعيبها برأيي سوى فشلها في التخلّص من العقدة، وانزلاقها نحو استنتاج لا يبدو منسجما كثيرا مع ما يسبقه. ما يزيد في خصوصيّة هذا الفيلم، تعلّقه الكبير بهاري دين ستانتن، فقد حدّد بنفسين روتين شخصيّته، استئناسا بحياته الشخصية، كما أنّ هاري توفّي بالفعل قبل عرض الفيلم بأشهر قليلة، ليجعله عملا في أصالته نادرا!



15 - مهما كلّف الأمر Hell or High Water ـ دايفد ماكنزي
هو أيضا أحد أعمال 2016، وكان في بداية هذا العام أحد المرشّحين لأوسكار أفضل فيلم. وفيه قدّم جفّ بريدجز Jeff Bridges أحد أجمل أدواره منذ مدّة طويلة.
هذه تكساس، بقبعاتها، وربطات عنقها الفريدة وبلداتها الصغيرة وأناسها الذين يملكون فكرة مختلفة عن اللطف والود، لا أحد يمزح مع المال في تكساس، حيث تبدو ثقافة الرأسمالية محافظة على طبيعتها البدائية ولم تغلفها العولمة بعد، وبذات الأسلوب البدائي توالت عمليات الأخوين توبي وتانر لنهب فروع بنك تكساس ميدلاند، وكان ماركس وزميله ألبرتو باركر (ذي الأصول الهندية) في أثرهما لإيقافهما.
ومع توالي العمليات واقتراب لحظة المواجهة، نكتشف أننا ربما اخترنا منذ البداية الفريق الخطأ، وأن الحقيقة حمالة أوجه في تكساس.



14 - صمت Silence ـ لمارتن سكورسيزي
لا أفهم لماذا تجاهل القوم هذه التحفة الجميلة لسكورسيزي. لقد قدّم لنا هذا العامُ أفلاما كثيرة بحثَ أصحابُها فيها عن الله، وعبّروا عن أزماتهم الروحية والفكرية تجاه الغيب والله وما بعد الموت، وصمت هو أكثرُها وضوحا.

يعود سكورسيزي إلى اليابان في حقبة مظلمة عرفت تعذيب المتنصّرين والمبعوثين المبشّرين، لا ليكتفيَ بوصف عذاباتهم، وجهاد المؤمنين في سبيل الله، وإنّما ليحلّل أثر انتقال الدين أو الإديولوجيا من ثقافة إلى أخرى، 
وليقتفيَ صوتَ الله في لحظات الهزيمة وفي ذروة الشكِّ، وفي مستنقع الصّمت.



13 - مشروع فلورِدا The Florida Project ـ لشين بايكر
فكرتُنا عن فلورِدا لا يمكن أن تتخلّص من شمسِها الساطعة ولا من اللون الأزرق الذي يغمر أكثر مشاهدها، ولا من ذلك الرأس الأسود ذي الأذنين الدائريّتين. ديزني هو فلوردا مثلما هوليود هي لوس أنجلس.

قريبا من أكبر منتجع ترفيهيّ في العالم، تعيش الطفلة موني Moonee مع أمها هايلي في إقامة بسطية يديرها بوبي (ويليم ديفوي). لا أحد يحبّ طريقة هيلي في التعامل مع ابنتها، فهي لا ترغمها على فعل شيء، لا تُشعِرها بأي واجب، لا توبّخها، وإنما تشجّعها فقط على إصلاح أخطائها. تحاول هايلي أيضا أن لا تشعر ابنتُها بمشاكلها الماديّة. فليست وظيفة الأطفال أن يهتمّوا بهذه الأمور. ولكن لا يبدو الأمر بهذه البساطة.

مشروع فلوردا The Florida Project يصف العالم بعينيْ طفلة صغيرةٍ، تطارد حقّها في أن تكون طفلةً صغيرة، لكنّ منظومة الحلم الأمريكيّ بإصرار ملفت ترفض ذلك.

مشروع فلوردا، هو أحد أهمّ أفلام هذا الموسم ومعلّقته لعلّها الأجمل في هذا العام!


