Thursday, August 27, 2015

حرر عقلك 3

قصة الماتركس ليست نمطية فحسب، بل لا تتميّز بطرافة مطلقة، كلُّ الأفكار تقريبا يمكن العثور عليها بشكل أو بآخر في أعمال سابقة، يجب التنويه خصوصا بفيلم Dark City، و بإحدى حلقات Dr Who المسلسل البريطاني الشهير حيث ذكر الماتركس كعالم افتراضي يمكن الولوج إليه. كما أن من شاهد فيلم Total Recall سيجد تشابها ملفتا بين الفكرتين رغم اختلاف الفيلمين الجوهري. و لا ننسى كذلك عالم الأنيمي الياباني، و أخصّ بالذكر فيلم Ghost in the Shell الذي ظهر سنة 1995 حينما بدأت فكرة الماتركس تتبلور و فيلم Akira الشهير الذي ظهر في نهاية الثمانينات.

ما الذي يُفترض استنتاجه من أمر كهذا؟ أن الماتريس ليس طريفا، و ابتكاره لم يكن عبقريا إلى هذا الحدّ؟ مطلقا. فكلُّ الأعمال الفنية تنطلق من تراكمات تراثية، و من أفكار سابقة، و الطرافة ليست في إتيان ما لم يأت به أحد، و إنما في بلورة ما سبق و تشكيل ما لم يشكّله أحد. لقد أخذ الماتركس عن Dark City فكرة السيطرة على البشر و إغراقهم في عالم وهمي، لكنّه بلورها و وضعها وسط منظومة معقدة تفترض أن العالم الوهمي برنامج كمبيوتر، و أصبح "الغرباء" "آلاتٍ ذكية". 
ثم إنّ عالم الماتركس (الفيلم) يمكن تمييزه بسهولة، و له خصائصه التي ينفرد بها عن بقية العوالم الفانتازية التي أنتجها المخيالُ البشريّ، و يعود ذلك خصوصا إلى العمل السينماتوغرافي المبهر هنا.

فحين نقول ماتريكس، يغلب على مخيلتنا اللونان الأخضر و الأسود، و هما اللونان المميزان للصورة في هذا الفيلم. حيث عمد المخرجان إلى زيادة الصبغة الخضراء في المشاهدة التي تصوّر عالم الماتركس. كما أن عدم وجود الشمس في العالم الحقيقي، يزيد من المساحة السوداء في المشاهد، و هي مساحة مزدانة بالفعل بأزياء الشخصيات الرئيسية.

يستمدّ الماتركس أيضا طرافته من خلال تركيبة الشخصيات الفريدة، التي رغم استلهامها من رموز ميثولوجية و دينية و ربما أدبية، إلا أنها تحافظ على فرادتها و طرافتها، و يمكن أن تعلق بذهن المشاهد بسهولة. العميل سميث مثلا يمكن اعتباره من بين أهمّ الأوغاد في تاريخ السينما!

لكنّ أهمّ ما بقي في ذاكرة المشاهدين بخصوص الماتركس، هو حتما طرق التصوير الثورية. لقد تميّز عن ما سبقه من أفلام السايبر بنك Cyberpunk و التي تناولت قصصا مشابهة، بالمؤثرات البصرية المتقنة إلى حدّ مذهل. يذكر موقع IMDB حقيقةً تفسر الكثير بخصوص هذا الأمر : فحين طلب الأخوان فيشوفسكي من وارنر بروذرز ثمانين مليون دولار لإنتاج الفيلم، حصلا فقط على 10 مليون لذلك. خصوصا و هما مغموران حينئذ و لا يمكن المقامرة بمبلغ مرعب دون ضمانات. فما كان من الأخوين إلا أن استعملا المبلغ كله لتصوير المشهد الأول فحسب، مخاطرين بإمكانية سجنهما، لكنّ العمل المذهل أقنع المستثمرين بدفع بقية المبلغ!

الحقيقة أن مشهد تريتيني و هي تركل رجال البوليس هنا و هناك، و تقفز فوق أسطح العمارات بوجه بارد صارم و لباس أسود جذاب، يمكن أن يفتن أي مستثمر. ثم هناك تلك اللقطة التاريخية في بداية المشهد، حينما تتسمر ترينيتي في الفضاء مقرفصة بينما تتجول الكامرا من حولها قبل أن تواصل الفتاة الفاتنة رحلة الركل و الركض. أعاد الاخوان ذات التقنية في مشهد مراوغة نيو بالرصاص فيما عرف لاحقا بتقنية الماتركس. و رغم أنها تقنية قديمة و سابقة للفيلم، إلا أنها المرة الأولى التي تجرب في فيلم حركة طويل، و خصوصا هي المرة الأولى التي تنجز بهذا الإتقان. لقد جعل ذلك الكثيرين يتحدثون عن سينما ما قبل الماتركس و ما بعدها، ما شفع لجون غايتا و فريقه للحصول على أوسكار المؤثرات البصرية في سنة تاريخية للسينما الأمريكية (قائمة أوسكارات سنة 2000).

لقد كان للعمل التقنيّ المذهل في هذا الفيلم تأثير شديد على نجاح تركيبته القصصية. و رغم أن الفكرة في عمومها ليست محدثة، إلا أن العمل المتقن على تفاصيلها كان رائعا. بذات المنطق أيضا، كانت التفاصيل السينماتوغرافية مثيرة في هذا الفيلم، حيث لا يخفي المخرجان مراجعهما السينمائية و لا يتحرجان منها، بل كأنهما يذكّران بها كلّما سنحت الفرصة : في مشهد القتال الأخير، يقف الرجلان متقابلين و بيد كلّ منهما مسدّس، الصمت مطبق إلا من ريح لا يفترض أن توجد في مكان مغلق كمحطة ميترو أسفل الأرض، أوراق تمارس لعبتها اللولبية منذرة ببداية الصراع... ألا تذكركم بشيء؟
أما عن مشاهد النزال، فلم يكتفيا باسترجاع عوالم سينما الشاولين، بل استقدما أحد أشهر مصمّمي المعارك السينمائية لإعادة بعض أعماله الشهيرة إعادة مطابقة!

و في وسط هذه المشاهد و الأفكار المرسكلة بطريقة عبقرية، نجح المخرجان في ابتكار مشاهد أصبحت أيقونية، تكرّرها الأفلامُ اللاحقة بدورها، كمشهد الافتتاح، و لكن خصوصا مشهد تفادي الرصاص الذي عرف بإسم Bullet Time، لقد صار علامة مسجلة حوّلت الماتركس إلى عمل كلاسيكي لا يعقل على محب السينما تفويته.

هذا ليس كلّ شيء، في الجزء القادم، نحاول أن ننظر إلى ما وراء الشكل، ماذا يوجد وراء القصة الممتعة، و المؤثرات البصرية الخارقة؟ ماذا يوجد خلف استحضار عوالم سينمائية متعددة؟ و ماذا تخفي شخصيات الماتركس من رمزية؟

1 comment:

Anonymous said...

أقسم أنك ... مو صاحي!
XD
في انتظار التتمة اللاحقة، تحمّست للقراءة أكثر حول هذا الفيلم الأسطورة، الذي لم أتحمس يومًا لمشاهدته، وقد لا أفعل!
=)

There was an error in this gadget

Translate