Friday, August 28, 2015

حرّر عقلك 4

في الأجزاء السابقة من هذا المقال الطويل، تحدثت عن وجوه الطرافة في فيلم الماتركس على مستوى الفكرة العامة و القصة و التصوير. و خلصت إلى أن الفيلم لا يستمدّ تميّزه من طرافة مادّته، و إنّما من خلال العبقرية التي أتاحت تجميع الأفكار المتناثرة هنا و هناك لتشكّل روايةً متماسكةً متينةً، انعكست على العمل السينماتوغرافيّ المبهر الذي اعتمد أيضا على كليشيهات سينمائية لم يبحث عن إخفائها بقدر ما بحث عن الاحتفاء بها و بلورتها و إخراجها في قالب شديد الإتقان. لكن، ماذا عن المضمون؟ ماذا يمكننا أن نرى في هذا الفيلم؟ و هل اعتمد المخرجان على نفس القالب Pattern في صنع المعاني؟

مع ظهور Neo بطل الفيلم، يظهر لنا أول مرجع أدبي مثير للاهتمام. يستيقظ الفتى ليجد رسالة على الكمبيوتر تدعوه لتتبّع الأرنب الأبيض. بعدها، وجد الفتى الأرنب موشما على كتف زبونته التي تدعوه إلى حفلة صاخبة، و كانت تلك بداية رحلة Neo العجيبة. كان الأرنب الأبيض إشارة واضحة لقصة آليس في بلاد العجائب. فرواية لويس كارول تعتبر رمزا للسفر بين عالم الواقع و عالم الخيال، و في هذا تتماهى آليس مع Neo، لكنّ التشبيه يخبرنا بأمر آخر : عبر رحلة آليس، نتبيّن كيف أن عالم الخيال على غرابته لا يختلف كثيرا عن عالم الواقع، بل هو يخبر عنه بشكل أو بآخر، هذه الفكرة هي أساس الفيلم، فالخوارق التي يأتيها الأبطال في الماتركس، لم تنجح في إخفاء الحقيقة التي نعرفها منذ البداية : هذا العالم الوهمي، هو عالمنا، هو العالم الذي نعرفه قبل الفيلم، هو عالم الأجهزة و الدول و المنظمات، و حياة الدعة و اللذائذ، هو عالم العمارات الشاهقة و الوظائف الشائقة و النظام الصارم و البوليس الذي يعرف عنك كلّ شيء. الماتركس هو ذلك العالم العجائبيّ و الواقعيّ في آن!

و بنفس الطريقة الساخرة، يستعمل Cypher قبيل عمليّة تحرير Neo من الماتركس مرجعا أدبيا شهيرا آخر إذ يقول : اِربط أحزمتك يا دوروثي، فكانزاس ستختفي عن الأنظار. و هي إحالة على رواية باوم و ترجمتها السينمائية الشهيرة "ساحر أوز" The wizard of Oz. لكن، من هو Oz الذي يبحث عنه Neo ؟ من هو الساحر الذي يحمل آمال دوروثي و الأسد و الروبوت و الفزّاعة؟ ربّما كان Neo نفسه!

و رغم أن السياق الذي ذكرت فيه دوروثي عفويّ جدا إلا أنّه لا يمكن أن يفوتنا إصرار الأخوين على تذكيرنا المستمرّ بمحاولات من سبقهم في ذلك. لا ننسى أن اختيار إسم الماتركس له علاقة وطيدة برواية النورومانسر لويليام غبسون، رائدة أدب "السايبر بانك". ثمّ خلال تسليم Neo لبعض الأغراض المقرصنة لحرفائه، نكتشف أنه يخفيها في كتاب لجون بودغياغ : Simulacra & Simulation، و هي إشارة من المخرجيْن للكتاب المرجعيّ لفيلم ماتركس، حيث طلب الأخوان من الممثلين الرئيسيين قراءة الكتاب قبل بداية العمل. و عندما نتأمّل في الرقم المكتوب على باب شقة Neo (رقم 101) سيتبادر إلى أذهاننا رقم غرفة التعذيب الرهيبة في رواية جورج أورويل الأشهر : 1984 ما يحيلنا على الكليانية الغاشمة التي يريد الأخوان إثباتها على عالمنا. يمكن أن نفهم من هذا الإصرار على التذكير بالأدبيات السابقة، تأكيدا منهما على أن العمل يتنزّل في السياق نفسه : الرحلة بين العالمين، التحذير من هذا العالم الذي بات لا يُحتمل، الدعوة إلى التمرّد على المنظومة الطاغية، و الكشف عن خيال هو سلاح الإنسان في مواجهة واقعه.

