Saturday, August 8, 2015

رسائل إلى حبيبتي

حبيبتي،
أكتب إليك مرّة أخرى من عتبات الزمن، حيث تنقسمُ الذواتُ و تتجلّى الاحتمالاتُ عوالما مختلفةً. أكتب إليك و أنا أراك هنا، عند ساحة الشهداء، أو في إحدى آرائك الحديقة العموميةِ. ينتابُني إذّاك جذلٌ طفوليٌّ و أشعر بحاجة إلى الكتابةِ.

لم يعد أحدٌ يجدُ معنى للرسائل الورقيّة في هذا الشطر من الزمانِ، لأنّ الناس هنا يعتقدون أنّ الرسالة بزمن وصولها، و لا أحد يدركُ أنّ الرسالةَ بزمن كتابتها. و كلّما قدّمت لنا التقنية سلاح تواصل جديدٍ نباري به الزمنَ كلّما ازدادت عزلتُنا.
"ها أنا في المقهى"، "هل أجلب معي خبزا؟"، "سنعقد اجتماعا بعد قليل". و حتّى "أحبّك" تصبح بفعل الرسائل الهاتفيّة القصيرة شيئا أشبه بالسلوك الشرطيّ، أو كابتلاع حبّة أسبرين محدودة المفعول.

أنا بخير، و الحياةُ تسيرُ عادية كما ينبغي لها أن تسير، لا هي بالشقية و لا هي بالبهيّة. خطّ متواصل فاتر يوحي بنهايته أكثر ممّا يوحي بامتداده. و مثلما تبطنُ الرسائل أكثر ممّا توحي به، فاعلمي أنّ خلف هذا الخطّ المتواصل، أكمات تضيقُ الحياةُ بها و تتّسع لها الرسائلُ. و لكِ وحدكِ يا عزيزتي أحاول أن أشرحَ ذاتي. إنّ بي شوقا دفينا يا حبيبتي! إنّ بي شوقا، و عسى بالرسائلِ أن تكفي!

لم يُطرف لها جفنٌ طيلة الليل. تناوبتنا الخيالاتُ و الأحاسيسُ و الرغباتُ حتّى رحم ضوءُ الصباح المبهرِ عينيْها المنهكتين. سافرت بكيانها إلى احتمالات عديدة و متناقضة لما يمكن أن تفعل. سكبُ الزيت المغلّى عليه و هو في الفراش مثلا، أو الاكتفاءِ بفضحه في السوق حين تشهد المدينة أكبر تجمّع لها. تهدّئُ الصورُ المفزعةُ من روعها قليلا، لكنّها لا تنجحُ في شفاء غليلها. كانت كلّ الصور و الأفكار و القصص المتلاطمة على شاطئ مخيّلتها تنتهي دائما عند صورة امرأة بلا ملامح، و كان التساؤل يتردّد دوما : من هي؟ من هي حبيبـ.. مصيبتُها؟

أعجزتها الصدمةُ أن تفعل شيئا في ذلك اليوم المشؤوم، و ربّما تمنت لو أنها لم ترَ تلك الورقة المطويّة و قد سقطت من سترته، فعبءُ المعرفة أثقل من أن يتحمّله الجبناء. و لقد اكتشفت أنها جبانة فعلا. كانت تبحث عن حياة هادئة مسالمة بسيطة قربه، و لقد كان يوحي بكلّ ذلك في كلّ تفاصيله. عرفته دوما شخصا ودودا، هادئ الطباع، مسالما، قليل الحديث، كثير المكارم، و لم تشكّ يوما في أنه أنسب الرجال لمشاركتها في تحمّل الحياة. فكيف ينكسر كلّ ذلك برسالة واحدة؟

علقت في مستنقع الأسئلة في اليوم الموالي، و كان كلُّ سؤال يدفع بها إلى هوّة أخرى. تداعى كلُّ شيء من حولها، و تقوّضت أركان الحياة في ذهنها. لم تعد تفهم أيَّ شيء. لم يعد هناك من أساس واحد يمكن أن تستند إليه لتعاود الوقوف. و حين يهتف الطفل الصغير بها، أو يضحك في جذل، ينخلع قلبها و تزداد حيرتُها. و هذا الشيءُ الجميل بحضني، أيغدو سرابا؟ و كيف تكون لحظات الفردوس التي يتحوّلُ أبوه فيها طفلا ثانيا، مجرّد غوث أحلام؟

امتصّت الأسئلة كلّ ذرة جهد في عضلاتها و لم تقوَ حتّى على إخفاء ذلك عليه. و لا على إجابته حين حاول أن يفهم ما بالُها. أمضت ليلة ثانية تتقلبُ في الفراش قبل أن تقرر أن تنتظر الرسائل القادمة. فلعلّها تكشف أمرا كان مكنونا.

