Showing posts with label أدب. Show all posts
Showing posts with label أدب. Show all posts

Monday, May 24, 2021

نازلة دار الأكابر: شهادة في ميلاد امرأة الحدّاد

مازالت الرّواية التّاريخيّة مصدرا للجدالِ وعرضةً لسوء الفهمِ في الأدبِ العربيِّ. إذ مازال الكثيرون يعتبرونها امتدادا طبيعيّا لكتبِ التّاريخ والسيرة، لما كان لهذه الكتبِ من استنادٍ إلى الأسلوب القصصيِّ الّذي لم يقطع معهُ تماما. ها نحن نقرأ لأولئكَ الّذين يدّعون كتابةَ التّاريخ للعامّةِ ـ مثل راغب السارجاني ـ أو الّذين يقرأُ العامّة لهم كأنّهم مؤرّخون ـ مثل طارق السويدان ـ فإذا تاريخهم قصصٌ محكيّةٌ فيها ما فيها من ألوان الدّراما والأبطال. وإذا القصّةُ والتّاريخُ جسمٌ وروحٌ لذاتٍ واحدةٍ. فليس غريبا إذا أن تُعاملَ الرّوايةُ الأدبيّةُ التّاريخيّةُ من بابِ دقّتها التاريخيّةِ، وأن يتساءل القرّاءُ أوّل ما يتساءلون: هل حدثت وقائعُ نازلةِ دار الأكابر بالفعل؟

ولئن كانت الإجابةُ عن هذا السؤالِ لا تعنينا في شيءٍ، فإنّ ذلك لا يجعلُ الرّوايةَ التّاريخيّةَ في حِلٍّ من الدّقّةِ التّاريخيّةِ. فكما أنّها ليست دراسةً علميّةً تجعلُ من الحقيقةِ التّاريخيّةِ أو تحليلِ الوقائع التاريخيّةِ مبحثها، فليست أيضا فانتازيا تاريخيّةً تستعملُ السّياقَ التّاريخيَّ مَطيَّةً استيطيقيّةً لقَصصٍ متعالٍ عن كلِّ عاملٍ زمنيٍّ.

 توجدُ الرّوايةُ التاريخيّةُ في منطقةٍ وُسطى بين هذين. فهي إذ تُلقي بالأحداثِ في لجَّةِ بيئة زمنيّةٍ معلومةٍ، مُطالبَةٌ باحترامِ هذه البيئةِ وتفاصيلِها وعناصرِها. وفي الآن ذاتِه، تُطالبُها طبيعتُها الرّوائيّةُ بعدمِ التّوقّفِ عند الحقيقةِ المعلومةِ، والاندفاعِ نحو تلك الأركان المُظلمةِ الّتي تغافلت عنها الوثائقُ، أو عجز المؤرّخ عن تسجيلِها لطبيعتِها المتعاليةِ عن القياسِ: فلئن أكّد لنا التّاريخُ حقيقةَ وجودِ الطّاهر الحدّادِ، وحقيقةَ محنتِه، فهو لم يحدّثنا عن مشاعِره تجاه ما حدث معه حديثا مستفيضا، ولم يحدّثنا عمّا اعتملَ في صدره، وعمّا دفعه للكتابةِ الخ.

في مثل هذا المجالِ، يمكنُ أن يجدَ الرّوائيُّ قوتَه. ويمكن أن يمنحَ السّرديّةَ التّاريخيّةَ الحياةَ بخيالهِ، ورُبَّ خيالٍ ينسجُ لبَّ الحقيقةِ.

إنّ روايةَ نازلة دار الأكابر تاريخيّةٌ بامتيازٍ، لا تكادُ تمنحُ القارئَ المتفحّص ثغرةً تاريخيّةً واحدةً، لا في التّواريخِ (فحين تحدّثك عن حكومة الهادي الأخوة، فأنت حتما في زمن سردٍ يقابل زمن نشاط تلك الحكومة)، ولا في الأعلام، ولا في الأحداثِ السّياسيّةِ، ولا في المواقفِ، ولا في تفاصيل الحياةِ اليوميّةِ. لكنّها في المقابلِ، تصولُ بجرأةٍ وحرّيّةٍ وسط كلِّ هذا لتنسجَ أحداثا دراميّةً كثيفةً خياليّةً، كأنّها ضربٌ من "الواقعِ المُعزَّزِ" Augmented Reality.

تبنِي أميرة غنيم نازلتَها على وتديْنِ تاريخيَّين، حفل صدورِ كتاب امرأتُنا في الشريعة والمجتمع في الكازينو البلدي بحديقة البلفدير سنة 1930، ثمَّ وفاةُ صاحب الكتابِ في السابع من ديسمبر سنة 1935. فتعزّزُهما بوتديْن دراميَّين متخيّليْن يرافقُ كلُّ واحدٍ منهما وتدًا تاريخيّا في الزّمن. فالأوّلُ زواجُ زبيدة بنتُ آلِ الرّصّاعِ بمحسنِ بن آل النّيفر. والثّاني هو النّازلةُ الّتي حدثت في دار "الأكابر" إثر وفاة الحدّاد. وهي مرافقةٌ لها دلالاتُها بدون شكٍّ. فقد قابلت زبيدةُ قرارَ أبيها المتعلّم "الحداثيِّ" بتزويجِها من رجلٍ لا تعرفُه، بصمتِ المغدورِ. إنّه ذاتُ الغدر الّذي تعرّضت لهُ "امرأة الحدّادِ" في حادثةِ الكازينو من قبل رجال الحزب الدستوريِّ ومثقّفي البلادِ المضطلعين بمهمّة تنوير التّونسيّين وقيادتِهم في حربِ التّحرير والاستقلالِ. ومع موتِ الحدّادِ منفيّا ومعزولا ومكفَّرًا، قُضيَ على "امرأتِه" أن تُوصَمَ وتُشلَّ وتُعزَلَ هي الأخرى، وتتعرَّض لذات المظلمةِ من ذات الطبقةِ تقريبا.

هكذا، فقد سارتْ روايةُ نازلة دار الأكابر في توازٍ خفيٍّ مع علاقةِ الطّاهر الحدّاد المحتدَّةِ مع النُّخبة التّونسيّةِ. إذ تمَّ تمثيلُها عبر عائلتَيْنِ بَلْدِيَّتَيْن متبايِنَتيْنِ بل مُتكامِلتَيْنِ. فأمّا عائلةُ آل النّيفر فتمثّلُ الأرستقراطيّةَ الدِّينيَّةَ المحافظةَ (قاضي الإسلام عثمان النِّيفر)، وأمّا عائلةُ آل الرّصّاع فتمثّلُ أرستقراطيّةَ المخزن أو رجال الدولةِ البَيْلَكِيَّةِ (الموظَّف الكبيرُ عليّ الرّصّاع وصهره الوزير الأكبر محمد الطيب الجلولي) ونسبت إليها قِيم الحداثَة والانفتاح بما أنّ أغلب المصلحين الّذين دفعوا إلى ذلك قبيل الاحتلالِ كانوا من هذه الفئة (الجنرال حسين، خير الدين، الخ).

