Tuesday, February 24, 2015

الفيلم المظلوم


كان عيبه أنه تجاوز خطوط الإنتاج المعروفة و المعمول بيها. قدّم فنّا يقاتل مع الزمن، ليجلب لنا أجمل ما فيه، و يذهب بنا إلى أجمل ما فينا ـ أو في أكثرنا ـ : طفولتنا.
أحدّثكم اليوم عن الفيلم المظلوم Boyhood.
تحصّل هذا الفيلم على أُسكار يتيم يتعلّق بأفضل ممثلة في دور مساعد، حازت عليها باستحقاق الممثلة بَتريشيا آركِت Patricia Arquette. و ذلك بعد أن ترشح لخمسة أُسكارات، بدا أنه يستحق على 3 منها.
بدأ العمل في ماي 2002 و انتهى في أوت 2013، لكنّ التصوير استغرق 45 يوما فقط. قدّم المخرج Linklater خلال هذا الزمن الطويل/القصير أحد أجود الصور التي يمكن لسينمائيّ أن يقدّمها عن الطفولة، و عن أمريكا، و عن الحياة. تتشكل هذه الصورة منذ كان الصبيّ Mason في السابعة من عمره، لتقدّم لنا بعد اثني عشرة سنة و قد غادر Mason حياة الطفولة ليبدأ فترة شبابه بالحياة الجامعية... خلال ساعتين و خمس و أربعين دقيقة، تتابع تشكُّل هذه الصورة، بدقائقها، و تفاصيلها، و أحداثها الصغيرة التي تكتشف كم هي مهمّة و كبيرة.
جمال الفيلم برأيي، لم يكن حقّا في التغيير البطيء لوجوه الممثلين، و ظهور التجاعيد بشكل طبيعيّ، و ظهور الزغب و النهود دون ماكياج و دون الاستعانة بممثلين من أعمار مختلفة. جمال الفيلم أساسا في تغيّر التفاصيل المحيطة بهم، و التي برأيي يستحيل على أقوى خبراء الديكور و تصميم الإنتاج التفكير بها جميعا. كلّ تلك التفاصيل التي أحاطت بMason و عائلته، لم يفكر فيها أحد، بل وجدت هناك بطبيعتها، و تغيّرت أيضا دون أن تستأذن أحدا.. تحوّلت لعبة الGameboy التي ظهرت أول الفيلم، إلى Nintendo Wii بمرور الوقت، و تحوّلت الهواتف الكبيرة إلى أخرى صغيرة، ثم إلى لوحات الكترونية. عشرات الماركات التي ظهرت حينها و اختفت بعد ذلك، عشرات المنتجات التي عاصرت بالفعل زمن التصوير، الموضة السائدة في الديكور، في الملبس، ربما أيضا في اللغة المستعملة، في العبارات المتواترة، الأحداث المحيطة بالعالم الصغير يعيشون فيه، كلّ ذلك جعل من Boyhood قصة أكثر واقعية من الواقع نفسه ربما، أكثر طبيعية، لكن بصيغة مختصرة كثيرا، تجعل المشاهد كأن بينه و بين هذه العائلة أنبوب زمني غريب، يطل منه دون أن يتأثر بالزمن. هو واقع يجعل المشاهد خارج الواقع.. لو تفهمون ما أعنيه...
ليس هذا فحسب، لكنّ المخرج لم ينس في خضمّ ترويضه الماكر للزمن، أنه يصنع صورة مهما تكن طبيعية، لا تكتمل إلا بتدخّل من يديه. لقد استطاع Linklater استعمال هذا المحيط الطبيعيّ الذي وفّره لقصته، ليبث فيها روحا رقيقة مليئة بالأحاديث و الموضوعات التي تطرق ذهن كلّ ولد كMason. طبيعة الموضوعات التي شكلت حوارات Mason مع محيطه، كانت عاملا أساسيا في إبعاد الملل عن المشاهد. