26 ديسمبر, 2011

شيء من المسرح..



ملحوظة :
إن كل تماه أو تشابه بين الشخصيات و التنظيمات المذكورة و الواقع هو محض ثرثرة اللاوعي لا غير.
هذا الحديث هو عبارة امتنان لناد عشتُ معه تجربة لا تنسى. استمتعوا بجنونكم..





لم يكن دخول هذا المكان أمرا مألوفا، و لعل وجوده في تخوم الادارة، اشارة جيدة ان ليس للمدير ما يقوله للطلبة.. لكن هذه المرة، كان مضطرا لأن يقول شيئا، لأن الاشكال قد تفاقم و تجاوز أسوار المعهد... ثم إن من له ما يقوله، لم يكن المدير أصلا، لقد كان...


ـ الوزارة منشغلة باللي قاعد يصير في المعهد متاعكم. و مع تفاقم الوضع نتصور وقيّت باش نفضو هالاشكال. على هذا تم ارسالي من الوزير شخصيا لتقرير الانسب بخصوص هذه المسألة. و استمعت تقريبا إلى كل أطراف النزاع. و ما قعد كان الطرف الرئيسي، اللي تمثله أنت.


ابتلعت ريقي بصعوبة و أنا أحاول جاهدا أن أبدو مرتاحا في مقعدي المقابل له. كنت دوما ممثلا سيئا، و اليوم سيتخذ التمثيل طابعا أكثر جدية و مصيرية.. ماذا تراه سيسألني، و أي قول أقول؟ لكنه كقارئ الافكار، قدم لي أبسط الاسئلة، و أكثرها بداهة
ـ كيفاش بدا كل شيء؟
و لم تجد ذاكرتي عسرا كبيرا لتذكر المشاهد...


**********

ـ ها! آش عملت؟
ـ سِلكِت.. هاو صحّح.. قعد لنا كمال..
ـ يوبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي!


هكذا بالضبط كما تكتب، هتفت بها سمية و هي لا تتوقف عن الضحك، لقد تعودنا على ذلك تقريبا، بينما لم يكن كذلك حال الاساتذة المتواجدين حولنا للأسف.. لذلك أسرعت بدفعها أمامي و قد دفنت وجهي بين ذراعيّ الممتدتين..
أول عرض مسرحيّ سنقدمه بعد الثورة! لم يكن التحضير اعداده هينا، و لم يكن اقناع ادارة المعهد بعرضه أكثر يسرا.. لكننا نتجاوز العقبات و من الواضح أن الله يريد له أن يُعرض.. الآن، لم تبق لنا إلا عقبة كمال المشرف على قاعة العرض...


هذا الرجل ادارة مستقلة داخل الادارة، لا يأتمر بأوامر مدير و لا وزير، و له جدول أعمال و قانون داخليّ (عُرفي طبعا) يعنيه وحده، و يعمل بموجبه رغم أنف الجميع. و هذا القانون يمسمى "المزاج" .. و حينما ذهبت مع "العَمري" لمقابلته، أدركنا منذ البداية أنه لن يوافق أبدا..


"تي فكي على الز** ما نقضيش، بري شوفي ولدك وين هامل و كلميه.."
و أغلق هاتفه بعنف و هو يطلق سبابا لا فائدة في ذكره... كل الظروف مهيأة ليوافق كما ترى..
"أو.. سي كمال.."
"اش حاجتك بنـ... شنوة تحب؟"
".. سامحني، عندنا خاطر مسرحية و ..."
"بالله أخطى ز*** ناقصكم كان انتم.."
كان قد استدار مواصلا طريقه حينما اقترف "عَمري" ذلك الخطأ الذي لا يجب أن يقترفه أبدا مع كمال :
"عندنا ورقة مالإدارة!"
"تهدد في الز*** بالادارة؟ برة قول للمديريمسح بيها الورقة ! باهي؟"