12 - المُبجَّلُ واو. Le vénérable W. ـ باغبت شغوده Barbet Schroeder
عندما انتشرت صور مجازر بورما، مع التعليقات الركيكة المجيّشة للمشاعر، كانت فكرتي عن الموضوع أساسا أنّها أبعد ما يكون عن الواقع، وأنّ ما يحدث هو أقرب للحرب الاهلية فيه ضحايا من الجانبين، بل إنّي اعتبرت الكلمةَ متهوّرة، واعتبرت أنّ الأمر ليس بالوحشية التي تسوّق. ثمّ إنّني شاهدتُ هذا الفيلم الوثائقيَّ ورميتُ كلّ هذا الكلام في الماء…

في الفيلم الفرنسي الصادم، يذهبُ السويسري باغبت شغوده إلى ماندلاي Mandalay إحدى أكبر مدن ميانمار (أو بورما) وقابل رجل الدّين البوذيّ ويراتو Wirathu زعيم تنظيم راديكاليّ ينادي بالتطهير العرقي للبلاد من الـ كالار Kalars كما يطلقون على المسلمين.

ويرجع الفيلم للحظات الأولى لتكوّن أفكار ويراتو، وكتاباته الأولى المصادرة، ونضالاته وتحوّله إلى زعيم دينيّ وطنيّ في بلاد يحكمها العسكر بالحديد والنار والدّين.

حاول شغوده أن ينقل أكثر ما يمكن بتجرّد، فكان ذكيّا ونقل مختلف العناصر الّتي ألهبت هذا الصراع: بالعودة إلى الجذور التاريخية، بالاجابة على السؤال العرقي، بالاهتمام بوضع الجيش، وبالوضع الاقتصادي، وبما تمثّله منطقةٌ تجمع أغلب المسلمين الروهينجا بالنسبة لأصحاب السلطة... وبذكاء كبير راوح بين منطق الراهب "المبجّل" ويراتو، وبعض الاقتباسات من كتب بوذية مقدسة، نرى بوضوح تأثير اللعبة التأويليّة... أيضا راوح بين خطاب التخويف العرقي من المسلمين، والأرقام والوقائع، ولمّح من خلالها إلى ذات المخاوف اللي تتردّد في أوروبا...

الحقيقة أنّ الفيلم مساحة هائلة للتأمّل في أشياء كثيرة بخصوص الدولة والدين والاقتصاد والهوية والسلطة…


11 - قصة شبح A Ghost story ـ دايفد لوري
سبق وأن خصّصت مقالا لهذا الفيلم الجميل هنا. لذلك سأكتفي بالتذكير إلى أنه أحد أنجح الأفلام المستقلة لهذا العام. وقد أثمرت تعبيرتُه التجريبيةُ شيئا فريدا بالفعل. لذلك لا يمكن الحديث عنه كثيرا. هناك شبح، وهناك زوجان، ومنزل، وأثر المكان، وأثر الإنسان ودورة الزمانِ، وأسئلة كثيرة ترهقُ المخرجَ عمّا سيبقى منه بعد نهاية الأكوان، وهل يستحقُّ الأمرُ عناء المواصلة.

10 - بلا حبّ Nelyubov ـ أندري زفياغنتساف


لا شكّ أن الفيلمَ الفائز بجائزة لجنة التحكيم في كانّ Cannes هو أحد أهم التعبيرات السينمائية لهذا العام. فبحركة سينمائيّة بطيئة ولقطة عريضةِ ذات مسافة من شخصيّاته، يحكي "بلا حبّ" قصّة اختفاء الطفل آليوشا Alyosha من منزل والديه المشرفيْن على الطلاق، فيجبرهما على التخلّي عن عشيقيْهما وحياتيْهما المستقلّتين، والعودةِ إلى مواجهة الغياب، وما يتداعى معه من رسوبات الماضي. ليس آليوشا ثمرة حبٍّ، وربّما لن يكونه، لكنّه يصرّ أن لا تستمرَّ آلة المنظومة المعاصرة في الدّوران وإنتاج قطعان الأنانيّة والانكفاء على الذّات، يصرّ أن يحفر عميقا ويزرع الذّنبَ انتقامًا بل عقوبة. وبين المسافة التي تأخذُها القمرةُ عن الأبوينِ، وعن عمليّة البحث اليائسة، تتوالدُ روسيا المعاصرة، روسيا الفردانيّة، روسيا السيرة المهنيّة النظيفة والطموح، روسيا التي تتظاهر بالركض إلى الأمام، وهي قابعة في مكانها.