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحوارات المنتقاة و المنثورة بعناية كبيرة على مراحل طفولة البطل، تقوم تماما بعكس ما تقوم به تفاصيل إطار القصة، أي أنها تعيد المشاهد إلى نهر الزمن، و تجعله يعيش داخله حين تخرجه التفاصيل منه. كل حوار للطفل هنا، مع والده الذي يسوق له ذكرياته، كل موقف مع والدته التي تنتابها لحظات ضعف شديدة، كل مشادّة مع أخته الأكبر منه سنا، و كلّ تحدّ يحرجه أمام أصدقائه، هو ذكرى تختزنها ذاكرتنا، هو قصة مخبئة في داخلنا، ستخرج كل تلك الصور مع هذا الفيلم، و سوف تعود طفلا، و سوف تواجه إجاباتك و أفكارك و معتقداتك الطفولية من جديد، سوف تضحك لهذه، و تعاود تقييمك لتلك ، و تتحسر لما بدر منك في أخرى.. Boyhood هو طفولة المشاهد أيضا.
هذا الفيلم ممنوع من الإبهار. يمضي بسيطا سلسا ناعما مثل الزمن تماما. لن تحسّ بالملل و أنت تشاهده، لكنك لن تحس بالتشويق، و لا بالمؤثرات البصرية المذهلة، و لا الخوف الشديد على البطل. لن يجعلك تغرق في الأفكار الفلسفية المريعة، و لن يحدثك عن دور المثقف أو الفنان، و لن يطلب منك أساسيات الفيزياء و نظرية الكم و النسبية العامة لتفهمه. لكنّه في الآن ذاته، ثريّ، قويّ، عاتٍ مثل الزمن. هكذا أراده Linklater و هكذا نجح في إخراجه.
بالمناسبة، أخت Mason، في الفيلم، هي ابنة المخرج، و تكبر البطل ببضعة أشهر فقط، و كادت تقرر التوقف عن الفيلم، لأنها ملّت، لو لا أن طلب أبوها منها المواصلة.
أما والد Mason فيعمل في شركة تأمين تماما مثل والد Hawke الذي قام بهذا الدور، و أيضا مثل والد المخرج. و كلاهما عاشا في تكساس التي دارت فيها الأحداث.
أخيرا، يجب التنويه بالعمل الرائع الذي قامت به Patricia Arquette في هذا الفيلم. لقد كانت أمّا مناضلة (لن أخوض في التفاصيل) فعلت الكثير لابنيها و لتضمن لهما طفولة يمكن لهما أن يتذكراها بشيء من الارتياح، إنه ذلك الدور الذي لا يفرط في الدراما، و لا يفلت منها، يقدّم المعاناة دون أن يتحدث عنها (في الواقع تحدثت عنها في لحظة ضعف يمر بها أي شخص مثلها)، و يجعل المشاهد مرة أخرى يعود إلى طفولته و يتذكر أمّه. Patricia و بوصاية من المخرج، لم تقم بأية عملية تجميل طوال السنوات ال12 التي صوّر خلالها الفيلم، و احتفظت بتغيرات جسدها التي لم تكن لتعجب نجمة هوليودية مثلها.
هناك الكثير لأقوله عن تلك التفاصيل التي خاض فيها الفيلم. الهواية، الجنس، حبّ إظهار الرجولة، الآخر، الطموح، العلاقة مع الأب.. مجتمع تكساس و قيمه، و أفكاره و تقاليده، الخ الخ .. هذا فيلم ثريّ جدا، لا تفوّتوه. مدته 165 دقيقة، أي تحتاج إلى نهاية أسبوع مثلا. لكنّه يستحق ذلك جدا. لو أن هناك ما يستحق جائزة أفضل فيلم بدلا من Birdman، فلا يوجد غير Boyhood.

1 comment:

Unknown said...

That review made me watch the film and i don't regret it

There was an error in this gadget

Translate