Friday, May 30, 2014

اللامعقول المعقول و اللامعقول اللامعقول

قد يحدث أن يقابل المرء خلال قراءة (أو مشاهدة) قصة ما (رواية، فيلم، مسرحية، أو أي عمل فني يصوّر حكاية ما) أمرا لا معقولا، أو لا ينسجم مع بقية السيناريو. أعتقد أن الحكم على هذا "اللامعقول" في العمل الفني يختلف بحسب طبيعة العمل، و بحسب تعامل المبدع (القاصّ، المخرج، المسرحي الخ) معه.
لا أتحدث هنا عن اللامعقول الذي يتبناه العمل أصلا، و يعتمد عليه، مثلا كإعادة الديناصورات في "الحديقة الجوراسية"، أو ثورة الآلة التي تتميز بالذكاء الصناعيّ في الكثير من أعمال الخيال العلميّ، أو مختلف المسائل العجائبية في روايات "هاري بوتر" .. هذا النوع من اللامعقول يؤسس للعمل نفسه و لا يمكن تقبل العمل بدونه، أحيانا ـ كما في نوعية قصص هاري بوتر ـ كلما زاد العامل العجائبيّ، كلما ازدادت متانة الرواية و تميزها. إنما أتحدث عن لامعقول في سياق العمل الفني نفسه، و في اطار قبولنا بافتراضات العمل و شروطه.
 
يكون حينها اللامعقول مقبولا، إما لأنّ العمل نفسه كوميديّ الشكل، أو يعتمد في أسلوبه على المبالغة أو الإفراط في اللامعقول، فهذا قد يثبت أن اللامعقول هنا مقصود و مراد و ليس عفويا.
أما حينما يكون عفويا، فيمكن تقبله حينما يُبدي المبدع وعيا بلامعقولية ما قدمه، إما بطريقة ضمنية و إما مصارحة. أما غير ذلك، فلا يمكن اعتباره إلا ضعفا في متانة العمل، خصوصا إذا قامت الأحداث فيما بعد على ذلك "اللامعقول"، إذ كلّما اعتمدت الحكاية عليه كلما وهنت.
الحكاية قالب العمل الفنيّ و متنه، فالرواية أو الفيلم ليسا مجرد حكايات و حسب، و هذا أمر مفروغ منه، لكن من قال إن الشكل أمر ثانويّ؟ و ما يفرق بين العمل الفنيّ و بين المقال الفكريّ أو الفلسفيّ الجاف غير "الشكل"؟

الأمثلة تحتاج إلى دراسة و جرد دقيق للكثير من الأعمال، سأحاول أن أستحضر بعض الأعمال المعروفة على الأقل و أغلبها من عالم السينما. سأبدأ بمثال عن اللامعقول المقصود المراد، أجل Kill Bill كما خمّنتم و سينما تارانتينو بشكل عام غنية بهذا النمط، في فيلم Kill Bill تقاتل The Bride عصابة الـ 88 بمفردها في مكان مفتوح تقريبا، لا اختباء، لا هروب، فقط بعض المناورة و الكثير من الدهاء، و كاتانا قاطع من إهداء الأخ هتّوري هنزو. أعتقد أن طلقة رصاص واحدة كانت كافية لانهاء الفيلم هنا، لكننا نعلم جيدا أن تصوير مشهد قتال على طريقة الساموراي و بهذا الحجم هو أصلا من غايات الفيلم، ثم إن سياق المشهد يجعله ايحاء للسينما اليابانية القديمة ما يجعل اللامعقول حقا هو أن لا يتمكن البطل من انهاء مبارزة مستحيلة لصالحه. في سياق كهذا، يصبح اللامعقول معقولا جدا، بل و أساسا للعمل الفنيّ.

في نفس الفيلم أيضا، أمر آخر لامعقول تجاوزه الكاتب عبر التصريح بلامعقوليته، و هو نجاة البطلة من طلقة مباشرة و قريبة في الرأس. و في الواقع يمكن أن يحدث ذلك في حالات شديدة الندرة، ربما ليس عبر اصابة مباشرة و قريبة بهذا الشكل، أهمية هذا الحدث في السيناريو، أنه الحدث الذي يقوم عليه العمل كله تقريبا، لكن الكاتب نوه جيدا بلامعقوليته عبر مختلف الشخصيات التي عبرت عن اندهاشها من نجاة البطلة، ما جعل اللامعقول ممكنا.

أما عن اللامعقول الذي يمكن أن يعبر عن وهن أو تهاون، فيمكن العودة إلى أخطاء "حرب النجوم" الكثيرة، و أهمها الانفجارات التي تصمّ الآذان في قلب الفضاء، و هي أمور يصعب غفرانها لعمل يصنف كخيال علميّ. فلا يوجد في سياق الحكاية ما يوحي بأننا نتحدث عن فضاء غير الفضاء الذي يسبح فيه درب اللبانة، أو أن فيزياءه غير فيزيائنا، و هو لامعقول ليست له انعكاسات سيئة على بقية الأحداث، لكن له انعكاس سيّئ في التقييم.

