Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Monday, May 30, 2022

الخوفُ من الفانتازيا: رحلةٌ مع فرططو الذهب

عجبتُ ممّا حاق بفِلمِ عبد الحميد بوشناق الأخير من تهليل وإكبار لما وُصف كأوّل فلمِ فانتازيا تونسيٍّ. ليس لأنّ الفانتازيا، وعكس ما يظنّه الناسُ، أكثرُ فنونِ القصصِ في مدوّنتنا العربية منذ حربِ البسوسِ وعنترة إلى قصص ابن المقفع وألف ليلة وليلة. وليس لأنّ بوشناق جاء متأخّرا على قصص عبد العزيز العروي الخارقة ببضعة عقودٍ. ولكن لأنّ فلمَ "فرططّو الذّهب" ليس فلمًا عجائبيّا من أساسه!

ما العجائبيّ الّذي يجدُه المرءُ في هذا الفلم؟ أن يعيش أحدُهم حالةً من الهلاوس البصريّة؟ أن يعيش واقعا بديلا؟ أن ينقطعَ عن العالمِ ويبنيَ مكانه وهمًا عجائبيا؟ ربّما من الضّروريِّ أن نستذكر أحداثَ الفلمِ الكبرى بعجالةٍ حارقةٍ للأحداثِ ومفاجآتها علّنا نرشُد إلى ما كان خفيّا.

ها هنا معزّ (محمد السويسي) ابن الممثّل السابق (فتحي الهداوي) الّذي كسدت تجارتُه فانقطع للشرابِ وسوء معاملة أهلهِ حتّى انتقلت فظاظتُه لابنِه ففاقه فيها. لكنّ حدثيْن مهمّيْن يقصمان ظهر الفتى: الاعتداء حتى الموتِ على حبيبته من قبلِ مُنحرفيْنِ، وإصابتُه بمرضٍ في عينيْه قضى بفقدان بصرِه في القريب العاجلِ. هكذا يُطلقُ العنان لهلاوسِه الذهنية والبصريّة لتختلق قصّة الطّفل الوهميِّ إذ يأتيه مصحوبا بتحاليل طبيةٍ تُعلنُ اقتراب أجَلِ ضَرارتِه، فيقرّر بعد لأْيٍ أن "يُريه اللّي عمره ما شافه": يصحبُ ذاتَه الطّفلة في رحلةٍ في ذاكرتِه، يستعيدُ عوالم أبيه المسرحيِّ، يتصالح مع جرائم أبيه السكّيرِ، ويكشف لنا أنّه والطّفلَ واحدٌ. لم يكن هناك متسوّل بأجنحةٍ، ولا مومسٌ بعيونٍ في أعلى الرأس، ولا أمهق يتحوّل إلى مذؤوب مفترس. كلّها خيالاتٌ انتقلت من ذاكرة البطلِ إلى واقعِه المتوهَّمِ، كما يحدث في الكثير من حالات الذُّهانِ والاضطرابات النفسية المختلفةِ، فما العجائبيُّ في كلّ هذا؟

هناك أمثلة كثيرة مشابهة، ربّما أشهرها ـ ممّن أستحضرهم ـ الرّجل الطّائر Birdman لألخندرو إنيارّتو، وأقربُها لمثال بوشناق، فلمُ "أنا سايبورغ ولا بأس بذلك" للكوريِّ الجنوبيِّ الرّائع تشان ووك پارك Chan-wook Park. وجميعها لا تحاولُ إقناعنا بأيّة سرديّةٍ عجائبيّةٍ، بل إنّها تستعمل العجائبيَّ لتحييد البطلِ عن الحقيقةِ، وتأكيد عجزِه عن مواجهتها. وانطلاقا من هذا المعنى، ففرططّو الذّهب دراما واقعيّةٌ بسيطةٌ حاولَ عبرَها بوشناق أن يسيرَ في خطوطٍ متشابكةٍ تشكّلُ ملامِحَ شخصيّةِ معزّ.

معزّ المريض هي أوهن هذه الخطوطِ. نجدُه يعاني من داءيْنِ أبلغُ في دلالتهِما من حضورِهما. فأمّا ذهابُ بصرِه، فيدلُّ على ذهابِ بصيرتِه، وافتراقِ طباعِه عن طبيعتِه. نرى ذلك جليّا في معاملتِه لجارِه، وفي معاملتِه للطفلِ-ذاته حين أتاهُ. بل أوضحُ من ذلك، امتهانُه خدمة البوليس المشحونةِ بكلِّ معاني العنفِ وصُورِه. وأمّا إصابتُه بالذُّهانِ فليس أكثرَ من حيلةٍ روائيّةٍ لتبريرِ ما كاد يكون عجائبيّا، ولنقلِه إلى خانةِ الواقعيّةِ. وبلغة الشطرنج، فهي ذلك الخطأ الفادح Blunder الّذي يحوّل النّصر إلى اللانصر، والفانتازيا إلى اللاخيال. وكمثلِ تلكَ الحيلةِ السّخيفةِ الّتي يلجأ إليها الرّواةُ حين تتعقّد رواياتُهم فيُوقظونَ أبطالَهم من النّومِ في النّهاية، برهنَ عبد الحميد بوشناق عن خوفٍ مُبهمٍ من الفانتازيا، إنّني أكادُ أراهُ يتجوّل في قاعةِ العرضِ المظلمةِ ويهمسُ في آذانِ المشاهدين بضحكةٍ عصبيةٍ خافتةٍ: لا تأخذوها على محملِ الجدِّ، أنا نفسي لا أفعل ذلك!

يبرِّرُ الذّهانُ الفانتازيا، ولكن ما الّذي يبرّرُ الذهان؟ حادثةُ صديقتِه؟ نرجّح ذلك، ولكنّ البناء السّرديَّ لا يَفتَرُ عن حبكةٍ شديدةِ التّماسُكِ، ويكتفي بإلقاءِ الأحداثِ جزافا تاركًا للمشاهدِ عبء التّركيبِ. أليس هذا جميلا؟ يهمسُ أحدُهم، فأجيبُ، بلى، إذا كانت القِطعُ المُلقاةُ قابلةً للتّركّبِ دون تعسّفٍ…

في خطٍّ آخرَ، يرسمُ بوشناق صورةَ معزّ الإبن. فيُناظرُ بين علاقتِه ـ رجلاً ـ بذلك الطّفل الّذي كفِله، وبين علاقتِه طفلاً بأبيهِ في الماضي. هكذا سار الفلمُ مُراوِحا بين مغامرةِ معزّ والطّفل الغامضِ، وبين ماضي معزّ مع أبيه السكّير العنيفِ عبر تكثيفٍ للقطات الاسترجاع Flashback. ولأنّ المخرج اختار حرمان المشاهدِ من تفسير العلاقةِ بين الماضي والحاضرِ، فقد كانت المراوحةُ ثقيلةً وتشي بتشتّتٍ في الأفكارِ. الكثير من التقفيز (Jump cut) والنّادرُ من الوصل (Match cut) لا يساعدان في فهم المقارنة المُقترحة. الأهمّ من هذا، هل نجح التناظر حقا؟ في مغامرةِ البطلِ والطّفلِ التّائهِ، تنجح الفانتازيا بطريقةٍ ما في ترويضِ معزّ والخروجِ بِه من مستنقع العنفِ والذّهانِ. تُصالِحُه مع ماضيه وتُعيدُه إلى واقعِه. أمّا في قصّتةِ مع أبيهِ عبد الوهاب (الهدّاوي)، فلا يحضُر المسرحُ (مقابل الفانتازيا) إلاّ في النّهايةِ (لدواعٍ سرديّةٍ)، ولكنّنا نُدركُ أنّه لم ينجح في انتشالِ عبد الوهاب من محنتِه، بل إنّه مُسبِّبُها. وبالتّالي فقد أدخلنا بوشناق في مقارناتٍ خياليّةٍ وغير مفيدةٍ بسبب تكثيف الاسترجاع، وعموما فقد كان البناءُ السّرديّ غير متوازنٍ بالمرّةِ بسبب إصرارِ بوشناق على استحداث التواءةٍ سرديّة plot twist لم تباغت أحدًا.

خلافا لصورةِ المريضِ، فإنّ صورة الإبنِ جوهرية. فما الفلمُ إلاّ محاولةٌ لتفكيكِ عناصرِ العلاقةِ المعقّدةِ بين الإبنِ وأبيهِ. فيقترحُ ظاهرًا مشحونا بالعنفِ والاستهتارِ: استهتارُ الإبنِ بحالةِ أبيهِ الحاضرةِ، مقابل استهتار الثاني بعائلتِه كلّها في الماضي. ثمّ يكشفُ رويْدا رويْدا عن باطنٍ مثقّل بالآلامِ. ومع تصاعد وتيرةِ العنفِ والألمِ (لدواعٍ غير مبرّرةٍ تقريبا)، نصلُ إلى لحظة المصالحةِ: فيتصالحُ الأبُ وابنُه حين يتصالحُ الإبنُ وذاته. يستعملُ بوشناق في هذا الخطِّ، شخصيّةً ثالثةً هي شخصيةُ الأختِ (هاجر عيّاد). إنّها أيضا ابنةُ عبد الوهاب ولكنّ علاقتَها به تختلف جذريا، فقد تقبّلت أسلوب أبيها، وربّما أبدت قوّة شكيمةٍِ لا يملكُها أخوها الغاضبُ، العاجزُ عن المواجهةِ. والحقيقةُ أنّ دورَ هاجر عيّاد رغم براعةِ الأداءِ وقوّة الحضورِ، يكادُ يرجعُ بالفلمِ إلى خانةِ الأعمال الاجتماعيّةِ البائسةِ، ولا يحقّقُ للفكرةِ/الأفكار الرّئيسيّة أيّة نقاطٍ إضافيّة.

