Thursday, March 3, 2011

دولة اللادين بين التاريخ الأوروبي و المستقبل التونسي


صرت بحاجة إلى الكتابة. إن كل ما يحصل من حولي لا يمكن الا لقلم أن يطوّقه و يحتويه.. و حينما اعتقدنا أن النظام قد اتخذ له طريقا مرة أخرى بين شوارع الخضراء، عادت الاختلافات و التنديدات و الاحتجاجات، و عادت معها كل مظاهر الفوضى و خرق النظام، ربما بطريقة أكثر سوءا و روعا، ذلك أن الفوضى هذه المرة، قد غزت عقولنا أيضا، و بات السواد الاعظم من التونسيين لا يفهم أصلا أي جهة أحق بالاتباع من الأخرى..
و لأنني ككل التونسيين، حار دليل عقلي وسط كم المعلومات الرهيب الذي تمطرنا به صفحات الفايسبوك و شريط الاخبار الاحمر العابر بين الجزيرة و العربية و الوطنية، و لأنني عكس عامة التونسيين، احتاج لشيء من التدوين كي تنتظم أفكاري، فقد آثرت ترتيب جزء من "البيت الكبير" (و البيت الكبير هو ما أطلقه على رأسي الصغيرة في الواقع)، الجزء السياسي على الأقل، لعل ذلك يساهم أيضا في ترتيب أفكار الكثيرين ممّن هم بحالي.
إن ما أكتبه خلال هذه المقالات هو آراء شخصية و استنتاجات عن المعطيات التي أملكها. و لذلك فمن الوارد أن تحيّن الاستنتاجات كلما طرأ تحيين على المعطيات.


________________________________________________

تنامت قضية علاقة الدولة بالدين في تونس بشكل لافت مع جيل الثورة، ذلك أن هذا الجيل عموما هو وليد تيارين ايديولوجيين فشلت الدولة كبقية الدول العربية الأخرى في الجمع بينهما، و الأقرب أنها سعت إلى ذلك بابعاد الشباب عن الأنشطة الفكرية و عدم تشجيعه عليها، و التيار الأول أقرب إلى الثقافة الغربية متشبع بروح قوانين مونيسكيو، أو وجودية سارتر، أو ربما مادية ماركس الجدلية. أما التيار الثاني فهو إسلامي النزعة، اما انتماء حضاري لا أكثر، و إما انتماء دينيّ، و إما انتماء فكريّ يؤسس لخطاب سياسي أو فلسفي. و بعيدا عن تناول مسألة التطرف التي قد تطال كلي التيارين، بمختلف درجاتهما، فإن هذين التيارين يمثلان جوهرين شديدي التباعد رغم كل ما يظهره الشعب التونسي من انسجام كلي و توحّد ايديولوجيّ. و السبب يعود أساسا إلى تغييب كل فضاءات الحوار المتاحة للمسألة الايديولوجية. و التغييب يكون مقصودا في معظم وسائل الإعلام التي تمارس وظيفة تمييعية بالأساس، و يكون غير واع في فضاءات الحوار العفوية كالعائلة و المقهى. انعدام الحوار ساهم بشكل كبير في جهل بعضنا لبعض و من الطبيعي و الحال هكذا ان تحدث الصدمة حين تفتح أوّل بوّابة للحرية في وجهه. و يمكن اليوم تلخيص هذه الصدمة في ما حدث ذات أحد من شهر فيفري في مطار تونس قرطاج، حيث شهد المكان أضخم استقبال لشخص في تاريخه، و كان هذا الشخص هو السيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الاسلامية، لكن المكان شهد أيضا مجموعة مناوئة لحركة النهضة اتهمت الرجل بالارهابي و اعتبرت أن لا مكان للاسلام السياسي في تونس.
لقد كان قدوم الغنوشي منطلقا لسلسلة ضخمة من المجادلات الطويلة و الكثيرة و المتشعبة التي طالت معظم التونسيين و كانت تتمحور أساسا حول سؤال : أيجب أن تتبنى تونس اللائكية؟
و بعيدا عن حادثة الغنوشي، فإن السؤال حول اللائكية تفرضه تساؤلات حول هوية البلاد المنطلقة من جذور اسلامية، و المتلونة باللائكية البورقيبية. فمناصر اللائكية يعبّر دوما عن تخوفه من نظام شمولي على الطريقة الايرانية أو الأفغانية و يعتقد أن اللائكية هي الضامن الوحيد لحرية الأديان. اما معادوه، فيعتبرونه نظاما معاديا للاسلام و يهدف أساسا إلى طمس الهوية العربية الاسلامية أو لنقل مزيد طمسها.
و لا أزعم أنني أتخذ موقفا حياديا هنا، و لا أزعم أنني انظر إلى هذا أو لذلك نظرة من باب "المساكين ـ لاـ يعرفون ـ الحقيقة"، و لكنني لا أحب أن أسوق رأيا بدون التدرج المنطقي من المعطيات إلى النتيجة. و هكذا سأبدأ البحث بالتساؤل عن ماهية اللائكية.

