Friday, March 20, 2015

ولد الدولة

خبر.
كنّا في محلّ العمّ "ساسي حلاّق الأحباب" حينما دخل علينا خليفة بن عمر ممتقع الوجه، زائغ العينينِ
 و هتف : الرئيس قادم! الرئيس قادم لزيارتنا! سأله العمّ نور الدين في دهشة حقيقية : رئيس البلدية؟ فصاح فيه : بلدية ماذا أيها الأبله؟! رئيس الجمهورية قادم إلى المدينة!

و بعد أن جلس و استغفر و شرب من الماء ما يعيل جملا، تنهّد و قال : دعاني سي الهاشمي مدير مأوى العُجَّز إلى مكتبه، و كنتُ أعلمُ أنّه كان في اجتماع بدار الولاية، قصّ عليّ خبر الاجتماع فقال : ذهبتُ إلى الولاية، فلقيتُ محفلا لم ألق مثله قطّ، و شعرتُ برهبة لم أشعر بمثلها منذ امتحان الباكالوريا. غرق بيَ المقعد بين ممثّل ثكنة الجيش بالمدينة، و رئيس منطقة الأمن بها. دعانا الوالي للترحيب بالسيد وزير الشؤون الاجتماعية. تخيّل يا خليفة! كنت أمام السيد الوزير شخصيا، أنت لا تفهم هذه الأمور، فلست ولد الدولة مثلي، لم أشعر إلا و أنا أهرع إليه مسلّما و مرحّبا، قدّمتُ له نفسي، و لولا أن حدجني السيد الوالي بنظرة صارمة، لشرحتُ له كم إنّ وجوده مهمٌّ و مفيدٌ لنا في هذا الوقت العصيب، لكنّني قررتُ أن أرجئَ الأمر إلى ما بعد الاجتماع.
قال لنا السيد الوالي : سيادةُ الرئيسِ قادمٌ إلى مدينتكم في زيارة فجئيّة لدار المسنين، و علينا أن نعدَّ لهذه الزيارة جيّدا. لقد اقترحتُ على سيادته أن يزور مستشفى بمركز الولاية، حتّى لا يشقّ عليه الذهاب إلى مدينتكم الصغيرة، لكنّه أصرَّ أن يزوركم حتّى يؤكد أنَّه ابن الشعب كلّه و أن لا فرق بين هذه المدينة و تلك. المهمُّ أن مهمتنا ستكون أكثر عسرا، فمدينتكم تعاني من نقائص كثيرة، و يجب تلافيها في أيام خمسة تقريبا.
و سأل رئيس الشعبة وسط المدينة في بلادة : و هل تندرجُ الزيارة في إطار حملة سيادته الانتخابية؟
فنظر إليه مدير المستشفى الجهويّ شزرا و كان عضوا في التنسيقيّة الجهوية للحزب : سيادته لا يحتاجُ إلى حملة انتخابية أصلا، فليس له منافسون!
و تدخّل غريمُه المندوبُ الجهويُّ لوزارة الصحة : المنافسون الحقيقيّون هم وسائل الإعلام الأجنبية الحاقدة على نجاحات بلادنا، و يجب إسكاتهم.
و قبل أن يتدخّل كان الوالي يهتف في صرامة : رجاءً يا سادة! كفّوا عن الحديث في السياسة فأنتم في دار الولاية!
ثمّ إنّه قسّم المهامَّ بين الحضور كلٌّ بحسب خطّته، و كان عليّ التكفُّل بتأهيل الدار لتليق بزيارة سيادته.
فما إن أنهى "الهاشميُّ" حديثه حتى سألتُه في جزع : و هل طلبتَ مالا لصيانة المكان و تجهيزه؟ فأجابني في جزع مماثل : و كيف تريدني أن أطلبَ و الوزير هناك؟ لقد أخرج تقريرا عن ميزانيتنا، و قال إنّه على ثقة من حسن تصرّف "ولد الدولة" في المال العموميِّ، فأخرسني تماما!
و ساد صمتٌ ثقيلٌ جثم على قلبينا، قلتُ له في توتّر : لا يمكنني أن أعيدَ المال الذي استعرته من خزانة الدار الآن، لقد اشتريتُ موادّ البناء بالفعل، و ابني على أبواب الزواج. لكنّ الهاشميّ قال و قد حسم أمره : أمّا أنا، فسأتدبّر المبلغ كيفما اتّفق، و ما عليك كرجل دولة إلاّ أن تجلب ما أخذتَ، و أنا واثق أنك لن تُعدم الوسيلة. أنتَ تعلم ما أنا قادر على فعله! فلا رفقة و لا ندامة في المسائل الرسمية!
و ابتلع خليفة بن عمر ريقه، و قال لنا : لم يبق لنا وقت كثير على الزيارة، و أنا على يقين من تضامنكم و تفهمكم. و أعدكم، أنا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، أن أسدّد ديونكم حالما نستلم أموال الميزانية القادمة!

