Sunday, March 30, 2014

أنا أكره التصنيفات!

اِسمحوا لي بمقدمة تاريخية مملة يا سادة. يقولون إن الحكايات ممتعة، و هي أكثر متعة حينما تكون حقيقية "ترو ستوري" كما يقول الاخوة في هوليود الشقيقة. يقول المثل (الذي اخترعتُه أنا للتوّ) أن العادة تسبق القاعدة، أو أنّ الواقع يسبق تصوّرنا له، أو أنّ الحقيقة تسبق طريقة تصوّرنا لها. أو أيّ شيء بهذا المعنى. خذ لك مثالا، اللغة.
من الغريب أن أكتشف أنّ البعض يعتقد بوجود قواعد النحو و الصرف و غيرها قبل اللغة نفسها. لا أعلم كثيرا عن بدايات النحو و علوم اللغات الأخرى. لكن للنحو العربيّ قصّة شهيرة، مفادُها أنّ أبا الأسود الدؤلي (لا تخف من الإسم) سمع رجلا (الواضح أنه ليس عربيّا) يتلو القرآن فيقول :"إنّما يخشى اللهُ من عباده العلماء" فجزع الدؤلي، و فكـّر أنه من الضروريّ إيجادُ علم يمكــّن الناس من النطق بطريقة سليمة، و من تجنّب اللـّحن عند التلاوة. هكذا ذهب الرجل إلى عليّ بن أبي طالب ليسأله المشورة، فيقول له عليّ كرم الله وجهه :" الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل." ثم يضيف :"اُنحُ نحو هذا." و هو ما شبّهه العبقريّ أحمد خالد توفيق بطالب دكتورا يتلقـّى التأطير من أستاذه العظيم.

المهمّ أن أبا الأسود حينئذ أرسى قواعد النحو، هل يعني ذلك أنّ الناس قبله لم تكن ترفع الفاعل و تنصب المفعول؟ هذا لغو طبعا، ما فعله أبو الأسود أنه أخبر الناس بقاعدة يستعملونها دون أن يشعروا مثلما أخبرنا نيوتن عن الجاذبية. و كما أنّ نيوتن لم يكتشف كل أسرار الجاذبية، فإنّ قواعد أبي الأسود لم تكن متناهية الدقة، و لم تفسّر الكثير من أسرار اللغة العربية. لك في "حتّى" التي أثارت حربا بين علماء البصرة و علماء الكوفة مثالا على ذلك.

أحدهم أرسل لي يتساءل أيهما مخطئ القرآن أم النحو، و ذلك بعدما لاحظ آيات تذكر جمع المؤنّث أو تؤنث جمع المذكر (من بعد ما جاءهم بالبينات). و هي مسألة شائكة معقدة ناقشها النحويون منذ عصر سيبويه ربما إلى اليوم، لكنّ ما أثار استغرابي هو السؤال الذي افتتح به قوله. فالقرآن قد نزل و لم يظهر علم النحو بعد. أما النحو فقد ظهر كما ذكرتُ سابقا استنادا إلى القرآن أساسا. فكيف يمكن أن يكون القرآن "مخطئا"؟ ثمّ ما معنى أن "يخطئ" القرآن لغويّا و قد جاء به رجل لغته العربية و لهجته التي رضعها هي الفصحى التي يتكلم بها العالم من حوله؟ و ما معنى أن "يخطئ" القرآن وسط هذا الجمع من الناس التي ولدت تتكلم بلهجته و حروفه؟

لكن دعونا نبتعد قليلا عن المسائل الدينيّة التي قد تزعج البعض، و دعونا نستمرّ مع اللغة. هذه المرة مع الشعر العربي. فالكثيرون أيضا يعتقدون بأن علم العروض سبق الشعر. و ربما كانوا يظنون أن عنترة العبسي و النابغة الذبياني، كانا يجلسان إلى الأرض الرمليّة يكتبان أبياتهما و يملآن المكان بالـ"شلطات" و الـ"عصافير" (تعرفون تلك الحركات التي نضعها تحت البيت لمعرفة تفعيلاته و استنتاج بحره). الواقع يقول غيرَ ذلك، الواقع يقول إنهما يفعلان ذلك دون أن يسمعا بالخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض. فهل تغضب؟
كان الشعراء يعوّلون أساسا على موسيقى الكلمة، من الجميع أن أنظم لك قولا يبدو مؤقّعا و فيه رنّة. يقول أولئك الذين ينكرون الشعر الجاهليّ، أن الشعر الجاهليّ غير ممكن في بيئة لم تعرف الموسيقى تطوّرا قطّ. لكنّ الحجة تنعكس عليهم، فالثقافة التي لم تطوّر الموسيقى، استعاضت عنها بالوقع الشعريّ. ربما لذلك يبدو لي الشعر العربيّ أكثر وقعا من غيره. جرّب قصيدة في المتقارب، و ستدهشك خفّة إيقاعه، إنه يفرض موسيقاه فرضا. و لأنّ الاعتماد على الأذن لوزن الشعر "موسيقيّا" يعني تسلل الهنات، فإنّ العروض أقرّ بها و استوعبها فيما يعرف بالزحافات و العلل.
لقد ظلّ شعرا رغم "علله" اذا، ذلك أن من سبقوا العروض هم من صنعوه، أما حينما تأتي بعد الخليل بشعر علله غير معروفة مثلا، أو بحره لم يضعه نحويّ قطّ، فآسف، أنت تهذر بما ليس شعرا! هذه طامة النقد الفنّي، و هذا هو بيت القصيد!