حبيبتي،
هل كنّا نستحق ما جرى؟ و هل كان للتاريخ أن يكتب بشكلٍ آخر؟ و ماذا لو كان التاريخُ مثل المستقبل صناعتَنا؟ ماذا لو أن الماضي ضحيتنا و ليس العكس؟ أكنتُ صرت كاتبا مثلا؟ و هل كنت تصبحين إذّاك ملهمتي؟ و هل كان ذلك يحدث في هذا العالم الذي وجدنا فيه، حيث المكتبات تنفرُ من الكتبِ، و حيث القراءة فعلٌ طفوليٌّ مثل لعب الغُمّيْضة؟

هل كنتُ جبانا حينما اخترتُ طريقا ثانيا، أم كنتُ فقط واقعيا؟ هل أذعنتُ لحقيقة الأشياء التي تقضي باستحالة العيش من الكتابة، أم لجبني الذي فضّل الصراط "المستقيم"؟ أكنتُ قاتلا حينما تركتُ الكاتب في دفاتر طفولتي، و واجهت أقداري بشهائد جامعية تفهم عالمنا و يفهمها، أم تراني كنتُ مخلّصا؟

لقد تجرّدت من أشياء كثيرة حتّى أرضيَ واقعي المتسلّط، و لقد نجحتُ في ذلك إلى حدّ بعيد، و ارتسمت أمامي حياة جميلة واعدة، فيها ما فيها من المال و الولد و الضمانات الطيّبة. لكنّ أمرا داخلي ظلّ مهزوما و مقهورا، يطالب كلّ مرة بنصيبه من ذاتي و من شعوري. أعود إلى قلمي كأنني سكّير يعودُ إلى زجاجته القديمة، يمتصُّ منها روحه، و شقاه.

وحدكِ أنت قادرة على احتمال حروفي و أخيلتي، وحدك أنت في هذا الظلام الكئيب، ترين انفعالاتي و دموعي. و لكِ وحدكِ أستمرُّ في الكتابة.

أعادت الرسالةَ إلى مكانها الخفيّ، و عادت إلى أفكارها و تساؤلاتها. لا أسماءَ و لا عناوينَ. كأنّه يفعل ذلك بدافع الحذر. و اعتراها سخط شديد لعجزها عن فهم ما يحدث. و قررت أن تكشف هوية اللعينة، كلّفها ذلك ما كلّفها.

اِلتقطت أنفاسا عميقة و عادت تقلب الرسالة بتركيز أكبر. إنّ البداية توحي أنّ معرفته بها ليست عارضة أو طارفة. إنما هي جزء من الماضي القديم. فهل تراها حبيبته السابقة؟ و لكنّه لا يملك حبيبة سابقة. لا أحد من أصدقائه ذكر شيئا مماثلا، و لا هو حدّثها عن أمر كهذا، و ما كان ليفوتها أن تسأل. أيعقل أنه يجيد إخفاء ماضيه إلى هذا الحدّ؟ و إلى أيّ ماض تراها تنتمي؟ إنها تعرفه قبل الزواج بنحو ثلاث سنوات، و هي تعرف رفاق الجامعة و العمل، فهل هي صديقة من أيام الصبا؟ فكيف تجدّد اللقاءُ إذا؟ و لماذا الآن؟

كادت تجنُّ و هي تنتقل بأفكارها من وادٍ إلى واد. و خطر لها أن حسابه على الفايسبوك يمكن أن يجيبها. اِستغربت أنها لم تبدِ يوما فضولا تجاه حسابه على هذا الموقع، و لم تفكر يوما أن تبحث عنه هناك. راودها شعور بالذنب و هي تفتح حاسوبه، تأمّلت صفحة الرسائل فاعتراها الخجل لسخافة ما تفعل. لا يوجد شيء تقريبا. ذات الوجوه التي تعرفها تقريبا. أما على صفحته، فقد انتبهت إلى ما لم تنتبه إليه من قبل.