خبر.
حدّثني الأسعدُ عضوُ وحدات التدخل عن تلك الأيام فقال : اِنتشر خبر الزيارة الرئاسية بين الناس بفضل السوق الأسبوعية، و كنّا لا نزال نتباحث الخطّة الأمنية. و مع ذلك، فلقد كان تحرُّكنا ناجعا و محكما. لم تغرب شمس يوم الأحد حتى انتشرت فرقنا بين الأحياء الساخنة، و أخرجنا منها من أخرجنا من الصعاليك، و تجّار الحشيش و الخمر و اللصوص و الجائرين. كانت التعليمات تشدّد على تنظيف المدينة تماما، تحسّبا من أيّ انفلات أمنيّ ممكن أو غير ممكن. حتّى ذلك الفتى الهائج ولد الحمداوي، لم يفلت من قبضتنا الحديديّة. كيف عثرنا عليهم؟ هذه بسيطة، فنحن نتعامل مع أكثرهم بالفعل، نسكت عن بعض تجارتهم، و بعض أعواننا مورّطون معهم، و هذه الورطات ضرورية لمثل هذه المواقف. إن علاقة البوليس ببؤر الفسادِ معقدة و لا نكادُ نحن نفهمها، فما بالك بالمواطن البسيط؟ لم نكن نريد الزجّ بهم في قضايا حقيقيّة، فسجن هؤلاء مرّة واحدة قد يخلّ بالنظام، و يخلق لنا مشاكل لا نرغب فيها، كما أنه لن يوقف الإجرامَ، بل سيمنح الفرصة لظهور مجرمين جدد لا أكثر.
تمكّنت الحملة من إيقاف أكثر من مائتي شخص، تفرّقوا بين مراكز الإيقاف في الولاية، بتهم وهمية، و أوصينا بإخلاء سبلهم في نهاية الأسبوع، أي بعد الزيارة التاريخية. كنّا نعتبر نجاحنا سابقة تاريخية لافتة للنظر، لكنّ رئيس منطقة الأمن لم يكن راضيا، أمرنا بإجراء حملات أمنية على المقاهي و اعتقال العاطلين الهاربين من الخدمة الوطنية. فهؤلاء القومُ يحبّون استغلال هذه المناسبات لإحداث الشغبِ و إيهام أعداء الوطنِ بأزمة تشغيل لا وجودَ لها.
كان رئيس المنطقة ذا رأي سديد و حكمة لا تنفكُّ تعلّمنا الكثير. جرت الحملة الثانية كما ينبغي أن تجريَ، و داهمنا المقاهي و جلسات الخمر الجبليّة، و جلسات أخرى لا داعيَ لذكرها، و في ختام الحملة، دعانا رئيس المنطقة إلى إكمال المهمّة التاريخيّة و تنظيف الشوارع من المجانين، و السكارى، و أولاد الشوارع، و المتسوّلين، مخافة أن يظهر أحدهم في طريق سيادته، أو يمرّ من هناك عاريا، فهم كما تعرف، ممّن لا يؤمن جانبه. كما أوكل إلينا مساعدة أعوان البلدية، في القضاء على الكلاب السائبة. هكذا قبل يومين من الزيارة، صارت المدينة ليلا خلاءً مطبقا كأنّ مقبرة النصارى القابعة عند تخومها، قد امتدّت على كامل شوارعها.