أعتقد أنّ أيَّ وَلَدٍ ينظُر عادةً إلى أبيهِ بتعظيمٍ وإجلالٍ. سيكون قُدوتَه الأولى ومرآةَ الكمالِ في عينيْهِ ولو لزمنٍ بسيطٍ قبل أن يصابَ بخيبةِ الأملِ الّتي ستسمحُ له بالانفصالِ بشخصيّتِه بعيدًا. ثمّ إنّه سوف يحتاج إلى وقتٍ قصر أو طالَ ليتقبّل هذا الانفصالَ، ويتصالحَ مع والدِه مجدّدا وقد تدرّج من مرتبة الإله إلى الشيطانِ ثمّ الإنسانِ. ولقد عبّر بوشناق عن هذه الرّحلةِ بصدقٍ متلعثمٍ. ولئن أخذ معزّ عن أبيه حُبَّهُ للفنِّ، فقد كان انفصاله عنه انفصالا عن الفنِّ أيضا، وآثر العملَ شرطيّا يمارسُ العنفَ بإفراطٍ. أفيلعنُ بذلك أباهُ على "محنةِ" الفنّ الّتي أورثه إيّاها؟ يقولُ بوشناق إنّ ثمّة 70% منهُ في الفلمِ، ولأنّنا نستبعدُ تشابه ظاهر علاقةِ معزّ وأبيه بتلك الّتي تجمعُ المخرجَ بالفنّان لطفي بوشناق، فلا نستبعد عناصرَ من باطنها. وهو ما يحيلُ على خطّ ثالثٍ مشكّلٍ لشخصيّةِ معزّ، وهو الفنّان.

لقد دفن معزّ ذلك الفنّان الّذي كان يمكن أن يكونه، وأصبح بوليسا بكلّ العنفِ الّذي يمثّله. ومع حلولِ الطّفلِ الغامضِ في حياتِه، استنجدَ تلقائيّا بما علق في ذاكرتِه من "فنونِ" أبيهِ لينقذ نفسه. لكنّ معزّ طوال الفلمِ لم يتقمّص قميصَ الفنّانِ، بل تركَ ذلك لمختلفِ الشّخصيّاتِ الخياليّةِ الّتي قدّمَها للولدِ: الشريدُ ذو الجناحيْن، المومسُ ذات العيون الخمسة، الكائنُ الخفيُّ ذي اللسانِ الحربائيّ وأخيرا ذلك الأبهق المذؤوب. وقبل هؤلاءِ، يمثّل الأبُ عبد الوهاب صورةَ الفنّانِ أهمَّ تمثيلٍ في الفلمِ، فما الّذي يجمعُ خمستَهم، وكيف تمثّل عبد الحميد بوشناق الفنّان؟ ظهر عبد الوهاب بحُلّةِ المهرّج في ومضاتٍ استرجاعيّةٍ سريعةٍ خاطفةٍ، تحكي عن تجربةِ أداءٍ Casting خائبة. وفضلا عن افتقارها للطّرافةِ، فهي تقدّم الفنّان في حُلّةِ المتسوّل المتوسّلِ للحصولِ على فرصةٍ/عملٍ. لكنّ بوشناق لم يكتفِ بالتلميح لذلك، بل قدّمه متسوّلا بالفعلِ عبر شخصيّةِ الشّريدِ ذي الأجنحةِ. وعموما فما يجمع هؤلاء الّذين سوف يُرونا ما لم نره في عمرنا، هو بؤسُهم وانحطاطُ أوضاعهم وعيشهم على هامش العالمِ، بل في عالمٍ آخر تمامًا كما الحالُ مع الأمهقِ. ومع أنّ الفلمَ يحاولُ أن يُبرزَ أثر الفنِّ على الإنسانِ كقوّةِ خلاصٍ، فإنّه لم يسعَ لاستبدال الصورة النمطيّةِ لـ "فنّان الغلبة" الّتي نجدُها في الأعمال الدراميّة الكلاسيكيّةِ ذات البُعد الاجتماعيِّ، بصورةٍ تناسبُ قدرته على الفعلِ والتّأثيرِ. ذلك أنّ "فرططّو الذهب" مرّة أخرى، يفشلُ في استحضار شروط الفانتازيا.

نتبيّن خطّا رابعا في صورةِ معزّ، وهو خطّ البوليس. وأستعمل لفظة "البوليس" بدالَ رجل الأمن هنا لأن لا أحد يشعر بالأمن في حضرةِ أناسٍ كهؤلاء. وأعتقد أنّ بوشناق اعتنى بهذا الخطّ وبالغ في الاهتمامِ بمُنحنياتِه. وإنّي أرجّح اختياره لمحمّد السّويسي لهذا الغرضِ بالأساس: طويلٌ، ذو ملامحَ غليظةٍ ونظرات ثاقبة مليئة بالعنفِ. لا يملك قواما رشيقا، ولكنّه يملك كتلة ضخمةً كأنّها الحضورُ المادّيّ لروحٍ همجيّةٍ. ثمّ، كنارٍِ على علمٍ، يمنحُه حذاءً يضاهيهِ ثِقلاً وضخامة وعُنفا. نتحصّل في النّهايةِ على تمثّلٍ قويٍّ لرجلِ البوليس، كسالبٍ Negative لصورة الفنّانِ. ولأنّ بوشناق لا يريدُ لأفكارِه أن تحافظ على جمالِ بساطتِها، فقد فضّل أن يتجاوز هذا المعنى، ويستطرد أكثر في مسألةِ الأمنِ والعنفِ. لم يعد لنا مثالٌ واحدٌ بل مثالان متقابلان: معزّ الانفجاريِّ، والمنذرُ رئيسه الهادئُ الأنيق (إبراهيم زرّوق). يقدَّم المنذر من خلالِ فضاءاتِه: مكتبه ومنزلِه، وأيضا من خلالِ عائلتِه (تقوم بدور زوجته رباب السّرايري). وعلى طريقةِ أغنية لَبِنَةٌ في الجدار A brick in the wall، يُشحَن ظاهرُ المنذرِ الهادئُ بعنفٍ أكبر بكثيرٍ من ظاهرِ معزّ. سوف نلحظ هنا كيف تتميّزُ فضاءاتُ حضورِ المنذر بضوءٍ أكثرَ، وألوانٍ أقربَ للبياضِ والانفتاحِ في مقابلِ الظُّلمةِ وألوان النّيون الّتي تميّزُ عوالمَ معزّ. علاقتُه بزوجتِه تتلخّص في الكدماتِ على وجهها، وعلاقتُه بابنته تقفُ عند طاولةِ الطعامِ، وكلّ هذا صورةٌ معاكسةٌ لعالمِ معزّ وعلاقتِه بحبيبتِه وبالولدِ الّذي اصطحبه. ما الّذي يرسمُه بوشناق عبر كلّ هذا؟ ربّما مقابلةً بين عون البوليس الميدانيِّ البسيطِ، وأصحاب السّلطةِ الحقيقيّين، وأرباب العنف الهيكليّ. وهي لعمري مقابلةٌ ـ على رجاحتِها ـ لا تضيف شيئا إلى فكرةِ/أفكار الفلمِ الرئيسيّةِ. وقد يمكن أيضا ترجيحُ استعمالِ شخصيّة المنذر للتأكيد على أنّ عنف معزّ طارئ وليس متأصّلا فيه. نراهُ يمارسُ العنفَ، مثل أبيه، تعبيرا عن ألمه الّذي شقّ عليه. وهي فكرةٌ جميلةٌ لولا أنّنا في النهاية نتحصّل على عنفٍ أصليّ يتركُ كدماتٍ بسيطةً وعنفٍ مؤقّت يفقأ العيون ويقتل… وعلى كلّ حالٍ، فكلّ الجزء الخاصّ بالمنذر استطرادٌ طويلٌ ومملٌّ.


آخرُ الخطوطِ المكوّنةِ لملامحِ البطلِ، هو خطّ الحبيبِ، ويظهرُ في لقطاتٍ عابرةٍ غير ذاتِ بالٍ سوى للبناءِ السّرديّ المرتبك. فبعد أن "يصدم" المخرجُ المشاهدين بمشهد الفَقْءِ، يعودُ ليبرّر ذلك باغتصاب حبيبتِه بأيدي ضحيّتيْهِ. "هما إذا مذنبان، وربّما يستحقّان ما حاق بهما"، كأنّما يصبح الانتقامُ مشروعا خصوصا إذا ما كان المرءُ صاحب سلطةٍ (بوليس)... طبعا لن ندخل في مهاتراتٍ أخلاقيّةٍِ، ولا تحملُ كلُّ هذه المشاهدِ أية تفاصيل يعبّر من خلالِها المخرجُ عن موقفِه من سلوكات بطلِه. ولكنّ تقديمَ الاعتداءِ ثمّ تفسيرَه فيما بعد (بحثا عن التواءة أخرى)، يخلق نَفَسًا تبريريّا. وربّما هذا ما حدث بالفعلِ، فبعد أن يصدم المخرجُ المتفرّجين بمشهد الفقءِ منذ البدايةِ، كان عليْه أن يبرّره ليصنع بعض الانسجام الدّراميِّ، من هم هؤلاءِ، ولماذا قتلهم. وقد يفسّر ذلك اختلاف مشاهد معزّ مع حبيبتِه عن باقي لقطات الفلمِ أيضا. والمؤكّد أنّ معزّ الحبيب كان كقِطع الفراولة في فنجان قهوةٍ: لم ينجح في الانسجام مع باقي خطوط الشخصية فحسب، وإنّما شتّت مذاقاتِها، وهلهل الحبكة الدّرامية بشكل كبيرٍ.