لم تكن تعرف مثلا أنه مولع بالموسيقى القديمة. تتردّد على صفحته أسماء كثيرة، عبد الوهاب، فريد الأطرش، أسمهان... تذكرت أنه يوما أخبرها بذلك في بداية تعارفهما، و تذكرت أن ذلك أثار استغرابها و تندّرها، لكنّها تجاوزت الأمر لأنها لم توله أهميّة تذكر. يبدو أن تلك التفاصيل ليست بهذا السخف في عينيه. أحيانا حينما يشغل السيارة، يتعالى صوت أغنية عتيقة من جهاز التسجيل، لكنّه يجهض الأغنية منتقلا إلى إحدى الإذاعات الخاصة. ما كانت لتعارض استماعه إلى ما يرغب فيه، لكن ربما لم تكن لتشاركه الاستمتاع بها، و هذا ما يثنيه عن المحاولة...

جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، أبو القاسم الشابي، بدر شاكر السياب... هل يقرأ فعلا لكلّ هؤلاء؟ أم هي أسماء فترة الدراسة، يستذكرها فقط لملء صفحته هنا؟ نادرا ما كان يقرأ أشياء كهذه، و أغلب قراءاته تتعلّق بعمله، لكنّ ذلك لم يمنعه من اقتناء المجلات الأدبية أحيانا. يجيبها في بساطة حين تسأله عن جدواها، مجرّد مجلات خفيفة لملء طاولة الصالون و لإيجاد ما يمكن أن يقرأ حينما يفكّر أحدنا أن يقرأ. الحقيقة أنها لم تكن تقرأ، و كان يعلم أنها لا تقرأ...

لاحظت أن إحداهنّ تصرّ على إبداء إعجابها بكل ما ينشر تقريبا، فانتقلت إليها. راحت تجوب حسابها صعودا نزولا. لا أثر له على صفحتها. لا توجد بينهما رسائل أو تعليقات. يبدو أنها صديقة قديمة أيضا. تصاعدت الدماء إلى رأسها، و امتلكها انفعال كاد يهب بقلبها. اللعين! إنها هي حتما! هي و لا أحد غيرها. إنها جميلة بما يكفي لتكون هي. علاقتهما قديمة لتكون هي. و الصمت بينهما يشي بحاجتهما إلى التراسل! إنها فقط تحتاج إلى دليل صغير، و لسوف تعثر عليه في الرسالة القادمة!

حبيبتي،
هل غيّرتنا السنين و التجاربُ؟ أم تراها أخفت فقط أرواحَنا خلف صدإ اللامبالاة و الحكمة الزائفة؟ أتراني الوحيد الذي لا يزال يحتفظ برقة حسّه الطفوليّ أم إنّ الناس من حولي يجاهدون بدورهم حتّى لا يُظهروا منها شيئا للملإ؟ لماذا نفعل هذا بأنفسنا؟ و لماذا نعدم الإنسان فينا؟ كثيرة هي الأشياء التي تؤلمني، لكنّ أكثرها إيذاءً هو عجزي عن إبداء ألمي.

بداخلي يا حبيبتي كائن لا تحتمل رقّته، ينكسر لمشهد قطّ يعرج، و كثيرا ما يسلبه المتسوّلون المحتالون أمواله. أظلّ طويلا منزعجا من مشاهد البؤس و الموت، و أجهد نفسي كي أحتفظ بألمي و دموعي لنفسي، لأنّ هذا ليس من شيم الرجال. و أنّ الرجل لا يبكي إلا في الشدائد، و أنّ الرجل يجب أن يظل قويا، حتّى لا يجزع الناس من حوله، و إلا بات إمّعةً و سخريةَ كلّ مجلس. بداخلي يا حبيبتي شاعر ذبلت حروفه، و حرّف مساره، و لم يبق منه غير حساسية مفرطة تجاه كلّ قبيح، لكن حتّى هذه يرفضها هذا الزمن. حتّى هذه، يعمل الزمن عمله حتّى يقولبني مثلما تقولب الريحُ الجبال و تنحتها مثلما تشاء.

