خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.
Monday, February 20, 2023
تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...
خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.
Monday, May 30, 2022
الخوفُ من الفانتازيا: رحلةٌ مع فرططو الذهب
ما العجائبيّ الّذي يجدُه المرءُ في هذا الفلم؟ أن يعيش أحدُهم حالةً من الهلاوس البصريّة؟ أن يعيش واقعا بديلا؟ أن ينقطعَ عن العالمِ ويبنيَ مكانه وهمًا عجائبيا؟ ربّما من الضّروريِّ أن نستذكر أحداثَ الفلمِ الكبرى بعجالةٍ حارقةٍ للأحداثِ ومفاجآتها علّنا نرشُد إلى ما كان خفيّا.
ها هنا معزّ (محمد السويسي) ابن الممثّل السابق (فتحي الهداوي) الّذي كسدت تجارتُه فانقطع للشرابِ وسوء معاملة أهلهِ حتّى انتقلت فظاظتُه لابنِه ففاقه فيها. لكنّ حدثيْن مهمّيْن يقصمان ظهر الفتى: الاعتداء حتى الموتِ على حبيبته من قبلِ مُنحرفيْنِ، وإصابتُه بمرضٍ في عينيْه قضى بفقدان بصرِه في القريب العاجلِ. هكذا يُطلقُ العنان لهلاوسِه الذهنية والبصريّة لتختلق قصّة الطّفل الوهميِّ إذ يأتيه مصحوبا بتحاليل طبيةٍ تُعلنُ اقتراب أجَلِ ضَرارتِه، فيقرّر بعد لأْيٍ أن "يُريه اللّي عمره ما شافه": يصحبُ ذاتَه الطّفلة في رحلةٍ في ذاكرتِه، يستعيدُ عوالم أبيه المسرحيِّ، يتصالح مع جرائم أبيه السكّيرِ، ويكشف لنا أنّه والطّفلَ واحدٌ. لم يكن هناك متسوّل بأجنحةٍ، ولا مومسٌ بعيونٍ في أعلى الرأس، ولا أمهق يتحوّل إلى مذؤوب مفترس. كلّها خيالاتٌ انتقلت من ذاكرة البطلِ إلى واقعِه المتوهَّمِ، كما يحدث في الكثير من حالات الذُّهانِ والاضطرابات النفسية المختلفةِ، فما العجائبيُّ في كلّ هذا؟
هناك أمثلة كثيرة مشابهة، ربّما أشهرها ـ ممّن أستحضرهم ـ الرّجل الطّائر Birdman لألخندرو إنيارّتو، وأقربُها لمثال بوشناق، فلمُ "أنا سايبورغ ولا بأس بذلك" للكوريِّ الجنوبيِّ الرّائع تشان ووك پارك Chan-wook Park. وجميعها لا تحاولُ إقناعنا بأيّة سرديّةٍ عجائبيّةٍ، بل إنّها تستعمل العجائبيَّ لتحييد البطلِ عن الحقيقةِ، وتأكيد عجزِه عن مواجهتها. وانطلاقا من هذا المعنى، ففرططّو الذّهب دراما واقعيّةٌ بسيطةٌ حاولَ عبرَها بوشناق أن يسيرَ في خطوطٍ متشابكةٍ تشكّلُ ملامِحَ شخصيّةِ معزّ.
معزّ المريض هي أوهن هذه الخطوطِ. نجدُه يعاني من داءيْنِ أبلغُ في دلالتهِما من حضورِهما. فأمّا ذهابُ بصرِه، فيدلُّ على ذهابِ بصيرتِه، وافتراقِ طباعِه عن طبيعتِه. نرى ذلك جليّا في معاملتِه لجارِه، وفي معاملتِه للطفلِ-ذاته حين أتاهُ. بل أوضحُ من ذلك، امتهانُه خدمة البوليس المشحونةِ بكلِّ معاني العنفِ وصُورِه. وأمّا إصابتُه بالذُّهانِ فليس أكثرَ من حيلةٍ روائيّةٍ لتبريرِ ما كاد يكون عجائبيّا، ولنقلِه إلى خانةِ الواقعيّةِ. وبلغة الشطرنج، فهي ذلك الخطأ الفادح Blunder الّذي يحوّل النّصر إلى اللانصر، والفانتازيا إلى اللاخيال. وكمثلِ تلكَ الحيلةِ السّخيفةِ الّتي يلجأ إليها الرّواةُ حين تتعقّد رواياتُهم فيُوقظونَ أبطالَهم من النّومِ في النّهاية، برهنَ عبد الحميد بوشناق عن خوفٍ مُبهمٍ من الفانتازيا، إنّني أكادُ أراهُ يتجوّل في قاعةِ العرضِ المظلمةِ ويهمسُ في آذانِ المشاهدين بضحكةٍ عصبيةٍ خافتةٍ: لا تأخذوها على محملِ الجدِّ، أنا نفسي لا أفعل ذلك!