لم تكن أميرة غنيم إذا تبحث من خلالِ العائلتَيْن عن الاكتفاءِ بنقل تفاصيلِ الحياةِ الارستقراطيّة البَلْدِيَّةِ، وإنّما سعت إلى تفكيكِ بِنيَتِها الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ. كان من المُدهشِ أن تكشف الكاتبةُ عن تقاربِ هذيْن الشقّيْن رغم تنافُرِهما الظَّاهر. فهاهو عليّ الرّصّاع على ما كان يُبديه من تحرّر واندفاع نحو قِيمِ الحداثةِ والعقلانيّةِ، لم يكن قادرا على التَّملُّصِ من عنصريّتِه الاجتماعيّةِ، وهاهو في عدائِه الجِهويّ والاجتماعيِّ يُنشدُ السّندَ والحلَّ عند من يبدو نقيضَه، عثمان النّيفر المحافظ "الرّجعيَّ". وهاهي زُبيدةُ على ما تُبديه من تعلّقٍ بصفيّتِها "لويزة" ورفضٍ لمعاملتِها معاملةً دونيّةً، تعودُ في أوّل تشنّج يخرجُ بها عن طورِها لتصِمَ خدّوج الخادمة السّوداء بكلِّ ما يمكن أن تصمَ بِه امرأةٌ بَلْدِيّةٌ امرأةً سوداءَ فقيرةً.

صحيحٌ أنّنا إزاءَ رُؤيتيْنِ مختلفتيْنِ للعالمِ، رؤيةٌ كلاسيكيّةٌ محافظةٌ وأخرى حداثيّةٌ متحرّرةٌ، لكنّهما في النّهاية رؤيتان متكاملتانِ، تؤلّفان في جدليّتِهما غلافا اديولوجيّا مزركشا لطبقة اجتماعيّةٍ واحدةٍ ذهبَ الحدّادُ ضحيّتَها.

إنّ مشروعَ الطّاهر الحدّاد على ما أبداهُ عليّ الرصّاع ومحسن النّيفر من حماسٍ تجاهه، هو مشروعٌ مغايرٌ لرؤيتِهما، هو مشروعٌ أكثر اتّصالا بمحمّد عليّ الحامّي (الثوريِّ) وعبد العزيز الثعالبي (الإصلاحيِّ المحافظ) على السواءِ (وهي قراءةٌ أختلفُ فيها مع الكاتبةِ فلئن كان الطّاهر الحداد تلميذ الثعالبي، فإنّ الثاني ربّما لم يكن موقفه ليختلف كثيرا مع من خلفوه في الحزب الدستوريِّ وله مواقفُ طبقيّةٌ موثّقة).

تنتصرُ أميرة غنيم لرؤية الطاهر الحداد، رؤية التحرّر الحقيقيِّ العابر للطبقات، رابطةً بينها وبين الرؤيةِ البورڤيبيّةِ الّتي تبنّتها منذ بداية الاستقلالِ. فالخصمُ واحدٌ لكليهما: نخبة الزيتونة، ونخبة الحزب الدستوريّ القديمِ. فهل كانت الرؤيةُ البورڤيبيّةُ امتدادا حقيقيّا لمشروع الطاهر الحداد؟ وهل كان المدُّ التحريريُّ الّذي أراده الزعيمُ التّونسيُّ، عابرا للطبقات والجهاتِ؟ لا أتّفق مع المؤلّفةِ في ذلك ـ وإن لم تذكر ذلك صراحةً. وعلى كلِّ حالٍ فليس في ذلك ما يعيبُ الرّواية في فنّها.

كتبت أميرة غنيم نازلة دار الأكابر بأسلوب جديدٍ على المدوّنة التّونسيّةِ ومألوفٍ في المدوّنة العربية، فنحن نجده عند جبرا إبراهيم جبرا في رائعته "البحث عن وليد مسعود"، وفي "افراح القبّة" لنجيب محفوظ، وكثيرا ما استخدمه أحمد خالد توفيق في رواياتِه القصيرة. فتنقلُ كلَّ فصلٍ على لسانِ إحدى الشخصيات، تخاطبُ بهِ شخصيّة أخرى أو تناجي به وليّا صالحا كما في فصل فوزيّة. وعلى عكس ما تتميّز به حكاياتُ أحمد خالد توفيق مثلا من حِرفيّةٍ في انتقاء الشخصيّة صاحبةِ الخطابِ وانسجامِها مع نمطِ الخطابِ والمخاطَبِ وطبيعةِ الخطابِ، لا تكادُ كاتبتُنا التّونسيّةُ تُلقي بالا لكلِّ هذا، فكثيرا ما لا نعلمُ محمل الخطابِ هل هو مكتوب أم شفويٌّ، مسجَّلٌ أم مباشرٌ، وكيف انتقل إلى هندٍ حديثُ فوزيّة الأميّة الّتي ناجت سيدي محرز في ليلةٍ مخيفةٍ. كما لم تنشغل كثيرا بمقام الخطابِ، فاختيارُ المخاطَبِ يبدو عشوائيّا، اللهمّ إن تجاوزني منطقُ اختيارِه. وكأنّ ذلك تسبّب في فتور في انسجامِه. فهلاّ رأيتَ كيف يُسرُّ العجوزُ امحمّد النّيفر المحافظُ لابن أخيه، الشخص الوحيد الّذي يُبدي له شيئا من التّقدير، بكلِّ يسرٍ وسلاسةٍ قصصا يراها تُشينُه فدأب على إخفائها؟ وحتى إن لم يرَها كذلك، ففيها الكثيرُ من الحميميِّ الّذي يجد المتحرّرُ صعوبة في حكايتِها لابنه، فما بالكَ بالمتزمّتِ؟