إنّه ذات الخطإ الّذي اقترفه عبد الحميد بوشناق في "دشرة"، العجز عن لملمة خطوط السّردِ بعد الإفراطِ في تشبيكِها. هو نوع من الهوس الّذي يستبدّ بالكثير من المؤلّفين في بداياتهم، يدفعهم لخلقِ شيءٍ عبقريٍّ معقّد التفاصيل، ثمّ تكشف لهم التجاربُ عن قيمةِ البساطةِ وعبقريّتها. البلاغةُ في الإيجاز يقول الأقدمون، والجمالُ في البساطةِ، وكلّما أضافُ المرءُ كلماتٍ للجملةِ، كلّما زاد احتمالُ اللّحن (الخطإ).

الفانتازيا هو آخر شيءٍ يمكن أن نصف بهِ فلمَ فرططّو الذّهب لعبد الحميد بوشناق. ليس لأنّ الفلمَ لا يقدّم أيّ عنصرٍ فانتازيٍّ، فكما قلنا، لم تكن المشاهد العجيبة هنا سوى هلوساتِ ذُهانٍ دونكيخوتيّةٍ. وليس لأنّ تلكم المشاهد كانت معزولةً وسط الفلمِ، لا تُشبِهُه ولا تؤثّر على شيء من أحداثِه، وتكتفي بمدلولاتِها الذّاتيّةِ (هذه التّجارب العجيبة الّتي لم يرَ مثلها الولدُ من قبل، هي ما يقدّمُه الفنُّ للناسِ، هي شيءٌ أجملُ من الحقيقةِ، وأكثرُ جمالا) كأنّها فاصلٌ وسط الحكايةِ. بل أكثر من ذلك، فالفلمُ يستعملُ لغةً واقعيةً لا تمتُّ بصلةٍ للفانتازيا. ونجدُ مشاهدَه مغمورةً أغلب الوقت في مياهِ الواقعية الاجتماعيّةِ، حتّى في تعبيرِه عن قضيّته الأساسيّةِ أي قضيّة الفنّانِ، وأثر العملِ الفنّيِّ. تحاول بعض الأقلام أن تجدَ حلاّ توفيقيّا باستعمال مصطلح الواقعيّة السحريّةِ. حيث تمتزج سيميائيّةُ الواقعيّةِ Realism بعناصر الفانتازيا. ولكن حتّى في هذه الحالةِ، فالعجائبيُّ لا يُنكرُ ويجد اعترافا وقبولا حسنًا. قططُ موريكامي تتحدّث في واقعِه لا في أحلامِ أبطالِه. لقد حاولَ بوشناق أن يكسر محرّمات السينما العربية بتجاوزِ نظرتِها الكلاسيكيّةِ للفلمِ كوِحدةِ رصدٍ للواقعِ وللمجتمعِ بالأساسِ، ولكنّه عِوضَ أن يفعلَ، فقد رسّخ لتلك النّظرةِ وبرهنَ ربّما أنّ الحواجز بين السينما العربية والفانتازيا لا تعودُ للجمهور وإنّما للفنّان نفسِه.



 

Monday, April 11, 2022

رَمْلٌ وبِزْرٌ وأسطورة: لعبةُ الاستشراقِ في فلمِ كُثيب


يسمح لنا الإصدار الجديد من فِلم كُثيب Dune بالتّفكّر في تأويليّة العملِ السّينمائيّ من منظور جديد. فتجزئته لفِلمَيْن لم يُنتج ثانيهما بعدُ، يجعلنا حائرين في التّعاملِ مع أوّلِهما. فهل هو فلمٌ قائمٌ بذاتِه أم تُراه مقدّمة سلسلةٍ من الأفلام؟
 
لا أعرف إن كان ضروريّا أن أقدّم عالم كُثيب الروائي/السينمائي، فقد أعاده فلمُ دُني فيلنوف Denis Villeneuve إلى الواجهة وجعل اسمَه على كلّ لسان، وأعاد معَه حكاية الفشلِ الأشهر في تاريخ هوليود. حكاية خودورفسكي وسلفادور دالي 1976، وحكاية ديفد لينش المُحبِطة مع الخيال العلمي 1984. لقد انتهى الجميع إلى حقيقةِ أنّ قصّة كُثيب أكثر كثافة وتعقيدا من أن يحتويها فلمٌ واحدٌ. إذ لا يتعلّق الأمرُ بقصّة پول أتريدس Paul Atreides وصراعِ عائلتهِ ضدّ آل هاركونن Harkonnen على ثروات كوكب الكثبان. بل تتجاوز ذلك لتبنيَ عالمًا متراميَ الأطراف في الزمان والمكان، ترتسمُ الشّخصيات فيه على أكثر من بعدَيْن، وتأخذُ حيّزا لأفعالِها ودوافِعها. هكذا، فإنّ كلَّ محاولةٍ لحشرِ فضاءِ "كُثيْب" في حيّزٍ سينمائيٍّ "تجاريٍّ"، تستدعي أسلوبَ الحذفِ البلاغيِّ في غير موضِعه، فمعَ كلِّ حدثٍ ينتقلُ من النصِّ إلى الشّاشةِ، تسقُط الدّوافعِ الّتي أدّت إليهِ، فيبدو للمُشاهدِ ضعيفَ التّبريرِ، واهنَ الارتباط بما يتبعه. وهو ما دعمتهُ تجربةُ ديفد لينش السّابق ذكرُها. وما كان لِـدُني فيلنوف أن يخوضَ المغامرةَ لولا تعلّقه الطّفوليّ بعالمِ فرانك هربرت Frank Herbert. فاستحدث لرغبتِه (ولرغبةِ المنتجين) صيغةً مجزّأةً مثيرةً للتساؤل.
 
يغطّي فلمُ فيلنوف مرحلةَ البدايةِ من قصّةِ الأميرِ پول أتريدس. أي، منذ زمن رحيله وعائلتِه عن كوكبه الأمّ واستقرارِه في كوكبِ الكثبانِ، إلى حدوثِ المؤامرةِ على أبيه وآلِه، ولجوئه إلى قومِ الفريمن Fremen. ورغم أنّ النهايةَ لا تخبر عن مآلِ عرشِ پول أتريدس، إلّا أنّ لغةَ الفلمِ تُنبئُ عنه: فقد عومِل الفتى منذُ البدايةِ بما يليقُ بالأنبياء، إمّا بحبٍّ خالصٍ أو بتقديرٍ خاصٍّ. ولا يجدُ فيهِ أصحابُ الرُّؤى والكراماتِ سوى حالةٍ استثنائيّةٍ تتجاوز اللامعقولَ. لقد وُلدَ بطلاً ولم يبق له سوى اجتياز الطّريقِ ومِحَنِه لتحقيقِ ذاتِه المغيّبةِ. إنّه توماس أندرسن الّذي سيصبحُ نيو، وهو الإسكندرُ الّذي سيصبح في نبؤاتِ العرّافين، ملكَ المشرقِ والمغربِ. لم يبخل فيلنوف البتّة في استعمال النبؤات لربط بطلِه بهذا التّصوّر الإسكندريِّ. كان هناك إفراطٌ في الرّؤى الّتي تنتاب پول، وماهي إلاّ ساعةٌ أو شهرٌ حتّى تتحقّق أمامه، كأنّ الواقعَ يتقوّضُ ثمّ يركع تحتَ إرادتِه. وإضافةً إلى منزلتِه بين الشخصياتِ، ورؤاهُ التنبّئيّة، تسير أحداثُ الفلمِ تحت وقعِ نغمةٍ قَدرِيّةٍ لا تُخطئها العينُ: لا أحد هنا يراوغ قدَره، لا الأبُ السائرُ نحو حتفِه في كوكب الكثبان وهو يدري بذلك، ويوصي خليلتَهُ بابنه. ولا المُقاتلُ دُنكن إداهو Duncan Idaho وهو يواجه نهايته بابتسامٍ. ولا قومُ الـFremen وهم يتابعُون قضاءَ صاحبِهم أمامهم على يدِ الغريب في تسليمٍ. أضعفت حتميّةُ الأقدارِ من تشويق الفلمِ، فمسارُ البطلِ يرتسمُ مُسبقا بدون ارتباك، تقريبا. أقول تقريبا لأنّ فيلنوف قام بمحاولةٍ أخيرة في النّهايةِ، كي يشتّت الأذهانَ، ويبعث شيئا من التّشويق وهو يستخدمُ ذاتَ الأدواتِ (الرؤى، النبؤة، الحتميّة القدريّة) ليعلن موت بطلِه قبل نزالِه ضدّ أحدِ رجال الفريمن. تتكرّر ذات الفكرةِ مع نيو في ماتركس لكن بمقدار اجتهادٍ أقلَّ. تُعلنُ الرّؤيا أن على پول أن يموت ليُبعث لسان الغيب، وفي الآن ذاته، تُسرُّ له أنّه إذا أخذ روحا، فكأنّما أخذ روحه. معادلةٌ سهلةٌ تسمحُ له أن يحقّق عكس ما رآهُ في الرؤيا، وأن يذعنَ لمشيئتها أيضا.
 
ما يهمُّنا من كلّ ذلك، أنّ لغةَ الفلمِ تُعبّرُ عن قدريّةٍ نعرفُ مسبقا أين ستفضي بنا، ولكنّنا لا نعرفُ كيف. بالتّالي، نقفُ حائرين أمام صورةِ البطلِ المرتسمةِ عندَ نهايةِ الفلمِ، لا نعرفُ هل اكتملتْ أركانُها أم لا تزال في بداياتها. ولكيْ تتّضحَ أبعادُ المعضلة، سنذهب قُدما في التّعامل مع "كثيب: الجزء الأول" كأنّه عملٌ فنيٌّ مكتملٌ قائمٌ بذاته. وسنحاول اقتفاء تصوّر البطلِ من خلالِه. ثمّ نعودُ إلى توقّعنا لأحداث الجزء الثاني، وكيف يغيّر اعتبارُه جزءا لا يتجزّأُ من العمل ككلّ، من تصوّرنا للبطلِ.
 