 9 - بايبي درايفر Baby Driver ـ إدغار رايت
من المتوقّع وجود هذه التحفة الظريفة في القائمة الضيّقة، فهو أحد الأفلام القليلة التي تهتمّ بالشكل وبالجماليّة وبالكيف أكثر من المضمون، ما يجعلُ قصةَ بطل الفيلم بايبي Baby غير ذات بال. فأغلبها مألوفٌ ومن قوالب شبه جائزة للاستعمال: فتى موهوب، فتاة جميلة، عصابة سرقة، مطاردات، نهب بنوك… لكنّ رايت أبدع في إخراج قوالب جمالية جديدة ومشاهد ذات إيقاع (حرفيّا) وروحٍ تجعل مشاهدة الفيلم تجربة شديدة المتعة.
لقراءة مقال مفصّل يرجى الانتقالُ هنا.

 8 - اللّي حصل في الهلتون The Nile Hilton Incident ـ طارق صالح
من المؤسف أنّ هذا الفيلمَ ليس مصريّا، فمخرجُه وأكثر أبطاله مصريون مع مساهمة عربيّة فعّالة يأتي أغلبها من المهجر. بل إنّ السلطات المصريّة منعت طارق صالح السويديَّ الأصل، من متابعة إنجاز الفيلم في القاهرة، فتحوّل بعتاده وممثّليه إلى الدار البيضاء. وبعد أن حوّل صوره إلى أهمّ فيلمٍ بوليسيٍّ في سنة 2017 بشهادة مهرجان سندانس Sundance الشهير، تمَّ منعه من العرض في مصر.

المشكلُ أن الفيلمَ لا يتعرّضُ للنظام الحاليِّ وإنما يرجع بنا إلى زمنِ حسني مبارك قبيلَ انتفاضة 25 يناير بقليلٍ، فينصّبُ فيها جريمة قتلِ مغنيّةِ شهيرةٍ يتورّط فيها رجل أعمالٍ كبيرٍ كما لو أنّها جريمة قتلِ سوزان تميم إذا ما وقعت في القاهرة بدل دبي. ثمّ إنّه يقدّمُ لنا فيليب مارلو المصريَّ : نور الدين مصطفى (وهو في الحقيقة ليس مصريّا جدّا إذ يؤدّي الدور ببراعة فائقةٍ اللبنانيُّ فارس فارس). يأخذ نور الدين القضيّةَ على عاتقه، لا لأنّه محقّق يبحث عن العدالة، ولكن لأنه مرتشٍ يبحث عمّن يدفع أكثر. لكنّه يتورّط في شوارع القاهرة، وخباياها، ويجد نفسه في لعبة ماكرة كبيرة، ويضيعُ بين غانيةٍ هي صديقة القتيلةِ، وبين شاهدةٍ سودانيّةٍ تحاول الحفاظ على الأنفاس في روحها الخائفة. الفيلمُ أيقونة بوليسيّة من صنف نوار Noir لم أرَ أرفع منه منذ زمن بعيدٍ. إفرازات جماليّةٌ من الظلالِ ومن أصفر القاهرةِ الممتقعِ، تخبّئ ما تخبّئ وتفضح أكثرَ ممّا تخبّئُ. تعكسُ ثناياها، متاهة المحقّق إذ يحاول فهم ما حصل في الهلتون، ومتاهة الجسدِ المصريّ بين أجهزة الرشوة والفسادِ. فكان زمن السّرد قبيلَ انتفاضة الشعبِ، ربطا سببيّا أراده المخرجُ ولم تحبّه الرقابةُ.

ما يعيب الفيلمَ عدمُ قربه الكبير من الواقع المصريِّ الجديد، فصاحبُ الفيلم وإن كانت أصوله مصريّةً، لم يبدِ درايةً بالواقع المصريِّ لغةً وما وراء اللغةِ، أي على مستوى الموسيقى وما شابه. ولئن كانت العينُ الأعجميةُ لا ترى ذلك، فالعين العربيُّ لا يمكنُها أن تخطئه، ولولا ذلك لكان اللي حصل في الهلتون في مرتبة متقدّمة أكثر هنا.
 7 - شنيع Grave ـ جوليا دُكوغنو Julia Ducournau
لا أعتقد أنّ العنوان يتعلّق بما يحدثُ في الفيلم بقدرِ ما يتعلّق بالإحساس الذي يداهم المتفرّج خلال هذه التجربة المفزعة. هل هو فيلمُ رعبٍ؟ ربّما، ولكنّه أعمق من ظاهره بكثير، لذلك يثير فينا إحساسا بالغثيان. فمشاهده الدموية ليست كثيرة في الواقع، وتفاصيلها ليست أكثر بشاعةً من أفلام الرعب المعويّ الشهيرةِ، لكنّها تنجح في لمسِ شيء في عمقِ المشاهدِ فيتوقّف أن يكون محايدا.

