Thursday, August 27, 2015

حرر عقلك 2

ما دمت تقرأ هذه الكلمات، فلقد اخترت المواصلة مع الصداع الجميل. تقول الأسطورة أن قصة فيلم الماتركس من أكثر القصص تعقيدا في عالم السينما، لكن أعتقد أنني أحمل رأيا مخالفا بعض الشيء. من المؤكد أن القصة تحمل درجة لا بأس من التعقيد تجعل الإلمام بكل تفاصيلها من مشاهدة واحدة أمرا أقرب للمستحيل. لكن لو عدنا إلى قائمة الأفلام المعروفة بتعقيد قصتها (Memento أو Primer مثالا) فسيبدو الماتركس أشبه بمنتَج وديع مرفوق بدليل استخدام. الماتركس لا يعتمد على أية تعقيدات بنيوية مثلا، و القصة تأخذ شكلا خطيا بسيطا، بل إنها و فوق ذلك، تحترم الشكل الأكثر نمطية للسرد القصصي. يضاف إلى ذلك مراوحة واضحة بين المشاهد التي تتقدم بالقصة، و المشاهد التي تشرحها، ما يجعل التركيز على الحوارات الدقيقة و القصيرة المتناثرة و فهمها، أمرا ممكنا جدا منذ المشاهدة الأولى. هذا لا يعني أن المرء بإمكانه الإحاطة بكل جوانب الفيلم و كل تفاصيل القصة منذ المشاهدة الأولى، لكن تكفي المشاهدة الأولى للخروج بفكرة الفيلم و قصة واضحة في الأذهان :

1 ـ القصة (لمن لا يريد توضيحا بشأن القصة يمكنه تجاوز الكتابة الزرقاء)
الشاب توماس أندرسن مبرمج لامع. يعمل في شركة ميتاكورتاكس للبرمجيات نهارا، و ليلا يتحوّل إلى الهاكر الشهير نيو الذي دوّخ الحكومة و أجهزة الدولة. تتصل به الهاكر الأسطورية المعروفة بإسم Trinity لتعرض عليه الإجابة عن السؤال الذي يشغل باله : ماهو الماتركس؟ يجعله هذا الاتصال عرضة لمطاردة عملاء الدولة الذين يبدون أكثر رعبا بكثير مما يفترض أن يكونوه : يزرعون في بطنه كائنا كابوسيا، يمنعونه من الصراخ بفسخ فمه، هل هذا كابوس؟ حينما نهض نيو من نومه، دعاه اتصال Trinity إلى رحلته التي لن يعود منها كما كان : لم يكن ذاك كابوسا! هذا العالم الذي نعيشه فيه يحتمل أشياء لا يقبلها العقل (حقا؟). يقابل بطلُنا الرجلَ الأسطوري مورفيوس، و يجد نفسه مخيّرا إما أن يعود إلى عالمه و إلى حياته العادية، و إما أن يعرف الحقيقة. هل تريد الحقيقة؟ إليك بها إذا! هكذا يتحرّر الفتى من الماتركس. و بعد أن كان جالسا في كرسيّ يجاهد لكي لا يبتلع السائل الغريب الذي يغمره، يجد نفسه كالجنين في مهد ممتلئ بالسوائل، في عالم كابوسيّ كأنه الجحيم، و مشدود من كل مفاصل جسده بألياف ملتحمة بجسمه، قبل أن نفهم ماذا يحدث، تنحلّ الألياف، و يسقط نيو من بالوعة المهد إلى ما يشبه بركة للصرف الصحي. تأتي مركبة طائرة و تلتقطه.

بعد فترة النقاهة، يشرح مورفيوس لنيو ماذا يحدث له : إن العالم الذي كان فيه، ذلك العالم الذي نعرفه، ذلك العالم الذي يعمل فيه نيو مبرمجا و قرصانا، هو عالم وهميّ، برنامج كمبيوتر معقد جدا يتصل به الناس فيحسّون و يتفاعلون بالضبط كما في الأحلام، هذا العالم هو عالمنا الذي نعرفه، و هو المسمى بالماتركس و يشير التاريخ فيه إلى العام 1999. أما العالم الحقيقيّ، فالتاريخ فيه 2199، حيث طوّرت الآلات الذكية وعيها، و صارت تتحكم بمصيرها، و لأنها بحاجة إلى الطاقة، فلقد قررت استعباد الإنسان و استعماله كبطارية : أوصلت الآلاتُ الناسَ بالماتركس ليعيشوا حياةً تقبلها أذهانهم و تفرز من خلال تفاعلاتهم، تلك الطاقةَ التي تحتاجها الآلات. بعض هؤلاء الناس استطاعوا التحرر من البرنامج، و استطاعوا الهرب من سطوة الآلات و بناء مدينة Zion أو القدس التي هدفها إنقاذ النوع البشري و تحريره، بالعودة إلى الماتركس و تنبيه الناس و تحرير الجاهزين منهم لتقبل الحقيقة المفزعة. و كذلك ما حدث لنيو.

