Sunday, August 17, 2014

قارئة من الذاكرة

 أحمد يقرأ.
لستُ متأكدا إن كان أحمدا أم مريم. كنتُ منشغلا عن النصّ، ذاهلا عن القسم و من فيه.. للدقة، ليس كلّ من فيه. كان وقع خطواتها يوقّع دقات قلبي، و كنت أسترق النظر إليها كمن يسترق النظر إلى ذكرياته الحميميّة. أراها ترفع رأسها في ضجر، تحاول متابعة قراءة الصبية واحدا بعد آخر، لكنها تضيق بضجر لا بدّ منه، فتبعد عينيها الجميلتين بعيدا عن كتابها الذي يبدو أنيقا بين يديها.
فجأة، انتبهت إليّ، فأشرق وجهها بابتسامة لم أجد وقتا لتبيّن تفاصيلها و أنا أدفن وجهي في الكتاب مرتبكا. وقع خطاها يعيد إليّ هدوئي، أعيد تشكيل تفاصيل ابتسامتها في ذهني فإذا المشهد لطيف، لا يستحق خوفا أو ارتباكا، بل لعلّها ابتسامة مستزيدة!

وقع الخطوات المتأني إياه. أرفع رأسي في حذر، تطالعني قامتها الأنيقة و هي تسير في شرود. غلبني الإبتسام. إنها مثلي ملول لا تحب أن تفعل شيئا إلا أن تحبه. قراءة النصوص حتى حفظها لم تكن يوما تصوّرها بشأن تدريس العربية. لكنّها مجبرة على ذلك أيضا. بعضهم لا يملك القدرة على وصل الحروف بعدُ. أحببتُ أن أداعبها خفية. أشرتُ لها بيدي دون أن أثير انتباه أحد. من الغريب أن الجميع كان غارقا في النصّ تماما. أما هي، فقد أفاقت من شرودها بإشارة يدي، و دون وعي منها خفضت رأسها نحو النص في ارتباكة سريعة، قبل أن تفلت منها ضحكة صامتة لم يشعر بها غيري.

ريم لا تزال تقرأ.
بينما أنا و أستاذتي نتبادل المداعبات اللطيفة السريّة. نقرأ النص بطريقة أخرى. أشعِرها أنها ليست وحدها في مللها. و أن هناك من يفهمها. و تشعرني أنني لا أحتاج إلى ابداء ما لا أطيق. و أنني أملك صديقا فريدا هنا. أحيانا، يشعر بنا "كريم" الذي يجلس قريبا مني. يحسدني على حظوتي. ربما يظنّ بنا الظنون، لكن من فينا يأبه لأفكاره الغريبة؟ كنت لا أزال صغيرا على الأفكار التي تراوده هو (كان يفوقني ببعض السنين) و كانت هي أكبر سنا من أن تفكر في أشياء سخيفة كهذه. ذات مرة، أخذنا الحديث إلى موسيقى Vangelis الشهيرة، "غزو الفردوس"، قالت لي إنها تملك نسخة، و دون تكلف طلبتها علنا. حينما قدّمت لي الشريط الممغنط (لأن الحكاية من زمن الشريط الممغنط)، انتبه "كريم" إلى صورة الغلاف، فلم يكتمها و هتف بها أن أريني الصورة أستاذتي. فأفردت يدها بالشريط أمام وجهه أن تفرج، قبل تسلمني الشريط.

ربما تهامس بعضهم هنا و هناك، في هذا القسم أو ربما في ذاك، الذي تدرّسه أيضا. لكننا لا نلقي بالا كثيرا. نتحدث طويلا في القسم أمام مرآى الجميع، عن مواضيع النصوص التي ندرسها، فيأخذنا الحديث و الانسجام إلى مواضيع أخرى.. كانت تحبّ كثيرا محاولاتي الإنشائية، و كنت أحبّ مواضيع الإنشاء لأنني أريد أن أكتب شيئا يمتعها. تقول للجمع الذين أمامها و هي تشير بورقتي : شكرا لهذا الفتى الذي يقرأ أشياء حقيقية، شكرا له لأنه يفيد مما يقرأ، و يسكب معارفه و ما اكتسبه على ورقته، ارتقوا قليلا إلى مستواه! ثم تنظر إليّ فأطرق برأسي خجلا.