اللائكية تعريف
توجد خلافات كثيرة حول ترجمة المصطلح إلى العربية، حيث يذكر أن أول من اعتمد مصطلح "العلمانية" كان يحاول أن يداري بها المدلول الأصليّ لكلمة "Secularisme" الانكليزية، و التي أتى بها فلاسفة الأنوار الانكليز و الاسكتلنديين كأول من دعا إليها كجون لوك و هيوم و سميث. و المدلول الأصلي يعني اللادين، و الدنيوية. و هو في الواقع مدلول معاد أساسا للكنيسة البروتستانتية. و مداراة هذا المفهوم وراء كلمة العلمانية بما تقرب إليه من العقلانية و المنطق و العلوم سببها لا يخفى على أحد في عالم يدين بالاسلام قبل كل شيء.
و هذه الازدواجية جعلت آخرين يحتجون على المصطلح و أكثرهم مغاربة فضلوا تعريب الكلمة الفرنسية بكل بساطة (بدون أوجاع رأس). و هي التي تعني الفصل التام بين "المدنيّ" و "الدينيّ" و هي معادية أساسا لكلمة "clérical" التي تحيل على قدرة القس أو رجل الدين على إدارة الحياة العامة.
لذلك كله سأعتمد في ما يلي مصطلحا أراه أقرب للمعنى و للغة العربية أيضا، و هو "الدنيوية".