في هذا الفيلم الفرنسيِّ، نواكب تحوّلات شابّةِ في عامها الأوّل في جامعة الطبّ البيطريِّ إذ تتبع طريق أختها الكبرى. كانت جوستين نباتيّةً، قبل أن يرغمَها حفلُ استقبال الدفعة الجديدةِ، على أكل قطع لحمٍ صغيرةٍ. تكتشف بعدها شراهة عظيمة للّحوم، ثم تتوالى الاكتشافات بشاعةً بعد أخرى، وتزداد معها علاقتُها بأختها تبلورا وتعقيدا. إنّ ما يجمع الإخوةَ رابطة دمويّة قاسيةٌ، فيها ما فيها من البشاعة، أحيانا تحمينا وأحيانا تجرفنا إلى الأعماق. وكان على جوستين، أن تواجه رابطة الأخوّة وأن تكبرَ.

 6 - عن الروح والجسد Teströl és lélekröl ـ إندِكو إنيادي 
الدبُّ الذهبيُّ لهذا العام كان من المجر، ورغم كونه رومانسيّا، إلا أنّ الجليدَ سمتُه الغالبة. فمشاهدُه في أغلبِها هادئةٌ، روتينيّةٌ كأيّام العملِ، وبطلاهُ، مديرُ حساباتٍ بمسلخٍ فترتْ ذراعُه اليسرى عن الحياةِ، وفتر قلبُه الكهلُ عن الحياةِ، ثمَّ دكتورةُ هندسةِ الجودةِ بالمذبحِ نفسه، تحاول أن تلتزم بروتينٍ يقيها عجزَها المرَضيَّ عن التواصلُ الاجتماعيِّ بسببِ متلازمة أسبرغر Asperger. كيف يحدث الحبُّ في كلّ هذا؟ وكيف ينبتُ في جسدين بهذا البرودِ؟ يكتشفُ كلاهما صدفةً أنّهما يحلمان بذات الحلمِ، أعني حرفيّا، وأنّ الظبي(ـة) التي/الذي يراه(ـا) كلُّ منهما، ليس(ـت) سوى الآخر. أو لعلّه(ـا) روحه. يقرّران سويّا الكفاحَ في الواقع، من أجل أن يتعانق الروحان في الحلمِ…


 5 - حيوانات ليليّة Nocturnal Animals ـ توم فورد
كنتُ قد قدّمتُ هذا الفيلم بالتفصيل هنا في بداية هذا العام، وشرحتُ في المقال سرّ حماسيَ الكبير تجاهه. إنّه ليس فيلمًا مدّعيا أو متكلّفا كما يزعمون، بل هو فيلمٌ عن التكلّف في الفنّ والأصالة فيه. هو فيلم عن تلك العلاقة العضويّة التي تربطُ بين القول وصاحبه، وبين الكتابةِ وحبرِها. عبر ثلاثة خطوط سرديّة متقاطعةٍ، يصفُ المخرجُ توم فورد عمليّة قراءةٍ قاسيةٍ قامت بها مديرةُ معرض فنيّ معاصر فخمٍ لروايةِ جريمةٍ كتبها طليقُها وحبيبُها القديم. فيشكّلُ عبر لعبٍ من التماهي والتقابلِ، علائقَ الرواية الخياليّة بماضي الحبيبينِ، ثم يتابع بمكرٍ أثرها ـ القراءة ـ في مستقبلهما… فيلم ذكيٌّ جدا، وأنيقٌ، لم أرَ أكثر منه بلاغةً في الانتصار لفنّ الكتابة القصصيّةِ، وقيمتِها.

 4 - ضوء القمر Moonlight ـ بَارِي جِنْكِنْزْ
قالت لي المرأة العجوز "راكضًا في المكان، قابضًا على حزم من الضوء، في ضوء القمر، الأولاد السود يبدون زرقًا، أنت أزرق! هذا ما سأناديك به، أزرق!"