كلّ هذه الإحالات الأدبية واضحة و تمت الإشارة إليها صراحة مثلما ذكرت، أما المرجع الأكثر قربا من سيناريو الفيلم، و الأكثر قدما، فهو تلك الفكرة التي لم يتمّ الإعلان عنها صراحة، لكنّها تعلن عن نفسها من دون الحاجة إلى وسائط : أجل نحن نتحدث عن أمثولة أهل الكهف لأفلاطون.
تتحدث الأمثولة عن أناس مسجونين في كهف طيلة حياتهم، قبالة جدار أبيض، يرون ظلالا ضخمة و رهيبة على الجدار تعكسها نيران من خارج الكهف، و لأنّ النار و الناس الذين تنعكس ظلالهم، يوجدون جميعا من خلفهم، فمن الطبيعي أن هؤلاء المساجين راحوا يتخيلون أشياء غريبة و عجيبة بشأن الظلال. فقط الفيلسوف منهم من استطاع أن يكسر الأغلال، و يذهب ليستطلع حقيقة الظلال و أشكالها الحقيقية، ليعود و يرويها لرفاقه، أي يحرّرهم بدورهم.
من يعرف أمثولة الكهف، يمكن له بسهولة أن يجدها في تفاصيل الماتركس. كلنا سجناء الكهف، لا يتحرّر منّا إلا أولئك الأبطال الحقيقيون، يغامرون من أجل اكتشاف الحقيقة مهما كانت مرارتها، يقتلعون حريتهم، ثمّ يعودون بالحقيقة إلى الكهف/الماتركس مرة أخرى من أجل تحرير الآخرين. ربما لذلك اقترن العالم الواقع بالمعرفة، بقدر ما اقترن عالم الماتركس بالخيال. المعرفة كانت سبيل نيو للتحرّر. ("لا تعتقد أنك أسرع، إعرف أنك الأسرع"). و المعرفة كانت سبيله للتحرير. ("إعرف نفسك" باللاتينية معلقةً على باب مطبخ العرّافة Oracle ).