على أنّ الروائيّة سعت في أسلوبِها السّرديِّ أن تحترمَ منظورَ الشخصيّةِ المخاطِبة على الأقلَّ، بل كان ذلك دافعا رئيسيّا لاختيار هذا الشّكل السرّديِّ. فنتجت عنه فسيفساءٌ سرديّة بديعةٌ متشابكةٌ ثريّةُ الألوانِ، كثيرة التفاصيلِ، متنوّعة الآراءِ، تنقلُ الحقيقةَ في اختلافِ أوجهها ونسبيّتِها. يكتب التاريخَ عادةً المنتصرون، وتستثني روايةُ نازلة دار الأكابر نفسها من القاعدةِ، فتعطي صوتا للجميع تقريبا، ابتداء بأصحاب الأصوات الضخمة من رجالٍ مثقفين (محسن، المهدي، عثمان، عليّ)، إلى بناتِ الطبقة الارستقراطية (بشيرة، جنينة، فوزية ربما) انتهاء ببناتِ الطبقة الدنيا (لويزة وخدّوج). وذهب شكري المبخوت في تقديمِه إلى أنّ التاريخ في النّازلة، تحفظه النساء. وهذا ليس صحيحا، فمن بين الناقلين الإحدى عشر للأحداث، نجدُ خمسة رجال. وإذا ما اسثنينا هندا وهي النّاقلةُ الّتي لا دخل لها في الأحداث بأيِّ شكلٍ، فسنجد مساواةً تامّة بين الجنسيْنِ. بل إنّنا لو تمعّنّا في متحوى خطابِ كلِّ شخصيّةٍ، سنكتشفُ أنّ أبرز الأحداثِ نُقلتْ عبر الشخصيات الرجاليّةِ. استثنت الكاتبةُ مهدي الرصاع وامحمّد النيفر من سرد بعض أحداث الليلةِ، وكذلك فوزية وخدّوج. نقلت لويزة إلينا بداية الحادثة، ونقلت جنينة جزءا هامّا من خصام محسن وأخيه، ولم تنقل لنا بشيرة أكثر ممّا حدث بينها وبين جنينة بكثير. في الأثناء، يصف عليّ وعثمان حادثة لقائهما في تلك الليلة، ويسرد عثمان جزءا مهمّا متعلّقا بقتال زبيدة وامحمّد النيفر. أما محسن، فنجد عنده أهم أجزاء السرديّة، فنعلم ما آلت إليه الليلةُ، ونعلم نتائجها على زبيدة، بل نعلم أيضا نصّ الرسالة الّتي فجّرت كلَّ ذلك... 

وأكثر ما يلاحظ في اختيار الشخصيّات الرّاويةِ، أنّه لم يمنح صوتًا للحدّاد نفسِه ولا لامرأتِه. وهو خيار متعمّدٌ لسببيْن، أوّلهما أنّ الصّوتيْن سيحجبان بلا شكّ بقيّة الأصواتِ في ما يخصّ الواقعة. فإذا علمها المرءُ من مصدرها، لم يعد بحاجة إلى سماعها من غيره. أما الثانية، فهي الإلحاح على الفصل بين التاريخيِّ (الطاهر الحداد شخصيّة تاريخيّة واقعية) والمتخيّل (بقية الشخصيات الفاعلة). ليس الطاهر الحداد شخصيّة رئيسيّةً في الرواية، ولكنّه محورُها أي موضوعُها، وبالتالي فمن الأفضل أن يتمّ الحديثُ عنه كموضوع لا كشخصيّةٍ. سنرى مواقف الشخصيات منه، ونراها تقريبا أمامَ أفعاله التاريخيّة الموثقة، شاهدةً أكثر منها مشاركةً (حفل الكازينو، موقفه من الحزب القديم، الخ). هذا أسلوب مألوف في الكتابةِ، يمكن أن نجده في روايات شهيرةٍ وفي أعمال دراميّة أخرى (غاتسبي العظيم، المواطن كين، الخ). ولقد أرادت أميرة غنيم لشخصيّتها المتخيّلَة الرئيسية زبيدة أن تكون محورا وموضوعا ربّما أكثر أهمّيّة من الطاهر الحداد نفسه. تمثّل زبيدة امرأة الحدّاد، مشروعه الّذي نحته. كيف لا وقد كانت تلميذته؟ ليس موضوع الروايةِ الطاهر الحداد، وإنما امرأة الحدّاد. أما النازلة، فكانت رفض هذه المرأة ووصمها بالعارِ.

اِعتنت الكاتبةُ كثيرا بتباين شخصيّاتها لما لكلٍّ منهم من دلالةٍ، ولكنّها لم تنجح في إسقاط ذلك على مستوى الأسلوب. لا شكّ أننا نجدُ في الخطابِ النّسائيِّ حضورا أكبر للبيتِ وللفولكلورِ وللعناصر الماديّةِ (الأكل، النظافة) مع بعض المقاطع الفكريّة ذات الطابع التعليميِّ (لويزة وفوزية وخدّوج يتلقّين معارف مختلفة أو يكتشفن أفكارا جديدة، وكذلك الشأن مع جنينة في حديثها عن المرسح) أمّا الخطاب الرجاليُّ فتغلب عليه الأفكارُ السياسيّةُ والاديولوجيّةُ. في حين يشملُ الخطابُ العاطفيُّ الجميع على السواءِ. لكنّ كلّ هذا الاختلافَ يُحمَلُ على أسلوب لُغويٍّ واحدٍ لا يتغيّرُ، فلا نكاد نجدُ فروقا كبيرة في الخطابِ بين قاضي الإسلام عثمان النّيفر، وخدّوج الخادمةِ الأُمّيّةِ. ولا يملك أحدهما تشبيهاتِه الخاصّةِ ولا مرجعيّاتِه الّتي تميّزُه. ولئن حاولت أميرة غنيم أن تُثبِّتَ ذلك، في بداية نصوصها إلاّ أنها ارتكست سريعا.

لا اختلاف في جمالية لغةِ نازلة دار الأكابر، ولكنّه جمالٌ رتيبٌ لا يحيدُ عن نفسِه، لا متى اختلفت الشخصيات، بل متى اختلفت طبيعةُ الخطابِ أيضا. فلحظات التوتّر كلحظات الدّعةِ، ولحظاتُ الاكتشافِ كلحظات التأمّلِ تقريبا. وما ينوّه به في لغةِ النصّ، سلاستُه وسلامتُه وفصاحتُه المُبينةُ.

