Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

2 comments:

Anonymous said...

=)
شكراً لهذا الكُتيّب الجميل، والذي لولاه ما كان من بين 200 أو العشرين البائٍسة؛ لديك قارِئة بائِسة هُنا وتتابع جديدك بشغف طفولي.

كُن بخير

Ferchichi Farooq said...

البائس وصفت به العدد الفقير للتفاعلات يا صديقتي العزيزة. أما أنت كقارئة، فسبب يحملني على المواصلة :)
دمتم لي

There was an error in this gadget

Translate