و كما أشرت سابقا، فإن الدنيوية ظهرت مع فلاسفة التنوير في انكلترا و من بعدها فرنسا و ألمانيا و غيرها. و ذلك بين القرنين الثامن عشر و السابع عشر. فأي سبب حقق ذلك، و أي اشكال حتّمته الدعوة إليه؟ يذكر أن تركيبة المجتمع الأوروبي في تلك الفترة لم تكن هجينة كما الأمر اليوم، فتضم البروتستانت في بريطانيا و جيرانها و الكاثوليكيين في جهة فرنسا و جيرانها و أرثوذوكس في اوروبا الشرقية و جاليات يهودية معظمها فرّ من اسبانيا أو شبه جزيرة الإيبار بعد طرد المسلمين منها. و يروي التاريخ ان اليهود عاشوا في مجتمعات شديدة الانغلاق، لم يعرف التاريخ مثيلا لها، و لم تشأ الدولة الفرنسية مثلا الاعتراف بهم، و اعتبرتهم "المسيحيون الجدد" و حاولت استغلال نشاطهم الاقتصادي اللافت من خلال ضرائب خاصة. و كانت نظرة المسيحيين عموما لليهود دونية جدا، و يعتبرونهم أساسا المتسببين في صلب المسيح. كما أن لها أسسا تاريخية منذ عهد الدولة الرومانية المسيحية، حيث صدرت قوانين عنصرية كثيرة ضد اليهود منها قانون يجرم على المسيحيين التعامل مع اليهود ويدعوهم الى عدم التصادق معهم ، لانهم لا يؤتمنون على عهد ولا كلمة. و كثيرا ما تعرضوا إلى عمليات تطهير و ابادة عبر التنصير القهري أو القتل. و يمكن الاطلاع على ما ذكر فولتير بشأنهم، و هو الفيلسوف و الأديب المنادي بالتسامح و الانسانية، لادراك ما يمكن أن يكنّه رجل الشارع الفرنسي لهم. لكن فولتار يعتبر تقريبا الوحيد من بين فلاسفة التنوير الذي حافظ على معاداته لليهود، حيث نلحظ قطعا كبيرا لهؤلاء الفلاسفة مع هذه الفكرة. فمونتيسكيو يقرّ باضطهاد اليهود، و جان جاك روسو يهتم كثيرا بعبقرية موسى كرجل تشريع و رجل دولة، و ذهب دالامبار و ديديرو في موسوعتهما أبعد من ذلك باقرار حق اليهود في أرض فلسطين. و لا أعتقد أن هذا الاهتمام الفجئي بقضية اليهود جاء صدفة مع المطالبة بالدنيوية. كما لا أزعم ـ كما ذهب بعض الاذكياء بالسليقة ـ أن اليهود وراء المطالبة بالدنيوية. لكن أعتقد أن الاهتمام باليهود كان احدى الهجمات الكثيرة على الكنيسة. و هي في نظري المستهدف الأول من وراء المطلب "اللائكي". فالكنيسة كما نعلم نصبت نفسها وصيا وحيدا على المسيحية، تقدم للناس صكوك الغفران و تعزل الملوك إن شاءت و تنصبهم متى شاءت، في وقت اشتد سخط الناس على الكنيسة معتبرينها أبرز أسباب شقائهم، كان ضروريا المناداة بعزلها عن الدنيا و السياسة.
لقد ربح فلاسفة التنوير معركتهم على كل الجبهات التي ذكرتها، ففي سبتمبر عام 1791، منح البرلمان الفرنسي اليهود حقوق المواطنة، وحصل اليهود على عهد بالوفاء. ثم تم تحرير اليهود بعد ذلك في اليونان (في عام 1830)، وفي بريطانيا العظمى (في عام 1858)، وفي إيطاليا (في عام 1870)، وفي ألمانيا (في عام 1891). ورغم أن المساواة المدنية التي مُنحت لليهود كانت من قبل القانون، إلا أن يهود أوروبا ظلوا يلقون مضايقات من خلال معاداة السامية والتمييز الاجتماعي. لذلك جاء التحرير ممهدا مهما لتحييد الكنيسة تماما، و قد كان ذلك بالفعل اثر الثورات المتتابعة في بريطانيا و فرنسا و الولايات المتحدة، و بعد ذلك عند توحيد ايطاليا و ألمانيا في القرن التاسع عشر..
كل هذا يؤكد تماما أن الدنيوية كخصوصية للانظمة السياسية الجديدة، كانت تهدف أساسا إلى التخلص من الكنيسة المقيدة للحريات و تطور العلوم و كناهب للأموال و ناشر للجهلوت و عابث بعقول الناس. لكن هل هدفت إلى بناء مجتمع يقطع مع المسيحية؟ هل هدفت إلى القطع مع هوية أوروبا المسيحية؟؟؟
