Tuesday, December 31, 2013

الدخول إلى الفراغ

لم يكن ديكارت يؤمن بالفراغ، بل كان يعتقد أن الكون مليء بالحبيبات الدقيقة التي تمرّ عبرها المادة كما يمرّ الجسم الصلب عبر الماء. و في زمن ليس ببعيد كان العلماء يقدّمون الأثير على أنه ما يحمل الذبذبات حينما لا يوجد هواء. كان الانسان يرفض فكرة الفراغ، و يلحّ في رفضه حتى تبيّن له أن الفراغ لا يملأ مساحات ضخمة من الفضاء الرحب فحسب، بل إن جسده نفسه أغلبه فراغ و شيء بسيط من المادة!

عادتي مع الأفلام أنني أكوّن عنها فكرة مسبقة تشكّلها صورة البوستر، و طبيعة الأشخاص الذين نصحوني بها، و ربما شريط التقديم (trailer).. و عادتي هذه لا تخيب كثيرا، غير أنها هذه المرة أساءت التقدير أيما إساءة. و ما ظننتُ بفيلم Gaspar Noé سوءا قطّ، و لكنني اعتقدتُ أنه فيلم افضل ما فيه طابع الصدمة و روح الجرأة التي تلوّن بلونها. فإنك تلقاه تقريبا في كل قائمة لأكثر الأفلام جرأة أو استفزازا. خصوصا و أن الرجل ضالع في ذينك الخصلتين أيما ضلوع. و كاد اعتقادي يمضي نحو اليقين مع مشاهد الفيلم الأولى، الاضاءة الضبابية، و المكان الفوضويّ القذر، و عالم المخدرات و الموسيقى التي تنبئ بالكثير من الفساد في الأرض. هذا فيلم آخر عن الادمان.. لقد كان شريط "صلاة للحلم" (Requiem for a dream) شافيا و وافيا في هذه المسألة، و لا أدري أي جديد يمكن أن يقدّمه فيلم آخر. و ازداد ضيقي حينما أطال المخرج مشهد الهلاوس البصرية التي رافقت البطل (أوسكار) خلال رحلته مع عقار الـ LSD .. لماذا هذه الإطالة؟ كم طول الشريط؟ ساعتان و نص الساعة؟ هل سيمضيها المخرج في هلاوس سخيفة من هذا القبيل؟ فجأة لاحظتُ أن القُمرة (أعني الكاميرا طبعا، و أدعوك أن تتعوّد على هذه التسمية ـ الأصيلة ـ :v ) تصّور تماما ما يراه أوسكار كأنما هي عينه الثالثة، و حينما وقف قبالة المرآة كانت القمرة تبدو بالفعل كإحدى عينيه، ترى وجه الرجل منعكسا على المرآة و هو يغسل وجهه. اللعنة! كيف فعلها المخرج؟! هنا فقط أثار الفيلم انتباهي، و أعدتُ الشريط إلى بدايته...

أوسكار شاب أوروبيّ أوجدته الظروف في طوكيو رفقة أخته ـ عائلته، فعاشا فيها يسترزقان من تجارة المخدرات و فنّ التعرّي، طبعا لكم أن تستنتجوا دور كلّ منهما.. هذا صديق اوسكار المراهق، يطلب جرعة جديدة من المواد المخدرة. إنه فتى غرّ معجب بأوسكار و يبدو أنه يتعاطى المخدرات لأنها طريقته الوحيدة ليتواصل مع صديقه هذا.. في ما بعد سنعلم أن أوسكار واعد أمه غير مرة.. لكنّ هذا ليس مهمّا، سيمضي أوسكار و صديقه إلى محلّ التعرّي الذي تعمل فيه أخته، ليسلم البضاعة إلى صديقه المراهق فيكتور. كان أوسكار نصف واع، و كانت القمرة تصف حالة اوسكار ببراعة مذهلة، حتى لكأنك أنت المخدّر. ألاكس صديق أوسكار يحدّثه أشياء مبهمة عن تناسخ الارواح، و النفق الطويل الذي ينتهي بنور أبيض، و عن هيام الروح حيث كانت تعيش زمنا قبل أن تستقر في جسد جديد. و لكنّه لا يهتمّ كثيرا، كان خائفا من أن يُفتضح أمره، بدت له المدينة مكتضة، بدت له كثيرة الأضواء تماما كذلك المجسّم الذي صنعه صديقه لمدينة طوكيو. هو ذا المحلّ.. هو ذا فيكتور.. هنا يبدأ الفيلم!

