Tuesday, May 1, 2012

الفايسبوك يكتب تاريخنا..

من أسوا ساعات اليوم، هي تلك التي تلي الغداء مباشرة، البطن الممتلئة، الحاجة الى النوم، المكتب الكئيب، و قائمة الاعمال المثيرة للغثيان، و احدهم على الفايسبوك يلصق اسمك باحدى الصور، لتجد نفسك مكرها على تحمل التذكير المستمر ان احدهم "علق على صورتك." عشرات منها في الواقع.. 
" موش تصويرتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي!!!!!"

لكن الفايسبوك لا يهتم لمعاناتك، عليك أن تفتح الصورة و تفصل اسمك عنها. هنا، مفاجأة سعيدة أخرى : طبيعة الصورة : 


تروي الصورة رسالة من "ملك انكلترا و السويد و النرويج" إلى "الخليفة ملك المسلمين في الاندلس هشام الثالث" يرجوه فيها بكل تذلل أن يقبل ابنته الاميرة و حشدا من رجاله أن ينهلوا من علوم الاندلس و حضارتها، و هو ما اجيب بالقبول و المودة من الخليفة الاندلسي... و تنهمر تحت الصورة امطار التسبيح و التهليل و التكبير كأن ما حدث كان بالامس القريب، أو كأن الاندلس لم تعد بعد اسبانيا الكاثوليكية. و لكن يزيد الفايسبوك من سعادتي أكثر، فقد قفز الكثيرون إلى ما يجب استنتاجه : كم كنا عظاما زمن الخلافة، و كم بتنا صغارا اليوم بدونها. اذا : الخلافة هي الحل لكل مشاكلنا.

و لأن التساؤل هو أول ما اقوم به حينما أتلقى معلومة جديدة، فقد قرأت الرسالة و الجواب عليها و أنا أتساءل دون توقف : 
ـ هل وجد ملك لانكلترا و السويد و النرويج معا؟
ـ هل وجدت انكلترا زمن هشام الثالث؟
ـ هل يوجد من يدعى جورج الثاني و هل تزامن حكمه مع حكم هشام بن عبد الملك؟
ـ هل يقبل ملك على نفسه كل هذا التذلل (خادمكم المطيع) حتى و ان أرسل لملك أكثر منه قوة و نفوذا؟
ـ من كتب الرسالة للملك بالعربية؟ و هل هذه عربية الاندلس في ذلك الزمان؟

و منذ بداية البحث، أدركت أنني أمام رسالة وهمية، فجورج الثاني الوحيد في تاريخ انكلترا، هو الذي حكم بريطانيا العظمى بين 1727 و 1760.. و هو زمن يبعد عن زمن هشام الثالث نحو ثمانية قرون. كما أنني لم أجد اي توحيد للممالك الثلاث التي تتحدث عنها الرسالة، و كل ما وجدته هو ملك واحد للدنمارك و النرويج و انكلترا، و هو أيضا بعد فترة حكم هشام الثالث. فضلا أن مقارنة كتب ذلك الزمان (طوق الحمامة مثلا) و هذا الكتاب، تثبت بيسر أن الرسالة لم تكتب في ذلك الزمن.

"هذه الرسالة لا أساس لها من الصحة يا سادة، راجعوا هذه المعلومات." 
"تعرف خير مالعلماء ياخي؟"
"أي علماء؟ نحكي معاك بالمنطق."
"منطق؟!" (من الواضح أن الكثير من الضحك الساخر قد اطلق بعد التعليق.)
"فسر لي كيفاش واحد من عام 1700 يبعث رسالة لواحد من عام 1000؟ "
"المؤرخ الكبير راغب السارجاني، قالها. تعرف د. راغب السارجاني؟"
"لا ما نعرفوش."

و خيّل إليّ أنه نظر إلى رفاقه نظرة هازئة من نوع "ريتوا ـ جاي ـ يتفافى ـ و هو حتى ـ راغب السارجاني ـ ما يعرفوش".. لكنني سألته في اهتمام :
"هل هو دكتور في التاريخ؟"
"بل في الطب، و لكن... لماذا لا تريد تصديق المسلمين؟ لو كان مؤرخا يهوديا لصدقته!"
"ربما، لأن المؤرخ اليهودي مؤرّخ في نهاية الأمر، و لا يمكن أن يقترف حماقات منطقية كهذه."
"زايد غسلوا لك مخك!"

