Saturday, January 30, 2016

عناق الثعبان ولعنة العصر.

تحيلنا معلّقة فيلم "عناق الثعبان" الفرنسيّة إلى خضرة الأدغال الأمازونية التي لا يعادلها شيء، مع دعوة صريحة إلى رحلة ممتعة في قلب ما نسمّيه رئة العالم. وكما أنّ نيوب الليث لا تنبئ عن ابتسامه، فإنّ ألوان المعلّقة المغوية لا ينبئ عن فيلم بالألوان، ولا جمالها ينبئ بعالم سعيد.

أخرج الفيلمَ الكولومبيُّ ثيرو غويرّا Ciro Guerra منذ سنة تقريبا، وكان له وقعه في مهرجان كانّ الفارط فنال جائزة سيكا (الكونفيدرالية الدولية لسينما الفن والمحاولة) ورشّحته منذ مدة قصيرة أكاديمية فنون السينما لأوسكار الفيلم الأجنبيّ، وها أنا أرشحه لكم للمشاهدة.

يتابع "عناق الثعبان" ( El abrazo de la serpiente) لحظتين من حياة طبيب "بدائيّ" (كاراماكاتي) منعزلٍ في أحراش الأمازون. يفصل بين اللحظتين ثلاثون سنة من العمر، ورجلان قادمان من الغرب المستعمر بحثا عن نبتة اليكرونة الأسطورية. فأمّا الرجل الأول، فهو عالم طبيعة ألمانيّ داهمه مرض غريب في الأحراش ولم يجد له سكان المنطقة حلاّ إلا طلب معونة الطبيب الساحر. وأما الثاني، فهو أمريكيّ قرأ عن رحلة الأول في كتابه، فجاء بحثا عن نبتة اليكرونة الموصوفة ووجد الطبيبَ نفسه وقد أعفى عليه الزمن.

وبين الرحلتين، يتراقص ثيرو بنا وبحيرتنا. يأخذ ضيوفه في رحلة بحث عن نبتة أسطورية، ويأخذ نفسه في رحلة بحث عن نفسه، فمع الألمانيِّ كان يبحث عمّا تبقّى من قبيلته. كان شابّا متحمّسا لثقافته، معاديا للرجل الأبيض الذي جاء بالخراب إلى أرضه. أما مع الأمريكيّ، فقد صار شبحا (تشولالاكي كما يقول) فارغا من الروح، ومن الذكريات، وكان بحثه عن نفسه هذه المرّة أكثر رمزيّة ومأساوية. يستعيد في أحضان الثعبان المقدس، وعلى ضفافه صورا أو أشباح صور من الرحلة الأولى، ويستعيد المشاهد صورا من الاجتياح الغربيّ لأرض الأمريكيّين الأصليين : كنائس التبشير واسترقاقها للأطفال، صناعة اللدائن وهتكها لعرض الأشجار، تهجير القبائل، وتجويعهم وتشريدهم، محو اللغات الأصلية بإسم الحضارة، ومحو المعارف الميتافيزيقية بإسم العلم...

لم يكن غياب الألوان عن أحراش الأمازون الخلابة مجانيا. فهو لا يبحث أن يغريَنا بسحر المكان بقدر ما كان يريد أن يفزعنا بما حدث له. إننا أمام مأساة مكتملة التفاصيل ولسنا أمام دليل سياحة. بل يمكن الذهاب إلى أنّ ثيرو غويرّا يعاقب المشاهدَ الغربيّ بهذه الصورة المبتورة، لأنّه لا يستحقّ ألوانها. وكما يفضّل الغربيّون استعمال الأسود والأبيض في نقل مشاهد الدماء المقرفة، يفعل المخرج الكولومبيُّ الشيءَ ذاته للتخفيف من مشاهد الجريمة الحضاريّة البشعة.

ولئن انطوى هذا الخيار التقني على عبقرية كبيرة للمخرج، فإنّ اختيار العنوان برأيي كان أكثر خياراته توفيقا. لقد استطاع من خلال استعارة عناق الثعبان، أن يحمّل العنوانَ كلّ التعقيدات وكل المستويات المضمونيّة للفيلم. اِستقى المخرج العنوان من أسطورة الثعبان الذي نزل من السماء، من أعماق درب اللبّانة، ليشقّ طريقه المائيّ في أحراش الغابة ويمنحها الحياة. ما الذي يعنيه ثيرو بعناق الثعبان؟ هل هو عناق الأرض للنهر المانح للحياة؟ أم هو عناق الأمريكيّ الأصليّ للنهر في مقابل عناق الرجل الغربيّ له؟ تربكنا الصورة ويربكنا توغّل ثيرو في كلّ تعقيداتها من خلال العلاقات الدرامية المتشابكة التي صنعها بين شخصيّاته. لقد كان الساحر يتعامل مع مريضه الألمانيّ بعداء واضح لا يناسب طبيبا، وكان الأمريكيُّ يقدّم يد السلام إلى الأمازونيّ وهي تضمر شرّا ليست تدريه. لا شيء يشبه ما يبدو عليه، وتلك طبيعة الامبريالية التي يطاردها ثيرو عبر معانقة الثعبان.

تعرّف الإمبريالية على أنّها آخر مراحل الرأسمالية وأقساها، ولئن لم تظهر العبارة ولو تلميحا في الفيلم، إلا أنها تختصر كلّ تلك الأهوال التي صوّرها، وكلّ تلك اللعنات التي أطلقها. إنها لعنة تجاه الحداثة التي ألغت الميتافيزيقا تماما، واعتبرت أن العلم طريقها الوحيد إلى المعرفة، فإذا العلم عاجز أمام الأمراض، وإذا علماء النبات يبحثون عن خلاصهم عند سحرة القبائل البدائية. وإذا العلم محاولة متغطرسة ساذجة للسيطرة على الطبيعة بدل معانقتها والانغماس فيها. وهي أيضا لعنة تجاه الرأسمالية الصناعية، وما تحتويه من عداء فاضح للطبيعة واغتصاب أعمى لثرواتها (صناعة اللدائن هنا). وكذلك هي لعنة للعولمة، سلاح الامبرياليّة الحضاريّ، الذي ألغى الفروق، والملابس، والمعتقدات، واللغات...

لقد اهتمّت الرحلة بالجانب الحضاريّ بشدّة، ولا عجب أنّ الفيلم أنثروبولوجيّ بامتياز. ولقد بلغت المأساة الحضارية منتهاها في مشهد المسيح الدجّال وهو يأمر أتباعه من السكان الأصليين بأكل لحمه المقدّس. هؤلاء الأتباع الذين توحي طبيعة المكان والرحلة أنّهم امتداد لأولئك الأطفال الذين وقعوا ضحايا المبشّر المتطرّف الذي شيطن كل لغة عدا الإسبانية، وكلّ دين عدا دينه.

آخر ما يجب التنويه به، هو أن الفيلم مستوحى من كتابات العالم الألمانيّ تيودور كوخ غرونبرغ، وهو مهدى إلى "الشعوب التي نعرف أبدا أهازيجها". ولقد اعتمد على ممثّلين طبيعيين، استطاعوا ببراعة تستحق التقدير والاحترام أن ينقلوا مبادئهم الجميلة وموروثهم الثريّ، واستطاعوا أن يجعلوني أخرج من القاعة متحسّرا على تلك الأهازيج التي لن أسمعها أبدا.



No comments:

There was an error in this gadget

Translate