خبر.
كنّا جالسين في مقهى التعارف وسط المدينة، فرأينا "سالم الشلغومي" عضو المجلس البلديِّ مارّا فدعوناه للجلوس، و سألناه عن سرِّ ما يحدثُ في المدينةِ. ارتشف من قهوة أحدنا، و أشعل سيجارة و قال مبتسما : الرئيس قادمٌ، و وجه المدينةِ هو وجهُنا نحنُ، بل رقبتنا. لم يكن بإمكاننا إعدادُ المدينة كلِّها في هذا الوقت الوجيزِ، و نحنُ كأبناء للدَّولة تعلّمنا دائما أن نتصرَّف وفق ماهو متاحٌ. قرّرنا أن نركّز عملنا على مدخل المدينة، و المسار الذي قد تمرُّ به القافلة الرئاسية، وسط المدينة، و عند شارع المستشفى حيث توجد دار المسنّين. كانت أموال البلدية كلّها مقسمة في شكل اعتمادات لمشاريع تنتظرُ دورها، تعبيد مسالك ترابية، إنارة أجزاء من أحياء في المدينة، إيصال الماء لبعض الضواحي الريفيّة، مساعدات لبعض المدارس و الجمعيات الرياضية، تظاهرات ثقافية و أنشطة للأطفال متنوعة.. كما تلاحظون أغلب هذه المسائل ثانوية و لا لزوم لها، لذلك ارتأينا أن نسحب التمويلات من هذه المشاريع، و نشرع فورا في إعادة تعبيد الطريق بين مدخل المدينة و المستشفى، الطريق جيّدة بالفعل، لكنّنا خشينا أن تخضَّ الرئيسَ و هو في السيارة، فيظنَّ بنا الظنونَ. لم ننسَ جوانب الطريق، فزرعنا المشاتل، و أزلنا الأوساخ، و أعدنا صنع تلك العلامة المضيئة المهشّمة المرحّبة بالقادمين. لقد تغيّر وجه المدينة بالكامل مع حملة النظافة المكثفة لوسط المدينة، و تعليق اللافتات المبتهجة المرحّبة. تكفّلت الشُّعَبُ الحزبية بصياغة اللافتات و تعليقها، مع أشرطة الأعلام الصغيرة، و صور الرئيس، و أشرف رئيس الشُّعبة نفسه على التجوّل وسط المدينة بالعربة ذات البوق، و هو يخطبُ و يحثُّ الناس على إنجاح الحدث العظيم. ألم يمرَّ من هنا؟ أومأنا إيجابا فواصل قائلا : لقد اكتشفتُ خلال الحملة، أنّ المدينة تؤثر على أهلها بقدر ما يؤثّرون عليها. لقد شهدتُ تغيّرا في قسمات الناس و نبراتهم، كأنّهم هم الذين تزيّنوا، و تطهّروا و لبسوا الزهورَ و الأعلام. و رغم الحملات الأمنية المكثفة، فلم نرَ من الناس إلا الحماس و الاستبشار و استعدادهم لتجاوز بعض الحوادث العرَضيّة المؤسفة. سألناه : و هل حدثت أمور مؤسفة؟ فأجاب و هو يدعس ما تبقى من السيجارة على المنفضة : الناسُ تستيقظ صباحا، تعيشُ النهارَ و من أجل ذلك النهارَ، نرتّب كلَّ سوءٍ نضطرُّ إليه ليلا. علّمتنا الدّولة أن لا نُقحمَ الشعبَ في عملنا، فلا يرى منه إلا النتيجة الرّائعة المتقنة. و ها أنتم أولاء ستلحظون اختفاء الكلابِ السّائبة تماما من الشوارع، فلا خوفَ و لا ترويعَ. بالأمس كان أعوان الفرق البلدية مع بعض الأمنيين يمشّطون طريق الجبل بالقرب من المستشفى، لقنص الكلاب السائبة. كان ذلك السكّير "عمر الزرقة" مارّا بكلبته الشهيرة التي يصرّ على تسميتها "الأسعد"، فأثار مشهده انتباه الفرقتين، فالبوليس مهتمّ أيضا بإيقاف المتسكعين من أمثاله. أطلقوا النارَ فأصابوا الرجلَ، لكنّ الكلبة ظلت هناك حتّى ألحقوها بصاحبها. سجّلت الجريمة ضدَّ مجهولٍ فلحسن الحظِّ ليس للرجل أهلٌ، و ذهابه خطأ لا يجب أن يتحمل وزره رجلٌ معيلٌ.
و سكتَ سالمٌ ثمَّ قالَ : لقد كان الأطفال يهابونَ الرجلَ و هيئته المريبة، و لن يحسَّ أحدٌ برحيله. لكنّ الجميعَ يحسُّ أنَّ فرحة المدينة هذه المرة ليست عَرَضيّةً، إنه الخلاصُ!