و هكذا مضيت و قد أدركت أنني أنا من تعرض لغسيل المخ، لأنني لم أشأ تلقي معلومة تتقاذفها المتضادات كالثورة التونسية.. و هذه التجربة هي واحدة من عشرات التجارب التي تعرضت لها على الفايسبوك خصوصا و في الحياة مع الناس بصفة عامة. و لكي لا يذهب البعض أنني أتوجه بقولي إلى شق دون غيره (مادام البلد قد قسم إلى قسمين)، فأكثر ما تجد عند القسم الآخر من فبركة للتاريخ، هو أقوال المشاهير و الخالدين، ترى من ذلك العجب العجاب حقا. و الأغرب أن أهله يدافعون فيستميتون في الدفاع، كأن الاقرار بالخطإ كريهة و جرم.

و هكذا، تحوّل بن خَلدون إلى ناطق رسميّ باسم هذا الشق، فهو يدعوك أن تنافق او توافق او تغادر البلاد. و لا أعرف أ قال الرجل هذا الكلام لحاكم تلمسان الذي اهداه المقدمة، ام قال ذلك في ندوة صحفية اقيمت عند استقباله بالقاهرة. و حينما تطالب بالمصدر، يهيج الناس عليك و يجن جنونهم، أتكذبهم؟ أتطعن في شرف ذاكرتهم؟ و لكن الكتاب هنا، و يمكن البحث فيه كما تشاؤون، فأين ما تقولون؟ هناك حتما نسخ أخرى فابحث عنها بنفسك و ستجد ضالتك! المهم أن كلامه مادام يصب في مصلحتنا، فهو كلام صحيح لا ريب فيه.
و كما أن هناك أعلاما وهبوها عشرات الاقوال المأثورة، فهناك أقوال أخرى وهبت عشرات الأعلام ايضا! خذ مثلا قولهم "مشكلة الديمقراطية أنها تجبرك على سماع الحمقى."
فقد قال هذه رينيه ديكارت René Descartes الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في عصر الملوك (و لا اعرف كيف عاش الديمقراطية و عرف مساوئها) و قالها أيضا Blaise Pascal اجل ذلك المخترع الفرنسي، و قالتها Isabel Allende المناضلة التشيلية، و ربما وينستون تشرشل ربما لأنه معروف بأسلوبه الساخر. و حينما يمتد ذهنك للتساؤل، تبدأ العصبية بالعمل. 

"احترم نفسك، و انا سيدة محترمة و لا اسمح لك بمخاطبتي بهذا الأسلوب!"
"اي اسلوب؟ تساءلت أين قال ديكارت هذا الكلام؟ هناك حتما كتاب ما ذكر فيه هذا الكلام، لا أظنه قاله في تصريح تلفزي. أو في تأبين أحد الاقارب"
"عندي أولاد و ما نسمح لكش تحكي معايا هكة، ديما ساكتة لك اما هذا اخر تنبيه!"
طبعا تجاوزتّها، لأنني لا أحب أن تتحول المناقشات الى حديث عن العائلة و الاولاد و التنبيهات.. و لكنني صدمتُ لهؤلاء الذين يدعون الفكر الحر و سلاسة العقل و القدرة على تقبل غرائب الحياة. كيف للتعصب أن يعمل فيهم هذا المعمل؟ كيف تنجح معلومات كهذه على الفايسبوك ان تتغلغل فتبلغ عددا هائلا من الناس، فتنقش في عقولهم قبل ان يهمّ أحدهم بالتساؤل عن صحة الكلام من عدمه؟

إن الخطر وراء ما يحدث، لا يكمن في قدرة هذه التقنية على نشر الاشاعات، بل في قدرتها العظيمة على تزوير التاريخ! فنحن يا سادة أمة لا تقرأ، او الادق : امة اقرا على روحك يا ولدي باش تنجح و تولي طبيب. و هو شعار يحتقر كل محاولة للتعلم لا يرجى منها صنعة او مال، و هو شعار قطع لسان التاريخ، و اخرج له لسانه هازئا به. و لأن الانسان بحاجة غريزية الى العودة الى الجذور، فإنه سيبحث عن من يوفر له الاجابة بايسر السبل، و لأن الانسان يميل الى تصديق ما يحب تصديقه، فالصفحات "الموسوعية" الفايسبوكية منقسمة تقريبا الى شقين (كما هو حال تونس، او كما ارادوا لها ان تكون) كل شق يقدم لمتابعيه و المؤمنين به، تاريخا على قياسهم. فعند هؤلاء، كان عمر بن الخطاب بطاشا رعديدا، يكره النساء و يحتقرهنّ، و عند الآخرين كان عبد الحميد الثاني خليفة بارا عادلا ذي مبادئ.. و عند هؤلاء كانت دولة الاسلام تعيش في عز و رخاء حتى تآمر عليها المتآمرون و قسموها فأصيبت الامة بالضعف و الهوان و التخلف، و عند الآخرين ما عرفت الامة ازدهارا مع حكم الخلافة قط.. و بين هذا و ذاك، يظل تاريخنا منتفا متفرقا، ضائعا لا يعرف له حق من باطل..