لم يحدث ـ لو صدّقتُ ذاكرتي ـ أن تحوّل اهتمامُ السينمائيّين بقضايا الأقليّات العرقية والجندريّة إلى الهوس الذي رأيناه في 2017. لقد شاهدتُ مالا يقلُّ عن سبعة أفلام عن العنصرية تجاه السّود في 2017، فضلا عن أفلام الاحتفاءِ بقصص الحبِّ المثليّةِ، وجميعُها أفلامٌ على مستوى عالٍ من الاتقانِ الفنيِّ والأدبيِّ، وإن كان الاحتفاء بأكثرها مبالغا فيه. غير أنّ التّنويهِ بفيلم ضوء القمرِ له ما يبرّره، وفوزه بأوسكار أفضل فيلمٍ مبرّرٌ وإن كان وراءه مساندةٌ ذاتُ طبيعةٍ غير فنيّةٍ لا تخفى على أحدٍ.

قصة ضوء القمر، هي قصة ألوان تغزو مسامّ الصورة وتحيل مأساة البطل إلى ألوان مدينة ميامي الكابوسية الجميلة، لذلك فالصورة هي العنصر الأبرز في الفيلم بلا شك، ولقد استعان باري جنكنز بمبدعين حقيقيين للتعبير ببلاغة الضوء عن مشهد ميامي وهي تحت رحمة الشمس والبحر، زرقة مفعمة وألوان مشبعة وملامح غليظة.

في ثلاثة ألوانٍ تسيّدَ كلّ منها المشهدَ تباعا، ، يتابع جنكنز حياة طفل معدم في شوارع ميامي في الثمانينات، وحكاية تحوله من ليتل Little، إلى شيرون Shiron، ثم إلى بلاك Black الرجل القوي الذي تهابه المدينة. ولئن كان في الجانب الاجتماعيِّ للقصّةِ بعضُ التكلّفِ غير المريحِ، فإنّ الجانب الوجوديَّ فيه متميّزٌ ويستدعي الانتباه. فبعيدا عن طبيعةِ المشاكلِ التي كوّنت دراما شيرون منذُ كان صبيّا، يمكنُ الاهتمامُ بأثرها فيه، وكيف ساهمت في تحوّلاته المختلفةِ، وكيف استطاع في النهاية أن لا ينساق إليها انسياقا تامّا ويتّخذ موقفًا حيال كينونته، فيقرّر ما سوف يكون.

 3 - المربّع The Square ـ روبرت أوستلُند
تأتي السّعفة الذهبيّةُ لهذا العام في المرتبة الثالثة. وهي شجرةُ دعابات ثقيلةٍ أحيانا، ومربكة في أغلب الأحيان، بطلُها الرئيسيُّ أمينُ متحف الفنِّ المعاصر بستوكهولم الذي يكافحُ حتّى يلتقيَ الفنُّ النخبويُّ بالواقعِ اليوميِّ، وحتّى ينسجمَ المثقّفُ في ذاته بالإنسانِ.

إن من الظلم اعتبار فيلم المربع مجرد ردّة فعل انفعالية تجاه الفن المعاصر (كما ادّعى كثيرون)، وليست رحلة في عالمه تحاول أن تفهمه وتشاكسه، ربّما بأسلحته. فالفيلم نفسه أقرب إلى قطعة فنّ معاصرة لا تخلو من عمل تجريبي ولمسات تشكيلية تجريديّة (إبراز شكل المربع في مشاهد مختلفة وعبر عناصر متنوعة من المشهد، التذكير ببعض العناصر في مواضع مختلفة كالتذكير بالغوريلا من خلال قردة الصحفية) ولا شك أنه غزير بأفكار أخرى لا يتسع المقام لبحثها، لكنها ساهمت في تتويجه عن جدارة بسعفة كان الذهبية لهذا العام، ولا شك أنه أحد أجود أعمال هذه السنة.
لقراءة تفصيليّة يرجى الانتقالُ إلى هذا الرّابط.

 2 - بلايد رنّر 2049 Blade Runner ـ دُنِي فِلْنُوفْ
منذ تشرين الماضي وأنا أنتظرُ عملاً يملؤني حماسًا أكثر من هذا الفيلمِ فلم أعثر. ولا شكّ عندي إنّه فيلمي المفضّلُ لهذا الموسم السينمائيّ بانتظار مفاجآت الشهر القادم. ولأنّ جوائز الأوسكار كانت دوما ظلوما تجاه أفلام الخيال العلميِّ، فإنّي غالبا ما أتحمّس لإيفاء تحفٍ كهذه حقّها.