كانت تتقبل جنوني على الورقة، تحتويه و تحاول توجيهه. أذكر أنني في ذلك الوقت أجرّب في اندفاع صبيّ. قد يخطر لي أن أمعن في السخرية، أو في المغامرة، أشحن النص بصور متأملة، بأسئلة و أفكار لا يزال ذهني مشحنا بها بعد قراءة هذا الكتاب أو ذاك. تنبهني إلى وجوب الإلتزام بالموضوع، لكنها لا تجزرني، يمتلكها الفضول لرؤيتي المشاهد التي أخلقها. ربما كنتُ بالنسبة لها تجربة فريدة، تنويعا مسليّا لكومة الأوراق المتشابهة كالخبز التي تصلحها. لكنني كنتُ أعتبر نفسي كاتبا، بل كاتبها المفضل!

حينما حملتُ إليها أول محاولة أكتبها في أدب السيرة، كنتُ فقط أنتظر أشياء من قبيل "جميلة" و "أحسنت" و "قد أصلحت لك أخطاءك"، لكنها بعد يومين نادتني و سألتني : أكل ما كتبتَ من وحي خيالك؟ و حينما نظرت إليها في استنكار، أضافت : أعني ما كتبته عن الإسكندر المقدوني، هل استندتَ إلى مراجع في ذلك؟ كان السؤال فاتحة حديث ذهلنا به عن القسم و عن ضرورة بدء الدرس، لكنها لم تنس أن تهمس لي في النهاية : "هذا نص يستحق النشر. لا يعقل أن لا تنشر أعمال كهذه. لا أعرف لكنني سأكلم المتفقدة بشأن ذلك.." طبعا لم أتذكر بعد ذلك شيئا من الدرس. كنتُ أحلم..

و لأن الحلم لا يدوم، فقد اختفت فجأة.. بل كنا نعلم. قالت لنا آخر السنة، إنها لن تواصل التدريس هنا. تحصلت على نقلة إلى مدرسة إعدادية في مدينتها. لم أحزن حقا لذلك. أنا لا أحزن ساعة الرحيل، و إنما ساعة الشوق و الافتقاد. ثم كانت هناك مشاريع تجعل ـ في نظر الصبيّ الذي كنتُه آنذاك ـ من الرحيل مسألة لا تعنيني كثيرا. سوف نظل حتما على اتصال. سوف ترسل إليّ بنجاح فكرة النشر، ربما ننشر قصصا أخرى. فلقد بدأت بالتفكير في حياة نابوليون.. ثم هناك مشروع الكتب المسموعة. عرضت عليّ أن نسجل "سهرت منه الليالي"، و كنتُ موافقا و متحمسا لجهاز التسجيل الذي أملكه و أريد الإفادة منه في خلق فنيّ ما، لكنها لسبب ما غامض لا أفهمه، أحجمت عن القدوم. ذكرت باسمة أشياء عن عائلتنا، و الإحراج الذي قد تسببه. ثم طلبت مني أن أجرب الأمر لوحدي... حينما أخبرتنا عن الرحيل، لم أفكر في كل ذلك لأنها الحقائق التي لا تتغير، و إن تغير مكانها. لكنني في السنة الموالية، استوعبت جدا معنى الرحيل..

سنوات مرت، و أنا أحمل صورتها في ذهني، مقترنة بقصة الإسكندر التي كتبتها صغيرا، ثم رحلت قبل أن أجد الوقت لأطورها و أحسنها مثلما تطوّرتُ. سنوات مرت، و أنا على يقين بأن شبحها سوف يظهر ذات مرة. حينما حللت بتلك المدينة التي اختطفتها، كنت أتلفت في كل اتجاه علني أخلق مصادفة سعيدة. النظارات ذات الإطار الغليظ، و العيون الذابلة، و الشعر الفاحم، كلها مقدّمة لذكريات طويلة عن قارئتي الاستثنائية، لكنني لا أعثر عليها. خمنتُ أنها تزوجت، و أنها ربما، باتت تدرس في المعهد، لكنني لم أفكر أبدا أنها تغيرت. ظلت صورتها الجميلة في ذهني كما هي، لم يمسها شيء من صدإ الذاكرة أو من رواسب التفكير المعقلن.
سنوات مرت، و فكرة أن أعثر عليها يوما، لم تمت البتة. يخفت بريقها أوقاتا طويلة، قبل أن تظهر فجأة في قالب جديد. لماذا لا أبحث عنها هنا؟ ماذا عن هذا الفضاء؟ أو هذه الجمعية؟ أتراها تزور هذا الموقع؟