هذا الجانب من الماتركس، هو الأكثر وضوحا و أهمية. الماتركس دعوة إلى الانعتاق. دعوة إلى كسر حواجز النظام الذي يحيط بنا من كلّ جانب، لأنّ الحقيقة تكمن هناك، خلف كل هذا الوهم. التمرّد تيمة محبّذة عند الأخوين فاشوفسكي. اِستعاداها بشكل أكثر صراحة و مباشرتية في V for Vendetta. إن المنظومة العالمية عندهما هي العدوّ الأول الذي يجب أن يُحارب. يمثل المنظومة، أفراد جهاز البوليس الذين يُعتبرون ضحية للمنظومة بدورهم. و العملاء السرّيّون الذين يتميّزون بصلاحيات أرفع، و بمادة معرفية أكبر، هؤلاء هم العميل Smith و بقية زبانيته، و هؤلاء هم الكلاب الذين يمثلون أشرس ما في النظام. يجب الإشارة إلى مسألة عبقرية هنا، هي تعدّد أسماء Neo، فهو يحمل هذا الإسم فقط في حياته الليلية حينما يخرج عن النظام، و يتحوّل إلى قرصان حرّ باحث عن الحقيقة، أما عندما يعود نهارا عبدا للمنظومة، فهو Mr Anderson، و كذلك كان يسمّيه العميل سميث. لكن كان هناك شخص آخر في الفيلم يناديه بذات الإسم : لقد كان رئيسه في العمل. شركة ميتاكورتكس للبرمجيات، شركة مرموقة تذكرنا بشركة مماثلة كانت تحظى بنجاح مرعب في تلك الفترة (1999) إثر إصدار نظام تشغيلها الجديد، و تمّ اتهامها بالاحتكار فيما كان رئيسها ينعم بتتويجه الأغنى في العالم... أنا لا أجزم بشيء هنا سوى التالي : العنصر الثاني المهمّ الذي يحمي المنظومة، هم رجال الأعمال كبارهم و صغارهم، إنّهم من يستعبدونك، و يبنون بعرقك قلاعا من القوانين و الثروات تحميهم من أبنائك الذين سيولدون غدا أشقياء! فمن تراهم العنصر الثالث؟ عودة سريعة إلى مشهد Neo الأول قد تجيبنا عن السؤال : كان الفتى غارقا في نومه بينما تتواتر على شاشة الكمبيوتر أغلفة الجرائد العالمية، نميز بينها جريدة النهار اللبنانية، و أحداثا هنا و هناك، فجأة ينقطع كلّ ذلك ليترك المجال لترينيتي لتتكلم و ليستيقظ الفتى. كانت ترينيتي هي صوت الحقيقة الذي يجب أن يسمع، بينما كان كلام الصحافة، هو الهراء الذي يجب أن لا يُسمع!
لكنّ مورفيوس يستطرد فيقول: حينما تكون داخل الماتركس ماذا ترى؟ رجال أعمال؟ معلمين؟ محامين؟ نجارين؟ عقول كلّ الناس الذين نحاول إنقاذهم. و لكن مالم ننقذهم، فهم لايزالون جزءا من المنظومة، و هو ما يجعل منهم أعداءنا. يجب أن تفهم أن أغلب الناس ليسوا جاهزين للانعتاق. و أغلبهم خاملون و متعلقون بالمنظومة إلى درجة من البؤس تجعلهم يقاتلون ليدافعوا عنها. 
و هو مقطع كفيل بشرح موقف المخرجين من العالم تماما!

يمكن أن نفسر بساطة الخطّ السرديّ في الفيلم، بكثافة المادّة المقدّمة. و مع كلّ الإحالات الأدبية التي تحدّثت عنها، و الإحالات السينمائية التي ذكرتها في الجزء السابق، نجد في الفيلم حضورا لافتا للجانب الدينيّ. و هي مسألة مهمّة جدا، و ربما مثيرة للحيرة كما سأبيّن.
يوجد في الفيلم معجمان دينيّان حاضران بشدّة، إضافة إلى الميثولوجيا اليونانية. فأما عن الميثولوجيا، فنجدها خصوصا في الأسماء (مورفيوس إله الأحلام، الأوراكل العرّافة) و حضور الميثولوجيا برأيي زخرفيّ لا يمكن أن يفيدنا بأفكار إضافية (ربما في الجزء الثاني، حينما ظهرت برسفونة...). و أما عن المعجمين الدينيّين، فأوّلهما المعجم البوذيّ، حيث نجد حضور الطفل البوذي الذي يتدرّب (و يدرّب) على نكران المادّة، و على إعلاء الإدراك الذاتيّ (لا تحاول أن تثنيَ الملعقة فهذا مستحيل، لكن حاول أن تدرك الحقيقة : لا توجد ملعقة!). كما يحثّ مورفيوس تلميذَه على نبذ حواسّه و الموجودات من حوله، و التأمّل في ذاته. "حرّر عقلك"، هي العبارة التي سترسخ في الأذهان بعد جولة Neo التدريبية، فلا شيء من حولنا حقيقيّ، كلّ شيء زائف، و الحقيقة الوحيدة هي ذواتنا، هي تفكيرنا... هل أتحدث عن فلسفة بوذية أم ديكارتية؟