لا شكّ عندي أنّ فيلنوف أجاد اختيار بطله كما لم يفعل سابقوه. فقد أضحى الممثل الأمريكيّ تيموتي شالامي، أيقونة هوليوديّة للنّضارةِ وخصب الموهبةِ والرجولةِ الّتي لا تزال وعدًا. إنّه قمر الزّمان لهذا العصر، مزج من نعومة النبلاء وجاذبية الجامحين. وكذلك شخصيّةُ پول أتريدس في بدايةِ رحلتِه، وريثا للعرشِ، وولدًا ينبئُ نبوغُه بشأنٍ عظيمٍ. ولئن تحوّلت الشّخصيّةُ إلى منهلٍ للعديدِ من الملاحمِ القصصيّةِ العالميّةِ (لوك سكايوولكر في حرب النجوم، وغريفيث في رائعة كنتارو ميورا برسرك Berserk، وخصوصا راينهارد فون لوهنغرام بطل ملحمة أبطال المجرّة ليوشيكي تاناكا)، فإنّها لم تأتِ من فراغٍ، واستمدّت عناصِرَها من شخصيّاتٍ أخرى، لا شكّ أنّ لورنس العرب أشهرُها. وكما ساهم العميلُ القادمُ من الغربِ في إشعال فتيل الثورة العربية الصحراويّةِ في وجهِ الأتراكِ، جاء پول أتريدس ليقودَ شعب الكثبان ضدّ آل هاركونن. لكنّ لورنس العرب لم يكن نبيلاً، ولم يكن له حظّ (أو رغبة) في تزعّم هؤلاء. لذا يجب أن نذهب إلى تاريخٍ أبعدَ لنعثر على ما يمكن أن يكون أصلاً لپول. فهناك في بلاد الإغريقِ، بزغ نجم الإسكندر المقدوني وهو بعدُ في مقتبلِ العمرِ، وبدأ رحلةَ المجدِ بوفاةِ والده. صاحبت رحلتَه النّبؤاتُ والرؤى والقصص المدهشةُ، وحاولَ في كلّ مرّة غزا فيها قوما أن ينتسبَ إليهم، فأعلن في مصر ارتباطه بآمون أسوة بالفراعنة من قبله، وصاهر ملوك الفرس الّذين قهرهم، ومنحَ حملتَه العسكريّةَ أبعادا أكبر من غنيمة السّلطة. لا شكّ أنّ پول أتريدس تنويعٌ دراميٌّ لشخصيّة الإسكندر المقدونيّ، ويمكن بذلك تفسير اختيار اسم "أتريدس" Atredes النّابع من الميثولوجيا الإغريقيّة (من عائلة أتريدس أو أتريوس جاء أغاممنون أحد أبطال ملحمة طروادة).
 
لم تختصّ عائلة أتريدس بهذا البعد الرّمزي. إذ تعكسُ القصّةُ صراع الهويّاتِ كما رآهُ فرانك هربرت في عالمِ ما بعد الحربِ (العالمية الثانية). لنتأمّل الجماعاتِ الأربع الرئيسيّة هنا:
فأمّا آل أتريدس، فتشيرُ أصولهُم الإغريقيّة إلى الحضارةِ الغربيّةِ بشكلٍ عامٍّ. هناك حضورٌ ملفتٌ للأعمدة. هل هي دوريّة أم كورنثية؟ وماذا عن تلك النّقوش على الجدران والقبور؟ أهيلينيّةٌ هي أم كلاسيكيّة؟ لستُ خبيرا ولكنّ الرّوح الإغريقية في هذه العناصرِ لا تخطئها العينُ. الأهمّ من ذلك، أنّ دني فيلنوف دمج في تصوُّرِه لـكَلَدَان Caladan (موطن أتريدس) عناصرَ أوروبيّةً أخرى. الجبال والغابات والبحيرات الشماليّة، وثقافة التّوريرو الإسبانية الجنوبية Torero. لقد اختار فيلنوف بلاده كندَا أرضا لتصوير كَلَدَان لأنه أرادها شبيهة بالـ"وطن". هكذا، فأتريدس هي "نحن"، هي الغربُ بروايةِ الغربِ، وپول أتريدس هو الرّجلُ الأبيضُ بامتياز.
 
وفي مقابل هذه الصّورةِ، يشيرُ آلُ هاركونن Harkonen من خلال الروايةِ والمعلوماتِ المحيطةِ بالروايةِ، بأصابعَ ثابتةٍ إلى شرق الستار الحديديِّ. أي الاتّحاد السوفيتيِّ ومن والاه. لا ننسى أنّ فرانك هربرت كتب روايته في الستينات حين كانت الحربُ الباردةُ في أوجها. لقد اختار الكاتبُ فلادمير اسما لزعيم أوغاد روايته، إمعانا في الإشارة. لكن، تغاظى فيلنوف عن كلّ هذا في كُثيبِه وأخرج آلَ هاركونن في حُلَّةٍ محايدة كاد ينكر عليها بشريّتها. لا شيء في أزيائهم أو أسمائهم أو كوكبهم أو بناياتهم يشير إلى ثقافة بعينها، وكلّ ما يمكن تحصيله من هذا الحضور المبهمِ، هو النهمُ الرأسماليُّ الّذي لا ينضبُ للثروة. بكرش ضخمةٍ، ومظهرٍ منفّر، وإفراطٍ في الأكلِ، لم يبق من قبحِ هذا التمثّلِ المادّيِّ لجشع رؤوس المال سوى التحمُّم بسائل زيتيٍّ أسود كالنفط. ولقد قام فيلنوف بذلك فعلا!
 
وأما الجماعةُ الثالثةُ، فهي بني جسريت Bene Gesserit وهي طائفةٌ دينيّةٌ من نساءٍ يمتلكن قدراتٍ ذهنية خارقةٍ، يعملن على التّأثير على أصحاب القرارِ من الرّجال، وبالتّالي الحكم بصيغة غير مباشرة تمهيدا لظهور المنتظر. ومن الواضح أنّ رمزيّة الدّين تغلب على رمزية الجندر في هذه الجماعة، فرغم النّفوذ والقوّة، يظلّ عملُها خدمةً للرجلِ الموعودِ، لسان الغيبِ المنتظرِ. وبالتّالي يجب أن ننظر إليها كجماعة دينية بالأساسِ. جماعة دينيّة تورّث تعاليمها عبر النّساء، وتستعمل مفردة "بِن" Beni وترتبط بنبي منتظر، عند من رأيتُ كلّ هذا من قبل؟ لا شكّ أنّ هناك إحالة إلى اليهود باعتبارهم بشكل ما، جسرا بين آل أتريدس (الغرب) وما يؤمنون به، وبين تلك الجماعة القابعة في الصّحراءِ وما يؤمنون به (Gesserit تبدو تحريفا للكلمة العبريّة جشر גשר).
 
نتحدّث عن الجماعة الرّابعة، وهم الفريمن Fremen وكلّ ذلك الزخم الثقافيّ الّذي استعاره فرانك هربرت من الثقافة العربية الإسلامية (ومن الثقافة البوذية أيضا) وصاغ ملامحها بواسطته. إنهم صحراويّون، أقرب إلى بدو الطوارق في ترحالهم واحتمالهم لقسوة الطقس. يستعملون معجما عربيّا بيّنا (لسان الغيب، شيء الخلود، الرّاقص، الخ)، ويتميّزون بنظام معرفيٍّ لا عقلانيٍّ قائمٍ على الأسطورةِ والإيمانِ. من المهمّ هنا أن نذكر كيف يشترك الفريمن في ذلك مع بني جسريت، لكنّ هؤلاء ينتمين في الآنِ نفسِه إلى عالمِ الامبراطوريّةِ المنطقيِّ، عالم أتريدس ضدّ هاركونن، حيث يملك كلُّ شقٍّ حاسباتِه البشريّة Mentat.
 
إنّ كوكب الكثبان أو الرّاقصِ Arrakis هو صورةُ الشّرقِ في المُخيّلةِ الأوروبيّةِ. ذاتُ الاستشراقِ الّذي فضحه إدوارد سعيد ذات يوم. جسمٌ من الرّمالِ، وذهنٌ من الأساطيرِ، وقلبٌ من البدائية، بل من الثرواتِ المسيلةِ للّعابِ. في عالمِ كُثيب Dune يتحوّل النفطُ العربيُّ إلى بِزرٍ أو توابل تنضحُ بها الرّمالُ اللامتناهية، وهي استعارةٌ عظيمةٌ تعودُ بفكرةِ الاستشراقِ إلى عصورِ الرحلات البحرية الكبرى حين كانت التّوابلُ أعظم ما يأتي بهِ الأوروبيُّ من الشّرقِ. ولقد حافظ فيلنوف على الصّورةِ الّتي استنبطها فرانك هربرت في السّتينات، مع بعض التغييرات الطفيفة الّتي أملتها متغيّراتُ العصرِ، فاختفت بعض المصطلحات مثل "الجهاد"، واتّخذ الفريمن بعض الأدوات البديعةِ رغم افتقارهم للأسلحة الثقيلة ولقوّةِ الحضارةِ.
 