سنوات مرت، و صار موقع فايسبوك امتدادا لحياتنا. امتدادا سيئا أحيانا.. كتبتُ اسمها هناك أكثر من مرة، و في كل مرة أرجع خائبا. ما الذي دفعني أن أعاود الكرة؟ كنتُ ناعسا أخترع السباب و الشتائم للبنّاء الذي أحال الحياة جحيما عند رأسي، حينما خطر ببالي أن أعيد البحث. لم أتساءل و إنما أطعت. هذه المرة، ظهرت لي صفحة امرأة تعمل بوزارة التربية. الإسم نفسه، لكنّ الصورة ليست لها. بل لا يمكن أن تكون اختيارها. هذه صورة توحي بذوق بسيط جدا، أو فقير جدا. ابتلعت ريقي، و فتحت الصفحة، قلت في نفسي إن تشابه الأسماء أمر وارد جدا، فاسمها ليس متفرّدا. ما هذا؟ هذه لافتة من تلك اللافتات البائسة التي تغرق الفايسبوك، تلك اللافتات التي تقول كلاما يوحي بالحكمة، و يبطن افتقارا حادّا للثقافة. لا، لا يمكن أن تكون هي. هناك في جزء آخر من الصفحة، اشارة إلى بعض ما تتابع هنا. صفحات كثيرة عن المعلومات المفيدة التي لا تعرف مصادرها، و أخرى عن الدكاترة أبطال التنمية البشرية، و صفحات دينية لم أشأ التوغل فيها... ثم .. فوجئت بصورتها، أو صورة شبح لها.
لممت شتات مخي حتى أتجاوز حدة نبضات قلبي، و رحت أعيد تركيب المشهد في صيغة أقل انفعالا، و أكثر موضوعية. إنها هي و لا شك. ربما تجاوزت الأربعين اليوم، بسنة أو سنتين. منذ تخرجها و هي غارقة في أطنان أوراق التلاميذ البائسة. ربما في مرحلة ما، فقدت شهية القراءة. ربما قبل ذلك، توقف وعيها بضرورة التطور، أو ربما بعد ذلك، تزوجت. هل هذه ابتسامة امرأة سعيدة؟ أعتقد أنها كذلك. شعرها الفاحم اختفى وراء حجاب لا يحجب مساحيق وجهها الذي ازداد بها بؤسا و ارهاقا.. أين النظارات؟ و أين ابتسامتها الساخرة؟ لماذا كل هذه الحكمة المفتعلة؟

و كما تستطيل الظلال وراء المرء في شارع خافت الإضاءة، تنامت فكرة مخيفة في ذهني، و أخذت تبتلع ذاكرتي. لم تعد الصورة الماثلة أمامي محلّ تساؤل، بل صارت ذاكرتي متهمة. و رحت أتساءل إن كان ما أذكره حقيقيا. تلك المشاهد المزروعة في رأسي، ليست صورا رقمية، و إنما التقطتها عينا صبيّ لم يعد له وجود. عيناي اليوم تعتمدان على تقنيات جديدة و ألوان جديدة و زوايا نظر جديدة، ربما أكثر تشاؤما، ربما أكثر دقة، أو ربما أكثر هستيريا، لكنها حتما ليست عينا الفتى الذي ترك لي تلك المشاهد في رأسي و ذهب.
ما الحقيقة إذا؟ أطلت النظر إلى الصفحة التي أمضيت سنوات في البحث عنها. أطلت النظر إلى زرّ طلب الصداقة، ثم فضلت أن أحتفظ بالحقيقة لنفسي..




1 comment:

haifa said...

قرأت النص باهتمام و كالعادة أهنئ لك طريقتك المشوقة في السرد. هناك بعض الأخطاء خاصة على مستوى التنقيط.
في ما يخص الحكاية أنا أحس بالأسف لأن يكون هذا حال المعلمين و الأساتذة في تونس. الهيكل التربوي سعى جاهدا لتمييع التلاميذ و إصدار نسخة نمطية للتلميذ التونسي تتسم بالغباء "المتقع" و إلى افراغ همم المدرسين و رسكلتهم ليخدموا هذا المخطط. ما عليك سوى أن تعيش مع تلك الصورة الراسخة في مخيلتك.

There was an error in this gadget

Translate