هل يمكن من خلال هذا المنظور، أن نقول إن في الماتركس دعوة خفيّة لنبذ الحسيّ و الاحتفاء بالروحانيات؟ هل يمكن أن يكون الماتركس صوفيَّ النزعة؟ السؤال محيّر حقا، خصوصا و أن الأخوين قدّما الإجابة في مشهدين مهمّين في الفيلم : في المشهد الأول، نرى Cypher و هو يتلذّذ بشريحة لحم ربما لن تجد أجمل منها و أشهى في تاريخ السينما الأمريكية. يتساءل Cypher في إنكار عن قيمة معرفة الحقيقة حينما تحرمه من لذّة التمتّع بهذه الشريحة. هو يعرف أنها وهمية زائفة، لكن ماذا عن الإحساس الذي تحدثه في ذهنه؟ كيف يمكن أن لا يكون حقيقيا؟
في المشهد الموالي مباشرة، نجد فريق مورفيوس مجتمعا للعشاء في المركبة، يقدّم الطعام إلى Neo، نراه مقزّزا، مع نصائح للفتى بسدّ منخريه و التهامه بسرعة. لو أخذنا بالفكرة السابقة، فالمسألة منطقية، و يفترض من المشاهد ( و Neo ربما) أن يقول إن كل هذا ليس حقيقيا، ما يهمّ من الطعام هو منفعته التي تسري في الجسم مثلما ذكّر بذلك Dozer. لكنّ تدخّل الفتى Mouse يسقط هذا الافتراض إذ يقول :"أن ننكر شهواتنا الكامنة، هو ننكر أهم ما يجعلنا بشرا"، و يتركنا بذلك في حيرة من زاوية النظر الحقيقية التي يدفع إليها المخرجان. ربما في النهاية هما حائران مثلنا!

لكن بخصوص المعجم الدينيّ التالي، يبدو المخرجان أقل حيرة و أكثر اندفاعا. لأننا لا نجد هذا المعجم في تفاصيل الفيلم فحسب، بل في هيكله كأنّه قدّ عليه. فمنذ بداية الفيلم، يوصف Neo بالمخلّص من قبل الحريف الذي جاءه إلى شقته. ثمّ تتراكم التشبيهات لنكتشف أن لـNeo هوية ثالثة بخلاف المبرمج المستعبد، و القرصان الحرّ. فهو أيضا الواحد المحرّر The One الذي تحدثت عنه النبؤات، و الذي يبحث عنه مورفيوس. هنا ندرك أن One هي تشكيل مغاير للفظة Neo. ثم يخيّل إلينا أنّ هذا هو السّبب وراء تسمية Trinity : إن المعجم المسيحيّ يسيطر على الفيلم تماما!
لا أتحدث عن مجرّد تسميات هنا. أنا أتحدث عن تطابق شديد، يجعل من Neo صورة للمسيح : فبداية هو من تكهنت به العرافة، و هو من انتظر قدومه المؤمنون به (مورفيوس) لينهيَ الحرب، و يخلّص الناس و يحرّرهم من العبودية و يحرّر مدينتهم الوحيدة الباقية : القدس (Zion). و لأن ذلك لا يكفي، فالفيلم يظهر مورفيوس على أنه عرّاب المسيح، و أصحابه هم الحواريّون، حيث أن العشاء الذي تحدثت عنه بدا كأنّه العشاء الأخير، قبل الخيانة، فحضر الجميع إلا Cypher الخائن (لم يكن المخرجان قادرين على استحضار مورفيوس من البداية لأسباب تتعلق بالسيناريو).
و لأن المسيح يأتي بالمعجزات، فمعجزات Neo لم تنته منذ أعلن أنه فعلا المخلّص : واجه العميل سميث الذي لا يُقهر و قهره، حرّر مورفيوس من براثن العملاء، و الأهمّ من كل ذلك أن عاد من الموت، بقدرات إلهية. في الأجزاء التالية تتبلور معجزاته أكثر، و يتهاتف عليه الناس طلبا لبركاته، لكنّ هذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا تأويل ذلك. فالأخوان يبديان من خلال Neo لا مجرّد استحضار لميثولوجيا مسيحية ثرية و ممتعة و مسليّة، بل حماسا واضحا لفكرة المخلّص. كأنّهما يقولان : نحن بحاجة إلى المخلّص أمام كل هؤلاء الطغاة! نحن بحاجة إلى عودة المسيح، أو بحاجة إلى النبيّ الجديد. لقد كان Neo ضائعا (يشي بذلك فصل "العدميّة" في كتاب بودغياغ الذي كان يخفي فيه ما سوف يبيعه)، ثم أصبح في النهاية محرّرا. هذا يقودنا إلى تفصيل مهمّ أثار ضجّة صغيرة حينما عرض الماتركس لأول مرة : Zion.
زايون، أو صهيون، هي المدينة التي أنشأها البشر المتحرّرون من سطوة الماتركس في عالم الواقع. إنها مدينة المقاومة، و هي المدينة التي تحاول الآلات الذكية إيجاد مفاتيحها لاقتحامها و تدميرها. و الإسم طبعا مأخوذ من ذات المعجم المسيحيّ الإنجيليّ، حيث إن Zion هي مدينة القدس في الكتاب المقدّس، و التي تحمل أسماء عديدة أخرى. و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن طبعا، هو الغاية من اختيار هذا الإسم. لأن المخرجين أثبتا أنهما لا يتركان الكثير للصدف، و أنهما شغوفان بالمعاني الخفية، و الرموز. ما الذي يفترض أن يعنيه وجود القدس هنا؟ بإسم Zion المقترن في عصرنا بحركة عنصرية هي الأشرس و الأكثر دموية؟ هل تراها فكرة الأخوين فيشُفسكي عن الحرية؟ أم تراها حماسا مفرطا تجاه الأدبيات الإنجيلية لا غير؟