هذه عبارة لا اجابة لها كما تعلم، لذا بقينا صامتين نتابع في حيرة ابتعاده و لا ندري أي انفعال يجب أن ينتابنا... و كانت وقفتنا بليغة جدا، بليغة إلى حد منع بقية الرفاق للحاق بنا و السؤال..
"السلام عليكم أخي."
التفتنا مندهشين لعبارة ـ أخي ـ لنجد أمامنا فتى غريبا عنا، هادئا مبتسما، ذي لحية خفيفة و سروال يحاذر أن يلامس الحذاء.. هذه علامات لا تخيّب ذوي الفراسة، لكن وقت الصلاة لم..
"أنتوما نادي المسرح ماهو."
اتخذ "عَمري" وضعا قتاليا تقريبا و هو يجيبه : "أييه، أحنا."
و هو كما تعلمون يشمئز من مسألة تحريم الفنّ، و لا يفتأ يسلح نفسه بكل الأحاديث و كل التفسيرات و كل دروس العلماء التي تهدم هذه الفكرة الغبية و هو مستعد لمواجهة هؤلاء كلما سنحت الفرصة.. لكن الفتى خيبه تماما و هو يقول :
"سمعنا بيكم ناشطين و ما شاء الله عليكم، الحق أنا ما حضرتش على حتى عرض، اما نقدرو المسرح خاطر فيه رسالة هادفة، و ماذا بينا نعاونوكم، سي كمال هذا نعرفو كيفاش نتعاملو معاه.."
"لحظة الساعة، انتوما شكون؟"
أشار الى البطاقة التي يتقلدها في شيء من الثقة و الزهو، فأدركنا عمّ يتحدث.. الحقيقة أن علاقتنا بالمنظمات الطلابية عدائية دوما، لأننا لم نعرف غير طلبة التجمع، الانتهازيين في أغلب الأحيان، و كنا نتفادى التعامل معهم، لكن اليوم، لا وجود لتجمع، ما الداعي للعدائية خصوصا اذا كانوا هادئين متحمسين للمسرح؟
التفتنا الى الفتى و قلنا "اي mer.. جازاك الله خيرا، ان شاء الله تكتب لكم في ميزان حسناتكم يا خويا."
فاجابنا ضاحنا "بارك الله فيكم، احكيو "نورمال" يا أخي، تونسي راني هههه."
ثم ابتعد مضيفا "غدوة ان شاء الله، نعطيكم الموافقة متاعه، اما لو كان تسمحوا نحضرو معاكم في الخدمة، ميسالش؟"
"مرحبا بيكم!"
**********
كنت أتحدث بينما اكتفى ممثل الوزارة بتدوين بعض الملاحظات، و الانصات اليّ.. لا أعرف حتى كيف وجدتُ الجرأة لأخبره بكل ذلك، لكن من الواضح أنه ينصت باهتمام...
ـ اذا هوما اللي جاو يعرضوا في المساعدة.
ـ اي، بالطبيعة.
ـ و كمال هذا علاش ما تكلمتوش عليه؟
ـ احنا يا موسيو ما نحبوش ندخلو في المتاهات هذه، احنا نحبو ننشطو على رواحنا بعيد على المشاكل، كان باش تجيب مشاكل، فاش قام؟ و زيد في بالنا خدمتهم انهم يعاونوا الطلبة و النوادي.
لم أشأ أن أذكره أن كمال هو عمله هو و ليس عملي. لم أشأ أن أقول له إن في كل كلية "كمالا" يقيم مملكته الخاصة فوق صمت الطلبة و جبنهم.. لكنه بادرني بالملاحظة :
ـ يا ولدي، كنت طالب و نعرف. في كل كلية ثمة كمال، عامل مملكته وحده فوق سكوت الطلبة و خوفهم.. كيف ما تتكلموش على حقهم ما يعاونكم حد.. باهي، و كيفاش تعاركتوا مع "الاخوة"؟


**********

"...حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، لقد قامت الصلاة..."