إن مراسم تعيين نابوليون بونابرت امبراطورا على فرنسا تثبت العكس تماما، و كل الشواهد اليوم في معظم دول العالم التي جاءت بالدنيوية، تثبت عكس ذلك تماما. فبينما تتصاعد موجات احتجاج عنيفة جدا في فرنسا و هولندا ضد أسلمة أوروبا، تمنع سويسرا بناء المآذن الذي قد يتعارض مع الصليب المتوسط لعلم الدولة المحايدة، اما في المملكة المتحدة فتعتبر الملكة اليزابث هي نفسها رئيسة الكنيسة البروتستانتية. و لن أتحدث هنا عن دولار الولايات المتحدة رمز النظام العالمي الجديد، حيث تؤكد عبارة "بالله نثق" (In God We Trust) لائكية النظام.
كل ذلك يجعلنا أقرب للاعتقاد أن الدنيوية كانت منفذا للتخلص من التبعية إلى الكنيسة و أحكامها القاصرة و الجائرة أيضا و منطلقا لتحقيق عدالة اجتماعية لم تعرفها اوروبا منذ هيمنة روما الكنيسية. لكنه لم يقطع أبدا مع الهوية المسيحية لا قصدا، و انما لاستحالة التخلص من كل انتماء حضاري و ايديولوجي. ان المسيحية التي عرفتها أوروبا في عصر الامبراطورية الرومانية المقدسة و من ثمة دول أوروبا ما قبل ثورات التحرير، هي مسيحية متشبعة بالحضارة الرومانية، و لنقل بشيء من الاجتهاد بوثنيتها، و اليوم تتخذ شكلا جديدا متخلصة من بعض متحجرات الفكر القديم، و متشبعة بأفكار جديدة أخرى.
إن مفهوم الدين الذي نقصده بالقول حينما نتحدث عن الدنيوية، محدود جدا، فهو يقتصر على المتعارف عليه من الاديان الكبيرة التي يعتنقها معظم الناس، لكن فكرة الدين أكبر من ذلك كثيرا، يمكن تحديد دين ما على أنه مجموعة من الاعتقادات "الميتافيزيقية" التي تقدم تفسيرا لماهية الانسان، و الكون، و مصيره ما بعد الموت، و أهم من ذلك تحدد الخير و الشر و تؤسس بذلك للأخلاق، أو لمجموعة القيم التي تنتهجها المجموعة. و بذلك فلنا أن نستنتج أن المسيحية الاولى التي ظهرت في اوروبا، مخالفة للمسيحية الكنيسية، و كلتاهما مخالفتان لمجموعة القيم الجديدة التي جاءت بها ثورات التحرير، يمكن اذا أن نطلق على هذه القيم، دينا آخر، لا يزال في الواقع متشبعا بالكثير من القيم الحضارية المسيحية القديمة، لكن انضافت إليه قيمة الفردية (الفرد جوهر المجتمع) مثلا، و الحرية الشخصية و قيم أخرى. هذه القيم يعتبرها الدنيويّون وضعية، خلافا لقيم الأديان المتعارف عليها التي يعتبرونها قيما لاهوتية أو سماوية. و هنا لي أن أتساءل : ان كانوا يقرون بسماوية القوانين، فكيف يعترضون عليها؟ و إن كانوا ينكرون ميزتها السماوية، فأين ميزة القيم الوضعية التي أتوا بها؟ غير أنني أحاول أن أذهب إلى أبعد من ذلك، و أتساءل عن "وضعية" القيم التي تبنتها الدنيوية. فمثلا، ساد النصف الثاني من القرن الماضي ايديولوجيتان ضخمتان الشيوعية و الليبرالية، أليس كلاهما "وضعيا" قائما على الحقيقة العلمية؟ فلم الاختلاف اذا؟ لم كل هذا التعارض بين اليمين و بين اليسار؟ ان التفسير الوحيد هو أن أي نظام دنيويّ يرتكز على تقديرات قيمية و حضارية و فلسفية هو الآخر، و هو في ذلك لا يختلف عن أي دين آخر في مفهومه الواسع. بعبارة أخرى، الدنيوية كخيار الفصل بين الدين و الدولة، هو في الواقع فصل بين الاديان المتعارف عليها (من مسيحية و اسلام و يهودية و بوذية الخ) و الدولة، و لكن دينا آخر أو فلسفة أخرى تحل محلهما. لذلك فليس من المبالغة القول إن الدنيوية أو اللائكية، هي مغالطة سخيفة.