لو عدتُ إلى تحفة تارانتينو Kill Bill مرة أخرى، فسأذكر في "المجلد الثاني" قنص Budd للبطلة من وراء الباب، حيث أصابتها القذيفة في صدرها تماما، و ألقت بها عاجزة عن الحراك. المفروض أنها حينما دفنت، كانت بحالة صحية سيئة، تنزف على الأقل، لكن بدا أن تارانتينو نسيَ ذلك تماما، كما يفعلون في الصور المتحركة. حينما خرجت من التابوت (بقوة يحسدها عليها الأصحاء) لم يبد أنها تعرضت لطلقة بندقية أبدا!

أما اللامعقول الذي قد يعصف بالقصة تماما، فتستحضر ذاكرتي فيلم The Sting الشهير، بطولة Redford و Newman حيث تقوم كل القصة حول عملية تحيل ضخمة تستهدف أحد الأثرياء المقامرين. تقوم عملية التحيل على محل قمار وهميّ، كل شيء متقن، و كان هناك اتفاق مع الكثيرين لتحضير العملية، حضور وهميون، كتابة عامة، مقامرون، شرطة، الخ، الغريب في الأمر أن المقامر و هو شكاك بطبعه، لم يسأل عن الإذاعة التي تنقل سباقات الخيل من داخل المحل، جاؤوا بمذيع محترف يحفظ تماما ما يجب أن يقال لكن أيكفي ذلك ليصدق أن هناك سباقا لا ينقله غير ذاك الراديو، و لا توجد أخباره في الجرائد و الاذاعات؟ كان من الممكن تجاوز اللامعقول عبر التعبير عن استغراب البطلين من انطلاء اللعبة على الرجل. لكن ذلك لم يحدث.

فيلم The appartement الحائز أيضا على الأوسكار، يقوم أساسا على فكرة شقة موظف بسيط باتت مطمع جميع رؤسائه في العمل، و المسألة طبعا رمزية جدا، و تحمل معان كثيرة، لكنني أعتقد أن الأمثولة مهما بلغت درجة عمقها فهي تعتمد أساسا على متانتها الداخلية، و في أمثولة The Appartment نجد أن أيا من رؤساء البطل، كان قادرا على منح نفسه شقة كتلك، أو على الاقل شراء تلك الشقة نفسها، و اجبار البطل على العيش في مكان آخر. مرة أخرى كان بالامكان تفادي هذه المسألة عبر مبادرة البطل مثلا باقتراح بيع الشقة و ايجاد سبب مناسب للرفض.

فيلم Equilibrium يقوم أساسا على فكرة اختفاء المشاعر من الناس لأنها سبب مشاكل البشر. لا وجود للمشاعر تماما في هذا العالم، مع ذلك يرفع أحدهم صوته، بينما يتساءل الآخر حانقا، و يرتاب آخر في تصرفات البعض.. هذه مسائل تعصف بالفيلم تماما و تجعل من متابعته عبثا تقريبا.

اللامعقول اذا ليس ضعفا بحد ذاته، و إنما طبقا للسياق الذي جاء فيه، و مهما عظمت أفكار النص أو العمل، و مهما حضرت الرمزية في صوره و أحداثه، فإنّ للشكل قيمته، و إن للقصّ صنعته التي لا يجب أن يتهاون فيها. و التركيز عليها ليس سطحيا و لا اقتصارا على "القصة" كما قد يقول البعض و إنما تأكيد على قيمة الشكل في تبليغ المحتوى، و الا فلم اختيرت القصة شكلا للتعبير؟ 


Saturday, May 10, 2014

اللغة البسيطة

تلقى هذه الكلمة خلال تقديم "الخروج عن الخط" في بنزرت الذي استضافته ودادية قدماء معاهد بنزرت .

 
أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، تحية تتجاوز جوعا سوسيولوجيا للسلام بما هو هاجس يتشكل عبره المجتمع و ينفرط، و بما هو معنى قاعديّ لا يفي بما ينتظره المرء من ودّ و شوق و حماس للقاء في عبارة مقتضبة، تحيّة تتجاوز أملا مبهما بالخير اطلاقا و تعميما، لا لتجاوز الصور النوعيّة أو النمطية للخير، حبيسة التاريخ و الجغرافيا، و لكن لقصور في رؤية الخير نفسه، و تكاسل يحول دون أن نعنيَ حقا ما نقول. أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، و أن أسوق من ورائها حديثا ـ كهذا الحديث ـ معقد التركيب، مكثّف اللغة، متداخل العبارة، يشقّ على السامع و ينهك القارئ، حتّى إذا بلغ معناه، لم يجد غير تحيّة ضمنية تعبّر عن سعادة القائل و عجزه عن ايجاد قول بليغ.