يبرِّرُ الذّهانُ الفانتازيا، ولكن ما الّذي يبرّرُ الذهان؟ حادثةُ صديقتِه؟ نرجّح ذلك، ولكنّ البناء السّرديَّ لا يَفتَرُ عن حبكةٍ شديدةِ التّماسُكِ، ويكتفي بإلقاءِ الأحداثِ جزافا تاركًا للمشاهدِ عبء التّركيبِ. أليس هذا جميلا؟ يهمسُ أحدُهم، فأجيبُ، بلى، إذا كانت القِطعُ المُلقاةُ قابلةً للتّركّبِ دون تعسّفٍ…
في خطٍّ آخرَ، يرسمُ بوشناق صورةَ معزّ الإبن. فيُناظرُ بين علاقتِه ـ رجلاً ـ بذلك الطّفل الّذي كفِله، وبين علاقتِه طفلاً بأبيهِ في الماضي. هكذا سار الفلمُ مُراوِحا بين مغامرةِ معزّ والطّفل الغامضِ، وبين ماضي معزّ مع أبيه السكّير العنيفِ عبر تكثيفٍ للقطات الاسترجاع Flashback. ولأنّ المخرج اختار حرمان المشاهدِ من تفسير العلاقةِ بين الماضي والحاضرِ، فقد كانت المراوحةُ ثقيلةً وتشي بتشتّتٍ في الأفكارِ. الكثير من التقفيز (Jump cut) والنّادرُ من الوصل (Match cut) لا يساعدان في فهم المقارنة المُقترحة. الأهمّ من هذا، هل نجح التناظر حقا؟ في مغامرةِ البطلِ والطّفلِ التّائهِ، تنجح الفانتازيا بطريقةٍ ما في ترويضِ معزّ والخروجِ بِه من مستنقع العنفِ والذّهانِ. تُصالِحُه مع ماضيه وتُعيدُه إلى واقعِه. أمّا في قصّتةِ مع أبيهِ عبد الوهاب (الهدّاوي)، فلا يحضُر المسرحُ (مقابل الفانتازيا) إلاّ في النّهايةِ (لدواعٍ سرديّةٍ)، ولكنّنا نُدركُ أنّه لم ينجح في انتشالِ عبد الوهاب من محنتِه، بل إنّه مُسبِّبُها. وبالتّالي فقد أدخلنا بوشناق في مقارناتٍ خياليّةٍ وغير مفيدةٍ بسبب تكثيف الاسترجاع، وعموما فقد كان البناءُ السّرديّ غير متوازنٍ بالمرّةِ بسبب إصرارِ بوشناق على استحداث التواءةٍ سرديّة plot twist لم تباغت أحدًا.
خلافا لصورةِ المريضِ، فإنّ صورة الإبنِ جوهرية. فما الفلمُ إلاّ محاولةٌ لتفكيكِ عناصرِ العلاقةِ المعقّدةِ بين الإبنِ وأبيهِ. فيقترحُ ظاهرًا مشحونا بالعنفِ والاستهتارِ: استهتارُ الإبنِ بحالةِ أبيهِ الحاضرةِ، مقابل استهتار الثاني بعائلتِه كلّها في الماضي. ثمّ يكشفُ رويْدا رويْدا عن باطنٍ مثقّل بالآلامِ. ومع تصاعد وتيرةِ العنفِ والألمِ (لدواعٍ غير مبرّرةٍ تقريبا)، نصلُ إلى لحظة المصالحةِ: فيتصالحُ الأبُ وابنُه حين يتصالحُ الإبنُ وذاته. يستعملُ بوشناق في هذا الخطِّ، شخصيّةً ثالثةً هي شخصيةُ الأختِ (هاجر عيّاد). إنّها أيضا ابنةُ عبد الوهاب ولكنّ علاقتَها به تختلف جذريا، فقد تقبّلت أسلوب أبيها، وربّما أبدت قوّة شكيمةٍِ لا يملكُها أخوها الغاضبُ، العاجزُ عن المواجهةِ. والحقيقةُ أنّ دورَ هاجر عيّاد رغم براعةِ الأداءِ وقوّة الحضورِ، يكادُ يرجعُ بالفلمِ إلى خانةِ الأعمال الاجتماعيّةِ البائسةِ، ولا يحقّقُ للفكرةِ/الأفكار الرّئيسيّة أيّة نقاطٍ إضافيّة.
أعتقد أنّ أيَّ وَلَدٍ ينظُر عادةً إلى أبيهِ بتعظيمٍ وإجلالٍ. سيكون قُدوتَه الأولى ومرآةَ الكمالِ في عينيْهِ ولو لزمنٍ بسيطٍ قبل أن يصابَ بخيبةِ الأملِ الّتي ستسمحُ له بالانفصالِ بشخصيّتِه بعيدًا. ثمّ إنّه سوف يحتاج إلى وقتٍ قصر أو طالَ ليتقبّل هذا الانفصالَ، ويتصالحَ مع والدِه مجدّدا وقد تدرّج من مرتبة الإله إلى الشيطانِ ثمّ الإنسانِ. ولقد عبّر بوشناق عن هذه الرّحلةِ بصدقٍ متلعثمٍ. ولئن أخذ معزّ عن أبيه حُبَّهُ للفنِّ، فقد كان انفصاله عنه انفصالا عن الفنِّ أيضا، وآثر العملَ شرطيّا يمارسُ العنفَ بإفراطٍ. أفيلعنُ بذلك أباهُ على "محنةِ" الفنّ الّتي أورثه إيّاها؟ يقولُ بوشناق إنّ ثمّة 70% منهُ في الفلمِ، ولأنّنا نستبعدُ تشابه ظاهر علاقةِ معزّ وأبيه بتلك الّتي تجمعُ المخرجَ بالفنّان لطفي بوشناق، فلا نستبعد عناصرَ من باطنها. وهو ما يحيلُ على خطّ ثالثٍ مشكّلٍ لشخصيّةِ معزّ، وهو الفنّان.
لقد دفن معزّ ذلك الفنّان الّذي كان يمكن أن يكونه، وأصبح بوليسا بكلّ العنفِ الّذي يمثّله. ومع حلولِ الطّفلِ الغامضِ في حياتِه، استنجدَ تلقائيّا بما علق في ذاكرتِه من "فنونِ" أبيهِ لينقذ نفسه. لكنّ معزّ طوال الفلمِ لم يتقمّص قميصَ الفنّانِ، بل تركَ ذلك لمختلفِ الشّخصيّاتِ الخياليّةِ الّتي قدّمَها للولدِ: الشريدُ ذو الجناحيْن، المومسُ ذات العيون الخمسة، الكائنُ الخفيُّ ذي اللسانِ الحربائيّ وأخيرا ذلك الأبهق المذؤوب. وقبل هؤلاءِ، يمثّل الأبُ عبد الوهاب صورةَ الفنّانِ أهمَّ تمثيلٍ في الفلمِ، فما الّذي يجمعُ خمستَهم، وكيف تمثّل عبد الحميد بوشناق الفنّان؟ ظهر عبد الوهاب بحُلّةِ المهرّج في ومضاتٍ استرجاعيّةٍ سريعةٍ خاطفةٍ، تحكي عن تجربةِ أداءٍ Casting خائبة. وفضلا عن افتقارها للطّرافةِ، فهي تقدّم الفنّان في حُلّةِ المتسوّل المتوسّلِ للحصولِ على فرصةٍ/عملٍ. لكنّ بوشناق لم يكتفِ بالتلميح لذلك، بل قدّمه متسوّلا بالفعلِ عبر شخصيّةِ الشّريدِ ذي الأجنحةِ. وعموما فما يجمع هؤلاء الّذين سوف يُرونا ما لم نره في عمرنا، هو بؤسُهم وانحطاطُ أوضاعهم وعيشهم على هامش العالمِ، بل في عالمٍ آخر تمامًا كما الحالُ مع الأمهقِ. ومع أنّ الفلمَ يحاولُ أن يُبرزَ أثر الفنِّ على الإنسانِ كقوّةِ خلاصٍ، فإنّه لم يسعَ لاستبدال الصورة النمطيّةِ لـ "فنّان الغلبة" الّتي نجدُها في الأعمال الدراميّة الكلاسيكيّةِ ذات البُعد الاجتماعيِّ، بصورةٍ تناسبُ قدرته على الفعلِ والتّأثيرِ. ذلك أنّ "فرططّو الذهب" مرّة أخرى، يفشلُ في استحضار شروط الفانتازيا.