رزح كوكبُ الرّاقص طويلا تحت حكم هاركونن المستبدِّ. ثمّ تحوّلت سيادتُه إلى آل أتريدس، الّذين حاولوا إقامة علاقات تشاركيّةٍ مع أهل الكوكبِ قبل أن يحدث الانقلابُ. الفريمن أو القوم الأحرار إذا، لا يرفضون قطعا أن يستوطن أرضَهم الغرباءُ ويديرونها ويستغلّون ثرواتها طالما سيعاملونهم باحترامٍ ويتركون لهم هامش حرّيّةٍ للتّصرّف في شؤونهم الدّاخليّةِ. أليس مضحكا أن ينتسب الفريمن إلى الحريّة وهم عاجزون عنها؟ إنّ النفط/التوابل لا تعني لهم شيئا لأنهم بدائيون لا يملكون التقنية اللازمة لتكريرها والاستفادةِ من منافعها العظيمة للسفر عبر النجوم. لذا، يصبحُ وجود أتريدس/الرجل الأبيض ضروريّا لإقامةِ الحضارة في هذه الرّبوعِ القاحلة، وتحريرها من الاستبدادِ. تُعيدُنا الفكرةُ إلى موضعِ الشخصيّةِ الرّئيسيّةِ من الجماعاتِ الأربعِ، وكيفَ أنّ پول أتريدس ينتقلُ من عالَمِه الغربيِّ لينتسب مؤقّتا إلى عالم الكثبانِ ويقودَهم في رحلةِ التحرّر. وهي الصّورةُ الّتي استعارَها هربرت من إحدى أهمّ مشاربِ روايتهِ: قصة لورنس العرب Lawrence of Arabia الشهيرة. بل يمضي بها إلى أبعدَ منذ ذلك، فلا ننسى كُنيةَ البطلِ عند الفريمن حين يصدقُ الوعدُ وتتحقّق الرؤى: المُؤدّب Muad'dib. في كثيب الجزء الأوّل، نتوقّف عند مرحلة الانتساب، ولا نعرف بعدُ إن كان فيلنوف سيخلصُ للرّوايةِ أم لا ولا نعرف مدى تأثير پول على عمليّةِ التّحريرِ، لكنّ الأحداث الّتي صوّرَها الجزء الأوّلُ كافيةٌ للتّصديق على هذا التمثّل الاستشراقيِّ. لقد حاول فيلنوف أن يمنح قومَ الفريمن سحريّةَ الغرباءِ، فركّز على كلّ الطقوس الّتي لا تألفُها الذّهنيّةُ الغربيّةُ مثل البصاقِ، والاستفادة من ماءِ الميّتِ، وإجلالَ النخيلِ، وتقديس شيء الخلود)، ورغم كلّ ذلك، ظلّت العلاقةُ عموديّةً. فهؤلاء القومُ أدنى منزلةً من آل أتريدس وآل هركونن داخل الامبراطوريّةِ. إنّهم قومٌ قُصّرٌ يحتاجون إلى "وليٍّ" من كبارِ مجلس الامبراطوريّةِ، أو مجلس الأمن!
 
في رواية هربرت يواصلُ پول أتريدس رحلته المظفّرة نحو عرش الامبراطوريّة، ثمّ ينطلق في مرحلة ثانية في مواجهة الدسائس والمؤامرات. فلا يُبدي خلالَ ذلك أيّ مراجعةٍ لتمثّل representation الفريمن، ولا أيّ انتقادٍ لفكرةِ پول المُنقذِ المؤدّبِ. فهل سينحو فيلنوف نحو ذلك؟ أعتقد أنّ المتأمّل في أعمالِ المخرج الكنديِّ السّابقةِ (Blade Runner 2049 وIncendies أساسا) سوف يجيب بالنّفيِ. فقُربُه النّسبيُّ من الثقافةِ العربية وفهمُه العميقُ لطبيعةِ الأعمال الّتي يُعيدُ صياغتها، ونزوعُه نحو تقديمٍ طرحٍ جديدٍ، يضعونه أمام معادلةٍ تعوّدَ على حلّها بكلِّ اقتدارٍ. وبالتّالي، فإنّي أرى پول أتريدس غير قادرٍ على الحفاظ على منزلته كبطلٍ ومصدرٍ للتّماهي، ولعلّه يتحوّل إلى نقيض ذلك تماما، أي إلى دعوةٍ صريحةٍ لمراجعةِ كلّما أتاه في الجزء الأوّلِ، وينقلب معه كثيب إلى انتقادٍ لسياسةِ الرجل الأبيض ونظرتِه المتعالية للآخر. فهل يكون انقلابُه ذاك متأخّرا؟
 
ربّما كان سابقا لأوانه أن أخوض في جزء لم ينته صاحبُه بعد من كتابته، ولكنّ قيمةَ السّؤالِ تستدعي ذلك: فإذا كان الجزء الثاني سيقلبُ نظرتنا لما حدث في الجزءِ الأوّلِ، كيف يمكننا أن نتعاملَ مع الجزءِ الأوّلِ؟ هل يصحُّ أن نعلنَ أن كثيب الجزء الأوّل هو فلمٌ استشراقيٌّ بامتيازٍ إذا كان الجزء الثاني يدفعنا لانتقادِ السلوك الاستشراقيّ؟ وبعبارة أخرى، كيف يجب أن نتعامل مع عمل فنيّ مجزّأ؟ أيكون الجزء الفردُ قائما بذاته أم لا يمكن تحليله إلا في سياقه الشامل؟
 
لقد أربكني السؤال وأخّر كتابة مراجعتي للكثيب قليلا (لا يسخرنّ أحدكم من هذه الـ"قليلا") ثم إنني انتهيت إلى حقيقة بسبطة هي أن العمل الفني لا يكون كذلك بصفة اكتماله، ولا حتى بصفة النية في إكماله، إنما يكون كذلك بمجرد الإعلان عنه عملا فنيا. فهل ينكر أحدنا أن رواية الحصن لفرانز كافكا غير المكتملة عمل فنيّ؟ إنّ كثيب الجزء الأوّل قائم بذاته بمجرّد صدورِه مفردا يمكن للمتفرّج الاطّلاع عليه من دون ما قد يلحق به من الأجزاءِ، وهو بالتّالي مؤثّر في المتفرّج يهبه لحظة تماهٍ مع بطلٍ مثالٍ ويثبّت في لاوعيه تمثّلاتٍ صائبة أو خاطئة للموضوعاتِ. لا يمكن إذا أن ننكر الاستشراق عن فلمِ دُني فيلنوف وإن لم يرغب في ذلك، بل ولو جاء بغير ذلك في ما سيتبعُ من أجزاءٍ. لا يزالُ إنسانُ المشرقِ متخلّفا، لا منطقيّا، قاصرًا في نظرِ الرّجلِ الأبيضِ، حتّى في عصرٍ أخذ فيه سحرُ الشرقِ وغموضُه في التّلاشي بفعلِ حركات الهجرةِ والاندماجِ. لقد أصبحَ رجلُ الفريمن مواطنا كنديّا "صالحا" يسكن بجوارِ فيلنوف بين ثلوج الكيبيك ويحرصُ مثله على فرز نفاياتِه وتدويرِها، لكنّ صورته لا تزالُ في ذهنِه، بدويّا يرقص في الرمال اللانهائيّةِ على وقع الأساطير.

Saturday, November 6, 2021

كرفس الماء

 ينقلُ فلمُ مينَري Minari السّؤال عن الهويّةِ من محتواهُ إلى ذاتِه. فهل هو فلمٌ أمريكيٌّ أم كوريٌّ أم كلاهما؟ قد لا يختصُّ فلمُ لِي إسحاق تشُنغ Lee Isaak Chung بهذا السّؤال وإنّما يشملُ كلَّ أعمالِ سينما الدِّيَسْبُورة Diaspora، وأعني بذلكَ تلك الأفلام الّتي تُعبّرُ عن جماعاتِ الأقليّاتِ المهاجرة/المهجّرةِ، كأفلامِ المغاربةِ في فرنسا، وسودِ المخيّماتِ في أمريكا، والسّوريّين في أوروبا… بيدَ أنّ السّؤالَ في مينَري يأخذُ بعدا آخر: مرّةً لأنّ مجتمع الكُوريّين في أمريكا مجتمعٌ محدودٌ لا نكادُ نجدُ له آثارا سينمائيّةً سابقة (عكس الصّينيّين الأمريكيّين مثلا)، ومرّة أخرى لأنّ الشّاشة الأمريكيّةَ والعالميّةَ طبّعت مع السّينما الكوريّةِ بقدرٍ عظيمٍ مع فلمِ الطُّفيلِ (Parasite) فبدا فلمُ مينَري كحلقةٍ وسطٍ بين فصيلتيْنِ مختلفتَيْنِ من شجرةِ السّينما التطوّريّةِ.


لقد بثَّ تشُنغ في فِلمِه بعضَ صفاتِ السّينما الأمريكيّةِ، فهو دراما عائليّةٌ بطلُها أبٌ (جيكُب أو يعقوب) يسعى لتحقيقِ حُلمِه الأمريكيِّ بتعميرِ أرضٍ فلاحيّةٍ وتوفيرِ حياةٍ مرفّهةٍ لزوجتِه مونِكا وابنيْه دَيْفِد وآنّ. وفي سردِه ما فيه من تقنياتِ التشويقِ ما يمتعُ المشاهدَ ويُقحمُه في رحلةِ بطلِه لتجاوزِ العراقيلِ وتحقيقِ الهدفِ المنشودِ. وفي الآن ذاتِه، نسيرُ مع مينَري بنسقٍ متقلّبٍ بين البطء والسُّرعةِ ببراعةِ الرّاقصينِ، يأخذُ وقتهُ لنرى المشهدَ "في" تفاصيلِه، ويأخذُنا بغتةً في مراوَحةٍ بين مشهدَيْن ليفعمَنا بإثارةٍ غير منتظرةٍ، وهو ديدنُ السّينما الكوريّةِ (مذكّراتُ قاتلٍ 2003، الطّفيل 2019، حارق 2018 الخ). ولئن انتحلَت القصّةُ هيئة حكايةٍ أخرى عن الحلمِ الأمريكيِّ، فهي من وراءِ ذلك، حكايةُ اندماجِ عائلةٍ كوريّةٍ في الوسطِ الأمريكيِّ الغريبِ. ولقد روى لنا تشُنغ هذه الحكايةَ على مستويات متنوّعةٍ.