لماذا تعقيد الأمور اذا؟ لماذا نجنح إلى أن نقول في خمسين سطرا ما يمكن أن يقال في عبارتين بسيطتين؟ قد تكون اللغة أداة للتورية بقدر ماهي أداة للتواصل، لكن هذا الضرب من التعبير (أعني الذي يعتمد أساسا على التعقيد و البهرجة) ليس فيه لا تورية و لا إخفاء. و إنما ـ كما بدا لي دائما ـ لا يعمل إلا عمل البدلة الأنيقة التي قد تخفي بساطة صاحبها. و المحتوى إذا كان بسيطا فلن تفلح في انقاذه البهرجة.
و حينما بدأتُ في إعداد "الخروج عن الخطّ" في 2012، كان تساؤل "بأية لغة سأكتبُ" يتردّد في ذهني كلما ازداد الكتيبُ سطرا جديدا. إن اللغة ـ لغتنا ـ لا تكاد تتغير في كتبنا، بينما الناس يتغيرون، القراء يتغيّرون، و العالم لا يكتفي بالتغير، بل كأنه يولد من جديد في كل مرّة ظننا أننا نسايره. و بينما رمّم الكاتب في المشرق طريقه إلى القراء من جديد، لا تزال هوّة لغويّة تفصل الكاتب في المغرب العربي عن قارئ يتذكر أنه عربيّ مرة كل عشرة كتب فرنسية أو عشرين.

الكتابة باللغة العربية في تونس باتت عملية ملغومة ـ في زمن الألغام ـ من كل جانب، أما كتابة القصة فبعضهم للأسف لا يزال يعتبرها عبثا، و مسألة ليس فيها الكثير من الجدّ، و هذه قضية شائكة أخرى. أذكر أن أحد الصحفيين علق ساخرا على صدور عمل روائيّ : "بعضهم يجهد نفسه في تحليل الخارطة السياسية، بينما لا يزال هؤلاء يتسلون بالقصص". تخيلوا إذا معنى أن يكتب أحدهم قصصا، و باللغة العربية.
و بعيدا عن قيمة أدب القصة، و ما سببه افتقارنا ـ كشعب ـ إليه و إلى مادته من رداءة نراها في كل مكان من حولنا تقريبا، فإن اللغة هي خطّ المواجهة. فأغلب القراء العازفين عن الكتابات العربية، تعاني علاقتهم بلغتهم الأم من سوء فهم تاريخيّ. و لقد لمستُ ذلك من خلال اندهاش بعضهم و هو يجد يسرا في قراءة الكتاب و ربما الاستمتاع به.

في زمن ظهر فيه المنادون باستقلال اللهجة التونسية كلغة قائمة بذاتها (و أنا أحترم آراءهم لكنني أحاربها بشراسة) من الضروريّ على اللغة أن تثبت قدرتها على احتواء لهجاتها المتعددة و المتنوعة. و العامية التونسية كلهجة عربية في نهاية الأمر، تحاول بفعل هذا العصر المريض أن تنحرف عن جذورها، لذلك كان تفاعل شخصيات الكتاب في ما بينها، تذكيرا بصلة الرحم هذه، و محاولة لرأب الصدع بين أم و ابنتها، أو بين أخت و أختها. و هو ليس ابتكارا بقدر ما هو اختيار، بما أن استعمال اللهجة العامية ليس جديدا على الكتابات العربية، لعلّ أشهرها أعمال يوسف إدريس أو رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم.

إن تبسيط اللغة لا يعني تبسيط الشكل، فالمبنى و ان ارتبط بالمفردات المعتمدة، و العبارات المشكّلة، يتجاوز ذلك إلى بنية النصّ، أو ربما إلى النص نفسه. تتحول القصة إلى فضاء تتشكل فيه الأفكار، أو الأسئلة أو المعاني. لذلك لاحظتُ أن الخروج عن الخط كان أحيانا مراوغا قد يدّعي بساطة ليست فيه دائما. ممّا ينتج عنه سوء فهم كان يمكن تفاديه منذ البداية. إنني لا أدعي هنا إن هذا النص عميق موغل في العمق أو ثري بالغ الثراء، فقد يكون سوء الفهم منبعه قصور في التعبير أو خلل في التبليغ، لكن ملاحظتي المستمرّة لتفاعلات القراء مع النصّ، تدفعني إلى الاعتقاد أن بساطة اللغة تفهم أحيانا على أنها بساطة في النصّ نفسه، فيتهاون القارئ في قراءته و الحال أن الكاتب، شابّ، يافع، صغير، مبتدئ، قاصّ، يخطو خطوات الأولى في عالم الكتابة، إلى غير ذلك من الأوصاف.

الخروج عن الخط تجريب في اللغة، مثلما هو تجريب في القصّ، فالأقصوصات العشر التي ستواعدونها واحدة واحدة هنا، تختلف كلّ منها عن الأخرى تماما في نمط السرد و في أسلوب الكتابة، لذلك لا تقنطوا إن خاب أحد المواعيد، فلعلّ الموعد التالي هو ما كنتم تنتظرون.


There was an error in this gadget

Translate