و منذ محاولة بن خلدون الفذة التحقيق في تاريخ الامة، و فرز روايات المؤرخين الاوائل، لم يأخذ أحد المشعل عن بن خَلدون، و لم نرَ بعد رجلا جديدا يتجرأ على تاريخنا فينبش فيه، و يخرج عوراته، و اكاذيبه و خرافاته و يكشف لنا بطولات لم نكن نعرفها، و فضائح داراها المنتصرون و حاولوا طمسها.. لم نر رجلا يقول إن التاريخ ليس مجرد نقل لأخبار تناقلها الاجداد جيلا بعد جيل دون التيقن من صحتها، و أن التاريخ ليس مجرد كتب تروي احاديث العامة التي تغلبها المبالغات و الزيادات. لم نر رجلا يطلب أن ينبش في الحفريات، و الاماكن، و ان يدرس الاثار الادبية دراسة علمية حقيقية، كتلك التي مارسها الاوروبيون مع تاريخهم.. ان التقدم يا سادة، يبدأ مع التصالح مع التاريخ، يبدا مع تعرية الحقائق مهما كانت موجعة او جارحة أو مذلة، لأن من يعيش على تاريخ وهمي، كفيل بمستقبل وهميّ أيضا.. و في انتظار ذلك، اذكروا المصدر، و تساءلوا.. تساءلوا يرحمنا و يرحمكم الله!


14 comments:

Anonymous said...

Yonser dinek ya hentchukan

Orabi Nakhleh said...

انت رائع , تعجز الكلمات عن شكرك اخي

Iori Yagami said...

شكرا للجميع على تفاعلكم :)

Anonymous said...

great!!

mahassen said...

الكثير أيضي ينسى أن الحاضرنتيجة للتاريخ، أي لا فائدة للتحسر.. ممتآآز :)

Radiohix said...

تدوينة هايلة يا فاروق ولو أنّي تابعت ولادتها على صفحتك من خلال تفاعلاتك على القصّة وظاهرلي التّاغ على رسالة الملك كانت القطرة إلّي أفاضت الكاس هههه
أعترف أنّي وقعت في الفخّ حتى أنا كي حطّيت المقولة المزعومة لبن خلدون ونذكّر مصدري كان واحد على تويتر عندو تعاليق حلوّة وظهرلي مثقّف...مصيبة إلّي قاعد يصير! المشكلة بالأساس مشكلة أخلاق...والأخلاق تفقدت في الحياة اليوميّة فما أدراك بالأخلاق في الشّبكات الإجتماعيّة؟ هاني اعتزلتها حتّى انا! ههه
OM

Iori Yagami said...

أهلا!
ما نتصورش مشكلة أخلاق، هاك انت بارتاجيتها، المشكلة أساسا في نظري هي الثقة المفرطة، هي انعدام التساؤل كيف ما قلت . الحل هو التساؤل، ما فيها باس واحد يخضع المعلومة اللي تجيه للمنطق، توة يتبين الحق مالباطل.

عموما من ينشرون هذه الأشياء يعتقدون فعلا أنها الحقيقة بل و أغلب ما يأتون به من قصص تاريخية تجدها بالفعل في كتب الأخبار المتفرقة، و هي قصص تناقلها الناس فزادوا و أنقصوا من حقائق الأشياء كما يفعل الناس دوما حين يتكلمون، و جاء الكتبة و كتبوها دون تحقق.
في السابق كانت هذه الاشياء تبقى دفينة الكتب، و حينما يقرؤها بعضهم، تبقى دفينة حلقاتهم أيضا، ثم حين مجيء المنتديات اتسع تأثيرها ليشمل حلقة أوسع، و اليوم مع المواقع الاجتماعية بات تأثيرها كبيرا و مدها غير محدود. ربما كان هذا الأمر جيدا، فالفكرة حين تطفو على السطح يمكن مناقشتها و دحضها قبل أن يتبناها الجميع، بينما الخطر كل الخطر أن تظل دفينة حلقة مغلقة كما الحال سابقا. فبمثل ذلك انقسم التونسيون و ظهرت فيهم المذاهب و النحل..

