Thursday, October 24, 2013

لماذا الأدب؟

قبيل انتهاء هذا اليوم الكئيب، تعود ذاكرتي إلى سنوات الدراسة الثانوية.. كنت في مكتبة المعهد النّموذجي، و هي قياسا، مكتبة "نموذجية" فيها ما لذّ و طاب من كتب الأدب و التاريخ و العلوم.. نادرا ما يستهلك تلاميذ المعهد هذه الكتب، فأغلبها لا يُعتمد في البرامج الرسميّة.. و أنتم تعلمون طبعا علاقة الحبّ التي تجمع تلميذا نموذجيا بما أراد له النظام أن يعلم.. 

في ذلك المكان الضيّق، عثرتُ على كنز اسمه "معجزُ أحمد"، و على "مسرح المجتمع" لتوفيق الحكيم. هناك جلستُ إلى "ستاندال" لأول مرة، و أقمتُ صداقة مع المدعوّ "فلوبير".. و أناس ظرفاء آخرين.. هناك بحثتُ أكثر في أسباب سقوط الأندلس، و انغمستُ أكثر مع تجربة المأمون السياسية.. و انتقل تفكيري إلى مستويات أعقد لم أكن أعرفها..

في ذلك المكان الضيق أيضا، توجّهت إليّ "س" بسؤال لن أنساه ما حييت.. قد أنسى اجاباتي الكثيرة و انفعالاتي الحادّة، و لكنني لا أنسى السؤال .. 
"لماذا الأدب؟ غدا تصبح أنت مهندسا، و أصبح أنا طبيبة. سيقدم كلانا خدمة للمجتمع، و سيرقى به، فلم الأدب؟ ما نفع كلمات رقيقة حالمة نتبادلها حينما نملك ترف الوقت لذلك؟ ما الذي ستضيفه ثلاثية نجيب محفوظ إلى قائمة الاكتشافات البشرية؟ و هل سيتحسّن وضع الدينار بمجرّد أن يقرأ الناس أغاني الحياة؟ أم إنّ شبكة المواصلات لن تتطوّر إذا لم نقرأ أعمال تشيكوف و غوغول؟"

أنا لا أعرف أين هي "س" اليوم، و لا ماذا تفعل، و لكنّني أعرف جيدا ماذا يحصل لذلك الشعب الذي لا تـُلقي كفاءاته بالا لنجيب محفوظ و أغاني الحياة و تشيكوف و غوغول.. أنا لا أعرف أين هي "س" اليوم، لكن من المؤكد أن هناك آلافا مثلها، اِجتازوا درجات التكوين الأكاديميّ دون أن يلمسوا كتابا أدبيا واحدا.. آلاف مثلها، يلبسون ميدعات أطباء، و جراحين، أو يحملون قبعات قضاة أو محامين، أو يحملون حقائب أساتذة أو معماريين.. أفكارهم جافة مكرّرة، خيالهم مريض بالهزال المزمن، لا يقدرون على التجديد، و لا عن التعبير عن أفكارهم... و لا يقدرون على التواصل مع الآخرين بشكل سليم.. 
هؤلاء هم الذين تجدونهم اليوم في الإدارة، ينظرون إلى آلاف العيوب التي تخترق جسد النظام و ينخر ما بقي من هيكله، و لا يقدرون على تغيير شيء، فأذهانهم نفسها لا تتغيّر.. و لا تفهم أن الحياة فعل تغيّر مستمرّ.. 

بالأمس رأيتُ على شبكة "فايسبوك" سيلا من الشّباب، يكبّرون في سعادة و رضا عن استشهاد أمنيّ وكـَّـله الشعب للذود عنه.. لم أفاجأ كثيرا، حينما اكتشفتُ أنّ أغلبهم من طلبة الهندسة، أو معاهد التقنية، أو حتى الطبّ..
إنّها القصة التي تتكرّر كلّ جيل، منذ سنوات ليست بقليلة : علوم تقنيّة، معلومات دونما معرفة، قطع مع كل أشكال الفكر و الفنّ و التفكّر و التفكير، فراغ روحيّ، و بساطة ذهنيّة، تأتي مسكّنات روحيّة فقيرة هشّة، بساطته الذهنية، تجعله لا يستوعب غيرها، يتعلّق بالمسكنات فيعلق.. 