الدنيوية هي مجرد مذهب آخر، يحاول أن يلعب دور القادر على احتضان الأديان الأخرى في صلبه، و يحاول أن يظهر بمظهر المذهب الوحيد القادر على ذلك، و ان كان هذا صحيحا مقارنة بالمسيحية الكنيسية، و أيضا مقارنة باليهودية، فكيف يمكن أن يكون ذلك صحيحا مقارنة بالاسلام؟ و حينما أتحدث عن الاسلام كخيار حضاري لدولة ما، فأنا لا استحضر الدولة الافغانية و لا النظام السعودي. بل أعود إلى الدولة العباسية، و العثمانية، و أتوقف حتما عند التجربة الاموية بالأندلس، التي يقر كل المؤرخون الاوروبيون بأنها أفضل نقطة زمكانية عرفت تلاقحا بين الديانات السماوية الثلاث. يذكر هنا أن اليهود عرفوا أفضل عصورهم في تلك الفترة في ذلك المكان. الا يفرق الاسلام بين الأديان بالفعل؟ بل يفعل، لكنه يملك التشريع اللازم لحفظ حقوق كل منها، و يسمح الاجتهاد في تطوير هذه الحقوق.

إن اختزال الدين في الحجاب و قطع اليد أمور مضحكة لا تخفى على أحد أهدافها، في وقت لم يتحدث خلاله أحد عن اقتران اللائكية بالمقصلة في القرن الثامن عشر، أو بالكرسي الكهربائي في أيامنا هذه. ان اعتناق الدولة لدين ما، ليس بأمر مجنون كما يحاول البعض ترسيخه و انما هو أمر واقع بالفعل في معظم الدول في العالم، فلكل دولة قيم ما تدافع عنها و تحاول نشرها و الدعاية لها، أو على الأقل المحافظة عليها في صلب هياكلها. و كما تتبجح اسرائيل بأنها دولة اليهود، و كما تسعى أمريكا لنشر قيم الديمقراطية و الجمهورية (و الدولار)، و كما تحافظ سويسرا بكل شراسة على هويتها المسيحية، فإن لتونس الحق أيضا في ترسيخ قيم الاسلام و الدعوة لها و الدفاع عنها.

ان النظام العلماني لا يلزم الدولة بتدريس تعاليم دين ما، بل لعله يلزمها بعدم تدريسه، و هو ما يكرس مرة أخرى إلى البديل الديني المشرقيّ، متمثلا في قنوات الدعارة الدينية خصوصا، و هو ما يضيق أفق المسلمين، و يقلل من فرص ايجاد مجتمع يقبل الاختلاف و الاجتهاد. أو يرى ضرورة التدين انطلاقا من رؤية تونسية، محلية للأمور، لا باستيراد استنتاجات مشرقية جاهزة.
و النظام العلماني لا يلزم الدولة بالدفاع عن الدين الاسلامي حينما يتعرض إلى الاهانة او يعتدى على بعض مقدساته، كما حدث مع الصحفي الدنماركي، و لا يلزم الدولة أيضا باعتماد المعايير الأخلاقية التي أسسها الاسلام في المجتمع، فيصبح مشروعا (على مستوى القانون على الأقل) أن نرى على شاشات التلفزة تلك المشاهد التي كانت في الأمس القريب مخلة بالآداب، نسجا طبعا على المنوال الأتاتوركي. أو أخطر من ذلك، يسمح للاعمال الفنية بمغالطات تشوه الاسلام و ترسخ للتفسخ الحضاريّ عبر أموال الدعم التي يدفعها المواطن و هو المنضوي تحت راية الاسلام دينا و حضارة خصوصا.
لذلك فاختزال الاسلام في القتل و القطع و القصاص و الترهيب فزّاعة لا تخفى على أحد، لقد انتهى عصر الدكتاتوريات، و بدأ عصر لا حكم فيه لأحد، و انما تجتمع فيه تمثيلات عن القوى الفكرية المختلفة للشعب كل تمثل قوة ضغط على الآخرين حتى يثبت التوازن بين مختلف القيم الشعبية بما في ذلك الميل الى تشريع اسلامي.
أما الاسلام حضارة و فلسفة، فلا يمكن البحث في شأنه، إنه مجموعة القيم التي يؤمن بها التونسيون أو أعظمهم سواء اتفقوا على تشريع اسلامي ما ام لم يتفقوا. انه بصفة أخرى، الصورة التونسية الممكنة للائكية، ان كان للائكية وجود!


7 comments:

Marwen Hafnaoui said...

article de luxe
je ne peux dire que "bravo"

Iori Yagami said...

شكرا يا مروان، أرجو نشر المقال حتى أتلقى شيئا من النقد :)

Anonymous said...

السلام عليكم و رحمة الله:
مقال جميل يا فاروق ، أذكر كتابا رائعا للراحل علي عزت بيجوفيتش هو "الإسلام بين الشرق و الغرب" فرق فيه بين الدين بالمعنى الغربي و الإسلام ، بل إنه استخدم كلمة الدين للدلالة على باقي الأديان و استخدم الإسلام للدلالة عليه وحده.
إن من يدعون للائكية يتهمون الإسلاميين بأنهم مقلدون هم انفسهم مقلدون لأنهم يريدون للائكية أن تنتشر فقط لأن الفيلسوف فلان قال ذلك أو لأن أوروبا تقدمت و ارتفع متوسط الدخل عندها..إلخ

إن الإسلام هو مرجعية حضارية و مسألة ثقافة بجانب كونه دينا.
و هو يقيم روابط روحية بين عدد جم من شعوب العالم ، هأنذا مصري أستشهد في ردي عليك أنت التونسي بكتاب كتبه علي عزت بيجوفيتش البوسنوي!