لن أخوض في تفاصيل الفيلم، لأنه لا يترجم إلا كلام، إنما هو تجربة تعيشها كما يعيشها بطل الفيلم تماما.. القُمرة تتحرّك عبر مدينة طوكيو المضيئة في ظاهرها، المظلمة في باطنها. سلاسة تتنقل بها عين المخرج بين جدران المدينة و طوابق ناطحات السحاب فيها، كأنها سلاسة الروح الهائمة الضمآى إلى الراحة الأبدية.. و بمثل تلك السلاسة، ينتقل الحديث بين ماضي أوسكار و عقد الطفولة، و الصدمات التي شكّلت شخصيته، و واقع حياته في طوكيو و تفاصيل الأشياء من حوله، التي شكّلت مستقبله، أو لنقل، كانت سببا في ما حدث له.
لعبة البازل (Puzzle) الممتعة التي يقدمها لك المخرج لتلملم شتات قصة أوسكار منذ خروجه من رحم أمه، حتى موته، هي الجزء الممتع في الفيلم. أما الجزء المثير، فهو حتما ما سيتبادر إلى ذهنك من أسئلة و أنت تشاهد شيئا محبوكا بعناية كهذا. و لو أنك تابعت الفيلم بشيء من الاهتمام، فقد ترهقك الأسئلة و الافكار و الاستنتاجات، لكثرتها و ثرائها، حتى إن النهاية لن تفاجئك كثيرا، بل أعتقد أن عليك أن تتوقعها منذ منتصف الفيلم تقريبا، و إن المفاجأة حقا، هو أن لا تلقاها في آخر الفيلم.

لقد تجاوز Gaspar Noé فكرة الاستفزاز المجاني، و قدم ملحمة شاعريّة تذكرنا كثيرا بأوديسا الفضاء، حينما يكون العنصر السمعيّ البصريّ كافيا لمخاطبة المشاهد، و اثارة الافكار في ذهنه، و اثارة المخاوف و الشكوك و التوجس في قلبه. تنتقل القمرة بذات السلاسة و يصحبها النغم الهادئ المستفزّ، مع كوبريك في ربوع الفضاء الصامت، و هنا خارج الزمان و المكان، في عالم .. احم.. اترك لكم متعة الاكتشاف! بل لعلّ Noé عمد إلى التشابه عمدا، حتى كانت النهاية واحدة تقريبا.

------------------------- SPOILER ------------------------
و لئن بدا رضيع كوبريك ايذانا بميلاد "الأرقى من الانسان" Der Übermann كما صوّره نيتشه، فإن لسائل أن يسأل عن هذا الرضيع الذي انتهى به فيلم Gaspar Noé.. انها البداية الجديدة حتما، لكن هل لها علاقة بـ "الأرقى من الإنسان" النيتشويّ؟
غير أن الاختلاف الحقيقيّ بين الصورتين، هو الطبيعة الصارمة للخيال العلمي في اوديسا الفضاء، بينما كانت رحلة أوسكار روحانية أبعد ما تكون الروحانية، موغلة في أعماق الميتافيزيقيا، و حينما تساءل كوبريك عن مستقبل الانسان، تساءل Noé عما بعد المستقبل.. ذلك السؤال المرعب التي يحاول الانسان اجتنابه ما أمكن، حتى تجده الاجابة قبل أن يجدها.. ماذا بعد الموت؟

بدت كل أفعال الشخصيات في العالم محاولة للهروب عن هذا السؤال، و بدا أن الوحيد الذي جرؤ عن الحديث عنه، كان صديقه الذي أخذ صورة العاقل الأكثر حكمة و هدوءا. ماذا بعد الموت؟ هل هو العدم؟ هل هو الفراغ؟ تعود إلى تقسيم الفيلم، إلى قسمين، مشاهد ما قبل الموت و مشاهد ما بعد الموت.. سيدهشك أن مشاهد ما قبل الموت كانت شحيحة بالمعرفة، غارقة في الضبابية و الابهام، لا تكاد تدرك منها شيئا، ثم فجأة تبدأ رحلة الروح فوق المكان و فوق الزمان، تؤتى المعرفة و الحكمة، و يظهر لك ما خفي من أمرك، لماذا تحبّ أختك؟ لماذا واعدت والدة صديقك الذي بدا كما لو كان يشبهك؟ فوق المكان و الزمان، لم شيء عبثيّ أو رهين الصدفة، بل بدا كأن كلّ شيء يتكوّن منذ ولادة أوسكار من أجل غرض واحد : الولادة من جديد!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ END OF SPOILER ---------------

يبدا الفيلم بكلمة أدخل "ENTER" و ينتهي بكلمة الفراغ THE VOID، ليجعلك تتساءل، أيها كان الفراغ؟ الحياة أم الموت؟ لا يجيب Gaspar Noé عن السؤال و لكنّه يصوّره تجربة سينمائية فريدة من نوعية، لا أنصحك أن تفوّتها!


No comments:

There was an error in this gadget

Translate