لا تنتهي الرموز و المرجعيات عند هذا الحدّ، و يبدو أن المشاهدات المتكرّرة لا تكفي للإحاطة بما أورده المخرجان عمدا أو عفوا في الفيلم، إذ أنّ اختلاف الاختصاص و المعارف يمكن أن يؤدّي بالمشاهد إلى رؤية الفيلم بشكل مخالف. ففضلا عن عالم السايبر و المعلوماتية، و العوالم الدينية و الفلسفية و الأدبية التي أشرنا إليها سابقا، توجد عوالم أخرى مختبئة. تحدث بعضهم عن علم التشريح، و عن البيولوجيا، و عن فزياء الكمّ!
و فضلا عن ذلك، فهو مليء بالأفكار و التساؤلات و القضايا المختلفة التي يمكن أن نراها في كلّ مشهد تقريبا. لكن، من المفيد التوقف عند أهمّها. لقد أشرت من خلال المقاربة مع المسيحيّة، إلى فكرة الرجل المخلّص التي قد يتبناها المخرجان. كما أشرت إلى فكرة الخيال كسلاح في مواجهة الواقع انطلاقا من الأدبيات التي تبنّياها. و لم أنس الحديث عن مسألة الكوجيتو و ما قدّمته للماتركس من تساؤل بخصوص الوهم الحسيّ. 

تطرح شخصية العرّافة Oracle تساؤلات جديرة بالاهتمام عن تسيير الإنسان و تخييره. سوف يتبلور التساؤل أكثر في الجزء الثاني، خصوصا مع ظهور شخصية المعماريّ The architect، لكن قبل ذلك يمكن لنا أن نتساءل بخصوص ما قالته العرّافة: لماذا تعتقد أنها لا تستطيع أن تمنع تهشم المزهرية و هي تعلم بتهشّمها مسبقا؟ لماذا الإصرار على خيار "خاطئ"؟ ألا يذكرنا هذا التساؤل بتلك التساؤلات الدينية الشهيرة بخصوص تخيير الله للإنسان؟ إذا كانت خيارات الإنسان معروفة مسبقا، فما معنى أن يختار؟ لقد خُيّر Neo بين أن ينقذ نفسه و بين إنقاذ مورفيوس، و لقد اختار الإيثار، أفلم تكن العرافة على علم بذلك؟ لماذا تترك له الخيار؟ ربما لأنّ فكرة الخيار هي ما يصنع الخيار نفسه. و ربما لأنه معدوم حقا. Neo في النهاية لم يختر أن يكون المخلّص، لقد أخذته الأحداث إلى نفسه!

