Saturday, March 15, 2014

الشـيءُ و القــمرةُ

تململ القلم بين أناملي، و خطّ في امتعاض تلك المفردة الغريبة. لماذا تنظر إليّ هكذا؟ اكتب و لا تتدخل في ما لا يعنيك. لكنّ القلم كان من أهل التجارب فعلا. تتالت الرسائل و التعليقات، متسائلة عن معنى مفردة "قمرة" التي استعملتها. من أين أتيتَ بها و ماذا تريد بها أن تقول؟ أسرع القلم بتغييرها و هو يلهج بالأسف. معذرة يا سادة على هذا الخطإ التقنيّ. كان صاحبي يريد بالقول : كاميرا. لكنّ لسانه ينزلق عن العربية أحيانا.

يقول كهل تجاوز الأستاذية بكتاب أو ندوتين، أن ما في ذلك بأس، الشباب يخطئون، و المهم ما يمكن أن يقدّموه لاحقا. هذا شاب يكتب أشياء لا بأس بها. فلنشجّعه (أي فلنقبل رداءته).
أما أنا فقلتُ للقمرة إنني آسف، ربما لا مكان لكِ في العشرين. فهذا عصر اaلكاميرا. أما أنتِ فلكِ أن تعودي من حيث جئت، من القرن العاشر. قولي لابن الهيثم أنّنا أخذنا علم المناظر الذي وضعه للعالم، لكنّ تسمياته الركيكة لم تعد تناسبنا. ما الذي دعاه أن يسميَ غرفة العين المظلمة قمرة؟ ألأنها تشبه ظلمة القمر الذي ينير ليلنا مثلا؟ هذه أشياء شاعرية سخيفة، لا تناسب روحا علمية صارمة. انظر إلى الإخوة اللاتينيّين كيف أسموها من بعدك : كَامارا! ألا ترى كم الإسم مبتكر؟ ألا ترى كم هو لا يشبه ما أتيتَ به أنت؟ لذلك سنستخدم بعدك بقرون مفردة كاميرا للدلالة على جهاز التقاط الصور و سنضحك ساخرين من "قمرة".. إنها تبدو تعريبا ركيكا للكلمة اللاتينية الرقيقة : كاميرا!

حينما قال بن خَلدون تلك العبارة الشهيرة "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده." لم تقف عبقريته عند هذا الرؤية التحليلية ذات النظرة البعيدة، بل إن المثال الذي ساقه كان بمثابة نذير لما ستؤول إليه الأحوال فيما بعد "كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم و شاراتهم و الكثير من عوائدهم و أحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدان و المصانع و البيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء و الأمر لله."
فمثال الأندلس الحيّ الماثل أمام عينيه، كان نموذجا دقيقا لما يمكن أن يحصل في بقية المجتمعات العربية و مجتمعات شمال افريقيا خصوصا. و قد سبق بن خلدون سقوط غرناطة بأكثر من مائة سنة، لكنه كان يعلم أن "الاستيلاء" قد حصل بالفعل. و لئن ذابت الأندلس كأنما لم تكن، فلن أستغربَ أن تذوب تونس أيضا و ربما تحلّ محلّها "تينيزي"، فالاستيلاء حاصل بالفعل، و الناس لا ترى الا بأعين أسيادها، و لكن هذا ليس موضوعنا. ما يثيرني هو تلك الحجج الواهية التي يفتشون عنها و ينسجونها حتى يقنعوا بها أنفسهم و يناموا قريري الأعين بما صنعت أيديهم.

في كل مرة تحاول الدولة أن تتقدم خطوة في طريق التعريب، إلا و تواجه حملة شعواء سرعانما يتبناها العامّة، أولئك الذين يرفضون كلّ جديد من مبدإ أن ما اعتادوه هو الأفضل (إلا أن يكون قادما من الغالب كما تفرض قاعدة بن خَلدون). رفضوا تعريب التعليم الابتدائي بداية، ثم رفضوا فكرة التعليم الأساسي الذي مدّد استعمال العربية في العلوم إلى حدود السنة الثالثة من التعليم الثانوي (سابقا) أو السنة التاسعة بالنظام الجديد. و كانت حجّتهم في ذلك أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب العلوم، كما أنّ تغيير لغة التدريس قد يؤدّي إلى .. لا أعرف، من الواضح أنه يؤدّي إلى أمر خطير لا أفهمه.. و أذكر طبعا أيام السخرية من تدريس الرياضيات بالعربية في القناة الليبية. (و فد فاتهم أن علماء الفيزياء العراقيين الذين دأبت إسرائيل على اغتيالهم درسوا الرياضيات باللغة العربية..) ..
طبعا تجربة التعريب في تونس يمكن مناقشتها، و مناقشة مسائل عديدة فيها و خصوصا اختيار المصطلحات، كما أن تعريب العلوم في الدول العربية يشتكي خصوصا من غياب الجدّية في توحيد المفردات و تركيز استراتيجيا كاملة للتعريب.) لكن حينما نتحدث عن التعليم الثانويّ، فنحن نتحدث عن مسائل أساسية في العلوم ظهرت منذ أكثر من 3 قرون في أفضل الأحوال..
قال لي أحدهم بنبرة حداثية ساخرة " اي كومون تي فا اغابيزي لا تغيكونوميتغي؟" يعني و كيف ستعرّب علم المثلثات؟ طبعا ذلك على أساس أن علم المثلثات لم يكن علما معروفا عند العرب أصلا أخذه الإيطاليون عنــّا. أتخيل هنا، لو أن التلميذ عرف أن الـ Tangente نسمّيها الظلّ لأنها قسمة الضلع المقابل على الضلع المجاور و هما يبدوان كعمود و ظلّه، هل كان سيحتاج إلى أيام و أشهر لحفظ ذلك و استيعابه؟ و ماذا لو عرف التلميذ أن لفظة Sinus الغريبة التي حفظها هكذا، إن هي إلا الترجمة اللاتينيّة للعبارة العربية "جيب"، ألم يكن ذلك ليسهل الأمور و لو قليلا؟ ألم يكن ليضفيَ معنى لما يدرسه التلميذ؟