نتبيّن خطّا رابعا في صورةِ معزّ، وهو خطّ البوليس. وأستعمل لفظة "البوليس" بدالَ رجل الأمن هنا لأن لا أحد يشعر بالأمن في حضرةِ أناسٍ كهؤلاء. وأعتقد أنّ بوشناق اعتنى بهذا الخطّ وبالغ في الاهتمامِ بمُنحنياتِه. وإنّي أرجّح اختياره لمحمّد السّويسي لهذا الغرضِ بالأساس: طويلٌ، ذو ملامحَ غليظةٍ ونظرات ثاقبة مليئة بالعنفِ. لا يملك قواما رشيقا، ولكنّه يملك كتلة ضخمةً كأنّها الحضورُ المادّيّ لروحٍ همجيّةٍ. ثمّ، كنارٍِ على علمٍ، يمنحُه حذاءً يضاهيهِ ثِقلاً وضخامة وعُنفا. نتحصّل في النّهايةِ على تمثّلٍ قويٍّ لرجلِ البوليس، كسالبٍ Negative لصورة الفنّانِ. ولأنّ بوشناق لا يريدُ لأفكارِه أن تحافظ على جمالِ بساطتِها، فقد فضّل أن يتجاوز هذا المعنى، ويستطرد أكثر في مسألةِ الأمنِ والعنفِ. لم يعد لنا مثالٌ واحدٌ بل مثالان متقابلان: معزّ الانفجاريِّ، والمنذرُ رئيسه الهادئُ الأنيق (إبراهيم زرّوق). يقدَّم المنذر من خلالِ فضاءاتِه: مكتبه ومنزلِه، وأيضا من خلالِ عائلتِه (تقوم بدور زوجته رباب السّرايري). وعلى طريقةِ أغنية لَبِنَةٌ في الجدار A brick in the wall، يُشحَن ظاهرُ المنذرِ الهادئُ بعنفٍ أكبر بكثيرٍ من ظاهرِ معزّ. سوف نلحظ هنا كيف تتميّزُ فضاءاتُ حضورِ المنذر بضوءٍ أكثرَ، وألوانٍ أقربَ للبياضِ والانفتاحِ في مقابلِ الظُّلمةِ وألوان النّيون الّتي تميّزُ عوالمَ معزّ. علاقتُه بزوجتِه تتلخّص في الكدماتِ على وجهها، وعلاقتُه بابنته تقفُ عند طاولةِ الطعامِ، وكلّ هذا صورةٌ معاكسةٌ لعالمِ معزّ وعلاقتِه بحبيبتِه وبالولدِ الّذي اصطحبه. ما الّذي يرسمُه بوشناق عبر كلّ هذا؟ ربّما مقابلةً بين عون البوليس الميدانيِّ البسيطِ، وأصحاب السّلطةِ الحقيقيّين، وأرباب العنف الهيكليّ. وهي لعمري مقابلةٌ ـ على رجاحتِها ـ لا تضيف شيئا إلى فكرةِ/أفكار الفلمِ الرئيسيّةِ. وقد يمكن أيضا ترجيحُ استعمالِ شخصيّة المنذر للتأكيد على أنّ عنف معزّ طارئ وليس متأصّلا فيه. نراهُ يمارسُ العنفَ، مثل أبيه، تعبيرا عن ألمه الّذي شقّ عليه. وهي فكرةٌ جميلةٌ لولا أنّنا في النهاية نتحصّل على عنفٍ أصليّ يتركُ كدماتٍ بسيطةً وعنفٍ مؤقّت يفقأ العيون ويقتل… وعلى كلّ حالٍ، فكلّ الجزء الخاصّ بالمنذر استطرادٌ طويلٌ ومملٌّ.
آخرُ الخطوطِ المكوّنةِ لملامحِ البطلِ، هو خطّ الحبيبِ، ويظهرُ في لقطاتٍ عابرةٍ غير ذاتِ بالٍ سوى للبناءِ السّرديّ المرتبك. فبعد أن "يصدم" المخرجُ المشاهدين بمشهد الفَقْءِ، يعودُ ليبرّر ذلك باغتصاب حبيبتِه بأيدي ضحيّتيْهِ. "هما إذا مذنبان، وربّما يستحقّان ما حاق بهما"، كأنّما يصبح الانتقامُ مشروعا خصوصا إذا ما كان المرءُ صاحب سلطةٍ (بوليس)... طبعا لن ندخل في مهاتراتٍ أخلاقيّةٍِ، ولا تحملُ كلُّ هذه المشاهدِ أية تفاصيل يعبّر من خلالِها المخرجُ عن موقفِه من سلوكات بطلِه. ولكنّ تقديمَ الاعتداءِ ثمّ تفسيرَه فيما بعد (بحثا عن التواءة أخرى)، يخلق نَفَسًا تبريريّا. وربّما هذا ما حدث بالفعلِ، فبعد أن يصدم المخرجُ المتفرّجين بمشهد الفقءِ منذ البدايةِ، كان عليْه أن يبرّره ليصنع بعض الانسجام الدّراميِّ، من هم هؤلاءِ، ولماذا قتلهم. وقد يفسّر ذلك اختلاف مشاهد معزّ مع حبيبتِه عن باقي لقطات الفلمِ أيضا. والمؤكّد أنّ معزّ الحبيب كان كقِطع الفراولة في فنجان قهوةٍ: لم ينجح في الانسجام مع باقي خطوط الشخصية فحسب، وإنّما شتّت مذاقاتِها، وهلهل الحبكة الدّرامية بشكل كبيرٍ.