كنت قد اطلت وقفتي الصامتة على الركح بحثا عن التركيز، اطالة الصمت لا يجب أن تفوت حدا معينا، لكن سمية و أماني يحتاجان دوما الى اجراءات استثنائية.. على أنني لم أكن جدّ مركز على الدور و أنا أقيم الصلاة فوق الركح، تحت الاضاءة السيئة للقاعة، فقد كنت أتابع عيني "الأخ" الجديد الذي يتابع المشهد الأول علّّني أقرأ ما يدور بخلده.. إن عملا مسرحيا جامعيا يبدأ برقصة غريبة، ثم اقامة الصلاة، يكون دوما مستفزّا، أو هكذا تعودنا، لكن الفتى لم يبدُ منزعجا، هذا جيد، لأن ما سيحدث بعد قليل قد يزعجه حقا.. عموما لا أمل له لو حاول محاججتي.. ها قد دخل "عَمري"...
مشهد قصير متسارق النسق، يبدأ هادئا غامضا يصبح دراميا كوميديا ، أو هكذا أردته، قليل الكلام كثير الحركة و الانفعال، و هو ما يناسب عصبيا مثلي. ثم تتالى المشاهد، تقطعها ضحكات سمية الهادرة، أو تساؤلات أماني الوجودية عن مكان طبق الخوخ، أو تصفيفة الشعر المناسبة للعرض، لكن بدا أن الجميع متحمس للعمل، جاهز لموعد العرض..


"أخي.."
ها قد أزمع على الحديث أخيرا، و التفت اليه متسائلا : " ها، عجبك مشهد فلسطين؟"
" ما شاء الله، حلوة برشة، يبارك فيكم."
"هيا باهي، اش قولكم تتلهاو بالتنظيم مالة؟"
"سبحان الله، هذا هو اللي حبيت نقوله لك. ديجا، بدينا نحضرو في بعض اللافتات اللي باش نعلقوهم. كان تحب ايجا شوفهم."


لافتات؟! تذكرت انهم تنظيم طلابيّ، و أن عشقهم للشعارات بات حالة مرَضيّة، و لكن أية شعارات سترفع في عرض مسرحيّ؟
"أيا تفضل."
دخلت معه إلى مكتب صغير استطاعوا حيازته من الادارة ـ بينما لا يزال نادينا مشرّدا بين قاعات المعهدـ و بادرت بتحية الحاضرين. طبعا أجابني الجميع بأحسن منها، فالأخلاق أمر حيويّ بالنسبة لهم... ثم إن الفتى اشار إلى لافتة معلقة كبيرة الحجم و قال :" طالب مسلم و لا يستسلم! اش قولك؟"
كنت لا أزال مندهشا من اللافتة الأولى حينما رفع في وجهي لافتة أخرى تقول :"الابداع يقف حينما تبدأ البدع"
أي هذيان هذا؟!
"خويا، الشعب مسلم هذه ارفعوها في الانتخابات الجاية اش مدخل المسرح؟"
"لا أخي عاد، هذه مختلفة، هذه : "الطالب مسلم" ما ناش خارجين على الموضوع"
"شوف، سامحوني الاولاد، لكن نادي مسرح ماهوش نادي شعارات، هذه شعارات ايديولوجية و عبارات لا علاقة لها بالمسرح. لذا زايد راهو، موش باش نعلقو شيء، توة في اخر العرض نشكروكم. و اكة هو. السلام عليكم."
و غادرت محنقا مخلفا صمتا رهيبا ... ترى أية إجابة أنتظر؟


**********
ـ لحظة! بالحق ما عندكمش مقر؟ وين تنشطوا؟ المسرح تعبير جسماني و يحتاج للمساحة.
ـ موسيو انت أول مسؤول يعرف الحقيقة هذه! كان عندنا مقر، سكروه باش يخبوا فيه "بعض الاغراض"... عنا مساحة محترمة في قاعة ما يقراوش فيها دائما.. و كل مرة في قاعة.. على الاقل تعلمنا اللي المسرح تمارسه حتى في الشارع كيف تحب.. المسرح عقلية!