غريب أنا يا حبيبتي. غريب مثلما كان جبرانُ غريبا. و إن كان يبدي ذلك بالكتابة، فأنا أكتمه بها. فليس لي غيرك قارئا، و ليس لي غيرك صدرا قبولا.

مسحت دموعها التي انسابت على خديها دون أن تدري، و تسللت إلى المطبخ لتعدّ فطور الصباح قبل أن يستيقظ. تدافعت على أبواب ذاكرتها موقف كثيرة بدا لها الآن كم كانت مفتعلة و كم كان هو فيها غير ما هو عليه. آلمها أنها حين استرجعت تلك الصور، أدركت أنها لم تكن لتتقبّل منه انفعالا غير ذاك الذي أبداه، و أنها بذلك تقرّه على ما كان يفعل، و يزيد من لوعته و جهده. آلمها أنها لم تكن يوما استثناءً في حياته، و أنها مثل الآخرين، مجرّد وجه آخر للزمان الذي يدفعه دفعا لأن يقتل نفسه و يبعث شخصا ثانيا. بدأت تفهم وجود صاحبة الرسالة و اكتشفت أنّ شوقها لمعرفتها لم يعد يشوبه الغضب بقدر ما يشوبه الفضول، و أنّ إحساس الخيانة تراجع وراء شعور ممضّ بالذنب، فزاد سخطها على نفسها و راحت تجاهد لكبت دموعها.

جاء إلى المطبخ و قد انتهى من إعداد نفسه. وضع سترته على الكرسيّ، و طلب منها استعمال المربّى الجديد ريثما يعود من الحمّام. لقد وضع الرسالة في المظروف حتما، و لا بدّ أنه كتب العنوان أخيرا. تطلّعت إلى حيث غرفة الحمّام في وجل، و قرّرت أن تغامر. لحظة مرّت كدهر بين امتداد يدها و بين خروج الظرف الخالي من كل عنوان. اللعين حذر جدا، كأنه لا يكتب العنوان إلا لحظة إلقاء الرسالة في صندوق البريد. من هي؟ من هي هذه المرأة الجميلة الأصيلة المتفهمة الرقيقة؟ من هي هذه المرأة التي تتواصل بالمراسلة دون أن ترسل ردودا؟ من هي هذه المرأة التي تملك كلّ ما يحلم به لكنّه يتزوّج غيرها؟ من هي هذه الحبيبة؟

حبيبتي، 
لا أزال أملك صورا قديمة أحفظها عن الزمن الجميل. أتأمّلها أحيانا فلا أكاد أصدّق كم كنتِ جميلة، و كم تغيّرتُ عمّا مضى. أخذتني الحياة مثلما أرادت أن تأخذني، و أشركتني في مسؤوليّة الرعاية و الكفالة. و وجدتُني أقولب طفلا صغيرا بيديّ قبل أن أتهيّأ لذلك. وجدتُني أفكّر في شأنه في كلّ آن، و وجدتُني أواجه هواجسي و مخاوفي بشأنه وحيدا، لئلاّ أنقل للناس ضعفا قد لا يجيدون مواجهته. و من يفترض منه أن يكون قويّا عارفا حكيما غير أبيه؟ و وجدتُني ألغي وجودي يوما بعد يوم لصالح هذا الوجود الجديد. فهل يا ترى كذلك هي فكرة الحياة؟ و هل تلك هي منقلباتها؟ ما الذي يدفعني للتفكّر فيك و الكتابة إليك غير هذه الحاجة الخفيّة أن أكون أنا بذاتي؟ منفصلا عن كلّ كيان بشريّ تعلّقتُ به أو علقت فيه؟ 

هل تفهمين إذا هذا العودَ الأبديَّ إليك؟ و هل تدركين مقدار حاجتي إلى تمثّلك؟ أنت لست أقرب الكيانات إليّ، لأنّك ذاتي نفسها التي تتجلّى كلما خافت من الذوبان. أنت أنا التي أحميها بعيدا عن الزمان فلا تخذليني و تشبّثي بالحياة!