إنّه ذات الخطإ الّذي اقترفه عبد الحميد بوشناق في "دشرة"، العجز عن لملمة خطوط السّردِ بعد الإفراطِ في تشبيكِها. هو نوع من الهوس الّذي يستبدّ بالكثير من المؤلّفين في بداياتهم، يدفعهم لخلقِ شيءٍ عبقريٍّ معقّد التفاصيل، ثمّ تكشف لهم التجاربُ عن قيمةِ البساطةِ وعبقريّتها. البلاغةُ في الإيجاز يقول الأقدمون، والجمالُ في البساطةِ، وكلّما أضافُ المرءُ كلماتٍ للجملةِ، كلّما زاد احتمالُ اللّحن (الخطإ).
الفانتازيا هو آخر شيءٍ يمكن أن نصف بهِ فلمَ فرططّو الذّهب لعبد الحميد بوشناق. ليس لأنّ الفلمَ لا يقدّم أيّ عنصرٍ فانتازيٍّ، فكما قلنا، لم تكن المشاهد العجيبة هنا سوى هلوساتِ ذُهانٍ دونكيخوتيّةٍ. وليس لأنّ تلكم المشاهد كانت معزولةً وسط الفلمِ، لا تُشبِهُه ولا تؤثّر على شيء من أحداثِه، وتكتفي بمدلولاتِها الذّاتيّةِ (هذه التّجارب العجيبة الّتي لم يرَ مثلها الولدُ من قبل، هي ما يقدّمُه الفنُّ للناسِ، هي شيءٌ أجملُ من الحقيقةِ، وأكثرُ جمالا) كأنّها فاصلٌ وسط الحكايةِ. بل أكثر من ذلك، فالفلمُ يستعملُ لغةً واقعيةً لا تمتُّ بصلةٍ للفانتازيا. ونجدُ مشاهدَه مغمورةً أغلب الوقت في مياهِ الواقعية الاجتماعيّةِ، حتّى في تعبيرِه عن قضيّته الأساسيّةِ أي قضيّة الفنّانِ، وأثر العملِ الفنّيِّ. تحاول بعض الأقلام أن تجدَ حلاّ توفيقيّا باستعمال مصطلح الواقعيّة السحريّةِ. حيث تمتزج سيميائيّةُ الواقعيّةِ Realism بعناصر الفانتازيا. ولكن حتّى في هذه الحالةِ، فالعجائبيُّ لا يُنكرُ ويجد اعترافا وقبولا حسنًا. قططُ موريكامي تتحدّث في واقعِه لا في أحلامِ أبطالِه. لقد حاولَ بوشناق أن يكسر محرّمات السينما العربية بتجاوزِ نظرتِها الكلاسيكيّةِ للفلمِ كوِحدةِ رصدٍ للواقعِ وللمجتمعِ بالأساسِ، ولكنّه عِوضَ أن يفعلَ، فقد رسّخ لتلك النّظرةِ وبرهنَ ربّما أنّ الحواجز بين السينما العربية والفانتازيا لا تعودُ للجمهور وإنّما للفنّان نفسِه.
Monday, April 11, 2022
رَمْلٌ وبِزْرٌ وأسطورة: لعبةُ الاستشراقِ في فلمِ كُثيب
Saturday, November 6, 2021
كرفس الماء
ينقلُ فلمُ مينَري Minari السّؤال عن الهويّةِ من محتواهُ إلى ذاتِه. فهل هو فلمٌ أمريكيٌّ أم كوريٌّ أم كلاهما؟ قد لا يختصُّ فلمُ لِي إسحاق تشُنغ Lee Isaak Chung بهذا السّؤال وإنّما يشملُ كلَّ أعمالِ سينما الدِّيَسْبُورة Diaspora، وأعني بذلكَ تلك الأفلام الّتي تُعبّرُ عن جماعاتِ الأقليّاتِ المهاجرة/المهجّرةِ، كأفلامِ المغاربةِ في فرنسا، وسودِ المخيّماتِ في أمريكا، والسّوريّين في أوروبا… بيدَ أنّ السّؤالَ في مينَري يأخذُ بعدا آخر: مرّةً لأنّ مجتمع الكُوريّين في أمريكا مجتمعٌ محدودٌ لا نكادُ نجدُ له آثارا سينمائيّةً سابقة (عكس الصّينيّين الأمريكيّين مثلا)، ومرّة أخرى لأنّ الشّاشة الأمريكيّةَ والعالميّةَ طبّعت مع السّينما الكوريّةِ بقدرٍ عظيمٍ مع فلمِ الطُّفيلِ (Parasite) فبدا فلمُ مينَري كحلقةٍ وسطٍ بين فصيلتيْنِ مختلفتَيْنِ من شجرةِ السّينما التطوّريّةِ.
لقد بثَّ تشُنغ في فِلمِه بعضَ صفاتِ السّينما الأمريكيّةِ، فهو دراما عائليّةٌ بطلُها أبٌ (جيكُب أو يعقوب) يسعى لتحقيقِ حُلمِه الأمريكيِّ بتعميرِ أرضٍ فلاحيّةٍ وتوفيرِ حياةٍ مرفّهةٍ لزوجتِه مونِكا وابنيْه دَيْفِد وآنّ. وفي سردِه ما فيه من تقنياتِ التشويقِ ما يمتعُ المشاهدَ ويُقحمُه في رحلةِ بطلِه لتجاوزِ العراقيلِ وتحقيقِ الهدفِ المنشودِ. وفي الآن ذاتِه، نسيرُ مع مينَري بنسقٍ متقلّبٍ بين البطء والسُّرعةِ ببراعةِ الرّاقصينِ، يأخذُ وقتهُ لنرى المشهدَ "في" تفاصيلِه، ويأخذُنا بغتةً في مراوَحةٍ بين مشهدَيْن ليفعمَنا بإثارةٍ غير منتظرةٍ، وهو ديدنُ السّينما الكوريّةِ (مذكّراتُ قاتلٍ 2003، الطّفيل 2019، حارق 2018 الخ). ولئن انتحلَت القصّةُ هيئة حكايةٍ أخرى عن الحلمِ الأمريكيِّ، فهي من وراءِ ذلك، حكايةُ اندماجِ عائلةٍ كوريّةٍ في الوسطِ الأمريكيِّ الغريبِ. ولقد روى لنا تشُنغ هذه الحكايةَ على مستويات متنوّعةٍ.