خبر.
لم يكن العمُّ حمد بائع العطورِ يشاركُ الناسَ حماسَهم بما يحدث، قال لي و هو يلقي بصحيفة اليوم في امتعاضِ : هذه مسرحيّة مضحكةٌ. لا أحدَ يتحدّثُ عن الزيارة في الصحف، كأنها حقا زيارة فجئية، ثمّ يبثّون في شريط الأخبار مشاهد المواطنين الهاتفين بحياته، و الحواجز الأمنية كأنّما أعدَّ كلُّ شيء ارتجالا. هذه مسخرة وطنية. و هذا الشعب الذي بلغ درجات من الوعي يصدّق أن الرجلَ قادمٌ و بيده مفاتيح الجنة؟ يظنّون أنه قادم و في يده عصا السلطة السحرية التي تصنعُ العجبَ العجاب. كيف لا و هو أرفع شيء ممكن في الدولة؟ سوف يأمر و ينهى، سوف تنبتُ المصانعُ في كلّ شبر فارغ يعترضُ طريقه، و سوف يخلع كلُّ ضرس فاسدٍ في إدارة لا تقوم بعملها، و سوفَ تنهال أموالُ المساعداتِ بجرّة قلم مباركة. هراءٌ! مسرحيّة لا يصدّقها إلا هذا الشعبُ الأحمقُ. اُنظر إليهم يتوافدون كالجوعى على الكتبة العموميّين، نساء و عجائز، و حتّى بعض الشباب الذين لم يتعلّموا من المدرسة غير التهكّم على المعلّمين، كلّ منهم يعدُّ شكايته، و يجهّز مظروفه الذي سيدسّه في اليد الرئاسية المباركة. نحن في مدينة تفتقر إلى الشعور بالانتماء، و إلا لكنّا حللنا مشاكلنا لوحدنا من دون الحاجة إلى الأب الحنون المنقذ. و كأني بالمدينة تجمع فوضوي ضخم و عارض، لا أحدٌ ينظر إلى الآخر، و لا  أحدٌ يهتم بما حوله، الكل يتطلع إلى الشاحنة القادمة بالمعونة، أو إلى الزورق الذي سيعيدُه إلى وطنه الحقيقيِّ... نحنُ لسنا شعبا، بل تكدّس ضخم للاجئين!
أزعجتني كلماته، لكنّني تذكرتُها حين مررتُ ليلة الزيارة بطريق المستشفى. كانت الطريق مغلقة على المارّة، تذكّرتُ سالم الدريدي إذ قال : لن نتركَ شيئا للصدفة، سنغلق الطريق ليلة الزيارة حتى نحتفظ بنظافتها، علّقنا حاويات القمامة طبعا، و سنزيلها فيما بعدُ لنستعملها في مناسبات قادمة. لقد علّمتنا التجاربُ أنَّ الاحتفاظَ بها عندنا أفضل من تركها للتلف بيد الشباب أو للسرقة بيد المتاجرين بأي شيء. أمّا زوار المستشفى، فيمكن أن ينتظروا لليلة على الأقلّ. لقد كنّا متفهّمين و سمحنا للحالات العاجلة بالمرور. نحنُ أبناء الدولة، خير من يقدّر الأمور حقَّ قدرها!

