Saturday, May 10, 2014

اللغة البسيطة

تلقى هذه الكلمة خلال تقديم "الخروج عن الخط" في بنزرت الذي استضافته ودادية قدماء معاهد بنزرت .

 
أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، تحية تتجاوز جوعا سوسيولوجيا للسلام بما هو هاجس يتشكل عبره المجتمع و ينفرط، و بما هو معنى قاعديّ لا يفي بما ينتظره المرء من ودّ و شوق و حماس للقاء في عبارة مقتضبة، تحيّة تتجاوز أملا مبهما بالخير اطلاقا و تعميما، لا لتجاوز الصور النوعيّة أو النمطية للخير، حبيسة التاريخ و الجغرافيا، و لكن لقصور في رؤية الخير نفسه، و تكاسل يحول دون أن نعنيَ حقا ما نقول. أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، و أن أسوق من ورائها حديثا ـ كهذا الحديث ـ معقد التركيب، مكثّف اللغة، متداخل العبارة، يشقّ على السامع و ينهك القارئ، حتّى إذا بلغ معناه، لم يجد غير تحيّة ضمنية تعبّر عن سعادة القائل و عجزه عن ايجاد قول بليغ.

لماذا تعقيد الأمور اذا؟ لماذا نجنح إلى أن نقول في خمسين سطرا ما يمكن أن يقال في عبارتين بسيطتين؟ قد تكون اللغة أداة للتورية بقدر ماهي أداة للتواصل، لكن هذا الضرب من التعبير (أعني الذي يعتمد أساسا على التعقيد و البهرجة) ليس فيه لا تورية و لا إخفاء. و إنما ـ كما بدا لي دائما ـ لا يعمل إلا عمل البدلة الأنيقة التي قد تخفي بساطة صاحبها. و المحتوى إذا كان بسيطا فلن تفلح في انقاذه البهرجة.
و حينما بدأتُ في إعداد "الخروج عن الخطّ" في 2012، كان تساؤل "بأية لغة سأكتبُ" يتردّد في ذهني كلما ازداد الكتيبُ سطرا جديدا. إن اللغة ـ لغتنا ـ لا تكاد تتغير في كتبنا، بينما الناس يتغيرون، القراء يتغيّرون، و العالم لا يكتفي بالتغير، بل كأنه يولد من جديد في كل مرّة ظننا أننا نسايره. و بينما رمّم الكاتب في المشرق طريقه إلى القراء من جديد، لا تزال هوّة لغويّة تفصل الكاتب في المغرب العربي عن قارئ يتذكر أنه عربيّ مرة كل عشرة كتب فرنسية أو عشرين.

الكتابة باللغة العربية في تونس باتت عملية ملغومة ـ في زمن الألغام ـ من كل جانب، أما كتابة القصة فبعضهم للأسف لا يزال يعتبرها عبثا، و مسألة ليس فيها الكثير من الجدّ، و هذه قضية شائكة أخرى. أذكر أن أحد الصحفيين علق ساخرا على صدور عمل روائيّ : "بعضهم يجهد نفسه في تحليل الخارطة السياسية، بينما لا يزال هؤلاء يتسلون بالقصص". تخيلوا إذا معنى أن يكتب أحدهم قصصا، و باللغة العربية.
و بعيدا عن قيمة أدب القصة، و ما سببه افتقارنا ـ كشعب ـ إليه و إلى مادته من رداءة نراها في كل مكان من حولنا تقريبا، فإن اللغة هي خطّ المواجهة. فأغلب القراء العازفين عن الكتابات العربية، تعاني علاقتهم بلغتهم الأم من سوء فهم تاريخيّ. و لقد لمستُ ذلك من خلال اندهاش بعضهم و هو يجد يسرا في قراءة الكتاب و ربما الاستمتاع به.

في زمن ظهر فيه المنادون باستقلال اللهجة التونسية كلغة قائمة بذاتها (و أنا أحترم آراءهم لكنني أحاربها بشراسة) من الضروريّ على اللغة أن تثبت قدرتها على احتواء لهجاتها المتعددة و المتنوعة. و العامية التونسية كلهجة عربية في نهاية الأمر، تحاول بفعل هذا العصر المريض أن تنحرف عن جذورها، لذلك كان تفاعل شخصيات الكتاب في ما بينها، تذكيرا بصلة الرحم هذه، و محاولة لرأب الصدع بين أم و ابنتها، أو بين أخت و أختها. و هو ليس ابتكارا بقدر ما هو اختيار، بما أن استعمال اللهجة العامية ليس جديدا على الكتابات العربية، لعلّ أشهرها أعمال يوسف إدريس أو رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم.

إن تبسيط اللغة لا يعني تبسيط الشكل، فالمبنى و ان ارتبط بالمفردات المعتمدة، و العبارات المشكّلة، يتجاوز ذلك إلى بنية النصّ، أو ربما إلى النص نفسه. تتحول القصة إلى فضاء تتشكل فيه الأفكار، أو الأسئلة أو المعاني. لذلك لاحظتُ أن الخروج عن الخط كان أحيانا مراوغا قد يدّعي بساطة ليست فيه دائما. ممّا ينتج عنه سوء فهم كان يمكن تفاديه منذ البداية. إنني لا أدعي هنا إن هذا النص عميق موغل في العمق أو ثري بالغ الثراء، فقد يكون سوء الفهم منبعه قصور في التعبير أو خلل في التبليغ، لكن ملاحظتي المستمرّة لتفاعلات القراء مع النصّ، تدفعني إلى الاعتقاد أن بساطة اللغة تفهم أحيانا على أنها بساطة في النصّ نفسه، فيتهاون القارئ في قراءته و الحال أن الكاتب، شابّ، يافع، صغير، مبتدئ، قاصّ، يخطو خطوات الأولى في عالم الكتابة، إلى غير ذلك من الأوصاف.

الخروج عن الخط تجريب في اللغة، مثلما هو تجريب في القصّ، فالأقصوصات العشر التي ستواعدونها واحدة واحدة هنا، تختلف كلّ منها عن الأخرى تماما في نمط السرد و في أسلوب الكتابة، لذلك لا تقنطوا إن خاب أحد المواعيد، فلعلّ الموعد التالي هو ما كنتم تنتظرون.


No comments:

There was an error in this gadget

Translate