أهمّ هذه المستوياتِ هي الشخصيّاتُ، فبِها حبكت الدّراما وليس بالأحداثِ. لِجيكُب ومونِكا رؤيتان مختلفتان لهدفٍ مشتركٍ هو ضمانُ حياةٍ عائليّةٍ سعيدةٍ. وهاهنا تتشكّلُ عقدةُ الدّراما. تفضّلُ الأمُّ المنزلَ القديمَ في كالفورنيا، حيث الحياةُ الحضريّةُ السّهلةُ والوجودُ المؤنسُ للمجتمع الكوريِّ المهاجرِ والعملُ المضمونُ. وفيما تسخطُ على واقعٍ جديدٍ لا يحقّق كلَّ ذلك، يتطلّع زوجُها إلى مستقبلٍ أجزى من قضاءِ الوقتِ في تفرقةِ فراخِ الدّجاجِ حسب جنسها. لا يهمّه أن يتغرّب أكثرَ داخلَ غربتِه بالابتعادِ عن الحضرِ، والانعزالِ في ريفٍ ناءٍ في منطقةٍ داخليّة مثلِ أركانسس Arkansas، ولا يهمّه أن يخسر مالَه وجهده، فشعورُه بعدم الأمانِ مرتبطٌ بالمستقبلِ لا بالحاضرِ. قد يبدو الأبُ أكثر أنانيّةً وإصرارا على مجدٍ شخصيٍّ لا يبالي ولو بصحّةِ ابنه، لكنّ الحقيقةَ أنّه لا يختلفُ كثيرا عن زوجتهِ، كلاهما ينطلق من رغبةٍ ذاتيّةٍ يعمّمُ فائدتَها على الأسرةِ، فأكثر ما يزعجُ مونِكا وحدتُها المحدَثةُ: لا كنيسةَ كوريّة، ولا أقرباء، ولا أيّ عنصرٍ يحضرُ من خلالِه وطنُها المهجورُ، ومع كلِّ مرحلةٍ تفاوُضيّةٍ حولَ مستقبل العائلةِ ومآلِ المشروعِ الفلاحيِّ، ترضى المرأةُ بإجراءٍ لصالِحها: قدومُ أمِّها، والذّهابُ إلى الكنيسةِ. فكان الصّدامُ بين الرؤيتيْنِ محرّكا أساسيّا للدّراما.
هاجرَ الزّوجان من كوريا بحثا عن حياةٍ أفضلَ، وفيمَ كانت مونِكا ترى أنّ الهدفَ قد تحقّق تقريبا بالاستقرارِ في كالفورنيا، كان جيكُب مصرّا أنّ الهجرةَ مجرّدُ بدايةٍ، وأنّ الهدفَ يحتاجُ تضحياتٍ أكثرَ ومعاناةً أطولَ، ومزيدا من الهجرةِ. وبالتّالي تمثّل الشخصيّتان أيضا، مستويَيْنِ متباينيْنِ من الاندماجِ: لا تجيدُ مونِكا الانكليزية، وتعاني من تغرّبٍ يشتدُّ كلّما أوغلت عائلتُها في قلب القارّةِ الجديدةِ. اُنظروا كيف استقبلت روائح بلدِها وبهاراتِه وأكلاته بالدّموعِ حين جئن مع أمّها! أمّا جيكُب، فرغم اندفاعِه نحوَ بيئتِه الجديدةِ، ظلَّ محافظا على مسافةٍ فاصلةٍ معها، وقد جسّد المخرجُ ذلك ببراعةٍ في علاقته بعامِلِه الإنجيليِّ پول. وعلى يمينِ الأمِّ من محرارِ الاندماجِ، توجدُ أمُّها الّتي تأتي لتوّها حاملةً بلدَها في يديْها وعروقِها وروحِها، ولم يعد للعالم الجديدِ مكانٌ داخلِها إلاّ كلماتٍ لا تكادُ تعني شيئا. وعلى اليسارِ نجدُ الطّفليْنِ، آنّ Anne الّتي تجيد الكلام باللغتيْن، وتُبدي راحةً وقبولا لازدواجِها الثقافيِّ، وديفد الولدِ الصّغيرِ الّذي لم يعرف وطنه الأمّ ولا يزال يبحثُ عن جزئِه الكوريِّ. طيفٌ اندماجيٌّ طبيعيٌّ بحسبِ الجيلِ، ولكنَّه صُوِّرَ بعنايةٍ فائقةِ التفاصيلِ.
في مستوى ثانٍ، شكّلَ تشُنْغ صورةً طريفةً للمُهاجِر في مواجهةِ الآخَرِ. فالمعتادُ أن يظهرَ كموضوعِ النّظرةِ المُهيْمِنَةِ Object of Dominant Gaze. أن يبدوَ موضوعَ فحصٍ ومصدرَ غرابةٍِ، أمّا في مينَري، فتفكّكُ هذه العلاقةُ العموديّةُ وتتحوّلُ إلى ديناميكيّةٍ طريفةٍ، فبعدما استقبلَ الولدُ الأمريكيُّ نظيرَه الكوريَّ بملاحظةٍ مألوفةٍ عن وجههِ المنفطرِ، نرى ديفِد في منزلِ صديقِه الجديدِ وهو يكتشفُ الآخرَ الأمريكيَّ الغريب، ولا شكَّ أنّه استطاعَ أن يدفعنا كمشاهدين أن نتطلّعَ إلى هذا الأمريكيِّ بذاتِ الدّهشةِ وهو يتنكّر بهيئة رعاة البقرِ، أو يجرّبُ ما يشبه "النفّة" (أو الشمّة أو التمباك أو القات ولكلِّ قطرٍ مخدّراته).