أمّا على مستوى القصِّ، فقد عبّر اختيارُ نمط السّرد عن تمكّن كبيرٍ افضى إلى بناءٍ قصصيٍّ شديد التماسك والانسجامِ رغم تفرّعه إلى قصص جانبيّةٍ كثيرةٍ، وإلى تشظّ على مستوى زمن السّرد عبر نحو أكثر من نصف قرن (بين 1949 و2013) بدون أيّ ترتيب. نلحظ بسبب ذلك بعض فتورٍ في السيناريو لا مناص من ذكرِه لقيمته. فقد تردّت علاقةُ محسن وزبيدة بُعيدَ الحادثةِ، وعرفنا ذلك منذ البداية تقريبا. لكنّنا لم نعرف عن شلل زبيدة إلا في منتصف النصّ، (بل الأقرب في نهايته). ورغم أهميّة الحادثة، فلم تبدُر أيّة إشارةٍ إلى إمكانيّةِ تأثيرها على العلاقةِ بينهما. وإن كان يمكنُ تفسير ذلك بالنّسبة إلى محسن الرّاوي، على أنّه يملك سببا آخر لاعتزال زوجته، فلا يمكن أن نفسّر جنوح زبيدة إلى تفسيره بانصراف الرّجلِ إلى خدّوج، ولم يدر بخُلدِها مثلا أنّ الأمر عائدٌ إلى شللِها. لقد بدا شللُ زُبيدة طارئا على النّصّ ليس أصيلا فيه، لم يُقرأ له حساب في البدايةِ، فخلت الإشارةُ إليه وجنينة تروي لنا تفاصيل زيارتهم إلى دار الرّصاع سنة 1949، فكانت زبيدة تسلم على أمّها قبل أن تهرع إلى أبيها رفقة محسن وأمّيْهما، كأنّ ليس بها علّةً أو مرضا. ولم يهتمَّ أحدٌ من عائلتِها بشللها هذا حتّى إنّهم لم يزوروها وواصلوا مقاطعتها طوال السنين الثلاثة عشر. أمّا زبيدة، فيبدو أنّ الشلل لم يُثنها عن إعدادِ نفسها لزوجها وإغرائه باللبس والحرقوس والشموع، وقد تكون لويزة مساعدتها في ذلك، ولكنّ من الغريب أن تُشرك زبيدة صديقتَها في هذه المسألة الحميميّة لرِفعة النّفس والكتمان الّتي تميّز شخصيّتها. بل من الغريب أن لا تشعر منذ شللها بالعجز والحاجة إلى العزلة وربما عقدة الذنب إزاء فكرة كونها لم تعد امرأة مكتملة الصحّة ممّا يغري الرّجالَ… وحتى امحمّد النيفر الّذي تحدّث قبل فوزيّة أي قبل الكشف عن شلل زبيدة، فلم يبادر إلى تبرئة نفسِه أمام ابن أخيه وابن زبيدة من تهمةِ إيذائها. ممّا يعزّز نظريّة إضافتِها في ما بعدُ للنصّ. ربّما لدلالةٍ ما على وضعيّة المرأة التونسيّةِ الّتي مع إيذاء الحداد وبتر مشروعِه، ورغم انتصار بورڤيبة له، ظلّت مُقعدةً لا تطالُ كلَّ حقوقِها. وربما لدلالة أخرى لم ترد ببالي، على أنّها في كلّ حالٍ وردت في النص مهلهلةً فأقضّت تمساكه وانسجامه.

روايةُ نازلة دار الأكابر، عملٌ ضخمٌ جادٌّ ومسلٍّ يذهب بالقارئ إلى ثلاثينات القرن الماضي في تونس، فيجيد الرّحلةَ، ويعود به بتساؤلات متنوّعة. ويربط بشكل ذكيٍّ بين قضيّة المساواة وقضيّة الطبقيّةِ الاجتماعيّةِ. إنّه خطوة مهمّة للأدب في تونس، ينبغي أن تُدعمَ حتّى يرتفع المستوى الأدنى المقبول، وتقاطَع النّصوصُ الّتي لا ينحتُها أصحابُها بمثل هذه الجدّيّة والتفاني.


 


Saturday, September 6, 2014

التقديم في منزل بورقيبة

السلام عليكم،

"عصفور من الشرق."
منذ ستة عشر عاما تقريبا، دخلت إلى قاعة المكتبة العمومية بمنزل بورقيبة لأول مرة. هذا ليس حدثا فريدا طبعا، لكن كنت أحسّ و أنا أخطو خطواتي الأولى بين الرفوف المزدحمة أن كل وسائل الإعلام تتبعني في جولتي، تلتقط صوري مع توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ، و علي الدوعاجي، و جان راسين و موليير. كانت تلك البطاقة الصغيرة التي حرمتُ منها سابقا لأنني لا أزال تلميذا في المدرسة، تجعلني أشعر أنني أهمّ شخص في العالم، و أنني قاب كتابين أو أدنى من الحقيقة التي ضحى بروميثيوس من أجلها. بعد هذه السنين، أعود لأضيف كتيبا صغيرا إلى الحقيقة.

"لن تحدث حرب طروادة"
 قرأتُ كثيرا من هذه المكتبة، نهلت الكثير من صفحاتها، اشتكوت من نقائصها و هي كثيرة. طلبتُ المزيد من الكتب، انتظرت الجديد منها، رغبت أن أتصفح عناوينها رقميا، بعض النسخ مهترئ إلى حدّ التلف، و بعضها اختفت صفحاته بفعل فاعل، لكن الدخول إلى هذه القاعة فقط، كان مثل دخول المرء اليوم إلى شبكة الإنترنت، إذا ما حذفنا من الانترنت مواقع الدردشة و التنصّت الاجتماعيّ و جعلنا غوغل أكثر بدائية بكثير. كانت الدخول إلى هذه القاعة مثل الدخول إلى العالم، بل ربما كان الخروج منها خروجا من العالم..

"ثرثرة فوق النيل"
عدتُ و بيدي كتيب صغير من مائة صفحة و نصف المائة من الصفحات، أخرجتُه منذ سنة تقريبا عن دار ورشة19 للنشر، و هي دار نشر حديثة النشأة يحاول صاحبها أن يخطّ طريقا موحشا و صعبا بل مضنيا، من دون كتب مدرسية موازية، و من دون ملصقات و لا منشورات من قبيل "كيف تصبح نجما في أربعة أيام". بدأتُ في كتابة هذه المجموعة القصصية سنة 2007 و انتهيت منها في بداية السنة الماضية بكتابة الأقصوصة العاشرة "المصلحة". و مثلها مثل أخواتها التسع، حملت الأقصوصة ما حملت من هذه المدينة و من وجوه أناسها، و من وجوه مبانيها و نظامها و أحداثها، بعضها حمّلته قصدا و بعضها اتخذ له مجلسا بين السطور عنوة و أحيانا دون أن أعي. لكنني مع ذلك لا أشعر أنني كتبت ما يكفي عنها، و لعلّني فاعل ذلك غدا، فهذا المكان الذي قدّم لي ذلك الكم من القراءات و العوالم، له من العناصر و الثراء ما يكفي لأن يصبح كتابا يقرأه الآخرون في مكتبات أخرى.

"حليمة"
أعود بهذا الكتيب و أنا أعرف قيمة ان يتخذ له مكانا بين رفوف المكتبة. على هذه الأرض الطيبة، حيث يكسل الناشر عن نشر كتبه، و الموزع عن توزيعها، و حيث يفضّل الكتبيّ أن يهتمّ بأدوات التلميذ و بالكتب الموازية، و حيث لا تجد سبيلا يذهب بكتابك إلى أطرافها (أطراف هذه الأرض)، و حيث يبخل جيب المواطن بثمانية دنانير على الأدب و على الكتابة، فربما كانت المكتبات العمومية أهم وسيلة يجد فيها الكتاب له قرّاء.
هل يعرف القائمون بالشأن الثقافيّ قيمة المكتبات العمومية؟ و هل هم على وعي بطبيعة العلاقة التي تربط هذه المكتبات بالمواطنين؟ هل توجد دراسات جادة تبحث سبل دعم المطالعة العمومية، لا للأطفال، و إنما للشباب و للكهول الذين نعتبرهم للأسف "فات فيهم الفوت" ؟ لا أملك اجابات دقيقة، و لكنني أملك شيئا من الأمل، و من الرغبة في المقاومة رغم كل هذه العوائق. مثلما يقول توفيق الحكيم "أملي أكبر من جهدي، و جهدي أكبر من موهبتي، و موهبتي سجينة طبعي، و لكني أقاوم.."