كما تعرفون من فيلمٍ كانت تكملتُه (جزءه الثاني خصوصا) في مستوى التوقّعات؟ أعمال تُعدّ على الأصابعِ. فماذا لو كانت أعلى من مستوى التوقّعات؟ في موسمٍ مليء بالاستعادات والسّوابق واللواحق، بدا عملُ دني، استثناءً عظيما، وأنموذجًا يُتّبع لفيلمٍ نخبويٍّ Arthouse movie وذي ميزانيّةٍ ضخمةٍ Blockbuster في آنِ. ولئن كان شبّاكُ التذاكر متعسّفا معه، فقد تأتي الأعوام القادمة ببعض الإنصاف له، كما أنصفت جزءه الأوّل أعواما عديدةً بعدما عرضَ.

لقد أنجز بلايد رنر 2049 وفق حقيقتين: أنه تكملة لفيلم كلاسيكي، وأنه فيلم قائم بذاته، ولقد عمل فيلنوف على الرقص بينهما رقصًا عبقريًا تجلى في كل العناصر، فهو محافظ ومجدد في آن، فأبقى بذلك على روح الفيلم القديم، وعمل على تجاوزه على مختلف المستويات.
ولقراءة أكثر تفصيلا لهذا العمل، يمكن الانتقال إلى هذا الرّابط.


 1 - لا لا لاند La La Land ـ داميان شازال
حسن، إني على يقين أنّ أغلبكم لن يوافق على هذه المرتبة، وهو أمر أقبله، فالغنائيّات شيء خاصٌّ في عالم السينما، وله جمهوره. لكن أن يُعتبرَ الفيلمُ سيئا أو بسيطا، فهذا قِصرُ نظرٍ أدعو إلى مراجعته.

تقدم هذه الغنائية مدينةََ لوس أنجلِس بين ما تعد به الحالمين وما تبتليهم به، ولقد عبر شازال عن ذلك من خلال الإشارة للكلاسيكيات الغنائية الهوليودية في عصرها الذهبي (الخمسينيات) في إطارات غنائية حاولت أن تكون واقعية بقدر كبير، يشهد بذلك الحوار والسيناريو الذي خاطب نفسه في نهاية الفيلم معلنًا أنه يمثل نقيض الصورة الوهمية التي تخدعنا بها أفلام مثل "أمريكي في باريس" و"مطريات شغبوغ" و"الغناء تحت المطر".

كلُّ شيء في لالالاند موقّعٌ، دقيقٌ، كلُّ شيء يبدو تحت سيطرةِ يدٍ صارمة لا تعبثُ. ورغم هشاشة التعبيرات في وجهِ ريان غوسلنغ، وبساطة كاريزما الحضورِ لدى إيما ستون، فإنّ دقّة المشهدِ وصخبَ الموسيقى يحجبان كلَّ ذلك، ويتركان في نفس المشاهدِ، صدًى راقصا لم ينقطع بعدَ سنةٍ من مشاهدته، ووعدًا بالنّجاحِ ولو بعدَ عناءٍ.
قراءتي للفيلم تجدونها هنا.


أخيرا، أحبّ أن أذكّر ببعض الأعمال التي تستحقّ التجربة وربّما تستحقّ مكانا في القائمة السابقة، خصوصا وأنّها لم تلق حظّها من التنويه. فهناك الفيلم الإيرانيُّ "لِرد" (بمعنى اللورد أو السيد) الذي يصف لنا بعبقريّة كيف يبتلعُ النظامُ الفاسدُ أعداءه. وهناك فيلم السرقة الأبرز لهذا العام لوغان لاكي Logan Lucky، ولا ننسى الفيلمَ السوريّ البلجيكيّ Insyriated والتونسيّ على كفّ عفريت.
 
لقد قدّمت لنا الشاشة الذهبية أشياء جميلة هذا العام رغم كلّ شيء، ولكنّنا نرجو أن يجيء العامُ القادمُ بأيقونات سينمائيّة خالدةٍ تجعلنا نذكره طويلا. كلّ عام وأنتم بخير!

Translate