ابتسم و سألني : "باهي، و شنية كانت اجابة "الاخوة"؟"
**********
"إنهم يمثلون عزرائيل و يتهكمون عليه! إنهم يمثلون عزرائيل عليه السلام! هذا ناد يهين هويتنا الاسلامية!"
"الطالب مسلم! و لا يستسلم!"
طبعا لا يعلمون ان المسلمين يسمونه "مَلك الموت" و ليس عزرائيل، لكن كانت كل الشعارات التي رفضتها حاضرة هناك، امام قاعة المسرح، و كان المدير ساخطا غاضبا، لا يدري ما يفعل ليهدئ هؤلاء الغاضبين ـ الذين لم يكونوا غاضبين بالأمس ـ بينما توجه الينا المشرف على النوادي بكلام رقيق من نوع :" و انتوما، باهي المشاكل اللي تعملوا فيها؟؟! زايد حرية التعبير هذه في الجامعة، تعطيونا سكريبت و بعد تعملوا سكريبت أخر؟!"
و رغم هتاف شهاب البريء "تي مازالنا ما مثلنا يا monsieur و السكريبت مديناه لك هو بيده."
فإن الرجل واصل كأنه لم يسمعه " كل عام هالمسرح عامل لنا مشكلة، باش نسكروه و فكوا علينا!"


تكبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر!
كنا في موقف العاجز تماما، شيء أشبه بأحد قرابين الـmaya البشرية في "Apocalypto" حينما يرى قلبه ينتزع من أحشائه.. كذلك لخّص شهاب الموقف بعبارته الخالدة :"تحححححححححـ****ـلنا"


"اش يهمكم فيهم يا رفاق! حرية التعبير ما نتسامحوش معاها احنا، عاملين ثورة لواش؟!"
من قال هذا؟ شاب وسيم، كث اللحية، طويل الشعر، في عينيه تحدّ و تمرّد لا يمكن أن تخطئهما.. كانت عينا شهاب أبلغ بكثير من أي استفسار كنت سألقيه على الفتى، لذلك أشعل سيجارة جديدة، و اخذ نفسا عميقا و راح يصرخ بطريقة اعتدنا عليها في السنة الفارطة :" الطاااااالب...  ثوري أو لا يكون! و و المسرح... كان دوما في تونس العزيزة.... وسيلة تمرد... المسرح... تعبير حرّ! احنا يا رفيق نشد على أيديكم و نقولووووو لكم... ناضلو من اجل حرية التعبير! ناضلو ضد الظلامية!" و التفت الينا و قال " اسمع! غدوة ايجاو و توة نفضوها لكم المشكلة، و باش تُعرضوها المسرحية باش تعرضوها!"


و عندما لاحظ أن نظرة شهاب لا توحي بشيء من التحسن، اضاف : احنا المنظمة الطلابية المنافسة بالطبيعة!
*********
كنت أحاول أن أنقل إلى الرجل ما حصل بكل أمانة، لذلك لم يتمالك عن الضحك و أنا أحاول تقليد نظرات شهاب... نظرات شهاب، ضحكة سمية، هتاف ميرو، ملاحظات نادية، حضور نزار، ارتجالات سناء... هذه اشياء لا تقلّد حقا.. فقط لا يسعك الا تذكرها..
ـ اذا انت تقول أنهم ما عارضوش مالاول مضمون العمل، لكن عدم تعاونك معاهم هو اللي خلاهم ياخذوا موقف معاد.
ـ عليّ السرد و عليك الاستنتاج موسيو.
ـ لكن المحتجين مكثرهم ما يعرفش اللي دار بيناتكم.
ـ المحتجين مكثرهم ما يعرفش المسرحية على شنوة تحكي، و لو عرفوا راهم ساندونا. بالعكس، النص فيه معان منسجمة جدا مع الافكار الدينية في الاسلام. حقيقة الموت، حضور الموت، غفلة الانسان عن الموت و تهافته على الحياة.. الخ... لكن، وسط الفقر الفكري في الكليات و المعاهد، وسط عالم الاسقاطات الجاهزة، ساهل برشة باش تحرك مشاعر الناس.. مانيش ضدهم، لكن نتمنى أنهم يرفعوا شعارات الرفض بعد ما يتفرجوا.. باقل حشومة للجامعة التونسية!
ساد الصمت للحظات، و ظننته سينهي الجلسة، لولا أن قال :
ـ اذا، هكة تدخل "الرفاق" في الموضوع؟ حبوا يعاونوا.
ابتسمت و أنا أجيب :"قالوا ان هذا عملهم..."