Maher said...

D'habitude je suis quelqu'un d'ingrat: Je lis les billets sans poster de commentaires :) Mais là tu m'as poussé à exprimer mon admiration à ce que tu as écrit ... Bonne continuation!

MaWra said...

كلام حكيم و مقال رائع في مجمله، لكن فقط أردت أن أشير إلى أنه على خلاف ما ذكرتم، يوجد من الباحثين المعاصرين من تناول التاريخ وأعاد قراءته قراءة علمية أبرز من خلالها عدة أكاذيب و تلفيقات لحقت بتاريخنا، و أعني بذلك الدكتور و الباحث المصري سيد محمود القمني. على سبيل المثال، تناول هذا الكاتب بالبحث نشأة الحضارة الإسلامية في كتابه "الحزب الهاشمي و حروب دولة الرسول"، حيث أبرز عن طريق تحليل منطقي علمي بسيط أن هدف ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية كان بالأساس تأسيس دولة و تجميع القبائل المشتتة تحت راية دين واحد بهدف تكوين قوة موحدة ،كما بين أنه لا شيء يأتي فجأة من الاشئء (أو من السماء)،بل كل الأحداث تخضع لنفس المعادلة(أ+ب=س)،هذه لمحة بسيطة عن أسلوب الكاتب و لكن المشكل أنه ليس مشهور بما فيه الكفاية لأنه لا يسعى وراء الشهرة و لأنه كما ذكرتم نحن للأسف أمة لا تقرأ. أنا أدعوكم إلى قراءة مؤلفات القمني و لن تندمو على ذلك. يمكن تحميلها على الأنترنيت كالنبي موسى و ٱخر أيام تل العمارنة، الأسطورة و التراث، النبي إبراهيم، سفر التكوين؛إلخ
مع تحيّاتي

Iori Yagami said...

ماهر
merci pour ton commentaire, mais j'ai besoin de commentaires pour savoir si c'est bien reçu, mon audience, etc :D

MaWra :
سيد محمود القمني مشهور بالفعل، و ان كانت له سمعة سيئة تسبق كتبه. المهم أن السيد قمني أحد الذين بحثوا بالفعل في التاريخ، و من المهم الاطلاع على ما قدم من بحوث، على أن لي تحفظا بشأن كل عمل تحقيقي ينتهي إلى استنتاج جامع. الفكرة أن التحقيق في التاريخ، هو تحقيق للتحقيق، بينما من الواضح أن سيد قمني، حاول أن يقرأ التاريخ من جهة ما، للوصول إلى فكرته الاولى. من الممكن جدا ايجاد ما قد يدحض أقوال سيد قمني، كما من الممكن جدا تقديم أسئلة لم يجب عنها في وقت كان يجب أن يجيب استنتاجه عليها.

عموما ما يهم في هذه المرحلة، هو المنهج لا النتيجة، و التحقيق للتحقيق لا لأمر آخر. و أنا واثق أن على اختلاف الاستنتاجات، فإن ما سيحصل هو تغير في نمط الخطاب و التفكير، و هو ما قد ينعكس على مختلف المجالات التي تعاني سوء الخطاب فيها، سوء الاسلوب..

MaWra said...