أهمّ هذه المستوياتِ هي الشخصيّاتُ، فبِها حبكت الدّراما وليس بالأحداثِ. لِجيكُب ومونِكا رؤيتان مختلفتان لهدفٍ مشتركٍ هو ضمانُ حياةٍ عائليّةٍ سعيدةٍ. وهاهنا تتشكّلُ عقدةُ الدّراما. تفضّلُ الأمُّ المنزلَ القديمَ في كالفورنيا، حيث الحياةُ الحضريّةُ السّهلةُ والوجودُ المؤنسُ للمجتمع الكوريِّ المهاجرِ والعملُ المضمونُ. وفيما تسخطُ على واقعٍ جديدٍ لا يحقّق كلَّ ذلك، يتطلّع زوجُها إلى مستقبلٍ أجزى من قضاءِ الوقتِ في تفرقةِ فراخِ الدّجاجِ حسب جنسها. لا يهمّه أن يتغرّب أكثرَ داخلَ غربتِه بالابتعادِ عن الحضرِ، والانعزالِ في ريفٍ ناءٍ في منطقةٍ داخليّة مثلِ أركانسس Arkansas، ولا يهمّه أن يخسر مالَه وجهده، فشعورُه بعدم الأمانِ مرتبطٌ بالمستقبلِ لا بالحاضرِ. قد يبدو الأبُ أكثر أنانيّةً وإصرارا على مجدٍ شخصيٍّ لا يبالي ولو بصحّةِ ابنه، لكنّ الحقيقةَ أنّه لا يختلفُ كثيرا عن زوجتهِ، كلاهما ينطلق من رغبةٍ ذاتيّةٍ يعمّمُ فائدتَها على الأسرةِ، فأكثر ما يزعجُ مونِكا وحدتُها المحدَثةُ: لا كنيسةَ كوريّة، ولا أقرباء، ولا أيّ عنصرٍ يحضرُ من خلالِه وطنُها المهجورُ، ومع كلِّ مرحلةٍ تفاوُضيّةٍ حولَ مستقبل العائلةِ ومآلِ المشروعِ الفلاحيِّ، ترضى المرأةُ بإجراءٍ لصالِحها: قدومُ أمِّها، والذّهابُ إلى الكنيسةِ. فكان الصّدامُ بين الرؤيتيْنِ محرّكا أساسيّا للدّراما.


هاجرَ الزّوجان من كوريا بحثا عن حياةٍ أفضلَ، وفيمَ كانت مونِكا ترى أنّ الهدفَ قد تحقّق تقريبا بالاستقرارِ في كالفورنيا، كان جيكُب مصرّا أنّ الهجرةَ مجرّدُ بدايةٍ، وأنّ الهدفَ يحتاجُ تضحياتٍ أكثرَ ومعاناةً أطولَ، ومزيدا من الهجرةِ. وبالتّالي تمثّل الشخصيّتان أيضا، مستويَيْنِ متباينيْنِ من الاندماجِ: لا تجيدُ مونِكا الانكليزية، وتعاني من تغرّبٍ يشتدُّ كلّما أوغلت عائلتُها في قلب القارّةِ الجديدةِ. اُنظروا كيف استقبلت روائح بلدِها وبهاراتِه وأكلاته بالدّموعِ حين جئن مع أمّها! أمّا جيكُب، فرغم اندفاعِه نحوَ بيئتِه الجديدةِ، ظلَّ محافظا على مسافةٍ فاصلةٍ معها، وقد جسّد المخرجُ ذلك ببراعةٍ في علاقته بعامِلِه الإنجيليِّ پول. وعلى يمينِ الأمِّ من محرارِ الاندماجِ، توجدُ أمُّها الّتي تأتي لتوّها حاملةً بلدَها في يديْها وعروقِها وروحِها، ولم يعد للعالم الجديدِ مكانٌ داخلِها إلاّ كلماتٍ لا تكادُ تعني شيئا. وعلى اليسارِ نجدُ الطّفليْنِ، آنّ Anne الّتي تجيد الكلام باللغتيْن، وتُبدي راحةً وقبولا لازدواجِها الثقافيِّ، وديفد الولدِ الصّغيرِ الّذي لم يعرف وطنه الأمّ ولا يزال يبحثُ عن جزئِه الكوريِّ. طيفٌ اندماجيٌّ طبيعيٌّ بحسبِ الجيلِ، ولكنَّه صُوِّرَ بعنايةٍ فائقةِ التفاصيلِ.


في مستوى ثانٍ، شكّلَ تشُنْغ صورةً طريفةً للمُهاجِر في مواجهةِ الآخَرِ. فالمعتادُ أن يظهرَ كموضوعِ النّظرةِ المُهيْمِنَةِ Object of Dominant Gaze. أن يبدوَ موضوعَ فحصٍ ومصدرَ غرابةٍِ، أمّا في مينَري، فتفكّكُ هذه العلاقةُ العموديّةُ وتتحوّلُ إلى ديناميكيّةٍ طريفةٍ، فبعدما استقبلَ الولدُ الأمريكيُّ نظيرَه الكوريَّ بملاحظةٍ مألوفةٍ عن وجههِ المنفطرِ، نرى ديفِد في منزلِ صديقِه الجديدِ وهو يكتشفُ الآخرَ الأمريكيَّ الغريب، ولا شكَّ أنّه استطاعَ أن يدفعنا كمشاهدين أن نتطلّعَ إلى هذا الأمريكيِّ بذاتِ الدّهشةِ وهو يتنكّر بهيئة رعاة البقرِ، أو يجرّبُ ما يشبه "النفّة" (أو الشمّة أو التمباك أو القات ولكلِّ قطرٍ مخدّراته).

 

تظهر الصّورةُ الأوضحُ لهذا التفكيك، مع ما يحدث مع جيكُب ومشروعه. إذ يواجه منذ البدء، طريقة الأمريكيين التقليدية للبحث عن الماء بواسطة عصا يسير بها أحدهم هلى غير هدى حتّى تميل إلى أسفل. يجعلنا المخرجُ نرى بعينِ جيكب المتغرّبة، غرابةَ السّلوكِ الأمريكيِّ وعزوفه عن المنطقِ. يتحوّلُ بذلكَ موضوعُ النّظرةِ المهيمِنةِ من الشّخصيّةِ الكوريّةِ المهاجرةِ، إلى الشخصيّةِ الأمريكيّةِ صاحبةِ الخطابِ المهيمنة، مفكّكا علاقة التماهي بينها وبين الذّات النّاظرة.

 

أمّا المستوى الثالثُ من حكاية الاندماجِ، فتحدث عبر رمزيّة الغذاءِ ودلالتِه. لا ننسى هنا أنّ قضيّة الحكايةِ المركزيّة تتعلّق بتعمير الأرضِ، وما يدلُّ عليْه تعميرُها من علاقةٍ مباشرةٍ وقويّةٍ بينه وبينها. فهو يتجاوزُ المجتمعَ وعاداتِه ولغتَه لينبذِرَ في الوطنِ الجديدِ دون وساطةٍ. أو هكذا خيّلت إليه قدرتُه. فقد احتاجَ جيكُب إلى وساطةِ پول أوّلا، ثمَّ إلى لمسةِ الجدّةِ ثانيا. زَرعت نبتة مينَري على ضفاف الجدولِ، فكانت ربّما نجدةَ جيكب الأخيرةَ بعد الّذي حلّ بمشروعه. لا انغراس إذًا، ولا إثمار إلّا بديناميكيّة تحضرُ فيها الجدّةُ (رائحتُها مثل كوريا كما قال حفيدُها) وذلك الأمريكيُّ البسيطُ پول. لا شيءَ أكثر دلالةً على الثقافةِ من الطّعامِ. ولقد اعتنى تشُنغ بهذا التّفصيل بشكل يثير الغيظ من البراعةِ. هل تذكرون مشهد إفراغ الحقيبةِ وردود فعلِ مونِكا مع كلّ طعامٍ تُخرجه لها أمُّها؟ تحدثُ ردّة فعلٍ مقابلةٌ مع الطّفلِ ديفد هذا المتعوّدِ على الأكلِ الأمريكيِّ. فقد انعكست علاقتُه المتوتّرةُ مع جدّتِه على تذمّره من الطّعامِ الّذي أرغمَ عليه. وبهذا المعنى كذلك، يمكن أن يُنظر إلى واقعةِ شرب البولِ الطريفةِ. يمكنُ أن نفهمَ قيمةَ هذا المستوى الثالثِ، من اختيارِ نبتةِ مينَري عنوانا للفلمِ. مينَري أو كرفسُ الماءِ، هذه النّبتة الكوريّةُ النّافعةُ، المتنوّعة الاستخدام، اللّذيذةُ والرخيصةُ والمفيدةُ، تتخّذ وطنها الجديدَ بيسرٍ وكرمٍ، وكذلك أحبَّ تشُنغ لعائلتِه أن تبدوَ. لا ننسى أنّ الفلمَ ضربٌ من السّيرةِ الذّاتيّةِ المحوَّرةِ.


لا يلملمُ مينَري التّفاصيلَ من أجلِ خلقِ صورةٍ جامعةٍ ثريّةٍ، ولا يبثّها في أرجاءِ مشاهِده ليتزيّنَ برائحةِ الواقعيّةِ، ولكنّه يسردُ عبرَها الحكايةَ، ويملأَ التّافهَ (banal) بالمعنى، فإذا نحنُ أمام تجربةٍ عائليّةٍ بسيطةٍ، وفي الآن ذاتِه أمام قصّةٍ كونيّةٍ عن الإنسانِ المتنقّل وذاتِه المتحوّلةِ. مينَري بلا شكّ أحدُ أجملُ أفلام السّنةِ.