يضع النقاد و الدارسون و الخبراء و الأساتذة و الدكاترة قواعدهم بناء على ما سبق دائما. مشكلتهم ليست افتقارهم إلى الإبداع، و إنما افتقارهم إلى القدرة على استباق الإبداع أو تخيل ما يمكن أن يكون. لذلك تخرج قواعدهم أضيق من الإبداع في كثير من الأحيان.

بعض الأدباء و الشعراء يضيقون ذرعا بالتصنيفات و القواعد، من ذلك ما كان يصرّ على ذكره طه حسين قبل أن يبدأ قصّة ما، أن ما يلي ليس قصّة و لا رواية و لا مسرحية إنّما هو حديث لا غير، و ذلك كي يتخلـّص من تصانيف النقاد العبثية أحيانا. أذكر أن أحد الأساتذة العظام، كان يصرّ كلما قرأ "محاولة" قصصية قدّمها شاب إليه، أن يبحث فيها عن "شروط القصة"، سألته ماذا لو أخلّ بأحد هذه الشروط، فقال إنه لن يعتبرها كذلك. لم أفهم ما معنى أن "لا يعتبرها كذلك". هل تتحول حينئذ إلى قصيدة مثلا؟ أو إلى هذيان محموم؟
أحدهم راح يعدّد لي شروط القصة القصيرة، فقال إنها يجب أن تعتمد على الكثافة، و أن تقلّ من الشخصيات، و أن يتمحور القص حول حدث بعينه، الخ.. كل تلك الشروط التي لم أجدها في إحدى المجموعات القصصية التي كتبها أستاذ له. من أين يتعلمون هذه الشروط إذا؟ أم تـُراها قوانين لنكرات الأسماء؟

لم أسلم أنا أيضا من التشريح الأكاديميّ، رغم كوني نكرة (أو ربما لأنني كذلك). و أعترف هنا أن أغلب من يمارسون ذلك بلا هوادة هم أولئك الذين لا يزالون في طور الحماس لما يدرسون. أغلب من هم في سنّ متقدمة، أخضعوا معارفهم للمساءلة، باتت أحكامهم أقل أكاديمية، و أكثر مرونة. أما الآخرون، فيحتاجون إلى التصنيف و التقسيم و التشريح حتى لا يتوهوا.

هل يعني ذلك أننا لا نحتاج إلى النقد؟ هل يعني هذا أن التصنيفات الأدبية هي تصنيفات عبثية؟ لا أظنّ ذلك طبعا. إن دراسة الأدب و تقنينه مهمان من أجل الغربال. من أجل فرز النقيّ من الهجين، و الجيّد من الرديء. لكنّ سنّة الفنّ أن يتجاوز نفسه، و كذلك نقده و دراسته يجب أن تتجاوز نفسها دائما حتى تستوعب جنوح الفنّ و جنونه.
إنّ إيجاد معيار ثابت نتبع به تجارب الفنّ و رحلاته فنشدّ على يد هذه الرحلة و نشذب تلك. لكنّ هذا يقودنا إلى فلسفات و مدارس قد لا يتسع المقام لذكرها. لكنّها هناك حتما. تلك التي استخدمها المحكّمون يوما في سوق عكاظ و تلك التي فاضل بها سيف الدولة بين أبي الطيب و أبي فراس. رحم الله أبا العتاهية، الأكبر من العروض!



2 comments:

Rami ZARROUKI said...

"أذكر أن أحد الأساتذة العظام، كان يصرّ كلما قرأ "محاولة" قصصية قدّمها شاب إليه، أن يبحث فيها عن "شروط القصة"، سألته ماذا لو أخلّ بأحد هذه الشروط، فقال إنه لن يعتبرها كذلك. لم أفهم ما معنى أن "لا يعتبرها كذلك". هل تتحول حينئذ إلى قصيدة مثلا؟ أو إلى هذيان محموم؟"


أحد الاساتذة "العضام".. نفهم فيك..
تتفكر النقاش الي دار في قليبية حول "مقومات القصة"؟

Ferchichi Farooq said...

تفكرته و انا نكتب في الفقرة هذه تحديدا :)

There was an error in this gadget

Translate