*********
هذه المرة كان الاعتصام امام الادارة، و كان المشرف على الحياة الجامعية في وضع عصيب جدا، بالامس كان خائفا مالهرج الشديد، لكن اليوم، كان الهرج أكثر شدة، و كان عدد المتحمسين أكبر، و الاكثر تعاسة ـ للمشرف ـ انهم يحسنون الخطابة الى حد لا يطاق، الى حد ينذر بقدوم الصحافة، و كان ذلك آخر ما يمكن تمنيه!


كانت سلمى هناك أيضا! لا أدري منذ متى انظمت اليهم، و لا كيف اعتنقت أفكارهم، لكنها ترفع الشعارات و لعلها ـ على خجلها المعتاد ـ ستفاجئنا بخطبة ترتجف لها عرصات المعهد! ان الثورة تغير كل شيء حقا!

المشرف يحاول التفاهم مع هؤلاء، يحاول أن يجد لغة ديبلوماسية للتفاهم، و كانت "أين رئيس النادي؟" ترتفع من حين لآخر، لكنني لأ اجد لنفسي نفعا وسط هذه الفوضى! كان "الرفاق" يحتشدون حوله، كل منهم يمطره بوابل من الشعارات عن حرية التعبير، و كان من الواضح أنه يريد ان يستجيب لو تُقدم له ضمانات بعدم اثارة المشاكل..


"نحن نعرفوهم واحد واحد، ما نخليو منهم حد يدخل للعرض! احنا ضد المنع بالطبيعة لكن هؤلاء الظلاميين مادام باش يمنعوا حرية التعبير، مادام منعهم مالدخول هو انتصار لحرية التعبير! هذا علاش قامت الثورة!"


و تعالى التصفيق وسط تمتمة المشرف بأنه موافق و على الله الستر!
*********
"أنت بالحق قلت هكة؟!"
"شنوة قلت زادة؟"
"ما سمعتشي السيد شنوة يحكي توة في البوكس؟!"
و البوكس طبعا هو مقر نادي راديو المعهد، و هو في كثير من الاحيان نشط حينما لا يجب أن يكون نشطا. لذلك أخذت كلام رامي مأخذ الجد و تبعته إلى الراديو، ميرو كانت تجلس مع الرفيق، المتشنج الذي يروي بكل حماس كيف أن نادينا معاد للظلامية!
" يا ولـ.. يااااا رفيق! شنية هالجدلية المادية اللي دخلتنا فيها؟! يهديك يصلح رايك!"
أجاب في حماس "الجدلية المادية موش هذا مفهــ..."
"يا ولدي مالي و مال المفاهيم عيش خويا، بارك الله فيك على مساندة حرية التعبير اما لاني انسلاخي لاني ظلامي، انا طالب و نحب المسرح، نعبر باللي عندي في مخي، و اللي كتبته موش معادي للدين بالعكس جوهر الدين بالنسبة ليّ كيف نذكر الناس بالموت، كيف نقول لهم اللي الموت حاضر ديما بيناتكم.. استعملت الكوميديا خاطر هذيكة لغة الخطاب توة كيف ما كانت في وقت مالاوقات لغة الخطاب هي الرومانطيقية و الرومانسية بزايد سكر. اما ما عنديش يا خويا حتى موقف معادي من حد، اخطانا مالمشاكل عيش خويا!"