لم تشأ أن تتبعه منذ خروجه. اِدّعت حاجتها إلى الخروج باكرا لشأن سريع، و ظلّت هناك في شارع الأقواس ترقب قدومه. خبر الجريمة الشنيعة بالمدينة يملأ صفحات الجرائد، المجرم الكهل يقتل مجرما آخر شابّا رافضا دورة الزمان، هذا ما كان ينقص هذا اليوم الحافل. أخفت وجهها بين الصحف و هي ترقب الشارع الكبير الذي يمرّ أمامها بإدارة البريد. هو ذاك! لماذا لم يتوقّف هناك؟ لقد عرّج بسيارته يسارا إلى طريق المستشفى! أتراه يسلّمها الظرف يدا بيد؟ أفزعها الخاطر و أسرعت خلفه و هي تمنّي النفس أن لا يبتعد عنها كثيرا. رأت السيارة تبلغ ساحة الشهداء فكادت تيأس من اللحاق به، حثّت الخطى إلى حيث ساحة النافورة التي لم تعد تعمل منذ سنين. حركة السيارات المتوجّهة إلى المستشفى كبيرة و تعطّل السير، بينما ينتشر طلاّب إدارة الكهرباء على أطراف الطريق غير عابئين بكل ذلك.

رأت السيارة متوقفة هناك في مدخل الحي القديم ذي الإسم الموحي بالأساطير الكثيرة التي رويت عنه. هل تراها تسكن في هذا المكان؟ تجاوزت نهج العرب، و تسللت إلى مدخل "أولمبيا". رأته من بعيد يتوقف أمام مبنى قديم مهجور، فانحبست أنفاسها و التصقت بالجدار لعلّه يمتصّها. أتراه مكان المواعيد القديمة؟ و ماذا لو أنه لا يزال يلتقيها هناك؟ لماذا الرسائل إذا؟ ربما لإضفاء شيء من الرومنسية على الموقف. رأته يتناول الظرف من سترته، ينظر إلى آخر الشارع قليلا ثمّ يدخل الظرف عبر فجوة صغيرة في الجدار. 

اِقتربت من المبنى بعد ذهابه فطالعها الخراب و الألوان الباهتة. فتح حلاّق متجره بالقرب من البناية، و أخرج منشرته، فأشاحت بوجهها فارتباك و عادت إلى أفكارها و حيرتها. كيف تستلم حبيبته الرسائل؟ لا بدّ من مدخل خفيّ إلى المبنى.

ـ يوجد منفذ من الخلف.

اِستدارت إلى الحلاّق في وجل. كان هادئا يداعب شاربه الكثّ و يشير إلى ممرّ جانبيّ ضيق. أردف قائلا : 

ـ كنّا ندخل إلى القاعة من الخلف، لأننا لم نكن نملك معلوم الدخول، و كان عمّ رشيد رحمه الله يشتمنا طويلا ثمّ يتركنا ندخل.

و عاد يتأمل المكان في شيء من الحنين و أضاف : 

ـ كلّنا يملك ذكرى مع هذا المكان.

اِزدادت دهشتها، و راحت تبحث عمّا يدلّ على هوية المبنى، فخاب مسعاها، لكنّ ذاكرتها تدخّلت فجأة لتمدّها بالعون، أولمبيا، قاعة، مهدمة و مهجورة... و من فجوة صغيرة أخرى، رأت ما يبدو أنّه كان يوما ما مقعدا وثيرا يصلح لمشاهدة الأفلام... يبدو أنّ زوجها رومانسيّ إلى حدّ لم تتوقعه. حان وقت الحقيقة. ربما هي المرة الأولى التي ستذهب فيها إلى السينما لمعرفة الحقيقة...

حبيبتي،
لا أعتقد أنني اخترتُ أن لا أكون كاتبا. فالكاتب أشجع من أن يجبن عن واقع الأشياء، لكنّني بحاجة إلى الكتابة حتّى أحتمل هذا الواقع و أقدر على مدافعته، و ربما أيضا حتّى أقدر على أن أحبّه. إنّ الحياة ليست بهذا السوء، لكنّها كثيرا ما تضيق بي و كثيرا ما أضيق بها. و إنّ الناس من حوليَ خيرة من فيها، لكنّني أخشى اهتراء روحي الرقيقة من فرط التواصل معهم.