"عودة الروح"
هو اسم كتاب مثله مثل غيره مما ذكرت، جادت به عليّ هذه المكتبة العمومية، و لا أزال أذكره و أذكر لحظات الانفعال الجميلة التي أهدتها إياي تلكم القراءات. اِسمحوا لي أن أشكر ختاما أناسا ما كنتُ لأجلس مجلسي هذا لولاهم، شكرا صفاء، و غادة و كامل مجموعة Key-Tab التي عملتُ معها على هذا اللقاء منذ بداية السنة، كما أشكر غيث و نادي المسرح للقراءة التي قدموها، أما سي فتحي الدريدي مدير دار الثقافة بيرم التونسي، فأنا أستحثه على مواصلة مشروعه الجدّيّ الذي يريده لهذه المدينة، مشروع عناصره ثورية تقوم على الشباب، و الأفكار الجديدة، و الاستقلالية و الجودة. يبقى جهد التطبيق و الصبر الطويل، لكنني مؤمن و متفائل.

اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله، اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله. 
فاروق الفرشيشي
منزل بورقيبة في 
6 أيلول 2014

Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

Sunday, July 6, 2014

نشيدي أنا

أُقَاسِمُ طَــيْرًا فُتَاتَ المَدَى،
وَأَرْسُمُ سِرًّا مَسَارَ الهَرَبْ.
وأذبحُ خَوْفِي إِذَا مَا بـَـــدَا،
وَأُرْسِلُ كَفِّي وَرَاءَ السُّحُبْ.

أَأَسْمَعُ صَوْتِيََ خَلْفَ الجِبَالْ؟
أَأَقْرَأُ حَرْفِي بُعَيْدَ الزَّمــَـــنْ؟
وَفِيمَ يُفِيدُكَ فُرْطُ النَّـــــوَالْ؟
إذَا مَا اصْطَفَاكَ بَيَاضُ الكَفَنْ

لِي أَمَلٌ مَاجِنٌ مُسْتَحِيـــــــلُ،
عزمُ بــاقٍ وَمُهْجَةٌ لَا تُطِيــعْ
وَالمِدَادُ المَارِقُ والخَلِــــــيلُ
لِي رَقْصَةُ طِـــــــفْلٍ رَضِيعْ

دُرُوبِي؟ لَسْتُ أَعْرِفُ مَا دُرُوبِي
وَوَاحَتِي، حِينَ يُرْهِقُنِي المَسِيرُ
مَتَى سَافَرْتُ قَدْ يَمَّمْتُ صَوْبِي
وَأَرْضِيَ حِينَمَا الحِلُّ الأخِـــيرُ

آوي حُرُوفًا فَتأويني،
أسحبُ روحي من تليدي
أعيدُ ملامحي و تكويني
و الحيّ يولد من رمادِ

أُقَاسِمُ طَيْرًا فُتَاتَ المَــــــدَى،
وَأَرْسُمُ سِرًّا مَسَــــارَ الهَرَبْ
وَإِنْ سَأَلُوا أَيْنَ يَمْضِي الفَتَـى
فَقُولُوا أَبْعَدَ مِــــــــــمَّا كَـتَبْ

Friday, May 30, 2014

اللامعقول المعقول و اللامعقول اللامعقول

قد يحدث أن يقابل المرء خلال قراءة (أو مشاهدة) قصة ما (رواية، فيلم، مسرحية، أو أي عمل فني يصوّر حكاية ما) أمرا لا معقولا، أو لا ينسجم مع بقية السيناريو. أعتقد أن الحكم على هذا "اللامعقول" في العمل الفني يختلف بحسب طبيعة العمل، و بحسب تعامل المبدع (القاصّ، المخرج، المسرحي الخ) معه.
لا أتحدث هنا عن اللامعقول الذي يتبناه العمل أصلا، و يعتمد عليه، مثلا كإعادة الديناصورات في "الحديقة الجوراسية"، أو ثورة الآلة التي تتميز بالذكاء الصناعيّ في الكثير من أعمال الخيال العلميّ، أو مختلف المسائل العجائبية في روايات "هاري بوتر" .. هذا النوع من اللامعقول يؤسس للعمل نفسه و لا يمكن تقبل العمل بدونه، أحيانا ـ كما في نوعية قصص هاري بوتر ـ كلما زاد العامل العجائبيّ، كلما ازدادت متانة الرواية و تميزها. إنما أتحدث عن لامعقول في سياق العمل الفني نفسه، و في اطار قبولنا بافتراضات العمل و شروطه.
 
يكون حينها اللامعقول مقبولا، إما لأنّ العمل نفسه كوميديّ الشكل، أو يعتمد في أسلوبه على المبالغة أو الإفراط في اللامعقول، فهذا قد يثبت أن اللامعقول هنا مقصود و مراد و ليس عفويا.
أما حينما يكون عفويا، فيمكن تقبله حينما يُبدي المبدع وعيا بلامعقولية ما قدمه، إما بطريقة ضمنية و إما مصارحة. أما غير ذلك، فلا يمكن اعتباره إلا ضعفا في متانة العمل، خصوصا إذا قامت الأحداث فيما بعد على ذلك "اللامعقول"، إذ كلّما اعتمدت الحكاية عليه كلما وهنت.
الحكاية قالب العمل الفنيّ و متنه، فالرواية أو الفيلم ليسا مجرد حكايات و حسب، و هذا أمر مفروغ منه، لكن من قال إن الشكل أمر ثانويّ؟ و ما يفرق بين العمل الفنيّ و بين المقال الفكريّ أو الفلسفيّ الجاف غير "الشكل"؟

الأمثلة تحتاج إلى دراسة و جرد دقيق للكثير من الأعمال، سأحاول أن أستحضر بعض الأعمال المعروفة على الأقل و أغلبها من عالم السينما. سأبدأ بمثال عن اللامعقول المقصود المراد، أجل Kill Bill كما خمّنتم و سينما تارانتينو بشكل عام غنية بهذا النمط، في فيلم Kill Bill تقاتل The Bride عصابة الـ 88 بمفردها في مكان مفتوح تقريبا، لا اختباء، لا هروب، فقط بعض المناورة و الكثير من الدهاء، و كاتانا قاطع من إهداء الأخ هتّوري هنزو. أعتقد أن طلقة رصاص واحدة كانت كافية لانهاء الفيلم هنا، لكننا نعلم جيدا أن تصوير مشهد قتال على طريقة الساموراي و بهذا الحجم هو أصلا من غايات الفيلم، ثم إن سياق المشهد يجعله ايحاء للسينما اليابانية القديمة ما يجعل اللامعقول حقا هو أن لا يتمكن البطل من انهاء مبارزة مستحيلة لصالحه. في سياق كهذا، يصبح اللامعقول معقولا جدا، بل و أساسا للعمل الفنيّ.