لا أظن أنه يوجد هناك من الكتّاب من يكتب لمجرّد الكتابة أو من الباحثين من يبحث لمجرد البحث، لا وجود لتحقيق لمجرد التحقيق لأنه بكل بساطة لا وجود لموضوعية بحتة، و عليه، فإنه من البديهي جداًّ أن تعكس قراءة الباحث للتاريخ أفكاره و معتقداته، و لكن على الرغم من ذلك، أرى أنّ القمني كان دائما يترك المجال أمام القارئ كي يستنتج وحده بناءًا على التحليل الذي يقدمه الكاتب المدعوم بالشواهد الشافية والكافية. أعطيك مثالا على ذلك كتابه النبي موسى و ٱخر أيام تل العمارنة الذى إستغرق إنجازه عشر سنوات من البحث المتفاني و المضني للوصول إلى المعلومة الأصح من أختها، و بالرغم من خطورة محتوى الكتاب الذي يهدم شرعية كل الديانات السماوية فإنه أبدا لم ينحز الكاتب لوجهة نظره الخاصة لمحاولة التأثير على القارئ، (هي ذا الأدلة و هو ذا ما يقوله المنطق و لك أن تحكم بمفردك).ثم من رأيي ما يهم في هذه المرحلة فعلا هو المنهج و النتيجة معا، فما جدوى إتباع منهج دون الٱخر إن لم نقارن بين النتائج؟ و ما جدوى التحقيق لمجرد التحقيق؟؟؟ نحن في حاجة ماسة إلى إعادة قراءة تاريخنا التعيس قراءة عقلانية، كفانا إيمانا أعمى بمعجزات وهمية و أشخاص وهميين و بطولات وهمية إلى درجة جعلت شبابنا اليوم المتعلم في الجامعات يرى أن خلاصه يكمن في الخلافة و اللجوء إلى الشريعة لجهله بتاريخ الخلافة الدموي و لما تم ترويجه على إنتساب إزدهار الحضارة العربية الإسلامية زمن الخلافة إلى تطبيق الشريعة المحمدية الحميدة. (عفوا على الإطالة)

MaWra said...

لا أظن أنه يوجد هناك من الكتّاب من يكتب لمجرّد الكتابة أو من الباحثين من يبحث لمجرد البحث، لا وجود لتحقيق لمجرد التحقيق لأنه بكل بساطة لا وجود لموضوعية بحتة، و عليه، فإنه من البديهي جداًّ أن تعكس قراءة الباحث للتاريخ أفكاره و معتقداته، و لكن على الرغم من ذلك، أرى أنّ القمني كان دائما يترك المجال أمام القارئ كي يستنتج وحده بناءًا على التحليل الذي يقدمه الكاتب المدعوم بالشواهد الشافية والكافية. أعطيك مثالا على ذلك كتابه النبي موسى و ٱخر أيام تل العمارنة الذى إستغرق إنجازه عشر سنوات من البحث المتفاني و المضني للوصول إلى المعلومة الأصح من أختها، و بالرغم من خطورة محتوى الكتاب الذي يهدم شرعية كل الديانات السماوية فإنه أبدا لم ينحز الكاتب لوجهة نظره الخاصة لمحاولة التأثير على القارئ، (هي ذا الأدلة و هو ذا ما يقوله المنطق و لك أن تحكم بمفردك).ثم من رأيي ما يهم في هذه المرحلة فعلا هو المنهج و النتيجة معا، فما جدوى إتباع منهج دون الٱخر إن لم نقارن بين النتائج؟ و ما جدوى التحقيق لمجرد التحقيق؟؟؟ نحن في حاجة ماسة إلى إعادة قراءة تاريخنا التعيس قراءة عقلانية، كفانا إيمانا أعمى بمعجزات وهمية و أشخاص وهميين و بطولات وهمية إلى درجة جعلت شبابنا اليوم المتعلم في الجامعات يرى أن خلاصه يكمن في الخلافة و اللجوء إلى الشريعة لجهله بتاريخ الخلافة الدموي و لما تم ترويجه على إنتساب إزدهار الحضارة العربية الإسلامية زمن الخلافة إلى تطبيق الشريعة المحمدية الحميدة. (عفوا على الإطالة)

Iori Yagami said...

مرحبا و عذرا على تأخري
عموم الباحثين،يهتمون بالبحث للبحث نفسه.. هل كان أينشتاين يحاول ان يثبت أن نيوتن كانت تنقصه التفاصيل؟ هل حاول أن يثبت أن للجاذبية مفهوما آخر؟ كلا، كان الفضول دافعه الاول لا غير.

حين يدحض المؤرخ حقائقا ما، هناك حقائق أخرى قد يخفيها لأنها لا تخدم استنتاجه، أو لعله تجاوز بعض الحقائق التي لم يستطع دحضها.. أنا أتحدث عن المبدإ و ليس عن سيد قمني بالذات.

اما عن الاطالة فالمدونة ترحب باطلالتك و لا تكلي هما لذلك
:))

Anonymous said...

والله كثر الهم يضحك !!

There was an error in this gadget

Translate