اتسعت عيناه و اجابني بطريقته الـ"متمردة" :
"هكة؟! المسرح لغة التخاطب... الوحيــــدة... اللي بن عليّ.. ما نجمش يحصرها! المسرح... اللي... كان مستقل... و دافع ... عن المتحجبات... المسرح... متاع عليّ بن عياد.. و الفاضل الجعايبي، و جليلة بكاااااار... و محمد دريس... يولي اليووووم، بعد الثورة... ينقل افكار دينية! وين كنتو قبل الثورة؟ شبيكم ما عبرتووووش كيف كان الحاكم يصول و يجول في المعاهد؟ المسرح اللي ما يخوضش معركة ضد الظلامية، هو مسرح جبااااااااان... هو مسرح ما تتشرفش بيه الثورة!"


"تي هاك مظلمها انت علينا!"
لكن صرختي ضاعت وسط تصفيق لا أعلم من أين جاء، لكنني علمت أن غدا عصيبا ينتظرني!

و الغد للاسف يأتي بأسرع طريقة ممكنة، و أكثرها ضجيجا! كنت كالهارب تقريبا، و الايدي تتقاذفني، و صراخ "الرفاق" يملأ الدنيا كالعادة، بينما تكفل بعض "الاخوة" بالرد عليهم بكل حماس و قد بلغهم أن نادي المسرح "قد تاب إلى الله" !
عمري لم يتوقف عن الضحك طبعا، ان الموقف لا يحتمل شيئا آخر، بينما كان المشرف يلعن كلمة المسرح حرفا حرفا... ميرو تصرخ بي أن احاور الصحفية التي تقوم بالتغطية...


"ألم تقولوا أن المسرح يتعارض مع الاسلام؟"
كيف أجيب هذه الحمقاء عن سؤال كهذا؟ جذبت ميرو من يدها كي نبتعد، بينما أخذت الصحفية تؤلف جوابا "منطقيا" تماما كما نفعل نحن حينما نضع ارقاما وهمية في حصص الاشغال التطبيقية...


هنا سمعت ميرو تصرخ :
"ياي! كاتب الدولة جاء باش يفضها الحكاية! يحب على ممثل لنادي المسرح في بيرو المدير!"
هذا ما جاء بي إلى هنا!!
**********
ـ باهي. نتصور عندي معلومات كافية باش نقدم تقرير للوزارة بخصوص اللي صار.  اذا حسب ما فهمت، انتوما تراو أنكم ضحية مزايدات سياسية؟
ـ وين ترى في السياسة موسيو؟ انا نحكي لك على زوز تنظيمات طلابية مفروض هدفها مساعدة الطلاب، موش استقطابهم.
ـ لكن الاختلاف حالة طبيعية، مالة باش ثورة؟
ـ الاختلاف طبيعة في الانسان موش هدف في حد ذاته. الناس بطبيعتها مختلفة، و الهدف هو التفاهم رغم الاختلاف.. هذا شنوة في بالي. ما ثمة حد يحاول يفهم الاخر، كل واحد يحب "يقتل" الاخر.. و يستقطب الناس باش يكون اقوى..  انا نرى في كرة قدم موش سياسة.. في كرة القدم وحدها يلزمني ما نكونش محايد، في كرة القدم وحدها يلزمني نبرر المردود السيء و اللعب الرديء، في كرة القدم وحدها تكون الشتيمة هي لغة الحوار!
ـ ممتاز. شكرا على التوضيحات الكل.
قالها و هو يلملم اوراقه، ثم أضاف مبتسما : و اطمئن، نهارين ثلاثة، تتحل المشكلة.
أخيـــــــــــــــــــــرا!
تنهدت في ارتياح و انا انحني لالتقاط الورقة التي سقطت منه حين هم بالخروج، فأسرع يتناولها مرتبكا و ابتعد. اما انا فقد خرجت شاردا اعلن الخبر الذي تنتظره الشلة.. و وسط فرح الجميع، تراقصت عبارة التقطتها عيناي رغم سرعة ممثل الوزارة..
".. و مادام حضور هذه الاطراف السياسية في الحياة الاجتماعية بمثل هذه الصبيانية، فنفور الناس سيكون مآلهم، و لن يتأخر حزبنا كثيرا في العودة الى الساحة..."

