Saturday, May 4, 2013

ثـم تكون خلافة..

(تقديم مملّ لا بدّ منه)
و هو موضوع يشغل بال المسلمين ربما منذ سقوط الخلافة سنة 1924، فبعدما كانت الخلافة أمرا واقعا لا خلاف على وجوبه (تقريبا، فهناك من عارض وجوب الخلافة، مثل بعض المعتزلة مثلا)، وهنت و ضاعت أطرافها، و بدأ التساؤل : أليست الخلافة سبب وهن المسلمين؟ فانتهى عند مصطفى كمال أتاتورك باجابة "نعم"، فأطاح بالخلافة، و أعلن عن الجمهورية التركية، بينما كانت اجابة حسن البنا، أن "كلا"، فأسس جماعة الإخوان المسلمين، و بدأت الحركات الاسلامية التي على اختلاف مذاهبها و مشاربها، تلتقي عند فكرة واحدة : وجوب الخلافة...

و اليوم، يشتد الخطاب عن الخلافة و يعظم، فهناك من يعتبر المسلمين قد أخلـُّوا باحدى شعائر الاسلام، و هناك من أفتى بأنّها فرض كفاية، و هناك من اعتبر الخلافة حتمية تاريخية (أجل تماما كالشيوعية عند ماركس)، و أن لا فائدة من السؤال بـ "هل"، و انما السؤال هو "متى"؟ و ربما من أجل هؤلاء تحديدا أسوق هذا الحديث...

ذلك أن خطب الأئمة في الجوامع، و خطب الشيوخ من المنابر المقدّسة (قنوات التلفاز تحديدا) لهفت الناس لهفا، و أخذتهم عن التفكير في ما يسمعون، و حتى الأئمة أنفسهم، لا يكلـِّف أغلبهم نفسه مشقة التساؤل، حتى يتخذ الدين عندهم شكل الأسطورة، لا شكل العلم.. لكن للاسف، قوة الأسطورة الأساسية، أنها تجد في عقول العامة مستقرا متينا، فتنتشر الفكرة في أذهانهم كأنه مسلّم بها، و من هذه الأفكار ما يروج عن الخلافة من حتميتها التاريخية و وجوبها الدينيّ..
لكنني هنا لا أطعن في أمرا ما قطعا، و إنما أسوق رأيا لا هو بالفتوى و لا بالاجتهاد، بناء على ما يقدم لي التاريخ من معلومات بعضها ثابت لا حاجة للطعن فيه (كسقوط الخلافة مثلا) و بعضها توثق له الكتب بأخبار و أحاديث تستنزف العقل و تستخف بالمنطق، هدفي أن أدفع للتساؤل، و البحث و الفهم، لأني أؤمن في دين يقدم حقائق لا أساطير، أؤمن في دين متصالح مع العلم و التاريخ، و يكمّلهما، فإنّ من يؤمن بأنّ رأيه حق، لا يدفعه أن أدرك أنه باطل، فما إيمانه الاول إلا لاعتقاده بانه حق. و عدا ذلك يصبح تعصّبا و حمقا..

إنّ أول من اتّخذ التاريخَ سلاحا للتّحقيق في التاريخ، ليس حتما أنا. إنّما أنتهج نهج العلاّمة عبد الرحمان بن خَلدون الذي قال في مقدّمته الشهيرة :  
"اِعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا. فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، و حسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار. فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد."

لذلك، فمن المهمّ دراسة النصّ، و دراسة سياقه، و فهم ربط هذا بذاك، حتى يتبيّن لنا المنطق الذي ينبني عليه الزمان، أو لا يتبيّن لنا ذلك، فللتاريخ في مثل هذه المسائل هيبته التي لا تردُّ و لا تترك.
(يمكن أن تبدأ من هنا)
 
و أبرز ما يقدّم له هؤلاء للدلالة على الخلافة، ذلك الحديث النبويّ الشهير، الذي أقدمه بالنص عن صحيح أحمد :

"
حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثني داود بن إبراهيم الواسطي حدثني حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر بعد الملك العاض والجبرية فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه"

(
مسند أحمد » أول مسند الكوفيين » حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم)

