Thursday, June 7, 2012

دروس ثورية لليابان..

الطقس حار حقا في العاصمة! لم يكن يتخيل أن العاصمة أشد حرارة من قريته خلف السباسب. انهم يكذبون، حتى في برنامج النشرة الجوية يكذبون.. انه يرى الكذب في عيونهم المتعجلة، و في خطاهم المتواثبة.. كانت العاصمة أكثر جنونا مما توقّع.. أين يجد عملا؟

-----------------------

لم يكن تاناكا يعرف الكثير عن تونس، و لعله لم يسمع بها قبل الثورة إلا حينما احتضنت بلاده كأس العالم، يذكر أنهم واجهوا فريقا من الشوارب الكثة و الوجوه السمر و الشعر الاجعد، و كانوا أقرب للاتراك من الافارقة، لكنهم وديعون على كل حال و يجيدون استعمال الفرنسية و هو أمر يعتبره ـ كغيره من اليابانيين ـ معجزة تستحق الاحترام..

طبعا تاناكا غيّر فكرته تماما حينما سمع بالثورة التونسية، هو الذي لا تستطيع روحه أن تتقبل معنى الاحتجاج و معنى التمرد، دعك من أن يفهم معنى أن يسرق حاكم شعبه. لقد كان مشدوها بانجاز التونسيين الذين لم يسبقهم اليه بشر في هذه الالفية الجديدة، و أخذ يتابع في نهم ما يحصل هناك.. دكتاتورية؟ همم.. همم.. بطالة.. مفهوم، مفهوم، مناطق مهمشة، جهات مفقرة... همم... منطقيّ جدا... 

تاناكا فاجأته كارثة المفاعل في بلاده، و أجبر على الانشغال عن تونس و ثورتها، بمشاكل حيه و هموم اهله، و لأن المشكلة هينة نسبيا لم تتجاوز الطوفان و الزلزال و الكارثة النووية، فقد انتهى و أهله منها في غضون أشهر، و عاد كل شيء للعمل و الانتاج، و استقامت الطريق المعوجة، و تركت بقية الخلافات للقانون و المحاكم، اما هو فشاءت الصدف أن تعيده إلى تونس أو تعيد تونس إليه، حينما قابل خلال عمله بعض الطلبة التونسيين، انهم قوم اذكياء لا شك في ذلك، هل كل التونسيين بهذا الذكاء؟ ما الذي اعاقهم عن الازدهار اذا؟ خمّن أن الدكتاتورية شرّ عظيم اذا. و قرر أن يساعد بما يستطيع.

---------------------

لم يجد شيئا، و الجوع يشتد، و الحرّ يضحك تحت ثوبه في شماتة، لماذا لا يمدون الماء حينما يطلبه؟ أفي بلد كفار تراه؟! كان مرهقا، و حينما اجتاز ذلك الشارع الضيق، لم يكن يعرف أن اصحاب السوء يجدون قوتهم في المرهقين أمثاله. لكن لا فائدة من المقاومة، اللعنة عليكم جميعا، انا لا أملك شيئا، كيف سأهاتف أهلي لو أخذتم هذا الجوال البائس؟ اللعنة عليكم جميعا! 

رأى من بعيد مساحة خضراء كبيرة مسيجة، فتوجه اليها، علهم يريدون حارسا او بستانيا.. لكنه أدرك أنه أمام مبنى حكومي، لعلها وزارة أو مقر ولاية، و ما همه؟ هناك أناس كثر، مجتمعون، و هناك لافتات، و سيارات رسمية، علّ أحدهم يساعده. لكن الوجوه الرمادية كانت نفسها، و الانشغال كان نفسه، وحده تجلّده كان يتآكل بسرعة النار على الورق. 

-----------------

تاناكا رجل عمليّ جدا ككل ياباني أصيل، و حينما قرر أن يساهم في الثورة التي أثارته أيما إثارة، فإنه لم ينم الا و مقعد الطائرة ينسحب بهدوء الى الخلف معلنا بداية رحلته الى حيث الثورة.. 

تاناكا سمع كثيرا عن الفوضى و الاضطرابات، و لكنه قدر ان الثورة تحتاج الى كل ذلك، و ان الامور صعبة فعلا.. و قدر أن اي مشروع يقدم للمسؤولين هناك، سيحظى بالترحيب و المساعدة، انه لا ينوي كسبا و لا شهرة، فقط يريد شغف المشاركة، و نشوة الثورة.

تاناكا خبير تحلية مياه، و قدّر أن منطقة السباسب التي تعاني من سوء المياه، قد تستفيد جدا من مشروع التحلية، ان تركيا تشرب من زبالتها ماء زلالا، فلم الاجهاد و تكليف المال بلا جدوى؟

تاناكا قام بدراسة كاملة بصرامة التقاليد اليابانية، و حماس الثورة التي تعلق بها، و كان المؤتمر الذي نظمه المعهد الوطني للفلاحة بتونس قد قدّ تماما ليعرض مشروعه للناس.