و في غمرة شرودي، صرخت شريفة دون ان تتخلى عن ابتسامتها الاسطورية :" هيا توة شنوة نعملو؟"
فابتسمت و قلت "شيئا من المسرح."
تونس، منزل بورقيبة
20 ـ 31 كانون (ديسمبر) 2011


7 التعليقات:

غير معرف يقول...

قصة سلسة.. شكلاً و مضموناً..
I like!
Altaïr

Mahassen يقول...

عندما رأيت على الفيسبوك أنك نشرت مقالا في نهاية السنة، غمرني نوع من الغبطة الصبيانية و قلت لنفسي بكلمات فرنكفونية" هذه طريقة لإغلاق السنة بجمالية، كما لو كان لي شهرزاد مذكر، يروي لي حديثا مشوقا ، و نمحيه من الوجود بحلول السنة الجديدة ... :) "
و لكن حظيت الليلة بما هو أفضل من شهريار، ميلان كوندرا تونسي و حديث عن عبثية الميولات السياسية في محاولاتها الهزيلة و عديمة المعنى لتطويع المسرح و تدجين الفن .. مسخرة بأتم معنى الكلمة، لا أرى فرقا بين الإخوة و الرفاق سوى في العدد.. أفكر أن الرفاق في أوجهم كانوا يبدعون في شنق" أعداء الأمة و الحرية ..."

Iori Yagami يقول...

مبلان كونديرا! هذا أجمل اطراء سمعته طبلة هذه السنة! أما عن القصص الشهريارية فأعدك بها في السنة الجديدة! XD

chraigui يقول...

أحب الحركة ... أحب الفكر...أحب الإبداع...ولك كل الحق في تقديم إبداعاتك ومرحبا بالمعارضين للفكر فقط..بإنتظار رد المسؤوليين.

Iori Yagami يقول...

الحق يمارس يا صديقي، دون منّة من أحد. أما عن المسؤولية، فشخصيا لا أنتظر منهم شيئا.

القصة لم تحدث طبعا، فأنا لم أعد طالبا، و الحركات الطلابية لم يبلغ نشاطها بعد هذا الذي وصفته، لكن الدلائل الأولى توحي بهذا الشكل، لا أحب التفاؤل المفرط و لا التشاؤم المفرط، لكن التحذير واجب.

غير معرف يقول...

Majd Mastoura
نصّ جميل خفيف الظّل, للأسف تجاوزتني الأحداث و تجاوزت النّص فيما يتعلّق بالتّسييس المبتذل للمؤسّسات الجامعية...كلّ ما لديّ أن أقول هو Il faut défendre la société...برافو و واصل صديقي ;)

Iori Yagami يقول...

شكرا يا مجد، كن لنا متابعا وفيا :)

بسم الله الرحمان الرحيم


"أملي أكبر من جهدي، و جهدي أكبر من موهبتي، و موهبتي سجينة طبعي، و لكنّي أقاوم.."
توفيق الحكيـــم

ـ هذه مدوّنة أدبية، عربية، لا حدود لها، و لا ضوابط إلا مخيّلتي..
ـ هذه المدونة لا تحفل كثيرا بالاشكال الهندسية مثل الخطوط الحمراء..
ـ هذه المدوّنة مشفوعة بطابع الجودة "حلال"..
ـ هذه المدوّنة لا تبثّ أعمالا حصرية، و كل من يريد الاقتطاع منها، فليفعل و ليذكر المصدر..
ـ هذه المدوّنة تريد أن تضيف شخصا إلى قائمة الكتاب العرب، و عشرات من الأشخاص إلى قائمة القراء..
ـ هذه المدوّنة ترحب بكل سهام النقد و إن طالت واضعها، ما خلا النقدُ من الشتيمة المجانية..
Iori Yagami
10/9/2008