 حتّى إنّ عبارة "ثم تكون خلافة"، من أدبيات الحركات الاسلامية و مسلماتها. لكنّك لا تقرأ كامل الرواية، حتى قوله "فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسرّ به و أعجبه" إلا نادرا، ذلك أن ما يهمّ هؤلاء الناس، هو قراءتهم هم. لا التاريخ كما هو.. 
أما التاريخ، فهو أن هذا الحديث سيق زمن خلافة عمر بن العزيز (الخليفة الأمويّ العادل) فاستدلّ (القائل) به أن قوله صلّى الله عليه و سلّم (لو قال ذلك فعلا)  "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" كان يقصد به الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز، ذلك أنّ الملك العاضّ و الجبريةّ هم بنو أميّة (السفيانية و المروانية).
و أما قراءتهم، فهو اجتهاد الشيخ الألباني رحمه الله، الذي صحح الحديث (اجتهاده) و اعتبر أن الملك الجبريّ لايزال قائما، و أن الخلافة الثانية على منهاج النبوة لم يعنى بها "عمر بن عبد العزيز" و انما لم تأت بعد.
هكذا ينزّلون الاجتهاد منزلة النص، و يحوّلون التأويل إلى تفسير واحد أوحد، لا يكتفون برفض ما عداه، إنما ينكرون على غيرهم فهمَ آخرٍ.. 

أما أنا، فسأتساءل ـ ببراءة ـ لِمَ لم يظهر هذا الحديث قبل عمر بن عبد العزيز؟ و لِم بدا كأنه قيل خصيصا لهذا الرجل دون غيره، فهو الذي عاد بالخلافة إلى منهاج النبوة حتما بعدما كان في المسلمين ملك عاضّ و جبريّ.. أما السؤال الثاني فسيفتح الباب لأمر آخر يتجاوز قراءة الحديث : فلو سلّمنا بقراءة الألباني، فهذا يعني أحد الأمرين حتما : إما أن حُكم عمر بن عبد العزيز يعتبر ملكا عاضّا، و اما أنّ النبي صلّى الله عليه و سلم تغافل أو لم يعلم، أن بعد الملك الجبريّ سوف تعود الخلافة على منهاج النبوة زمنا، ثم يعود الملك العاضّ و الجبريّ ثم الخلافة على منهاج النبوة.. و بين هذين الفرضيتين، فأنا أخيّر أن أرفض منطق هؤلاء تماما.. فعمر بن عبد العزيز هو الخليفة الراشد الخامس، شهد له بذلك أعداؤه و أحبابه، و أمّا الرسول صلى الله عليه و سلم، فما يخبّر عن أمر إلا و صدق. لكن، ماذا لو أن التأويل ليس وحده ما يجب إسقاطه؟

المعلوم أن الحديث ساقه أحمد في مسنده، ثم صححه الألباني. و الظاهر أيضا أنه سيق حتى "يسرّ" به أمير المؤمنين حينئذ عمر بن عبد العزيز. فهل تراه اختلق اختلاقا؟

لنعد إلى الحديث، و لنتخيّل سياقه و ما قد يترتّب عنه ـ منطقيا ـ من مواقف : 
يخبر صلى الله عليه و سلّم الناس عن النبوة، و هذا أمر معلوم لديهم، ثمّ يقول لهم بعد ذلك "ثمّ تكون خلافة على منهاج النبوّة" فإذا أخذنا القول عن "الخلافة" بمعناه الاصطلاحيّ كما يؤكد عليه الاخوة فإنني أستغربُ أنّ أحدا من الحاضرين عند رسول الله لم يسأل عن قصده بالخلافة، كأنّهم جميعا يعلمون ماهي.. و حينما أستذكر ما أعلمه من التراث العربيّ، فإن الخلافة لم تُعرف قطّ، و عُرفت الإمارة و عُرف الملك، و عُرفت الوزارة (عن الفرس مثلا)، فهل من بيت من الشعر الجاهلي يذكر "الخلافة" مثلا؟
و إذا ما تجاوزنا الأمر، كأن مثلا، حدثهم الرسول صلى الله عليه و سلم من قبل هذا الحديث عن "الخلافة" كأحد أركان الدين، فلِمَ لم تُذكر الخلافة في حادثة السقيفة؟

تقول الرواية أشياء كثيرة، و هي على اختلافها لا تذكرا أحدا تحدث عن "الخلافة"، أو سأل : "من الخليفة"، لكنّها في المقابل ذكرت مقترحات من قبيل "منّا أمير و منكم أمير" و "مناّ أمير و منكم وزير." و هي المصطلحات المتداولة.. 
فهل خالف الصحابة رضوان الله عليهم كلام رسول الله و خاضوا في الإمارة و الوزارة؟ و لو أن الرسول حدثهم عن الخلافة، فلِمَ لم يسأله أحد عن "الخليفة" من بعده؟ بل إنّ نظام الحكم نفسه كان محلّ جدال أيضا، و من الحاضرين من اقترح أميرين يتقاسمان السلطة.. كان نظام الخلافة يتشكل حينئذ، و لو أن الرسول حدث الناس عن "الخلافة" لما تخاصم عليها اثنان.. بل إن مصطلح "الخليفة" لم يجر على ألسنة العرب إلا بعد ذلك.. فقد كان الناس ينادون أبابكر الصديق بـ"خليفة رسول الله"، ثم حينما جاء عمر، قيل له "خليفة خليفة رسول الله"، فكره عمر أن يستمرّ ذلك، فسمّى نفسه أميرا للمؤمنين، فهل كان عمر يفعل ذلك لو أنه عرف عن الرسول أنه سمّى السلطان من بعده بالـ"خلافة"؟