خبر.
حدّثني فاروق ابن حيّ النّجاح قال : كنتُ فتى آنذاك فتى صغيرا أدرسُ بمعهد قريبٍ من المستشفى. جاءنا المديرُ و قال لا دروس اليومَ، فمن شاء أن يرجعَ إلى بيته فليفعل، و من شاء رؤية الرئيس فسننظّم مسيرة إلى هناك. لكنّه أكمل بقية كلامه للريح، فقد كنتُ و باقي الفتية قد غادرنا بالفعل إلى طريق المستشفى، ظننّا أنّا سنسبقُ الجميعَ، فإذا بخلق الله كلّهم هناك، و كانوا في أغلبهم من النساءِ و العجائزِ و أبناءِ الحزبِ و المناضلين القدامى، فهمتُ لماذا لم يدعُ المعتمدُ المصانع أن تخليَ سبيل العاملين، فالمكانُ لا يتّسعُ.
كانت الأسئلة كثيرةً تملأ رؤوسنا جميعا. حاول بعضنا الاحتفاظ بها لنفسه و أطلقها الآخرون في شكل إشاعات أو نكاتٍ حتّى لا يتركَ نفسه مدعاة للتندّر. سمعتُ أحدهم يقول : سمعتُ أنه سيمرّ في سيارة مصفّحة. و هتف آخر : بل سيمرّ من فوقنا بالمروحيّة. و اندفعت أخرى تقول في ثقة : أنتم لا تفهمون كيف يفعلُ الرؤساءُ. إنّ له شبيها سيبعثه مكانه، ألم تسمعوا عن الخمسين شبيها لصدام حسين؟ فأجابها أحدهم ساخرا : لا أعرف إلا أربعين فحسب.
و غرق الناسُ في نظريّات لا أوّل لها و لا آخر، حينما اندفعت فجأة في المكانِ سيارات سوداءُ رباعية الدفعِ، و خرج منها رجال كالشياطين حبسوا الأنفاس بأزيائهم السوداء المرعبة، و أسلحتهم الضخمة. أمسك كلٌّ صاحبه، و قرأ بعضهم المعوّذتين، و سرت في النفوس رهبة، و تهامس البعض بالإسم الرهيب "النمور السوداء!" و تأكد أنّ الرئيس على بعدِ أمتار. لا نعرفُ كيف ذاب هؤلاء القوم، و لا من أين نبتوا، لكنّ الأعناق اشرأبّت إلى ما وراءَ سياراتهم، التي واصلت طريقها. تعالى وقع موسيقى نحاسيّة، و ظهر في الطريق مصوّرون، و فرقة "الماجورات" بالمدينة، بأزيائها البيضاء و الحمراءِ، فامتصّت رجفة الخوف و أعادت الناس إلى الطابع الاحتفاليّ للموقف، فتعالت الزغاريد من كلّ مكان، و سرت عدوى الهتاف في قلوب الناس، فانهالوا على الحواجز ينشدون رؤية رئيس الدولة، و اختلط الهتاف بحياته، بصراخ من اختنق من الدفع و الحشر بحياته هو. لقد انقلب المكان في لحظة إلى مهرجان هستيريّ يسيل لعاب أيّ طبيب نفسانيّ. كنتُ أجاهدُ لأتنفّس و أتطلّعَ إلى ذلك الرجل الذي طالما رأيتُه في التلفازِ. كان قصيرا، يتطاير شعره بفعل الريح، فيعيد ترتيبه بأصابعه المشعرة، ثمّ يؤدّي بيده تلك الحركة المسرحية الشهيرة (أعصركم بيديَّ هكذا، و أضعكم في جيبي هذا) و لا ينفكّ يردّدها بشكل مرَضيّ.
رأيتُ رجلا في الجهة المقابلة يكادُ يغمى عليه من الهتافِ. أليس هذا العمّ حمد بائع العطور؟ كان الرئيسُ يقتربُ من موضعه، و الأمنُ يحاول أن يحول بينه و بين المواطنين. فجأة، قبضت يد العم حمد على اليد الرئاسيّة، فلم يجد "ابنُ الشعبِ" بدّا من أن يصافحه، و يأخذَ عنه المظروف الذي قدّمه له. زادت الهستيريا، و ارتفعت الأيدي بالمظاريف، فابتسم "سيادتُه" و هو يبتعدُ عن جانب الطريق، و أشار لأحد أعوانه، فراحَ يجمع شكايات رعاياه الشاكرين.
فيما بعد حكى لنا العمُّ منصور، كيف اقتحمت قوّاتُ الأمن منزل العمّ حمد، و أخرجته وسط صراخ زوجته، و أوسعته ضربا و شتما، لأنّه عرّض خطّتهم الأمنية للفشل، و كان يمكن أن يعرّض حياة سيادته للخطر. لكن هذه تفاصيل ثانوية...
حينما اقترب الرئيسُ عن المستشفى، حاول الناس متابعته لكنّ الأمن منعهم من التقدّم، فأجبروا على المغادرة، و كنتُ من بينهم. لم أسلّم الرئيس مظروفا، و لكنّني على الأقل، فهمتُ من أين يأتي كلُّ أولئك الناسُ الذين يرحبون بالرئيس أينما حلَّ. لقد كدتُ وسط هستيريا الجماهير أن أشاركهم الهتاف!