في نفس الفيلم أيضا، أمر آخر لامعقول تجاوزه الكاتب عبر التصريح بلامعقوليته، و هو نجاة البطلة من طلقة مباشرة و قريبة في الرأس. و في الواقع يمكن أن يحدث ذلك في حالات شديدة الندرة، ربما ليس عبر اصابة مباشرة و قريبة بهذا الشكل، أهمية هذا الحدث في السيناريو، أنه الحدث الذي يقوم عليه العمل كله تقريبا، لكن الكاتب نوه جيدا بلامعقوليته عبر مختلف الشخصيات التي عبرت عن اندهاشها من نجاة البطلة، ما جعل اللامعقول ممكنا.

أما عن اللامعقول الذي يمكن أن يعبر عن وهن أو تهاون، فيمكن العودة إلى أخطاء "حرب النجوم" الكثيرة، و أهمها الانفجارات التي تصمّ الآذان في قلب الفضاء، و هي أمور يصعب غفرانها لعمل يصنف كخيال علميّ. فلا يوجد في سياق الحكاية ما يوحي بأننا نتحدث عن فضاء غير الفضاء الذي يسبح فيه درب اللبانة، أو أن فيزياءه غير فيزيائنا، و هو لامعقول ليست له انعكاسات سيئة على بقية الأحداث، لكن له انعكاس سيّئ في التقييم.

لو عدتُ إلى تحفة تارانتينو Kill Bill مرة أخرى، فسأذكر في "المجلد الثاني" قنص Budd للبطلة من وراء الباب، حيث أصابتها القذيفة في صدرها تماما، و ألقت بها عاجزة عن الحراك. المفروض أنها حينما دفنت، كانت بحالة صحية سيئة، تنزف على الأقل، لكن بدا أن تارانتينو نسيَ ذلك تماما، كما يفعلون في الصور المتحركة. حينما خرجت من التابوت (بقوة يحسدها عليها الأصحاء) لم يبد أنها تعرضت لطلقة بندقية أبدا!

أما اللامعقول الذي قد يعصف بالقصة تماما، فتستحضر ذاكرتي فيلم The Sting الشهير، بطولة Redford و Newman حيث تقوم كل القصة حول عملية تحيل ضخمة تستهدف أحد الأثرياء المقامرين. تقوم عملية التحيل على محل قمار وهميّ، كل شيء متقن، و كان هناك اتفاق مع الكثيرين لتحضير العملية، حضور وهميون، كتابة عامة، مقامرون، شرطة، الخ، الغريب في الأمر أن المقامر و هو شكاك بطبعه، لم يسأل عن الإذاعة التي تنقل سباقات الخيل من داخل المحل، جاؤوا بمذيع محترف يحفظ تماما ما يجب أن يقال لكن أيكفي ذلك ليصدق أن هناك سباقا لا ينقله غير ذاك الراديو، و لا توجد أخباره في الجرائد و الاذاعات؟ كان من الممكن تجاوز اللامعقول عبر التعبير عن استغراب البطلين من انطلاء اللعبة على الرجل. لكن ذلك لم يحدث.

فيلم The appartement الحائز أيضا على الأوسكار، يقوم أساسا على فكرة شقة موظف بسيط باتت مطمع جميع رؤسائه في العمل، و المسألة طبعا رمزية جدا، و تحمل معان كثيرة، لكنني أعتقد أن الأمثولة مهما بلغت درجة عمقها فهي تعتمد أساسا على متانتها الداخلية، و في أمثولة The Appartment نجد أن أيا من رؤساء البطل، كان قادرا على منح نفسه شقة كتلك، أو على الاقل شراء تلك الشقة نفسها، و اجبار البطل على العيش في مكان آخر. مرة أخرى كان بالامكان تفادي هذه المسألة عبر مبادرة البطل مثلا باقتراح بيع الشقة و ايجاد سبب مناسب للرفض.

فيلم Equilibrium يقوم أساسا على فكرة اختفاء المشاعر من الناس لأنها سبب مشاكل البشر. لا وجود للمشاعر تماما في هذا العالم، مع ذلك يرفع أحدهم صوته، بينما يتساءل الآخر حانقا، و يرتاب آخر في تصرفات البعض.. هذه مسائل تعصف بالفيلم تماما و تجعل من متابعته عبثا تقريبا.

اللامعقول اذا ليس ضعفا بحد ذاته، و إنما طبقا للسياق الذي جاء فيه، و مهما عظمت أفكار النص أو العمل، و مهما حضرت الرمزية في صوره و أحداثه، فإنّ للشكل قيمته، و إن للقصّ صنعته التي لا يجب أن يتهاون فيها. و التركيز عليها ليس سطحيا و لا اقتصارا على "القصة" كما قد يقول البعض و إنما تأكيد على قيمة الشكل في تبليغ المحتوى، و الا فلم اختيرت القصة شكلا للتعبير؟ 


Sunday, March 30, 2014

أنا أكره التصنيفات!

اِسمحوا لي بمقدمة تاريخية مملة يا سادة. يقولون إن الحكايات ممتعة، و هي أكثر متعة حينما تكون حقيقية "ترو ستوري" كما يقول الاخوة في هوليود الشقيقة. يقول المثل (الذي اخترعتُه أنا للتوّ) أن العادة تسبق القاعدة، أو أنّ الواقع يسبق تصوّرنا له، أو أنّ الحقيقة تسبق طريقة تصوّرنا لها. أو أيّ شيء بهذا المعنى. خذ لك مثالا، اللغة.
من الغريب أن أكتشف أنّ البعض يعتقد بوجود قواعد النحو و الصرف و غيرها قبل اللغة نفسها. لا أعلم كثيرا عن بدايات النحو و علوم اللغات الأخرى. لكن للنحو العربيّ قصّة شهيرة، مفادُها أنّ أبا الأسود الدؤلي (لا تخف من الإسم) سمع رجلا (الواضح أنه ليس عربيّا) يتلو القرآن فيقول :"إنّما يخشى اللهُ من عباده العلماء" فجزع الدؤلي، و فكـّر أنه من الضروريّ إيجادُ علم يمكــّن الناس من النطق بطريقة سليمة، و من تجنّب اللـّحن عند التلاوة. هكذا ذهب الرجل إلى عليّ بن أبي طالب ليسأله المشورة، فيقول له عليّ كرم الله وجهه :" الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل." ثم يضيف :"اُنحُ نحو هذا." و هو ما شبّهه العبقريّ أحمد خالد توفيق بطالب دكتورا يتلقـّى التأطير من أستاذه العظيم.

المهمّ أن أبا الأسود حينئذ أرسى قواعد النحو، هل يعني ذلك أنّ الناس قبله لم تكن ترفع الفاعل و تنصب المفعول؟ هذا لغو طبعا، ما فعله أبو الأسود أنه أخبر الناس بقاعدة يستعملونها دون أن يشعروا مثلما أخبرنا نيوتن عن الجاذبية. و كما أنّ نيوتن لم يكتشف كل أسرار الجاذبية، فإنّ قواعد أبي الأسود لم تكن متناهية الدقة، و لم تفسّر الكثير من أسرار اللغة العربية. لك في "حتّى" التي أثارت حربا بين علماء البصرة و علماء الكوفة مثالا على ذلك.