كلّ المؤشرات التاريخية، تدلّ أن "الخلافة" لم تُعرف كمصطلح يدلّ على نظام حكم قائم بذاته إلا بعد فترة طويلة من بداية "الخلافة" نفسها، و ذلك حينما سلّم الجميع أنها الضامن لوحدة المسلمين، و أن من يملكها يملك المسلمين جميعا، فغدا السؤال حينئذ : من الأحق "بالخلافة"؟ و هكذا عُرِّفت الخلافة، في سياق الخصام حولها..

المضحك في الأمر، أن هؤلاء لا يملكون تقريبا غير هذا الحديث الذي روي رواية واحدة، و آخر عن أن "الخلافة ثلاثون سنة" و هو لا يختلف عن السابق كثيرا، أو عودتهم إلى القرآن فأوَّلوا كل آية فيها لفظة "خليفة"، و اعتبروها دليلا على الخلافة، كقوله تعالى "و إذ قال ربُّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة." و عنوا بذلك آدم عليه السلام.. و أنا هنا أتساءل، إن وجبت الخلافة في الارض، و إن كان آدم عليه السلام هو "الخليفة" كما كان داود من بعده (بذات الفهم لقوله تعالى : يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض)، فلِم لم يحدثنا الرسول صلى الله عليه و سلم أنه ـ هو أيضا ـ كان خليفة في الارض؟

أعتقد أن الخلافة التي تحدث الله عنها في القرآن تتجاوز معناها الضيق الذي حصرناه ـ بعدما ظهرت الخلافة الاسلامية ـ لتحمل مفاهيم عدّة تخبرها عنها اللغة العربية، فالخلْفُ هو الوراءُ، و من يخلفُ، هو من يأتي من وراء (أو من بعد) ليحل مكان الأول، و خليفة الله في الأرض يأخذ معنى مجازيا، ليعني أن الله صاحب الأمر الأصليّ، قدّم للانسان القدرة على الأمر و القرار في هذه الأرض. و خليفة رسول الله، هو من خلفه في إمامة المسلمين و أخذ القرار عنهم.
لذلك استخلف اللهُ آدم [و بنيه ] في الأرض. أما استخلاف داود، فدلالة على سعة ملكه. و تؤكد ذلك الآية 55 من سورة النور "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض". فالمؤمنون الذين عملوا الصالحات هم خلفاء الله في الأرض، و لا أعتقد هنا أن الله استأثر الملوك بالقدرة على الايمان و عمل الصالحات، انما الناس عامة.. 

(الخلاصة، لو كنت تريد القول، من آخره)

و خلاصة الرأي، أن حديث الخلافة جاء في عصر بني أمية، الذي كثر فيه النّحل، فزيفت الفرقُ الأحاديث، و نحلت الأشعار، حتّى يجد كل منهم ما يحتجّ به على رأيه، و هي آراء في أغلبها سياسية.. و قد تقدّم ذكر الغرض الأساسي من وراء الحديث. كما ذكرتُ كيفية استحالة أن يقول ذلك الرسول أمام الصحابة، دون يتبع عن ذلك أمور لم يروها التاريخ و لم تحصل.. و السبب يرجع كالعادة، الى سطحية هذه القراءات، و عدم براءة أغلبها. 

(ما بعد الخلاصة، فقط لاثارة غيظ من سرّ لقولي)
لكنّني على كل هذا الحديث، قد أفاجئ الكثيرين بالقول، إنني لا أدين مؤسسة الخلافة بكل شرّ أصاب المسلمين كما يذهب إلى ذلك كثيرون اليوم.. بل أنظر إليها كميزة حضارية و ثقافية هامة. أنظر للخلافة أنها هارون الرشيد، و المأمون، و عبد الرحمان الناصر، و غيرهم.. أنظر للخلافة كما ينظر بريطانيّ وقور (و لا أعني أنني وقور هنا) إلى الملكة فكتوريا و الملك ريتشاد و غيرهم..