كما أن مجال الاتجهاد في الإسلام واسع جدا تعددت في استنباط أحكامه المذاهب و أفنى العلماء أعمارهم فيها فلماذا لكي نقلد الغرب نترك هذا التراث العظيم الذي تركه لنا أجدادنا ؟
إن من مميزات الحضارة الغربية فكرة تقسيم العمل و العمل الجماعي و الإدارة المؤسسية ،هذا ما نحتاجه فعلا من الغرب ، اتركوا المجال للتجديد للغنوشي و القرضاوي و بن بيه و الريسوني و الشنقيطي.

حقا أستغرب لدعوى لائكية أن تنتشر في المغرب العربي بالذات فهو مهد علماء مقاصد الشريعة التي قامت و استقامت بعقول أبنائها على مر العصور و من فقهائها الكبار القاضي عياض الذي فرق بين أفعال النبي (ص) التشريعية و غير التشريعية و الشاطبي العظيم صاحب الموافقات.
لدينا أقدام راسخة يا سادة و جهود وافرة في فروع العلم الشرعي هي التي شكلت العقل الأخلاقي العربي على مر قرون.

أرجو أن تجد كلماتك تلك صدى في بلدك يا فتى كما أرجو أن تجد تلك الكلمات أيضا صدى في بلدي لأننا نعاني من ذات المشكلة و إن اختلفت تفاصيلها.

تحياتي

محمد عبد القهار

Iori Yagami said...

لا أعرف ماذا أجيب يا فارس، الناس لا تقرأ
:)

mahassen said...

أعجبني في هذا المقال تحديدك و فصلك لثلاث أنواع من الإنتماء ات "انتماء حضاري لا أكثر، و إما انتماء دينيّ، و إما انتماء فكريّ يؤسس لخطاب سياسي أو فلسفي."
بالنسبة للإنتماء الحضاري، هو الإنتماء الأكثر شمولية و الذي لا يستطيع أحد نفيه.
البقية،لكل شخص تصوراته و التي تتراوح بين الإقتناع و التنظير لدرجات متنوعة من الإسلام ا لمعتدل و السلفي.صحيح أيضا أن جميع التيارات السياسية تعتمد على فكر مذهبي و فلسفية بما فيها اللائيكية. لكن أرى شخصيا أن إعتماد الدين للسياسة لن يكون أبدا إعتمادا وفيا للرغبة الإلهية لمن يؤمن بوجودها ، بل تأويلات إنسانية و قد أثبت التاريخ أن هذا الإعتماد يسهل من السقوط في نطاق أنظمة غاشية و مستبدة قامعة لأبسط حقوق الفردية و هي حرية الفكر و التعبير ، و حدث ذلك، في أوروبا و العالم العربي..، في حديثك عن التجربة الدينية و اللائيكية في أروبا ، أرى أنك تناسيت كون هذه الثورة الفكرية على الدين مهدت لثورة علمية كبرى و هي إلى يومنا هذا السبب الأساسي للهوة بين العالم الغربي و الشرقي و لا أريد القول بهذا ، أن أصل لإستنتاج سخيف من نوع لو أتبعنا الآن العلمانية الآن سنتطور، لا أقصد هذا!!
أعارضك أيضا لما تقول أن الدين يؤسس الأخلاق، مشكل طرح فلسفيا و تم تبيانه .. و قيمة القيم لا تتحدد بكونها تعتمد على دين .. في الأخير أتحفظ علا منهاج وضع منذ 14 قرنا، أفضل منهاجا وضعي مستمد من الواقع الحالي و يعالجه برئية حديثة لا بإستحضار من نوع "قال .. عن ..عن.."

Iori Yagami said...

شكرا على تعليقك محاسن،
حسن بالنسبة إلى الانتماء الحضاري، هو أمر يحاول كثيرون طمسه بالفعل في تونس. بورقيبة في البداية، ثم لا مبالاة بن عليّ، جعلتنا في حرب مع هويتنا تماما. حتى المتديّن في تونس، لم يعد يجد ضالته الحضارية (انشاد، كتب، فكر، الخ) في تونس، فيضطر كما ذكرت إلى بديل غريب عنا، فيلبس القميص السعودي بدل الجبة و ينشد على الطريقة السعودية، بدل المدحيات التونسية، و حتى القرآن بات يقرأه كثيرون على الطريقة المشرقية. و هذه بسائط الأمور.