 


 



Tuesday, July 13, 2021

البطلُ ضدّ خالقه

وهكذا فإنّ فِِلمَ تينيت ليس بهذا السّوء الّذي يريد أن يقنعنا بهِ المنكوبون في كبريائهم والعاجزون عن المشاهدات المتعدّدة. إذ أراه ساحة صراعٍ طريفةٍ يواجهُ فيها البطلُ كاتبَهُ. هل تحرِّرُ الدّراما أبطالَها من أقلامِ كاتبيها، فيمرقون على ما كان مخطّطا مسبقا، أم يظلّون بيادق بين أصابع الخالق، يقدّر لها الأدوار كيفما يشاء، ويُخضعها لحتميّته الخاصّةِ؟
 
يَفترِضُ البدءُ بهذا السؤالِ، أن أعود بأفكاري إلى الوراءِ تسلسلاً مقلوبا حتّى أنتهيَ بالبداياتِ، أُسوةً بأحداثِ الفلمِ وبساحةِ الصّراعِ الّتي وضعَها نولَنْ لبطلِه ها هنا. لكنّني أشفق على نفسي من مشقّةِ كذا كتابةٍ، وعلى القارئِ من تكبّد عناء قراءتها. فلنعد للبداياتِ.
 
تينيت Tenet، هو آخر أفلام البريطانيِّ كريستُفر نولَنْ، وهو طريقتُه الكلاسيكيّةُ في استقبالِ العقدِ الجديدِ. فقد سبق أن استقبل العقد الأوّل من الألفيّة بفلمِ Memento. وبعد عشر سنين، ملأَ الدنيا وشغل النّاس بفلمِ Inception. تينيت إذا، ليس أوّل فلمٍ-أحجيةٍ ينجزُه ولكنّه بلا شكّ أعقدُها. ورأيي أنّه يحتلّ مرتبة متقدّمة في قائمةِ أعقد قصص الأفلام على الإطلاق. وليس يزيدُ ذلك من قيمتِه أو ينقصُ. فلا هو راجعٌ إلى ضُعفٍ في الكتابةِ أو الشّرحِ، ولا هو علامةٌ على ثراءِ الصّورة أو عُمقِ معانيها. إنّه تجربةٌ أسلوبيّةٌ في ذاتِها يمكن أن تنجح أو أن تفشل انطلاقا من الأدواتِ السينمائيّة الّتي ترافِقُها.
 
لا أفضّل الأفلام الّتي ترتهنُها قصصُها، فلا تقومُ إلاّ على الإخبارِ بأحداثِها. إنّها أفلامٌ لا تُشاهدُ وإنّما يُستمعُ إليها أو تُقرأ. وليس غريبا أن يكون أغلبها تراجمَ سينمائيّةً لرواياتٍ معروفةٍ، وأن توصمَ بتلك العبارةِ الشّهيرةِ: الكتاب خير من الفلمِ. يأخذ الحدثُ القصصيُّ فيها وأداءُ الممثّلين جوهرَ المشهدِ وتتراجعُ عناصرُ الصّورةِ وسيميائيّتُها إلى خلفيّةٍ باهتةٍ تُسهّل التغافلَ عنها. هنا حين يأكلُ أحدُهم فهو فقط ينقل إليك خبرَ الأكلِ. أمّا حين تعود السينما إلى جوهرِها كوسيط بصريٍّ، ينقلُ الأكلُ حالةَ الآكلِ النفسيّةَ (مشهد الأكل في فلمِ قصّة شبح A ghost story)، أو غرائزه الجنسية (مشهد المطبخ في فلم تسعة أسابيع ونصف

9½ Weeks)، أو طبيعة العلاقة العموديّة بين شخصيْن (مشهد البرغر في Pulp Fiction)...


والأكلُ في تينيت، ساحةُ حربٍ وخديعةٍ. حين جلست كاثرين بارتُن إلى مائدةِ الفطور، كانت تظنُّ أنّها قد نجحت في خداعِ زوجها، أندري ساتور تاجر الأسلحة الّذي تظنُّ، لكنُّه فاجأها بطبقِ طعامٍ خاصٍّ أعلن لها به كشفَه لخطَطِها.
 
قبل ذلك، اِحتاجَ البطلُ إلى الجلوس إلى ثلاثِ موائد عشاءٍ مختلفةٍ ليتمكّن من جمعِ المعلومات اللازمةِ والتّوصّلِ إلى استدراجِ أندري ساتور إلى ما كان يظنُّ أنّها خطَّتُه: مائدةُ السِّير كروسبي في بريطانيا، ثمّ مائدةُ كاثرين بارتُن وأخيرا العشاءُ في يختِ زوجِها. وبينما كان البطلُ يرتقي الدّرجاتِ إلى عدوِّه، مرَّ كلُّ شيءٍ بخفّةٍ وسرعةٍ مريبتيْن، كأنّما كان يُستدرجُ إلى الفخّ الّذي يُعدُّه. يتحوّلُ الأكلُ في تينيت إلى طُعمٍ، ويأخذُ التشبيهُ معناه أكثر من أيّ وقتٍ مضى على حافَّةِ اليختِ في المرحلةِ الأخيرةِ. فهل سيقع البطلُ فريسةَ الخديعةِ؟ تجيبُنا مشاهدُ الأكلِ البسيطةُ بحقيقةِ أنّه لم يأكل في أيٍّ منها!
 
ليس هذا إلاّ مثالا بسيطا. والأهمُّ أنّ تينيت، على تمحوُرِه حول الحدثِ القصصيِّ على عادةِ أفلامِ نولَنْ، لا يغفلُ قطُّ عن حقيقةِ أنّ السينما وسيط بصريٌّ قبل أيّ شيءٍ. فاستعمل مثلا تركيبة بصريّة من الأزرق والأحمر، لفكّ شفرةِ المشاهدِ المعقّدة. وأجرى ذلك على ألبسة شخصيّاتِه كفستان كاثرن الأحمرِ. وفي مشهد القطارِ، كان صريرُ السّكك الحديديّةِ يصفُ ببلاغةٍ ما كان يحدثُ داخل فمِ البطلِ المعذَّبِ. وكان اتّجاهُ حركةِ القطاريْنِ يُنبئُ بمحوريّةِ تلكَ اللحظةِ بين اتَجاهيْ الزمن المتقابليْنِ…

لا يهتمُّ الفلمُ بمناقشةِ فكرةِ السّيرِ عكس اتّجاهِ الزّمنِ، وإنّما بعرضِ التجربةِ فعليّا، بحيث يمكنُ للمشاهدِ أن يخوض غمارَها، أو على الأقلِّ أن يشعُرَ بتأثيراتِها: حياةٌ تسيرُ بشكلٍ عكسيٍّ من حولِك، ونهاياتٌ تعترِضُك لبداياتٍ لم تأتِ بعدُ، ودعوةٌ للتفكيرِ خارجَ منطقِ السّببيّةِ الطبيعيِّ. يرى بعض النّقّادِ أنّ تجربةَ السيرورةِ الزمنية المعكوسة ليس مثيرا بما يكفي ولا عميقا بما يشفي، ولا يستحقّ استثمارا فنيّا بهذا الحجم. مشكلةُ هؤلاءِ أنّهم يُقصرون التّجربةَ على تلك الفصولِ الفُرجَويَّةِ الّتي يتحرّك فيها بعضهم بشكلٍ معكوسٍ. لكنّ التجربةَ الّتي أرادَها نولَن أرحبُ وأثرى. فحين يضعُ مشاهِدَه على مسارِ رحلةِ البطلِ، يفرِضُ عليهِ أن يفكّر طبقا لقوانين اللعبة الجديدةِ، وبالتّالي يجعلُه يعيش تجربةً افتراضيّةً مكتملةَ الأركانِ.

ولئن كانت السينما عند نولَن تجربةً بالأساسِ، فإنّها لا تقصُر عن أبعادٍ فكريّة تتجاوزُ التّجربةَ وجماليّاتِها، لتتساءل عن السّينما نفسِها كآلةٍ لتشذيب الزّمنِ وإعادةِ تحديد ماهيّتِه. لعلّكم تذكرون مشهدَ التقاطِ الرّصاصةِ المعكوسةِ من على الطّاولةِ، وكيف أنّ عميلةَ المخابراتِ الشّقراءِ عرضت عليهِ تسجيلَ فيديو لعملية الالتقاطِ، فعكست سيرَ الفيديو فأصبحَ عمليّةَ إسقاطٍ. ألا تروْن في قلب المفاهيمِ هذا آفاقا مثيرةً وخطيرةً؟ ألا يخبّرُ عن سعةَ قُدُراتِ السينما، وأدواتِها؟ ثمَّ، ماهي طبيعةُ القَلبِ Inversion؟ هل هي تقويضٌ للحقيقةِ أم إنّها إثراءٌ لها؟ وبعبارةٍ أخرى، ألا تسمحُ لنا السّينما من خلالِ ما يبدو أنّهُ تقويضٌ للطبيعةِ، بالتّركيب، والخِدع، والتلاعب بخطّ السّردِ، بفهمٍ أدقَّ لهذه الطبيعةِ؟ ألا تسمحُ بتجاوزِ حدودِ حواسِّنا القَاصرةِ وطرقِ تفكيرِنا الاعتياديّةِ والبسيطةِ؟ ألا تسمحُ كضربٍ من الفنّ بتجلٍّ أدقَّ للحقيقةِ؟

هو ذاك التساؤل الّذي يعاودُنا كلّما شعرنا إزاء عملٍ فنيّ بلحظة كشفٍ. لكنّ التساؤلاتِ تستمرُّ مع تينيت، وتحديدا مع عنصره المحوريِّ، أي قصّته. أفلا تُرانا أمام أكثر من قصّةِ صراعٍ بين بطلٍ أمريكيٍّ ومجرمٍ روسيٍّ لإنقاذِ العالمِ؟

للتّذكيرِ، فنولنْ يعملُ هنا على صنفٍ genre سينمائيٍّ واضحِ المعالمِ، هو الخيال الجاسوسيِّ Spy-fi، وهو مزج بين الخيال العلميّ والجاسوسيّة. ولا شكّ أنّ سلسلة جيمس بوند هي أشهرُ أمثلةِ هذا الصنف: خطّةٌ لتصفية العالم أو السيطرة عليه، وبطلٌ ذكيّ، وشرير عدميّ، وتقنية متطوّرة، ومشاهدُ حركةٍ فرجوية بالجملة أبرزُها المطاردة المألوفة بالسيارات… لم يَغفل نولَن عن أهمّ عناصرِ الصّنف، مع إضافةٍ معتبرةٍ في جانب الخيال العلميّ الّذي يُهمَل عادةً ويُتركُ سخيفا. إنّني أجدُ في ذلك إجراءً تعديليّا مهمّا يُعيدُ هذا الصّنف الفرعيَّ إلى حظيرة الخيال العلميِّ.