تظهر الصّورةُ الأوضحُ لهذا التفكيك، مع ما يحدث مع جيكُب ومشروعه. إذ يواجه منذ البدء، طريقة الأمريكيين التقليدية للبحث عن الماء بواسطة عصا يسير بها أحدهم هلى غير هدى حتّى تميل إلى أسفل. يجعلنا المخرجُ نرى بعينِ جيكب المتغرّبة، غرابةَ السّلوكِ الأمريكيِّ وعزوفه عن المنطقِ. يتحوّلُ بذلكَ موضوعُ النّظرةِ المهيمِنةِ من الشّخصيّةِ الكوريّةِ المهاجرةِ، إلى الشخصيّةِ الأمريكيّةِ صاحبةِ الخطابِ المهيمنة، مفكّكا علاقة التماهي بينها وبين الذّات النّاظرة.
أمّا المستوى الثالثُ من حكاية الاندماجِ، فتحدث عبر رمزيّة الغذاءِ ودلالتِه. لا ننسى هنا أنّ قضيّة الحكايةِ المركزيّة تتعلّق بتعمير الأرضِ، وما يدلُّ عليْه تعميرُها من علاقةٍ مباشرةٍ وقويّةٍ بينه وبينها. فهو يتجاوزُ المجتمعَ وعاداتِه ولغتَه لينبذِرَ في الوطنِ الجديدِ دون وساطةٍ. أو هكذا خيّلت إليه قدرتُه. فقد احتاجَ جيكُب إلى وساطةِ پول أوّلا، ثمَّ إلى لمسةِ الجدّةِ ثانيا. زَرعت نبتة مينَري على ضفاف الجدولِ، فكانت ربّما نجدةَ جيكب الأخيرةَ بعد الّذي حلّ بمشروعه. لا انغراس إذًا، ولا إثمار إلّا بديناميكيّة تحضرُ فيها الجدّةُ (رائحتُها مثل كوريا كما قال حفيدُها) وذلك الأمريكيُّ البسيطُ پول. لا شيءَ أكثر دلالةً على الثقافةِ من الطّعامِ. ولقد اعتنى تشُنغ بهذا التّفصيل بشكل يثير الغيظ من البراعةِ. هل تذكرون مشهد إفراغ الحقيبةِ وردود فعلِ مونِكا مع كلّ طعامٍ تُخرجه لها أمُّها؟ تحدثُ ردّة فعلٍ مقابلةٌ مع الطّفلِ ديفد هذا المتعوّدِ على الأكلِ الأمريكيِّ. فقد انعكست علاقتُه المتوتّرةُ مع جدّتِه على تذمّره من الطّعامِ الّذي أرغمَ عليه. وبهذا المعنى كذلك، يمكن أن يُنظر إلى واقعةِ شرب البولِ الطريفةِ. يمكنُ أن نفهمَ قيمةَ هذا المستوى الثالثِ، من اختيارِ نبتةِ مينَري عنوانا للفلمِ. مينَري أو كرفسُ الماءِ، هذه النّبتة الكوريّةُ النّافعةُ، المتنوّعة الاستخدام، اللّذيذةُ والرخيصةُ والمفيدةُ، تتخّذ وطنها الجديدَ بيسرٍ وكرمٍ، وكذلك أحبَّ تشُنغ لعائلتِه أن تبدوَ. لا ننسى أنّ الفلمَ ضربٌ من السّيرةِ الذّاتيّةِ المحوَّرةِ.
لا يلملمُ مينَري التّفاصيلَ من أجلِ خلقِ صورةٍ جامعةٍ ثريّةٍ، ولا يبثّها في أرجاءِ مشاهِده ليتزيّنَ برائحةِ الواقعيّةِ، ولكنّه يسردُ عبرَها الحكايةَ، ويملأَ التّافهَ (banal) بالمعنى، فإذا نحنُ أمام تجربةٍ عائليّةٍ بسيطةٍ، وفي الآن ذاتِه أمام قصّةٍ كونيّةٍ عن الإنسانِ المتنقّل وذاتِه المتحوّلةِ. مينَري بلا شكّ أحدُ أجملُ أفلام السّنةِ.
Tuesday, July 13, 2021
البطلُ ضدّ خالقه
9½ Weeks)، أو طبيعة العلاقة العموديّة بين شخصيْن (مشهد البرغر في Pulp Fiction)...
والأكلُ في تينيت، ساحةُ حربٍ وخديعةٍ. حين جلست كاثرين بارتُن إلى مائدةِ الفطور، كانت تظنُّ أنّها قد نجحت في خداعِ زوجها، أندري ساتور تاجر الأسلحة الّذي تظنُّ، لكنُّه فاجأها بطبقِ طعامٍ خاصٍّ أعلن لها به كشفَه لخطَطِها.
لا يهتمُّ الفلمُ بمناقشةِ فكرةِ السّيرِ عكس اتّجاهِ الزّمنِ، وإنّما بعرضِ التجربةِ فعليّا، بحيث يمكنُ للمشاهدِ أن يخوض غمارَها، أو على الأقلِّ أن يشعُرَ بتأثيراتِها: حياةٌ تسيرُ بشكلٍ عكسيٍّ من حولِك، ونهاياتٌ تعترِضُك لبداياتٍ لم تأتِ بعدُ، ودعوةٌ للتفكيرِ خارجَ منطقِ السّببيّةِ الطبيعيِّ. يرى بعض النّقّادِ أنّ تجربةَ السيرورةِ الزمنية المعكوسة ليس مثيرا بما يكفي ولا عميقا بما يشفي، ولا يستحقّ استثمارا فنيّا بهذا الحجم. مشكلةُ هؤلاءِ أنّهم يُقصرون التّجربةَ على تلك الفصولِ الفُرجَويَّةِ الّتي يتحرّك فيها بعضهم بشكلٍ معكوسٍ. لكنّ التجربةَ الّتي أرادَها نولَن أرحبُ وأثرى. فحين يضعُ مشاهِدَه على مسارِ رحلةِ البطلِ، يفرِضُ عليهِ أن يفكّر طبقا لقوانين اللعبة الجديدةِ، وبالتّالي يجعلُه يعيش تجربةً افتراضيّةً مكتملةَ الأركانِ.