 -------------------------------

سار وسط الناس كأنه منهم، لكن عينيه كانتا تشيان بغربته، و وجد نفسه يطأطئ برأسه متحاشيا نظرات الآخرين.. سيجد شيئا من الأكل حتما، مادام ثمة اجتماع ما فهناك أكل، و الا فهو خارج تونس حتما!

لكنه لم يجد شيئا، اي وحوش هؤلاء؟! كانت اكواب الشراب قد نفدت عن آخرها، اما اصناف الحلويات فكأنها لم تكن! وحدها الاطباق ظلت شواهد على سوء حظه، و عظم جوعه، حقده.. اي قوم هؤلاء؟ و عاد بذاكرته الى قريته، فداعبت حلقه غصة خفية، و تذكر جمع خيباته الغفيرة في يومه الاول هنا، و تساءل أي شيطان رمى به في هذا المبنى. لكنه تذكر الحرّ و قرص الشمس الغاضب خارجا، فارتأى أن يقبع هنا شيئا من الوقت ثم يعاود التسكع.. 

و حانت منه التفاتة الى جنبه، فرأى حقيبة أنيقة جميلة كأنها اتخذت لوحدها مقعدها حذوه، و حينما لحظ أنها مفتوحة، أدار ناظريه حوله باحثا عمن تراه يكون صاحبها.. لا أحد.. سيغلقها هو اذا، مادام الاحمق لا يعرف في أي بلد هو، و أي رحمة يملكها هؤلاء.. غير أنه ما ان هم باغلاقها، حتى طالعه هاتف انيق يبعد عن هاتفه الراحل بأجيال قد لا يمكنه حصرها. انه لا يكاد يعقل أنه هاتف حقا! و جاء الشيطان مهرولا...

لم يكن هناك مجال للتفكير، كان عليه أن يغلق الحقيبة، و ان يفكر بعد ذلك كيفما شاء له ان يفكر. ان للحنق سطوة، و ان للقهر لمرارة، و ان للجشع لسحرا ايضا.. و لأنه لم يعتد فعل مثل ذلك، فقد سحب في جملة ما سحب جواز سفر غريب اللون، حرص على اخفائه في ذعر و رهبة.. لكن الرهبة تزداد ثقلا على انفاسه، فلم يجد بدا من أن يبتعد مذعورا... هذه بلاد كفرة حقا!

---------------------------
كان تاناكا مؤمنا بما يفعل، و ان فاجأته غرابة الناس هنا، و فاجاته عدوانيتهم المفرطة، و ودهم المفرط ايضا. كثيرا ما سمع بمزاج المتوسطيين المتقلب، و لكن ما يراه أشبه بشخصيات الصور المتحركة التي يتقنون صنعها في بلاده.. و حينما أعلموه أنه لن يبدا تقديم مشروعه على الساعة الحادية عشرة و النصف تماما، أدرك أن الثورة صعبة حقا.. "سيد تاناكا" يمكنك أن تحضر حاسبك، هذا وقت محاضرتك. انحنى في رشاقة، و اخذ حاسبه و اندفع نحو الركح في حماس ثوري.. 

لكنّ تاناكا لم يرَ ذات الحماس في الثوريين أنفسهم.. فقط بعض الشباب كانوا يستمعون اليه في اهتمام، بينما كانت الشخصيات الهامة تتحاور فيما بينها.. احدهم اخذ يقهقه كأن ما يقوله ضرب من الكوميديا السوداء... أي خطأ يوجد في تقديمه لمشروعه!؟ لِم لا يثير اهتمام المسؤولين؟ أية حماقة توجد في ما اقول؟!

لكن تاناكا لن يجد الاجابة عند المسؤولين، سيجدها هناك، حيث ترك حقيبة حاسبه الانيقة، و عبثا بحث كالمجنون عن هاتفه و جواز سفره، لكن من الواضح أن نفسا ثوريا نفخ فيها ... 

-----------------------------

لم يقدر أن يظل اياما ثلاثة هناك، انه لا يكاد يغمض عينا حتى يهل صباح جديد.. و لا يكاد يستوعب طقس هذا الصباح حتى يجنّ الليل... و تتالى جوعه على عطشه، و لا يجد القدرة على بيع الهاتف الذي حصله.. كان عاجزا تماما فيما يتعلق بالهاتف.. يشعر أنه حقه المغتصب، لكن شيئا فيه يمنعه من أن يأكل منه... في النهاية، وجد نفسه عائدا الى قريته بظل خيبة و عين انكسار... سيسألونه "وين مشيت؟" لن يجد جوابا أكثر بديهية من "بدلت البورطابل." لذلك آثر القاءه من النافذة صحبة الجواز، آملا أن يجد شيئا من الماء البارد حينما يصل الى الدار..



فاروق الفرشيشي
7 حزيران 2012



1 comment:

Anonymous said...

اكتب، اكتب ، ثم أصرخ.. لعل في ذلك "نهضة" لهذا الشعب اللاوعي !

There was an error in this gadget

Translate