Sunday, September 9, 2012

حديث في الهوية ـ 1 ـ

تفاديتُ دوما الخوض في مسألة الهوية، لأمور كثيرة، أولها أنني لن أبلغ الضفة الاخرى مهما توغّلت في المعنى، و مهما أجدتُ التوغل، و ثانيها أنها تستلزم نمط كتابة مرهق أيما ارهاق، لا يتحمله الوقت النادر الذي يتاح لي. و ثالثها أنني لا أحبّ للقارئ أن يزج بقولي في معترك المطاحنات السياسية الحاصلة في البلاد، فيتعبرها انتصارا لجهة ما. 

لكن أعتقد اليوم أن الحاجة ملحّة لمعرفة من نحن، لما أراه من لخبطة تاريخية و حضارية في أحاديثنا و أفكارنا. و أيضا تمهيدا لما قد أكتب لاحقا في خصوص مشاكلنا مع التاريخ و هو من أوثق مشاكلنا و أكثرها اثارة للصداع...

و كان لكتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة" أثر كبير في قراري الخوض في الأمر، لسببين : الاول أن أغلب من عرفتهم قد قرأوا الكتاب، أساؤوا قراءته أو لعلهم تعمدوا الاساءة في قراءته، فأخذوا بعضه و تركوا البعض الآخر. و لكنني سأحسن الظن، و أحاول تبيين ما نقص من قراءتهم بما أوتيت من مودّة. أما الثاني، فلأن الكتاب و قد اجتهد صاحبه في تنظيم أركانه و فصوله، قد سهّل لي مهمة الخوض في المسألة، و تشكيل حديث على شيء من التناسق، من فوضى الافكار المتناثرة في اركان خلاياي الرمادية.

لا يعني هذا أنني سأكتفي بتلخيص قول أمين معلوف في هذه الاسطر المعدودات و امضي هانئ البال، فلئن أعجبني اجتهاد الرجل و حسن قوله و دقّة عباراته، فإنني لا ازال أؤاخذ عليه مناقضته لنفسه بين قسميْ الكتاب. و لعلّ ذلك ما أحدث المغالطة التي تبناها أكثر من قرأوا الكتاب، فكأنهم قرأوا جزءه الأول دون الثاني.

و لكي لا يكون الكلام ضاربا في التجرّد، أذكّر أن الكتاب تحدّث عن شكلين من الهويّة، هوية الفرد، و هوية الجماعة. فبيّن من خلال الهوية الفردية، خصوصيات الهوية، فهي ليست قالبا، و القالب كما تعلمون، هو ما يشكل أجساما متماهية تمام التماهي، فهل الهوية كذلك؟ طبعا يسهل دحض الامر بمجرد تطلع المرء إلى أول شخص آخر يصادفه.
و الهوية أيضا ليست أحادية الخليّة، بل هي مركّبة شديدة التركيب و التعقيد، إلى حدّ يصعب تكراره و هو ما يجعل قولبتها مستحيلة. فكل امرئ متفرّد بذاته من خلال الروافد التي شكلت هويّته : عائلته، زمن ولادته، الناس الذين عرفهم، الكتب التي لم يقرأها، الحوادث التي عاشها أو عايشها، الحب الذي آلمه، الدين الذي دان به، الربّ الذي عبده، اللغة التي شتم بها، الفيلم الذي اعجبه، التاريخ الذي لم يعرفه، العظماء الذين تأثر بهم، العادات التي أنكرها، و حتى الفريق الذي تعصب له... كلها روافد تشكّل هوية المرء، و تختصرها الدولة في رسم تسلسليّ على بطاقة بلاستيكية صغيرة. اما نحن فنختصرها كل حسب أفكاره إلى "تونسيّ" أو "عربيّ" أو "مسلم" أو "انسان"... و هذا الاختصار هو لبّ حديث أمين معلوف كله و منتهاه كما سأبيّن لاحقا.. 

و فضلا عن القولبة، فللهوية سمة الحركية (الديناميكية)، فهويّة المرء حين ولادته تختلف حتما عن هويته حين وفاته. و لا يمكن لشخص أن يظل نفسه و لو عزلوه سنين طوال، لأن الهوية تنمو و تتحوّل كما الجسد تماما، او تباعا للدقة.