ولا يكتفي نولَن بإعادةِ إخراج الخيال الجاسوسيِّ في ثوبٍ جديدٍ، بل يحاول أن يُخرجَه من خطابِه المألوفِ: خطاب الحربِ الباردةِ سياسيّا، وخطابِ الخوفِ الذّكوريِّ من امرأةِ ما بعدَ الحربِ العالميةِ. ففي تينيت، يُطلُّ الشريرُ الروسيُّ من نافذةٍ رأسماليّةٍ محضة: أعمال، يخوت، فنّ تشكيليّ، العملُ بشكلٍ فرديٍّ، النزعة العدمية الخ. في حين يعملُ البطلُ في إطارٍ جماعيٍّ يكادُ يكونُ أفقيّ العلائقِ.

كما غيّرت شخصيّةُ كاثرِن بارتُن من وجهِ المرأةِ في أفلام الجاسوسيّةِ. فلم نعد إزاءَ تلك الفاتنة الغامضةِ المخادِعةِ الّتي تستدرجُ البطلَ إلى الفخّ القاتلِ. ولم نعد إزاء ذلك الجسد الّذي لا يكاد البطلُ يظفر منه ببعض الوصلِ حتّى تتمَّ تصفيتُه/معاقبته بقسوةٍ. على العكس، كانت كاثرن مفتاح الوصولِ إلى العدوِّ، وكانت قد سُلبت حرّيّتها واستقلاليّتها ولم يبق منها إلا عنصرُ الأمومةِ الّذي كان مهدّدا. كانت كاثرن تحلمُ بنموذجِ المرأةِ في الأفلام الجاسوسيّةِ. ولم تدرِ أنّها ستحقّقه في النهاية. سار تينيت بالتّالي عكس أفلام الجاسوسيّة الّتي تعاقب المرأة على انفلاتِها من الطوع وتخلّص المشاهد الرّجلَ من شعور التّهديد. فانتصر للمرأةِ المستقلّةِ وانتصرَ لبطلٍ جديدٍ لا يقع تحت طائل فتنتها.

لا أحد يعرف اسم هذا البطلِ، ولا تاريخَه ولا مأساتِه الشخصيّةِ. يعرّف على أنّه البطلُ القصصيُّ Protagonist بإلحاح يدعو إلى الانتباه، ولا يملك أيّ مسارٍ دراميٍّ داخل الفلمِ كما هو بادٍ. وقد وجد النقاد في هذا التوجّه عيبا كبيرا. بل لم يجدوا من عيب حقيقيٍّ للفلمِ غير هذا. مشكلةُ أفلام نولَن أنّها تصنع مسافة بين المشاهدِ والشخصيات، بحيث لا نتعاطفُ معها. هكذا يقولون، كأنّهم لم يروا علاقة مرفي بأبيها في "بين النجوم" Interstellar، أو شخصية جوكر في فارس الظلام The Dark Knight، أو محنة دوم كوب في فلم استهلال Inception… إنّ الرّبط بين تأطير الشخصية وتعريفها وبين القدرة على التعاطف معها أو تقبّل مسارها الدّراميِّ هو أشبه بالرّبط بين صلصة الطماطم وعجين السپاغيتي Spaghetti، أي قائم على وهم التعوّدِ ليس إلا، ولنا في أفلام سرجيو ليوني العظيمةِ، وشخصيّةِ كلينت استوود Clint Eastwood الغامضة فيها خيرُ مثالٍ.

لقد كان من المهمّ تجريدُ البطلِ من كلِّ تخصيصٍ، والاكتفاء بتعريفِه بهذه الصّفةِ، لأنّنا إزاءَ صراعٍ يتجاوز لعبةَ الجاسوسيّةِ إلى لعبة الكتابة ذاتِها، حيث يقف البطلُ القصصيُّ في مواجهةٍ غير مألوفةٍ ضدَّ كاتبِه. يحاول أن يكون كلاسيكيّا قدر الإمكانِ: مخلصا ومتفانيا ومؤثِرًا وعامرا بتلك القيمِ الإنسانيّةِ المُثلى الّتي لا يكتسبُها المرءُ الطبيعيُّ بقدرما يكتسبُها الأبطالُ. لكنَّه يجدُ نفسَه في أرضٍ قصصيّةٍ متحرّكة كدوّامةِ رملٍ مخيفةٍ لا تُفهم قواعدها. يعابثه كاتبُه، فينقلُه من شخصية إلى أخرى، ويزوّدُه في كلّ محطّةٍ بالمعلومات الكافية للانتقال إلى المحطّةِ الأخرى: رجل المخابرات الأمريكيّ، سائق السيارة في الميناء، عاملةُ المخبرِ، نيل، تاجرةُ السلاح الهنديّةُ، السير كروسبي العميل البريطانيُّ، كاثرن بارتُن خبيرة الفنونِ، زوجُها الروسيّ أندري ساتور… في كلِّ مرّة، يعدّل البطلُ من منظورِه للعبةِ، ويحاولُ أن يبدأ بالتّحرّك وفقا للقواعدِ الجديدةِ، لكنّه يفاجَأ بتغييرِها. وفي كلِّ مرّةٍ يظنُّ نفسَه قد أحكمَ الخطّةَ، يجدُ أن خطّته مفضوحةٌ أو أخطأتِ الهدفَ. أحيانا بشكلٍ سخيفٍ كما حدث مع پريــا تاجرة السلاح الهنديّة الّتي هاجم البطلُ زوجها ظنّا أنّه هو المسؤولُ عن نشاطاتِها. نلمسُ في كلّ مرّة عبثا من الكاتبِ ببطلِه لأنّ الخديعةَ لا تغيّر شيئا من مسار الأحداثِ، ولا تمنحُ البطلَ إلاّ إحساسا مهينا بأنّه لا يسيطرُ على شيءٍ. هكذا، فقد أعصابه مع إصابةِ كاثرِن القاتلةِ. إنّها الفتاة الجميلةُ الّتي عليه أن يضمنَ سلامتَها كأيِّ بطلٍ قصصيٍّ محترمٍ، ولكنّ المفاهيمَ تتجاوزُه مرّة أخرى، فهاجم نيل، لأنّه كان يشعر أنّه يعرفُ أكثر ممّا يقولُ. والحقيقةُ أنّ نيل، يبدو أقرب إلى التجلّي القصصيِّ لكاتبِه. ينزل من علياءِ قلمِه كيسوعٍ داخلَ روايتِه ويتقمّص أحد شخصيّاتِه. ربما ليساعد بطلَه وربّما ليزيد من معابثتِه، وربّما ليعلن له في النّهايةِ انتصارَه عليه: اُنظروا إليه في نهاية القتالِ وهو يأتي في لحظة اليأسِ الأخيرةِ ليضحّيَ بجسدِه الفاني (جسد نيل الّذي يتقمّصه) ويُنقذَ بطلَه وينقذَ العالمَ! أيّة نرجسيّةٍ فاضت بها قمرته؟!

في لحظةٍ ما، بدا أنّ البطلَ قد انتصرَ في صراعِه مع كاتبِه: فهم قواعدَ اللعبة المعقّدةِ، وبدأ يعدّ خططه. استطاع خداع عدوّه الرّوسيَّ، ثمّ استطاع أن يسبق پريـا ويقتلها قبل أن تغدر بحسنائه. لكنْ كما سبق وأن ذكرتُ، فهو لم يتمكّن تماما من التخلّص من براثن كاتبِه. ورغم تصريح نيل في النهاية بأنّ "البطل" هو مدبّر العمليّةِ بأكملِها، فإننا نعلم أنّ الأحداث تجاوزته في النهاية وأنّ كلمة الفصل كانت له (أي نيل/الكاتب).

ربّما تعج أدبيات ما بعد الحداثةِ بهذا النّوعِ من الصّراعاتِ. لكنّ نولَن منحه الكثير من الطرافةِ والذّاتيةِ. تينيت هو سؤال الكتابة عن ذاتِها، وهو سؤال السّينما الكلاسيكيّةِ عن مستقبلِها في عالمٍ لم يعد يرضى بأكثر من ساعتين من العرضِ. لقد أرسى نولن نسقا مجنونا للفلمِ حتى يوضع في إطار الساعتين ونصف، والحقيقةُ أنّه كان يمكن أن يبلغ الساعات الثلاثِ دون أن يكون النسق مملاّ للمشاهدِ العاديِّ. وقد كان سيتخلّص حينئذ من حنقِ أولئك الّذين أصيبوا في كبريائهم من تعقيد الفلم وعدم تقبّلهم لحاجتهم إلى مشاهداتٍ أخرى لفهم دقائقِ القصّةِ وتفاصيلها.

وعلى أية حال، فتينيت ليس أفضل أفلامِ نولن وليس أسوأها أيضا. إنّه تجربةٌ فريدةٌ تنتمي إلى زمنٍ قد نتحسّر عليه قريبا.
 

 

Translate