لا أريد أن أختصر التطرّف في هذا المنوال، هناك أوجه عديدة، يجتمع بعضها فيخلق عقيدة الخراب هذه، لكنّ المؤكد أن للرداءة سببا واحدا.. و الرداءة لا تقتصر على تصوّراتنا الميتافيزيقية و الايتيقيّة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى.. كلّ شيء تقريبا.. "و فيمَ يفيدُنا الأدب؟" ينقذنا من الرداءة مثلا.. يراودني السؤال بينما يتوالى التكبير من حولي..

و حينما أرى هؤلاء المهلّلين المكبرين من المهندسين و الأطباء، يراودني سؤال ثان، ترى هل تراه يقول الشيء نفسه لو قرأ "أشواك السلام"؟ أو "لن تحدث حرب طروادة"؟ هل كان سيعتقد الشيء نفسه لو غمرته صغيرا لذة قراءة "هو الكون حيٌّ يحبّ الحياة.." ؟ و أيّة متعة روحية سيلقاها في هذا الأنموذج الرديء، لو أنه حاك عبر آلاف الاستعارات و المجازات و الأساطير و القصص انموذجا أكثر "رقيّا" و تعقيدا و عناية؟

مشكلتنا مع الخيال باتت أشبه بالعقدة، فنحن نرفض الخيال و نهرب إليه.. نشمّه كما الأفيون سرّا، ثمّ نذمّه جهرا.. لذلك ظلّ خيالنا الشعبيّ ركيكا، مبتذلا، نراه في مسلسلاتنا الرمضانية، و في أغانينا، و ربما في كتبنا. فماذا عسى واقعنا أن يكون، إذا ما كان خيالنا مبتذلا؟
يقولون إنّ أدب القصة، يهرب بنا من الواقع، و يهرب بنا من مشاكلنا الحقيقيّة، و لعلّ ذلك ما أملاه علينا خيالُنا المبتذل. إنّ عيوننا قاصرة، لا تقدر أن ترى الأشعة ما فوق البنفسجية، و لا تقدر أن ترى جوانب كثيرة من الحياة، و هنا يمارس أدب القصة دوره في اعادة قولبة الواقع، اعادة تشكيله حتى يمكن لعين القارئ أن يرى ما لم يره من قبل.. و في أشدّ القصص انغماسا في الخيال و الأسطورة، سوبرمان على سبيل المثال، سنجد انعكاسا كبيرا للنفسية الأمريكية خلال أزمة الثلاثينات.. 

يقولون إن أدب القصة، ترف فكريّ لا يعني بلادا تعاني كي تنتشل نفسها من انهيار ممكن. أقول إنّ ما لا نملكه من خيال، يجعلنا عاجزين على الحلم بشكل سليم.. أحلامنا نفسها ركيكة، نحاول أن نتوكأ على أحلام الآخرين، لأننا عاجزون عن صناعتها.. 
أدب القصة هو حاجة أكيدة لشعب مثلنا، يعاني من فقر رهيب في الذوق الجماعيّ.. أدب القصة هو ما قد يقدّم المثال، النموذج الأرقى، لما نريد و ما نحلم.. أدب القصة، يخاطب فينا اللاشعور قبل الشعور، و يغيّر فينا ما لا نعلم، و يرتقي بالأذواق من حيث لا نشعر. هكذا حصل مع الأمم السابقة. فلا مصادفة هنا إن تزامن ميلاد ميلاد كليلة و دمنة، و مقامات الهمذانيّ، بفترة هي الأعظم في تاريخنا، و لا مصادفة إن عرفت مصر تطوّرا لا بأس به في زمن توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ.. 

في الختام، أحب أن أذكر الطلبة من مهندسين و أطباء و خبراء قانون و صحفيين و أساتذة، و تقنيين، بمقولة أينشتاين الخالدة :"إن الخيال أهمّ بكثير من المعرفة. ذلك أن المعرفة محدودة بما نعرفه الآن في لحظتنا هذه، أما الخيال فيضمّ الكون كلّه، و كلّ ما يمكننا أن نعرفه أو نفهمه."



No comments:

There was an error in this gadget

Translate