فللتاريخ سياق يُقرأ فيه، و التاريخ يقول إنّ الخلافة و الملك أمران مختلفان. ففي الاسلام ظهرت الخلافة قبل الملك، ذلك أنّ أوّل من ورّث الحكم كان معاوية، و لم يفعل الخلفاء الراشدون ذلك. و الخلافة أيضا، لا تعرف لها شرطا غير البيعة (و هي الأمر الوحيد الذي أخذ عن الرسول، و يمكن اعتباره أمرا شرعيا)، أي بيعة المسلمين، و هو ما تقرّ به كل نظم الحكم المعقولة اليوم، فعلى المحكوم أن يشهد بتوكيل أمره إلى الحاكم. عدا ذلك، فإن كل خليفة في فترة تكوّن مفهوم الخلافة، قد اجتهد في التأسيس لمؤسسات الحكم، و تقاليده، فأوصى أبو بكر بالخلافة لعمر مثلا، و هو ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه و سلم. بينما ارتأى عمر مثلا، أن يعقد مجلسا من الحكماء يتشاورون فيما بينهم، و يختارون خليفة لعمر. إذا فالاخذ بكل ذلك على أنه من جوهر الدين أو الشرع لهو برأي غريب لا أجد له تفسيرا و لا منطقا. و لنذكر أن هذا الاجتهاد كان في القرن السابع بعد الميلاد، حينما كان نظام الحكم المتداول في العالم لا يحمل غير معنى التملك التام و الجبروت الأعظم، و لو وصلت لعمر بن الخطاب أدبيات الاغريق السياسية القديمة، لكان حديثنا اليوم مختلفا أيّما اختلاف.. 

إنّ الخلافة ميزة حضارية جميلة، لها مكانها في عصرنا، مثلما أوجد اليابانيون مكان لامبراطورهم، لكنّ العائق الاساسيّ، ان لا أحد ينظر إليها كما ينظر اليابانيون إلى تراثهم، فمنّا من ينظر إلى الخلافة كما تنظر القبائل البدائية إلى "التابو" الذي يجب أن يظل كما هو، و لا يناقش أبدا. و منّا من ينظر إليها كأن فكرة الخلافة هي بؤرة الفقر و التخلف و الجهل. و هذا منطق يجيب التاريخ عنه بيسر و سهولة.
الخلافة ميزة حضارية جميلة، لكنها ليست حلا لمشاكل الأمة، بل إنها لن تتحقق إلا اذا حلّت مشاكل الأمة. هي نتيجة و ليست سببا.
الخلافة ميزة حضارية جميلة، لكن حتما، ليس في وطن لا يزال خُمسه لا يفـقه القراءة و الكتابة، ليس في وطن لا يعرف المواطن فيه حقوقه و واجباته، ليس في وطن لا يجد المواطن فيه كسرة خبز.. إنّ لنا من الهموم ما يغنينا عن التلفّت إليها.
   

إن مصيبة هؤلاء القوم اليوم، هي المقابلة بين الديمقراطية و الخلافة، كأنهما المقابلة بين الطاغوت و الحق، و لا أدري ما كان هؤلاء فاعلين لو علموا أن مؤسسات الخلافة كالدواوين مثلا، أخذها عمر رضي الله عنه، عن الفرس المجوس!

لقاء هارون الرشيد بشارلمان





4 comments:

Jelliti Houssam said...

أهلا فاروق. حقيقة لا أملك كمّا من الحديث ما يؤهلني للنقاش في مثل هذه المسائل، و لكن أردت أن أتحدث لأن عملا كهذا يجب أن يظهر تحته تعليق على الأقل. أنا أرى أن "الخلافة" هي مجرد مرحلة تاريخية إنقضت. أعتبرها ميزة حضارية مثلما قلت أنت، و خاصة في طريقة التداول في الحكم من شخص لأخر. يعني تخيل أن نجد هذا التنظيم في زمن بعيد إنقضى هذا شيء جميل، و لكن أرى (شخصي) البعض من الذين -ربما كتب هذا العمل لأجلهم- يبالغون أشدّ المبالغة في وصف هذه المرحلة على أنها قارب النجاة للأمّة في هذه الفترة. يعني المثالية الزائدة عن حدها أشمئزّ منها حقيقة. أضف أن هؤلاء لا يتجرأون حتى عن سؤال: هل وقعت جرائم في حق الإنسانية أثناء هذه المرحلة؟ أفهمت ما أعنيه؟

Brahim Guizani said...