لقد اخترعتُك و نفختُ فيك من روحي و صغتُك صورة سويّة بذهني كما يفعل الأدباءُ، لا بغاية الفنّ الذي يهبُه الكاتب للناس، و إنّما بغاية الفنّ الذي يتنفسه الإنسان و ينفثه حتّى يستمرّ، و بغاية الخيال الذي يصوغه المرء حتّى يحبَّ واقعه.

أنا آسف يا حبيبتي أنني جئت بك إلى الدنيا و قد كنت عدما، لكنّني أحتاج إليك و إلى كل ما تمثّلين فيّ من غرابة تجعل العالم موحشا من حولي. إنّني محتاج إليكِ لأنّك فكرتي عن مقاومة الزمن، و فكرتي عن الخلود.

حين خرج صباحا من غرفة النوم، مبتسما وديعا، بادر بتقبيلها و سؤالها عن الفطور. أدركت أنها بقدر ما ازدادت له حبّا، ازدادت منه خوفا. و لوهلة تمنّت لو أنّه كان فعلا خائنا. فلعلّ مرارة الغدر أهون و ألطف وقعا من مرارة عشق هذا الطفل الكبير.



6 آب 2015

11 comments:

Khorchani Faicel said...

ياسر مزيانة..أول مرة نقرالك حاجة رومانسية..أما بلحق مزيانة..

Anonymous said...

محير هو حال المغتربين. جميل جدا. شكرا جزيلا. لقد كان من الممتع التعرف على مغترب

Anonymous said...

انها ليست بقصة رومانسية. بل اظن ان الكاتب اراد ان يبين لمحة عن معاناة المغتربين في الحياة

Rami ZARROUKI said...

حبيتها ياسر..

Ferchichi Farooq said...

شيء من هذا بالفعل، و أعتقد أن هذه الفكرة على قدر من الرومانسية بالفعل. أعني لا تعلرض بين المسألتين

Ferchichi Farooq said...

هيا باهي

HANA said...

في الواقع من أجمل ما قرات لك بعد"المواجهة" , لكن في كل الأحوال لم أنجح في قراءتك دون خلفيا ت, أدبيا بالأخص و تاريخيا أيضا

Nouha Saadawi said...

حبيتها :) خاصة النقلات بين الشخصيتين، تعمل حركة في النص وترغّب في القراءة.
انا كتبت تقريبا حاجه تشبه من حيث مخاطبة الشخص المقصود، لكنّي اهملت الموضوع بعد 6 اجزاء، كنت اظنني سانتهي برواية. شهّيتني نرجع نكمّل :)

kochbati rabiaa said...

"الكاتب" أنت أقصد, ككل الكتاب يحتاج في مرحلة ما من مشواره إلى إقحام كاتب في حكاياته..هذه الشخصية بالذات هي الأقدر على التعبير عنه هو شخصيا. وككل كاتب أيضا فإن في كل ما تكتب شيء ما منك حتى لو كانت كل الشخصيات خيالية وكل الأحداث تدور على كوكب المريخ فإن المتمعن سيجد تفصيلا أو تفاصيلا ما هي الكاتب (وهذا لا يتأتى من قراءة عمل واحد او اثنين بل يحصل بطريقة تراكمية). تحدثنا سابقا عن الاسلوب وأظن أن هذه الأقصوصة (إن أردتها أن تكون كذلك) أجمل تجسيد لبراعة الأسلوب الذي تكتب به.

Ferchichi Farooq said...

شكرا ربيعة. أجل هذا صحيح، فكل عمل و كل شخصية كاتبا كانت أم لاعب كرة، فيها من مبتدعها الكثير. لكن يبقى السؤال دوما : ما الذي فيها و ما الذي يبدو فقط كأنه فيها :)

kochbati rabiaa said...

الكاتب العبقري هو الذي يجعلنا نحار في الإجابة..والقارئ المتبصر هو الذي لا يعجزه السؤال..

There was an error in this gadget

Translate