خبر.
كنّا كعادتنا عند حلاّق الأحباب حينما دخل علينا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، و كنّا ننتظره بعدما رأينا ما رأينا من زيارة الرئيس لهم في نشرة الأخبار. طلبنا منه أن يفصّل لنا الخبر فقال : كنتُ مع المدير أمام دار المسنين، حينما طالعنا الركبُ المباركُ. كان الهاشميُّ أشبه بعريس في كسوته الجديدة و حلاقته الأنيقة، و العطر الخانق الذي يضوع منه. أسرّ إليّ أنه دهن يديه بمرهم يمنع التعرّق فهو كما قال "ابن الدولة" و يقدّر المقامات حقّ قدرها، و يقرأ حسابا لكلّ شيء. طلب منّي أن أراقب و أتعلّم، و كذلك فعلتُ.

سلّم على رئيس الدولة في حرارة، و دعاه إلى الدخول مبادرا : كما ترى يا سيادة الرئيس، فالحديقة متنفّسٌ هامٌّ لآبائنا، حاولنا أن نجعلها منشرحا للصدور. تأمّل الرئيس اللون البنفسجيّ الذي أغرق كلَّ شيء، و كاد يذهب بخضرة النبات، و لربّما لعن في سرّه ذلك اليوم المشؤوم الذي اعترف فيه بحبه لهذا اللون. أومأ برأسه موافقا في صمت، فواصلنا جولتنا، و الهاشميُّ لا يكفُّ عن الحديث و الشرح.
كنّا نتظاهر بالتجوّل عشوائيا، و لكنّ المسار كان مخطّطا له مسبّقا. دخلنا إلى المطبخ، كان كلُّ شيء يشعُّ ببريق لم تعرفه الدار منذ نشأتها. و الحقيقة أنه لولا نضب المالُ من الخزينة، لغيّر الرجلُ جليزَ القاعة. تناول الرئيسُ إحدى أواني الطبخ، رأى ملصق الثمن الذي نسي الطبّاخ اللعينُ انتزاعه، لكنّه تجاهل الأمر و قال مبتسما : ماعون نظيفٌ. ثمّ استدار إلى الطبّاخ المتأنّق و سأله : و ماذا ستطبخُ لهم اليوم سي الشاف؟ تهلّل وجهُ الفتى كأنه أدرك لتوّه أنه سيخاطبُ الرئيسَ و قال في حماس : سيدي الرئيس، اليوم سنعدُّ لآبائنا حساءً بالدجاج، و أرزا، و لن نبخل عليهم باليوغورط و الغلال. و الحقيقة أنّنا تباحثنا طويلا بشأن أكلة اليوم ممّا يجدر بالدار أن تقدّمه فيبدو مثاليا و غير مبالغ فيه. و لقد فوجئنا أن أكلة كهذه لا تكلّف الكثير..

دعانا المدير لزيارة الوحدة الطبية. فتح الباب في حماس، كانت القاعة خالية إلاّ من ممرّضة تبتسم عيناها كأنّما أدخلنا عليها عريسها. سأل الرئيسُ ساخرا : أليس عندكم مرضى هنا؟ و قبل أن تجيب الممرّضة، اندفع المدير يقول : هنا نضع الحالات الحرجة يا سيدي، لكنّنا نعتني بالجميع في عنابرهم. أنت تعرفُ كم يشقُّ على أبائنا أن يتحرّكوا. تأمّل الرّئيسُ الآلات الطبيّة المنتشرة في القاعة. "عندكم جهاز تخطيط للقلب؟ هذا جهاز يندر أن يوجد في المستشفيات." لم يخبره المديرُ أنّه استعاره من المستشفى الجهويِّ بالفعل، و أنّه كان مخبّأ لا يستعمل كي لا يصيبه العطبُ. فقط اكتفى بالابتسام في ثقة و قال : أنا ولد الدولة يا سيديّ و أعرف كيف أوفّر ما يلزم.
كرّر الرئيسُ همهمته التي قد لا تعني شيئا و قد تعني الكثيرَ. أضاف في خفوت و هو يخرج : يعطيكم الصحة. ثم سأل أن يرى بعض النزلاء.