أحدهم أرسل لي يتساءل أيهما مخطئ القرآن أم النحو، و ذلك بعدما لاحظ آيات تذكر جمع المؤنّث أو تؤنث جمع المذكر (من بعد ما جاءهم بالبينات). و هي مسألة شائكة معقدة ناقشها النحويون منذ عصر سيبويه ربما إلى اليوم، لكنّ ما أثار استغرابي هو السؤال الذي افتتح به قوله. فالقرآن قد نزل و لم يظهر علم النحو بعد. أما النحو فقد ظهر كما ذكرتُ سابقا استنادا إلى القرآن أساسا. فكيف يمكن أن يكون القرآن "مخطئا"؟ ثمّ ما معنى أن "يخطئ" القرآن لغويّا و قد جاء به رجل لغته العربية و لهجته التي رضعها هي الفصحى التي يتكلم بها العالم من حوله؟ و ما معنى أن "يخطئ" القرآن وسط هذا الجمع من الناس التي ولدت تتكلم بلهجته و حروفه؟

لكن دعونا نبتعد قليلا عن المسائل الدينيّة التي قد تزعج البعض، و دعونا نستمرّ مع اللغة. هذه المرة مع الشعر العربي. فالكثيرون أيضا يعتقدون بأن علم العروض سبق الشعر. و ربما كانوا يظنون أن عنترة العبسي و النابغة الذبياني، كانا يجلسان إلى الأرض الرمليّة يكتبان أبياتهما و يملآن المكان بالـ"شلطات" و الـ"عصافير" (تعرفون تلك الحركات التي نضعها تحت البيت لمعرفة تفعيلاته و استنتاج بحره). الواقع يقول غيرَ ذلك، الواقع يقول إنهما يفعلان ذلك دون أن يسمعا بالخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض. فهل تغضب؟
كان الشعراء يعوّلون أساسا على موسيقى الكلمة، من الجميع أن أنظم لك قولا يبدو مؤقّعا و فيه رنّة. يقول أولئك الذين ينكرون الشعر الجاهليّ، أن الشعر الجاهليّ غير ممكن في بيئة لم تعرف الموسيقى تطوّرا قطّ. لكنّ الحجة تنعكس عليهم، فالثقافة التي لم تطوّر الموسيقى، استعاضت عنها بالوقع الشعريّ. ربما لذلك يبدو لي الشعر العربيّ أكثر وقعا من غيره. جرّب قصيدة في المتقارب، و ستدهشك خفّة إيقاعه، إنه يفرض موسيقاه فرضا. و لأنّ الاعتماد على الأذن لوزن الشعر "موسيقيّا" يعني تسلل الهنات، فإنّ العروض أقرّ بها و استوعبها فيما يعرف بالزحافات و العلل.
لقد ظلّ شعرا رغم "علله" اذا، ذلك أن من سبقوا العروض هم من صنعوه، أما حينما تأتي بعد الخليل بشعر علله غير معروفة مثلا، أو بحره لم يضعه نحويّ قطّ، فآسف، أنت تهذر بما ليس شعرا! هذه طامة النقد الفنّي، و هذا هو بيت القصيد!

يضع النقاد و الدارسون و الخبراء و الأساتذة و الدكاترة قواعدهم بناء على ما سبق دائما. مشكلتهم ليست افتقارهم إلى الإبداع، و إنما افتقارهم إلى القدرة على استباق الإبداع أو تخيل ما يمكن أن يكون. لذلك تخرج قواعدهم أضيق من الإبداع في كثير من الأحيان.

بعض الأدباء و الشعراء يضيقون ذرعا بالتصنيفات و القواعد، من ذلك ما كان يصرّ على ذكره طه حسين قبل أن يبدأ قصّة ما، أن ما يلي ليس قصّة و لا رواية و لا مسرحية إنّما هو حديث لا غير، و ذلك كي يتخلـّص من تصانيف النقاد العبثية أحيانا. أذكر أن أحد الأساتذة العظام، كان يصرّ كلما قرأ "محاولة" قصصية قدّمها شاب إليه، أن يبحث فيها عن "شروط القصة"، سألته ماذا لو أخلّ بأحد هذه الشروط، فقال إنه لن يعتبرها كذلك. لم أفهم ما معنى أن "لا يعتبرها كذلك". هل تتحول حينئذ إلى قصيدة مثلا؟ أو إلى هذيان محموم؟
أحدهم راح يعدّد لي شروط القصة القصيرة، فقال إنها يجب أن تعتمد على الكثافة، و أن تقلّ من الشخصيات، و أن يتمحور القص حول حدث بعينه، الخ.. كل تلك الشروط التي لم أجدها في إحدى المجموعات القصصية التي كتبها أستاذ له. من أين يتعلمون هذه الشروط إذا؟ أم تـُراها قوانين لنكرات الأسماء؟

لم أسلم أنا أيضا من التشريح الأكاديميّ، رغم كوني نكرة (أو ربما لأنني كذلك). و أعترف هنا أن أغلب من يمارسون ذلك بلا هوادة هم أولئك الذين لا يزالون في طور الحماس لما يدرسون. أغلب من هم في سنّ متقدمة، أخضعوا معارفهم للمساءلة، باتت أحكامهم أقل أكاديمية، و أكثر مرونة. أما الآخرون، فيحتاجون إلى التصنيف و التقسيم و التشريح حتى لا يتوهوا.

هل يعني ذلك أننا لا نحتاج إلى النقد؟ هل يعني هذا أن التصنيفات الأدبية هي تصنيفات عبثية؟ لا أظنّ ذلك طبعا. إن دراسة الأدب و تقنينه مهمان من أجل الغربال. من أجل فرز النقيّ من الهجين، و الجيّد من الرديء. لكنّ سنّة الفنّ أن يتجاوز نفسه، و كذلك نقده و دراسته يجب أن تتجاوز نفسها دائما حتى تستوعب جنوح الفنّ و جنونه.
إنّ إيجاد معيار ثابت نتبع به تجارب الفنّ و رحلاته فنشدّ على يد هذه الرحلة و نشذب تلك. لكنّ هذا يقودنا إلى فلسفات و مدارس قد لا يتسع المقام لذكرها. لكنّها هناك حتما. تلك التي استخدمها المحكّمون يوما في سوق عكاظ و تلك التي فاضل بها سيف الدولة بين أبي الطيب و أبي فراس. رحم الله أبا العتاهية، الأكبر من العروض!