ولئن كانت السينما عند نولَن تجربةً بالأساسِ، فإنّها لا تقصُر عن أبعادٍ فكريّة تتجاوزُ التّجربةَ وجماليّاتِها، لتتساءل عن السّينما نفسِها كآلةٍ لتشذيب الزّمنِ وإعادةِ تحديد ماهيّتِه. لعلّكم تذكرون مشهدَ التقاطِ الرّصاصةِ المعكوسةِ من على الطّاولةِ، وكيف أنّ عميلةَ المخابراتِ الشّقراءِ عرضت عليهِ تسجيلَ فيديو لعملية الالتقاطِ، فعكست سيرَ الفيديو فأصبحَ عمليّةَ إسقاطٍ. ألا تروْن في قلب المفاهيمِ هذا آفاقا مثيرةً وخطيرةً؟ ألا يخبّرُ عن سعةَ قُدُراتِ السينما، وأدواتِها؟ ثمَّ، ماهي طبيعةُ القَلبِ Inversion؟ هل هي تقويضٌ للحقيقةِ أم إنّها إثراءٌ لها؟ وبعبارةٍ أخرى، ألا تسمحُ لنا السّينما من خلالِ ما يبدو أنّهُ تقويضٌ للطبيعةِ، بالتّركيب، والخِدع، والتلاعب بخطّ السّردِ، بفهمٍ أدقَّ لهذه الطبيعةِ؟ ألا تسمحُ بتجاوزِ حدودِ حواسِّنا القَاصرةِ وطرقِ تفكيرِنا الاعتياديّةِ والبسيطةِ؟ ألا تسمحُ كضربٍ من الفنّ بتجلٍّ أدقَّ للحقيقةِ؟
هو ذاك التساؤل الّذي يعاودُنا كلّما شعرنا إزاء عملٍ فنيّ بلحظة كشفٍ. لكنّ التساؤلاتِ تستمرُّ مع تينيت، وتحديدا مع عنصره المحوريِّ، أي قصّته. أفلا تُرانا أمام أكثر من قصّةِ صراعٍ بين بطلٍ أمريكيٍّ ومجرمٍ روسيٍّ لإنقاذِ العالمِ؟
للتّذكيرِ، فنولنْ يعملُ هنا على صنفٍ genre سينمائيٍّ واضحِ المعالمِ، هو الخيال الجاسوسيِّ Spy-fi، وهو مزج بين الخيال العلميّ والجاسوسيّة. ولا شكّ أنّ سلسلة جيمس بوند هي أشهرُ أمثلةِ هذا الصنف: خطّةٌ لتصفية العالم أو السيطرة عليه، وبطلٌ ذكيّ، وشرير عدميّ، وتقنية متطوّرة، ومشاهدُ حركةٍ فرجوية بالجملة أبرزُها المطاردة المألوفة بالسيارات… لم يَغفل نولَن عن أهمّ عناصرِ الصّنف، مع إضافةٍ معتبرةٍ في جانب الخيال العلميّ الّذي يُهمَل عادةً ويُتركُ سخيفا. إنّني أجدُ في ذلك إجراءً تعديليّا مهمّا يُعيدُ هذا الصّنف الفرعيَّ إلى حظيرة الخيال العلميِّ.
ولا يكتفي نولَن بإعادةِ إخراج الخيال الجاسوسيِّ في ثوبٍ جديدٍ، بل يحاول أن يُخرجَه من خطابِه المألوفِ: خطاب الحربِ الباردةِ سياسيّا، وخطابِ الخوفِ الذّكوريِّ من امرأةِ ما بعدَ الحربِ العالميةِ. ففي تينيت، يُطلُّ الشريرُ الروسيُّ من نافذةٍ رأسماليّةٍ محضة: أعمال، يخوت، فنّ تشكيليّ، العملُ بشكلٍ فرديٍّ، النزعة العدمية الخ. في حين يعملُ البطلُ في إطارٍ جماعيٍّ يكادُ يكونُ أفقيّ العلائقِ.
كما غيّرت شخصيّةُ كاثرِن بارتُن من وجهِ المرأةِ في أفلام الجاسوسيّةِ. فلم نعد إزاءَ تلك الفاتنة الغامضةِ المخادِعةِ الّتي تستدرجُ البطلَ إلى الفخّ القاتلِ. ولم نعد إزاء ذلك الجسد الّذي لا يكاد البطلُ يظفر منه ببعض الوصلِ حتّى تتمَّ تصفيتُه/معاقبته بقسوةٍ. على العكس، كانت كاثرن مفتاح الوصولِ إلى العدوِّ، وكانت قد سُلبت حرّيّتها واستقلاليّتها ولم يبق منها إلا عنصرُ الأمومةِ الّذي كان مهدّدا. كانت كاثرن تحلمُ بنموذجِ المرأةِ في الأفلام الجاسوسيّةِ. ولم تدرِ أنّها ستحقّقه في النهاية. سار تينيت بالتّالي عكس أفلام الجاسوسيّة الّتي تعاقب المرأة على انفلاتِها من الطوع وتخلّص المشاهد الرّجلَ من شعور التّهديد. فانتصر للمرأةِ المستقلّةِ وانتصرَ لبطلٍ جديدٍ لا يقع تحت طائل فتنتها.
لا أحد يعرف اسم هذا البطلِ، ولا تاريخَه ولا مأساتِه الشخصيّةِ. يعرّف على أنّه البطلُ القصصيُّ Protagonist بإلحاح يدعو إلى الانتباه، ولا يملك أيّ مسارٍ دراميٍّ داخل الفلمِ كما هو بادٍ. وقد وجد النقاد في هذا التوجّه عيبا كبيرا. بل لم يجدوا من عيب حقيقيٍّ للفلمِ غير هذا. مشكلةُ أفلام نولَن أنّها تصنع مسافة بين المشاهدِ والشخصيات، بحيث لا نتعاطفُ معها. هكذا يقولون، كأنّهم لم يروا علاقة مرفي بأبيها في "بين النجوم" Interstellar، أو شخصية جوكر في فارس الظلام The Dark Knight، أو محنة دوم كوب في فلم استهلال Inception… إنّ الرّبط بين تأطير الشخصية وتعريفها وبين القدرة على التعاطف معها أو تقبّل مسارها الدّراميِّ هو أشبه بالرّبط بين صلصة الطماطم وعجين السپاغيتي Spaghetti، أي قائم على وهم التعوّدِ ليس إلا، ولنا في أفلام سرجيو ليوني العظيمةِ، وشخصيّةِ كلينت استوود Clint Eastwood الغامضة فيها خيرُ مثالٍ.