اِقتدناه إلى عنبر الحاج الكفلي، دخل المدير عليه دون استئذان، لكنّه لحسن الحظّ كان مستعدّا مثلما اتّفقنا معه. الحاجُ الكفلي لسانٌ ساحرٌ يأخذك إلى زمن جميل غابر. لذلك وقع عليه اختيارُ المدير. وعده بعلبة سجائر يوميّة فقال له الحاج إنّه يعاني من أوجاع في العظام منذ وقت طويل، و أن لا أحد يريد أن يسمعه، فنظر الهاشميُّ في عينيه و قال له : تلك مشاكلٌ داخليّة يا حاج. نحلُّها في ما بيننا، أتفهم؟ لا داعي لإقحام الآخرين في مسائل عرضية كهذه. سنتدبّر أمر علاجك فيما بعدُ.
سأل الرئيسُ الحاجَ الكفلي : لا بأس عليك؟
فأجاب العجوز : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
بحث الرئيسُ عن شيء لم يسأل عنه. كان مصوّر الأخبار يوثّق لهذه اللحظة التاريخية التي ستحلّلها الصحف غدا في مقالات مطوّلة، لذلك بحث عن شيء عميق ذي دلالة. قال له : أتشعرُ أنّك غريب هنا؟ أتفتقدُ أهلك؟
فأجابهُ الكفلي بلسانه الساحر : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
و اندفع المدير محاولا تدارك الأمر : أنت أبوهم سيدي الرئيس، أنت أبونا جميعا.

تمتم الرجل "العفوَ العفوَ" و هو يجيل نظره في الغرفة النظيفة المؤثثة. لا بدَّ أنه لاحظ حداثة طلائها. لقد كلّفتنا تهيئة الغرفة و إزالة الرطوبة عنها، جهدا كثيرا و مالا أكثر دفعناه من جيوبنا. و صرنا ننتظر المنح القادمة بفارغ الصبر.

أخذنا الموكبُ إلى قاعة التلفاز حيث جلس بعضُ المسنين يشاهدون شيئا ما. أقبلوا على الرئيس يعانقونه، و يقبلونه، ممّا يبشّر بالمزيد من الصور التاريخية. لم يشتكِ أحد منهم من شيء كما اتّفقنا معهم. لكنّ إحدى النساء راحت تبكي متوسّلة إياه أن يزورهم كلّ يوم. قلنا له مفسرين : يحبوك سيدي الرئيس. و كان ذلك آخر ما قلناه له.

شكرنا للزيارة و حثّنا على العمل على خدمة آبائنا لأنّ هذا واجب الدولة تجاههم. و عندما غابَ ظلّه خلف الطريق الجانبيّة، سقطنا على الأرض كأنّنا أفرغنا من طاقتنا. رحنا نضحكُ كالمجانين، فشاركنا الجميع ضحكنا. لقد انتهت المهمّة بنجاح تامّ، و لم يسجّل علينا أيُّ شيء. كان الهاشميُّ متحمّسا، غرق في أحلام لا آخر لها، و قال لي إنه من غير المستبعد أن ألحق بديوان الرئاسة بعدما أظهرتُ من كفاءة. قلت له في شكّ : لكنّ الرئيس لاحظ حداثة التجهيزات و الصيانة. فضحك الهاشميُّ ساخرا و قال : لكنّ الناس في التلفاز لن يلاحظوا ذلك، ما يهمُّ الرئيسَ هو أن يثبتَ للشعب نجاح الدولة في مهامها، بثّ التفاؤل بمستقبل واعد. أنت لا تفهم في مثل هذه الأمور.

و تدهّج صوت خليفة بن عمر و هو يختتم حديثه : اليوم يا جماعة، ثبتَ لي أنني لا أفهم حقا في هذه الأمور. وردت علينا رسالة عاجلة من رئاسة الجمهورية، تعلن عن انتهاء مهامّنا. قال لنا المعتمد أنّ الرئاسة كانت غاضبة جدا، لأننا لم نترك لها عيبا لتصلحه. كان كلُّ شيئا كاملا إلى حدّ أعجز رئيس الدولة نفسه أن يمدَّ يد العون، ظهر أمام شعبه كأنه لا قيمة له، أنّ الدولة آلة تعمل بكفاءة سواءَ كان هناك أم لم يكن، و هذا انتقاصٌ من عمل سيادته. كما أوصت الرسالة بتسليم الرئاسة جهاز تخطيط القلب لأنه ترف لا نحتاج إليه و المستشفى الجهويُّ قريبٌ.
لقد ذهبَ عملي يا أحبابي، فاصبروا عليَّ قليلا لأتدبّر أموالكم. و لا دائم إلاّ الله!
There was an error in this gadget

Translate