"لكن أرى شخصيا أن إعتماد الدين للسياسة لن يكون أبدا إعتمادا وفيا للرغبة الإلهية لمن يؤمن بوجودها ، بل تأويلات إنسانية"
و من قال عكس ذلك يا محاسن؟ طبعا هي محاولة في قراءة النصوص، و بالطبع هناك قراءات أفضل من غيرها. و لكن السؤال : لماذا الاصرار على الصاق كل ماهو شمولي بكل ماهو مرتبط بالاديان السماوية؟
أعطيك امثلة عديدة تؤكد ان لا علاقة اطلاقا :
روما الوثنية كانت ديمقراطية (طبعا هناك عبودية، لكن بالنسبة لمن يتمتعون بالمواطنة، هناك ديمقراطية)
روما المسيحية كانت دكتاتورية.
الاتحاد السوفياتي علماني جدا بل يرفض الاديان تماما، كان قمة في الدكتاتورية.
الولايات المتحدة التي تزعم اللائكية، يحكمها المال تماما و لا مجال فيها للديمقراطية يكفي أن هناك حزبين فقط يقتسمان الحكم منذ قرون.
ألمانيا منذ اوجدت و هي علمانية، مع ذلك لم تعرف الديمقراطية الا بعد نهاية الحرب العالمية...
أما فرنسا، فالثورة التي اطاحت بالملوكية و رسخت للائكية، كرست حكما امبراطوريا منذ البداية، بقيادة نابوليون.
اذا النظام الشمولي يا محاسن، لا علاقة له بخيار اللائكية. هو شمولي لأن الناس أرادت له كذلك.
أنت ذكرت أن تطبيق الدين، هو قراءة له، لذلك فالمنفذ ليس الحاكم بأمر الله. و لا عصمة له.
من وجهة نظر اسلامية، باب الحكم أعتبر أكثر الابواب وضوحا في الاسلام، و يعتبر الناس أكثرها غموضا. لم يحدد الاسلام طريقة الحكم، لأنه باختصار لا يهتم لها. لأنه يقول بكل وضوح و شفافية : لكل زمن طريقته في الحكم، فاختاروا الطريقة الانسب لزمنكم و لظروفكم. و لكن راعوا الشرع فيها. بالنسبة للاسلام لا يهم كيف ينتخب الحاكم و لا كيف يسمى، المهم ان ترعى الطريقة مصلحة المسلمين، و ان لا تعارض التشريع.
لذلك فالاسلام لا يعني خلافة. و لا يعني سلطانا. و اللائكية التي تدعو الى احترام اليهود كملة لها معتقداته (جاءت لهذا الامر كما ذكرت في المقال)، كفلها الاسلام بالفعل منذ قرون.

اما حديثك بشأن تزامن الثورة الفكرية بالثورة التكنولوجية، فأحب أن أذكرك ان الثورة العلمية في اوروبا بدأت حينما لم تعد اوروبا تنظر الى العالم على طريقة أرسطو، و حصل هذا عندما قدم نيوتن تفسيره للكون. و هذا الامر حدث قبل عصر التنوير بقرون في الواقع. كل ما حدث بعد ذلك مجرد محصلات عادية جدا. نيوتن كان الطفرة الذي جعل اوروبا في القمة، مثلما كان اينشتاين الطفرة الثالثة الذي جعل امريكا في القمة.

لم أقل إن الدين وحده من يؤسس للأخلاق، قلت إن الدين يؤسس لمنظومة من الأخلاق. مثله مثل أي فلسفة أخرى. لا أعتقد أن هذه خاطئة.

في الختام، أفضل منهاجا وضعه من خلقني فهو يعرف حتما طريقة صنعي و دواخل نفسي أفضل من أي كيان آخر. ألا ترين ذلك؟
:)

عـبـد البـــاقي said...