من أنا؟ انا اذا خليط تشكل قبل ولادتي فورثته، و خليط تشكل بعد ولادتي فعشته. أنا اسمي الذي لم يسمّ به غيري و الذي ينتهي عند أول البشر. و اسمي لو عرفته لاختزل أمورا كثيرة في هذا الموقف، ففيه مفردات من الجزيرة العربية، و أخرى من تركيا، و أخرى بربرية، و ربما بونية، و ربما عثرت في رحلتي على اسم مسيحيّ او اثنين، حتى اذا بلغتُ الاسماء اللوبية، أو القبصية، تلفتت في ذعر باحثا في ظلمة التاريخ عن بقيّة الطريق، فخبتُ، فعدتُ إلى حيث أنا و قد عرفتُ أن ما بلغني من هويّتي هو بعضها لا غير.

على أنّ الهويّة لا تشكّلها الثقافات فحسب، بل هي تؤثر عليها تأثيرا مباشرا و قويا، و تحدد سبل تشكلها و نموّها، لكنها قطعا لا تشكلها بمفردها. إن الهوية اكثر تعقيدا و خصوصية من الثقافة. فالثقافة جماعية بالاساس، لكنّ الهوية يمكن أن تكون فردية. و لعل من السليم القول إنّ الثقافة هي الهوية الجماعية. لكنني لن أتعمق في هذا المعنى لأن الصداع بدأ يكتنفني، و لأنني لم أرد بهذا القول إلا التمهيد للخوض في الهوية الجماعية، و هو بمثابة الخوض في الجحيم برأيي.

و لأنّ هوية المجتمع هي "هوية" بالاساس، فهي تحافظ على ذات خصائص هوية الفرد و ميزاته مع اختلاف بسيط في المصطلحات، فالتجربة عند الفرد، تصبح عند الجماعة تاريخا، و اللغة عند الجماعة لا يلتزم بها الفرد تماما، و انما لكل فرد لغة خاصة يختلف بها و يتميز بها عن اقرانه من الجماعة نفسها، (و هكذا، يتعرّف الناس بيسر و سهولة على الشخص الذي أعنيه حينما أقول "بحيث.. انما.. " و انثر النصوص القرآنية و النوادر في كل ركن من حديثي..*)، و تصبح آراء الجماعة و أفكارها، دينا، كما يمكن تسمية خيارات المرء في حياته (كطريقة الاكل و الشرب و اللباس و غيرها) عند الجماعة عادات و تقاليد.
فالهوية الجماعية تشكلها اللغة، و التاريخ و الدين و العادات و التقاليد. أو هذا ما درج علماء الاجتماع على اعتماده. لكن لا يجب أن ننسى ابدا، ان الهوية الجماعية ليست قالبا، و لا هي احادية الخلية، و لا هي ثابتة. و هو ما يقع فيه معظم الناس في توصيفهم لهوية مجتمع ما.

هكذا، ينظر اليوم بعض التونسيين إلى بعض الاصول العرقية التي تعرّفهم دون غيرها، فيقول إننا أمازيغ و لسنا عربا. و بنفس المنطق أيضا، يختصر المتديّن هويته في "الاسلام" فكلنا مسلمون، و هذا كافٍ عنده. بينما يحاول آخرون التخلص من هذا الصداع بالحديث عن "الهوية التونسية". من المحقّ و من المفتري؟ أين المشكلة وسط هذه الفوضى الفكرية تحديدا؟ أعتقد أنه من الافضل الاجابة عن كل ذلك في المقال التالي. 

(يتبع)




ـــــــــــــــــــــــــــ
* سيعرف التونسيون من القراء أنّ المعنيّ هو الباجي قايد السبسي، بيسر شديد. و قد اخترت مثلا يمكن تعرفه من اناس كثر. لكن الامثلة يمكن ان يقابلها المرء في حياته، فقط تأمل في أصدقائك و المقربين منك ستجد أمثلة كثيرة.

No comments:

There was an error in this gadget

Translate