أما Cypher فأعتقد أن شخصيته تحتاج إلى مقالة منفردة. لكن أجمل ما قدّم في شخصية Cypher هي أن منطقه لا يجعله جبانا خائفا من مواجهة الحقيقة بقدر ما هو صاحب حكمة مختلفة. إنه أيضا صاحب موقف، و خيار. لقد مارس خياره حتى نهايته، و لقد مات في سبيل ذلك. من الخطإ إذا تشبيه Cypher بأولئك الحمقى الذين يملأون الفضاء من حولنا، كلّ همّهم أن يشبعوا لذاتهم دون أن يعرفوا لذلك سببا. إن Cypher عرف الألم، و اكتشف الحقيقة قبل أن يقرّر. إنه يعلّمنا كيف أن الوهم يمكن أن تكون غاية بحدّ ذاتها.


و تبقى شخصية العميل سميث، هي الأكثر جاذبية من بين شخصيات هذا الفيلم، و أبقاها. لم يكن إسمه أيضا عبثيا. فهو مثل إسميْ زميليه Jones و Brown، عامّ لا يعني سوى أنه "امرؤ ما". عمد المخرجان إلى هذه الأسماء، للدلالة على أن العدوّ هو الآخر قطعا. هو كلّ من لم يصبح حرّا. لكنّ العميل Smith يمتلك ميزات خاصة سنكتشفها في الأجزاء التالية. ما يهمّنا في هذا الجزء، هو الملاحظة التي أبداها بخصوص الجنس البشريّ. يقول العميل الشرس و هو يستنطق مورفيوس :"أحب أن أعترف لك بأمر مهم توصّلت إليه خلال فترة مكوثي هنا، كنت أحاول ايجاد تصنيف ما لجنسكم. و قد انتهيت إلى استحالة أن تكونوا من الثديات. إن كل أنواع الثديات على كوكب الأرض، تساهم بشكل غريزيّ في احداث توازن مع البيئة المحيطة بها، و هو ما لا تفعلونه أيها البشر.
تنتقلون من مكان إلى آخر بلا هوادة، و تتكاثرون بلا توقف، حتى تٌستهلك كل موارد الطبيعة عن آخرها. طريقتكم الوحيدة في الاستمرار، هي الانتقال إلى مكان آخر، و التكاثر مرة أخرى.. و الواضح أنه لا يوجد كائن عضوي آخر يمارس هذا الأمر على الأرض، إلا كائن عضويّ وحيد. هل تعرف ما هو هذا الكائن؟ إنه الفيروس. الفيروس. إن البشر وباء، سرطان هذه الأرض." و رغم أنّ الفيروس ليس كائنا عضويا، إلا أن كلماته أتت بأكلها. إن المخرجين هنا يلعنان الجنس البشريّ، يعتبرانه في عبوديته لهذه المنظومة، لم يضرّ نفسه فحسب، بل أضرّ بما حوله. إن التحرّر هنا لم يعد ترفا، بل واجبا. إن الإنسان مجبل على الانعتاق من هذه المنظومة، رأفة بمحيطه البائس.


يبدو لي من المحال على فيلم واحد أن يحمل كلّ هذه المعاني و المباني دون أن يبدوَ على مشاهده الثقل و الازدحام، إلا أنّ الماتركس استطاع تحقيق المعادلة المستحيلة. فخرج إلينا مسليا، أنيقا، مليئا بالتساؤلات الفلسفية و المشاهد القتالية في آن. لكن هل إن الماتركس خالٍ من العيوب و النقائص؟ هذا ما سنراه في المقالة القادمة.

سايفر :"الجهل نعمة"

2 comments:

Hamza Lazâar said...

بصفتي من المعجبين بالأعمال التلفزية أو السينيمائية المليئة بالإيحائات و المراجع الأدبية و الفنية لا يمكنني إلا أن أشكرك على ما أضفته لي من خلال الإشارة إلى تفاصيل عن الفيلم كنت أجهلها.

Ferchichi Farooq said...

شكرا حمزة، تابع الجزء الخامس من المقال :)

There was an error in this gadget

Translate