أنا أشاطرك الرأي وأشكرك حقيقة على تقديم مثل هذا المقال المهم والواقعي
وأود التأكيد على أهمية مثل هذه الكتابات خاصة وأنه كما قلت الناس لا تقرأ ومخلفات العهد القديم من جيل بعيد كليا عن مثل هذه القراءات واستسلامه للمسلّمات التي ترسخت تدريجيا يترك المجال للمسارعة في استيعاب هذه القوة الشبابية التي تأثرت بالثورة وأحست بضرورة تبني موقف سياسي أو إيديولوجي معين فأصبحت هناك العديد من المغالطات في إطار التسويق للعلمانية تحت شعار واحد : الضمان الوحيد للحريات الشخصية وحرية التدين وبالتركيز على تشويه الإسلاميين بالأخص والتغاضي عن قصد عن بقية الأطراف التي تشارك في الحقيقة في تسويق اللائكية لما تضمنه لها من إقصاء لمنافس سياسي مهم ومؤثر في الساحة وكذلك تمهيدا لترسيخ الإيديولوجيات المتبناة من قبل هذه الأطراف
ولا تستسلم لفكرة أن الناس لا تقرأ .. هذه نتيجة حتمية لكن إستسلامك وأمثالك يعطي الفرصة لاستبداد طرف واحد بالخطاب وهو على العكس لا يدّخر جهدا في سبيل تسويق أفكاره حتى بالأساليب القذرة
المشكل كما قرأت في تعليق للأخ المصري مطروح في العديد من الدول الآن في محاولة بليدة لإستنساخ ثورة على النمط الأوروبي كما بيّنت في المقال .. وربما في مصر بأقل حدة رغم وجود كبير للمسيحيين إذ أن قيمة الأزهر رغم ما شابه في السنوات الأخيرة وكذلك الحرية في الدعوة الدينية جعلت من الدعوة للعلمانية تبدو غير منطقية وأبعدها خطيرة في التعايش بين المسلمين والمسيحيين خاصة وأن في إطار هذا التعايش والتسامح الدعوة لللائكية تبدو غير مبررة تماما
وفي لبنان كذلك تتزامن هذه الدعوة مع رياح الثورة
بالنسبة لتونس لا أعتقد أن التوقيت صدفة إذ أن الدعوة لللائكية في هذا الوقت بالذات يحكمها الخوف من قدوم الإسلاميين والجرية التي ستقدم خطاب مغاير لمعنى اللائكية وهذا الخوف مستمد بالأساس من إنفرادهم بالساحة الثقافية والفنية والساسية وحتى الدينية في الفترة الماضية حيث أن نظام بن علي كان يدعمهم ويقمع الإسلاميين فالخوف والضجة التي يثيرونها مفهومة وكذلك باعتقادهم أنه لا بدّ من جني ثمار ما أسس له بورقيبة وأعوانه على غرار محمد الشرفي من تهيئة تدريجية وصنع لعقليّة التونسي في المستقبل .. فهم يعتبرون أن الوقت حان لاستثمار ماأسس له بورقيبة ودعمه نظام بن علي وأن غير ذلك سيهدم هذا الصّرح البورقيبي لصالح الدين واللائكية إذا تمعنّا في نشأتها أو حتّى في التجارب التي أوردت بعضها هي ستار لمحاربة الدين حتّى يحل محلّه دين جديد ساهم في تفسخ الأخلاق وانتشار ثقافة دنيويّة هي بالتأكيد تستعمل الآن لأغراض مختلفة منها الإيديولوجي ومنها ماهو إقتصادي وهي تستند على بعض أشباه المثقفين بقلّة وعلى مغالطة الشباب
حاصيلو ناس الكل تستعمل فيهم .. حتّى في السياسة كان لاحضت أنه يوم السبت اللي سبق يوم بداية الإعتصام تمت برمجة مسيرة للائكية وكانت معهم التلفزة وصورتهم وقالوا أنهم بالآلاف رغم قلتهم ولم يذكروا المسيرة الأكبر حجما والداعية للمجلس تأسيسي وكانت محاولة لإثارة نوع من الإشتباك بالإستفزاز
http://www.facebook.com/event.php?eid=114025818672313
http://www.facebook.com/event.php?eid=185089841533429
ومازالت التفاعلات
ومحاسن ما تاخوش عليها :q
هاذيكا زعيمة العصابة الماسونية الصهيونية :qq

There was an error in this gadget

Translate