إن المسألة لا تتعلق بمعضلة الترجمة، أو بتخلّف العربية عن سباق الحضارة (و المسألة مطروحة بالفعل)، و إنما بتلك النفسية المنهزمة المغلوبة، بتلك الروح الصغيرة التي تصرّ أن تكون "سانشو" التابع، لا "دون كيشوت" صانع البطولة. إنها تلك الروح التي ترى في كاميرا لفظة أكثر أصالة من اللفظ الأصلي، لأنّ أصابع الإله الغربيّ امتدّت لها. تتصفّح رواية سمرقند للكاتب الفرنسي أمين معلوف فتطالعك قصّة "الشيء"، اللفظة التي كان عمر الخيام يستعملها للدلالة على القيمة المجهولة في معادلاته المعقدة، و التي كتبها الاسبان كما هي فيما بعد "Xay" لتتحول عند علماء الرياضيات فيما بعد إلى حرف X الشهير.. تبتسم في تأثر و تقول "ذيس از كيوت" أو هذا لطيف، لكنّك ستضحك كالمجنون لو رأيت حرف الشين في المعادلات الرياضية، أو قال أحدهم "شيء" عوض "ايكس".. ربما لو لم تقرأ ذلك بالفرنسية (سمرقند) لكنت قد ضحكت في جنون منذ سمعت بالفكرة أصلا. ذلك أن روحك الخانعة تكره أن تكون أنت. أنت شخص مهزوم، لذلك يجب أن تمّحي، يجب أن يحلّ محلّك "ظلّ التمام".. صورة معكوسة مثلا للأصل. يجب أن تظل مرآة للفرسان الحقيقيين، يرون فيها وجوههم.. ستقول إن بطولات دون كيشوت زائفة لم توجد إلا في مخيّلته.. ربما كانت الحضارة أيضا بطولات زائفة.. لكنّ اسم دون كيشوت بقي، بينما لا يُذكر عن سانشو إلا أنه كان تابعا..

قال لي الأستاذ، ما جعلك تستعمل اسماء أشهر شرقية، و لنا أسماء أشهر عريقة في تاريخنا، إلا حذلقة ما كان لها من داع. ما جعلني أفعل ذلك يا أستاذ، هو لسان العرب. و اعذر جهلي بما تعلمه، و لكنّ لسان العرب لا يعرف شهر أكتوبر هذا، و إنما يعرف شهر تِشرين، و حتى الشعراء يا سيّدي تمادوا في جهلهم، فإذا بنُ زيدون يقول
 

كيفَ اصطِباري وَفي كانونَ فارَقَنِي ـــــ قَلْبِي، وهَا نحن في أعقابِ تشرِينِ؟
و هو أكثر "غربا" منّــا، و أبعد عن الشرق منا! أما الشرق يا سيدي الكريم، فلعلــه أكثر "علما" من سيادتكم، فدول الخليج تقول "فبراير" عن شباط، و تقول "أبريل" كما نقول نحن "أفريل".. الفرق البسيط بيننا، انهم "سانشو" البريطانيين الذين يقولون Februar و April و نحن "سانشو" الفرنجة أو الفرنسيين الذين يقولون Février و Avril.. و حتى أجدادنا الذين عرفوا الرومان و عاشوا تحت سلطتهم، كانت أسماء الأشهر عندهم أقرب إلى العربية من أسماء الأشهر عندنا.. و لكن لا بأس، فأنت يا أستاذ تعلم ما لا نعلم.

تهمة الانغلاق جاهزة و معروفة، يمكن أن تردّ عليها قائمة قراءاتي يمين هذا المقال، لكن لا بأس من التأكيد على شغفي بتاريخ فرنسا و بكتب بريطانيا.. أنا فقط أكره التكرار لا غير.. 


Iori Yagami
15 آذار 2014

3 comments:

Anonymous said...

يعجبني اسلوبك الساخر في الكتابة، وأنا اقرا هذه الأسطر بدا لي أنك منفعل وتبالغ أحيانا في تناولك للموضوع لكنني تأملت حولي وجدت الواقع شبيها بما قرأته شعرت بالاحباط فعلا أنا شخص مهزوم

Samih said...

تدوينة متميزة .
ولكن أسمعت لو ناديت حيا

Ferchichi Farooq said...

سأظل أصرخ حتى يستيقظ الأموات

There was an error in this gadget

Translate