السلفيون دأماً يذيلون كل حديثٍ يقولونه بقول "رواه أحمد" حتى أن السامع يقول أنهم مدققون!!!! ولكن هذا ليس صحيح لأن الإمام أحمد جمع في مسنديه 60 ألف حديث أي أنه دون أغلب الأحاديث والتذييل بقول "مسند أحمد" هو لأن المتحدث شبه متأكد أن الحديث الذي يذكره موجود في مسند أحمد حتى ولو لم يكن متأكداً من ذلك أو لم يراجع دروسة

تحليلك فعلاً جميل ومنطقي ويسأله كل إنسان له ذرةٌ من العقل....لكن ليس الذين تعودوا على التقليد والدغمأيات.

مسند أحمد دون فيه 60 ألف حديث من مليون كان يحفظها الإمام أحمد. البخاري ذكر أكثر من 4000 حديث...من مليون!!! ...الإمام مالك روى بضع مئات من مليون!!!! ..هذا دليل على أن ما يسمون "بأهل الحديث" الذين منهم التيار السلفي هم على حق بنسبة 6% في أقصى الحالات !!!! ومخطئون بنسبة 94% على الأقل !....لذلك وجب في رأيي عدم الإعتماد عليهم كثيراً في أمور الدين.

أعجبتني الخاتمة..الخلافة ميزة حضارية بشرية تاريخية تطور مثلما تطور الحكم في اليابان الذي ربما الوضع كان فيه أصعب من حال المسلمين ذلك أن الإمبراطور كان إلاهاً مقدساً..ليس خلفتن يمكن عزله مثلما يقول الفقه الإسلامي !

Ferchichi Farooq said...

بالفعل يا حسام، ما حدث من مجازر و فضائع أمر تحفظه أمهات الكتب، و يذكره حتى المتحمسون للخلافة. لذلك ارتأيتُ أن لا أتحدث عنه، و أن أركز قبل كل شيء، على أصل الفكرة. أردتُ ان اقول : لا تقل لي إن الخلافة فرض، لا تقل لي إن الخلافة أمر ربانيّ أو سنة نبوية.. بعد ذلك يمكن أن نبدأ النقاش..
طبعا أنا لا أتحدث هنا عن بعض السلفيين الأتباع، ان هذا الحديث مثلا، يرويه كبار من يسمونهم علماء، و يتناقلونه في كتبهم حتى يومنا هذا. بل هو أصل تأسيسي لبعض الحركات الاسلامية العتيدة كحزب التحرير مثلا. لذلك يجب أن يملك حَسَنُ النية المعلومة كاملة، و القراءات كلّها، ثم له أن يقرر ما شاء له أن يقرر.

أما القسم الثاني من اجابتي، فكما ذكرتُ، بالنسبة لي، ليست المشكلة في الخلافة. الخلافة مجرد تسمية يمكن ان يتميز بها المجتمع الاسلاميّ. لكن المشكل الفعلي في طريقة الحكم. الخلافة في طورها الاول، كان الاصل فيها البحث عن مصلحة الأمة، لذلك، برغم جهل الصحابة بآليات الحكم المتطوّرة، و عدم المامهم بتجارب الاغريق و الفينيقيين و غيرهم، فقد ابتدعوا منظومة ليست سيئة قطّ، تتماشى و حالهم و معارفهم.. ثمّ حينما أصحبت الخلافة وسيلة للملك، و السيطرة، كانت النتيجة واضحة : مجازر و دماء.
لذلك، فلا يجب الحكم للخلافة أو عليها. بالنسبة لي، سيكون من الحلم أن تتوحد الأمة، أن توجد سلطة مركزية تمثلها كل أطراف الامة و مجتمعاتها، و ان لا تنتهك استقلالية الجهات و خصوصية كل منها. ستكون الخلافة حينها رمزية نسبيا، تمثل وحدة الأمة و تميّزها.
لكن كما قلت : هو حلم، و كي نحلم، يجب أن نصنع فراشا أولا.

Amine Beyaoui said...

نص مهم وأنا تقريباً متفق مع مجمل ما جاء فيه ولكن كأي نص حجاجي فهو بالأساس موجه إلى الطرف الأخر الذي يعتقد في رأي مخالف وهو محاولة للإقناع أو على الأقل إثارة جدل عميق وبناء وعليه فأنا اقترح عليك أن تزيل عبارات -أو تعوضها بأخرى ألطف- من قبيل "ذلك يصبح تعصّبا و [حمقا]" أو " خرق ما بعده خرق" أو "و هذا منطق [غبيّ]" لأنها تؤسس نوعاً من الحاجز النفسي أمام من يعتقد بمقولة الخلافة ولذلك فمهما بلغت حججك من قوة فلن يكون لها تأثير يذكر على هؤلاء .

There was an error in this gadget

Translate