اِبتداء من هذه اللحظة، يصبح كل شيء منطقيا : الخوارق التي حدثت في الفيلم ليست أمرا عجائبيا حقا، إنها نتاج قدرات عقلية تسمح بالتنصل من سطوة الفيزياء الطبيعية و خرقها، لأن لا شيء من هذا يحدث فعلا، لا شيء من هذا حقيقيّ. هكذا يتمرّن نيو على توسيع قدراته العقلية بتلقين خاص من مورفيوس و من التعاليم البوذية التي تدعو إلى تحرير العقل و الاقتناع بزيف المادة.


فيما بعد يصبح الفيلم واضحا جدا كأي فيلم بسيط آخر : مورفيوس يؤمن أن نيو هو الرجل المنتظر. يذهب به إلى الOracle أو العرافة للتأكد من ذلك. تخبره أنه ليس كذلك. أثناء العودة، يقترف سايفر Cypher (أحد أعضاء فريق مورفيوس) خيانته من أجل أن يعود شخصا عاديا في منظومة الماتركس، جاهلا بالحقيقة لأن الحقيقة مثيرة للبؤس. تثمر الخيانة القبض على مورفيوس. العميل سميث الذي لم يكن في الواقع سوى برنامج كمبيوتر مقحم في الماتركس من أجل القبض على المارقين، يحاول عبثا انتزاع مفتاح النفاذ إلى Zion من رأس مورفيوس العنيد، حينما يأتي نيو و ترينيتي لإنقاذه. طبعا يحدث كل هذا في عالم الماتركس. خلال هذه المغامرة، يتعرف نيو أخيرا على قدراته، ينقذ مورفيوس و ترينيتي اللذين يخرجان من الماتركس، تاركين نيو يواجه مصيره : العميل سميث. تلك هي اللحظة التي كشفت القناع عن حقيقة الفتى : إنه بالفعل الرجل المنتظر. إنه حقا ما آمن به مورفيوس!

من المهمّ القول هنا، أن القصة كانت حصيلة أكثر من خمس سنوات من العمل، ما جعلها متماسكة إلى حدّ بعيد. و لكنها أيضا في خطّها القصصي كلاسيكيةٌ جدا، بل نمطية نرى عبرها بكل وضوح منوال رحلة البطل بكل عناصره، العنصر الخارجي الذي يدعوه إلى الرحلة، بداية الرحلة، التعرف على الحقيقة، التكيف مع الحقيقة (التعلم)، الأزمة، التحوّل، التعامل مع الأزمة. رحلة نيو قالب قصصي يتكرر كثيرا و حتى الشخصيات المتناثرة من حوله، شخصيات نمطية جدا : العميل سميث هو الشخصية المعرقلة، سايفر هو الخائن الذي يساعد الشخصية المعرقلة، مورفيوس هو الملقن و العرّاب و هو الشخصية المساعدة، العرّافة هي ذلك الشيخ الحكيم الذي لا يتفوّه إلا بالكلمات المفاتيح، أما ترينيتي فهي الجانب الرومانسي في القصة. و لئن حافظت أغلب الشخصيات على نمطيتها، فإن شخصية ترينيتي هي الأكثر تمرّدا على المنوال المذكور : يبدأ العمل بها مبهرا، مثيرا، غامضا، ترينيتي كممثل للجانب الرومانسيّ الذي سيرجح كفّة نيو، و يوقظ فيه النبيّ الكامن، لم تبدُ كذلك أبدا طوال الفيلم : كانت تلك المرأة الجميلة المرعبة، الsuper woman التي يجب تجنّب غضبها! و يعود نجاح الشخصية إلى أداء Carrie Anne Moss الراقي و إلى افتتاحية الفيلم الرائعة، و هو ما سنعود إليه في بحثنا في سينمائية الماتركس.


No comments:

There was an error in this gadget

Translate