لقد كان من المهمّ تجريدُ البطلِ من كلِّ تخصيصٍ، والاكتفاء بتعريفِه بهذه الصّفةِ، لأنّنا إزاءَ صراعٍ يتجاوز لعبةَ الجاسوسيّةِ إلى لعبة الكتابة ذاتِها، حيث يقف البطلُ القصصيُّ في مواجهةٍ غير مألوفةٍ ضدَّ كاتبِه. يحاول أن يكون كلاسيكيّا قدر الإمكانِ: مخلصا ومتفانيا ومؤثِرًا وعامرا بتلك القيمِ الإنسانيّةِ المُثلى الّتي لا يكتسبُها المرءُ الطبيعيُّ بقدرما يكتسبُها الأبطالُ. لكنَّه يجدُ نفسَه في أرضٍ قصصيّةٍ متحرّكة كدوّامةِ رملٍ مخيفةٍ لا تُفهم قواعدها. يعابثه كاتبُه، فينقلُه من شخصية إلى أخرى، ويزوّدُه في كلّ محطّةٍ بالمعلومات الكافية للانتقال إلى المحطّةِ الأخرى: رجل المخابرات الأمريكيّ، سائق السيارة في الميناء، عاملةُ المخبرِ، نيل، تاجرةُ السلاح الهنديّةُ، السير كروسبي العميل البريطانيُّ، كاثرن بارتُن خبيرة الفنونِ، زوجُها الروسيّ أندري ساتور… في كلِّ مرّة، يعدّل البطلُ من منظورِه للعبةِ، ويحاولُ أن يبدأ بالتّحرّك وفقا للقواعدِ الجديدةِ، لكنّه يفاجَأ بتغييرِها. وفي كلِّ مرّةٍ يظنُّ نفسَه قد أحكمَ الخطّةَ، يجدُ أن خطّته مفضوحةٌ أو أخطأتِ الهدفَ. أحيانا بشكلٍ سخيفٍ كما حدث مع پريــا تاجرة السلاح الهنديّة الّتي هاجم البطلُ زوجها ظنّا أنّه هو المسؤولُ عن نشاطاتِها. نلمسُ في كلّ مرّة عبثا من الكاتبِ ببطلِه لأنّ الخديعةَ لا تغيّر شيئا من مسار الأحداثِ، ولا تمنحُ البطلَ إلاّ إحساسا مهينا بأنّه لا يسيطرُ على شيءٍ. هكذا، فقد أعصابه مع إصابةِ كاثرِن القاتلةِ. إنّها الفتاة الجميلةُ الّتي عليه أن يضمنَ سلامتَها كأيِّ بطلٍ قصصيٍّ محترمٍ، ولكنّ المفاهيمَ تتجاوزُه مرّة أخرى، فهاجم نيل، لأنّه كان يشعر أنّه يعرفُ أكثر ممّا يقولُ. والحقيقةُ أنّ نيل، يبدو أقرب إلى التجلّي القصصيِّ لكاتبِه. ينزل من علياءِ قلمِه كيسوعٍ داخلَ روايتِه ويتقمّص أحد شخصيّاتِه. ربما ليساعد بطلَه وربّما ليزيد من معابثتِه، وربّما ليعلن له في النّهايةِ انتصارَه عليه: اُنظروا إليه في نهاية القتالِ وهو يأتي في لحظة اليأسِ الأخيرةِ ليضحّيَ بجسدِه الفاني (جسد نيل الّذي يتقمّصه) ويُنقذَ بطلَه وينقذَ العالمَ! أيّة نرجسيّةٍ فاضت بها قمرته؟!
في لحظةٍ ما، بدا أنّ البطلَ قد انتصرَ في صراعِه مع كاتبِه: فهم قواعدَ اللعبة المعقّدةِ، وبدأ يعدّ خططه. استطاع خداع عدوّه الرّوسيَّ، ثمّ استطاع أن يسبق پريـا ويقتلها قبل أن تغدر بحسنائه. لكنْ كما سبق وأن ذكرتُ، فهو لم يتمكّن تماما من التخلّص من براثن كاتبِه. ورغم تصريح نيل في النهاية بأنّ "البطل" هو مدبّر العمليّةِ بأكملِها، فإننا نعلم أنّ الأحداث تجاوزته في النهاية وأنّ كلمة الفصل كانت له (أي نيل/الكاتب).
ربّما تعج أدبيات ما بعد الحداثةِ بهذا النّوعِ من الصّراعاتِ. لكنّ نولَن منحه الكثير من الطرافةِ والذّاتيةِ. تينيت هو سؤال الكتابة عن ذاتِها، وهو سؤال السّينما الكلاسيكيّةِ عن مستقبلِها في عالمٍ لم يعد يرضى بأكثر من ساعتين من العرضِ. لقد أرسى نولن نسقا مجنونا للفلمِ حتى يوضع في إطار الساعتين ونصف، والحقيقةُ أنّه كان يمكن أن يبلغ الساعات الثلاثِ دون أن يكون النسق مملاّ للمشاهدِ العاديِّ. وقد كان سيتخلّص حينئذ من حنقِ أولئك الّذين أصيبوا في كبريائهم من تعقيد الفلم وعدم تقبّلهم لحاجتهم إلى مشاهداتٍ أخرى لفهم دقائقِ القصّةِ وتفاصيلها.
وعلى أية حال، فتينيت ليس أفضل أفلامِ نولن وليس أسوأها أيضا. إنّه تجربةٌ فريدةٌ تنتمي إلى زمنٍ قد نتحسّر عليه قريبا.