Tuesday, October 29, 2013

تقديم الخروج عن الخطّ بمعرض تونس الدولي للكتاب 2013


في لقاء قصير، جمع الكاتب بأحباء الكتاب (و رفاقه القدامى) في معرض تونس الدولي للكتاب، تفضل الأستاذ يوسف عبد العاطي ـ مشكورا ـ بتقديم كتاب الخروج عن الخطّ. و قد نظّم اللقاء نادي مصطفى الفارسي للابداع الفنّي.

و قد قدّم الأستاذ جملة من الملاحظات بخصوص الكتاب، لم يجد الكاتب وقتا للاجابة عليها، فضلا عن أنها لم تأخذ قالب الأسئلة بقدر ما أخذت قالب الدرس الذي يعطيه الأستاذ إلى تلميذه. و هو بالفعل أستاذ، و أنا بالفعل تلميذ، و ما أكثر أن يخطئ أستاذ من حيث يصيب التلميذ. على أن الردّ هنا لا يأخذ صفة قطعية و لا حاسمة. و إنّما يقدّم الكاتب ما رآه و للقارئ أن يبحث و يفكّر بنفسه و يتقصّى عن الحقيقة بين الموقفين.

فبداية، لاحظ الأستاذ أن تقديم الكاتب في خلفيّة الكتاب، فيه انتقاص الكاتب لنفسه، و لمؤلَّفه، و أنّ ذلك لا يستقيم و لو لكاتب "شاب" يخطو خطواته الأولى. فالقول "يزعم أنه يجيد الكتابة" بحسب
استنتاج الأستاذ تعني أنه لا يجيدها حقا. و هذا ينافي معنى "الزعم" في اللغة. ففي لسان العرب نجد ما يلي :

زَعَمَ زَعْماً وزُعْماً وزِعْماً أي قال، وقيل: هو القول يكون حقّاً ويكون باطلاً، وأَنشد ابن الأَعرابي لأُمَيّةَ في الزَّعْم الذي هو حق: وإِني أَذينٌ لكم أَنه سَيُنجِزُكم ربُّكم ما زَعَمْ.

فالزعم هنا، يحتمل الحق و الكذب، و الكتاب بذلك يتنصّل من رأي الكاتب، أي أن الكاتب يعتقد أنه يجيد الكتابة، لكنّ الحكم لا يكون الا للقارئ، إذا ما أمسك بالكتاب و قرأه و حكم عليه بنفسه. و بذلك فالراجح هنا، أن لا نقص في الثقة بالنفس كما ذهب إلى ذلك الأستاذ يوسف عبد العاطي، و إنّما قد يكون العكس تماما، أي أنه حاول إخفاء ثقة قد يبدو مبالغا فيها.

الملاحظة الثانية التي أبداها الأستاذ، و أيضا رئيس النادي، الدكتور المختار بن إسماعيل، في قول الكاتب "ينظم القصص". و قد رأى كلاهما أن النظم لا يكون إلاّ في الشعر، لا في النثر. و هنا أتساءل إن كانا بالفعل يعتقدان أن الكاتب تفوته مثل هذه المعلومة البديهيّة التي لا يجهلها طالب في التعليم الثانويّ، أم أنّ تجربتيهما الطويلة في عالم الأدب، علّمتهما أن لا يستغربا جهل البعض بمثل ذلك. على أنّ هذه الملاحظة تحديدا، تبدو دليلا إضافيّا على ما قد يذهب إليه الكاتب من استنتاج أن القارئ عموما، و القارئ المتمكّن خصوصا، لا يأخذ الكتابات الشابّة مأخذ الجدّ، بل و ربما بشيء من الاستهانة، و هو أمر قد يستفيض الكاتب في شرحه، في تدوينة منفصلة.
المهمّ أنّ النظم يكون في الشعر، لا يكون في النثر، و لكنّه قد يكون في القصص ذلك أنها (القصص) قد تكون في شكل قصائد كما فعل أحمد شوقي مثلا. فلا تلازم إذا، بين النثر و القصص. بل و يمكن الذهاب إلى ماهو أبعد من ذلك، فنظم القصص هنا قد يكون استعارة. و هو ما ذكره الكاتبُ للأستاذين (في لقاء سابق)، غير أنّهما اعترضا بقول بدا له غريبا "النظم لا يكون في النثر، هذا غير منطقيّ، و المجاز فيه منطق، لا يستعمل كيف ما جاء."
تخيّلوا أن نطبّق هذا القول على قوله تعالى :"و آية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون". (يس 37) إذ يمكن هنا أن نقول الشيء نفسه : الليل لا يُسلخ، و النهار لا ينسلخ، و هذا غير منطقيّ ألخ.. هل العيب في القرآن أم في تناولنا للاستعارة؟
فالاستعارة تبنى هنا باعتبار الجامع، و هو جامع عقليّ، فمن خاصيات النظم، حسن انتقاء الألفاظ، و حسن توزيعها، و هو ما "يزعم" أن قصص الكتاب تقدّمها. و هذا المعنى تؤكّده العبارة التي تليها "بصرامة المهندس". ذلك أن المهندس (أو المفترض من المهندس) دقيق في عمله، لا يختار أدواته عبثا.

و تبيين هذا المعنى، لا يأتي في سياق "هذا هو المقصود"، فهذا يعني فشل النص في تفسير نفسه. و لكنّه يأتي في محاولة لاستدراج القارئ (من الخاصّة أو العامة) أن يكون أكثر جدّية في قراءة النص، و أقلّ تهاونا، و إن كان الكاتب حديث عهد بالنشر و الكتابة. و يضع سرّه في أضعف خلقه..

كذلك، يذكر الأستاذ يوسف مسألة الأشهر، و لا يجد ما يبرّر استعمال الكاتب لأسماء الأشهر "المستعملة في الشرق"، و يؤكد أن لأسماء الأشهر المستعملة في تونس من الرمزية ما يغنينا عن أسماء الأشهر الأخرى. و كالعادة لم ترد الملاحظة في شكل سؤال، ممّا يثير التساؤل بشأن معرفة الأستاذ بأصول تسميات الأشهر و غيرها.
فبداية، لم تُستعمل هذه الأسماء في كتابة القصص، إذ لا وجود لتحديد زمانيّ في أي من الأقصوصات الواردة بالكتاب (قد أكون مخطئا). و إنما ذكرت هذه الأسماء، في نهاية كل أقصوصة، تحديدا من الكاتب لزمن كتابتها. فهي إذا خارجة عن النص و لا علاقة لها به. ثانيا، هذه الأسماء، ليست "المستعملة في الشرق"، كما عرّفها الأستاذ، بل هي الأشهر السريانية، التي يستعملها أهل الشام، و العراق (تستعمل دول سوريا، فلسطين، لبنان، الأردنّ و العراق). و هي أشهر ذات أصول أراميّة، دخلت اللغة العربية من خلال اللغة السريانية، ثم تم تعريبها حيث أصبحت ترد بكثرة في الكتب العربية القديمة. و هي بذلك الأسماء المستعملة في اللغة العربية للدلالة على الاشهر الشمسية، من قبل أن يدخل العرب إلى المغرب العربيّ. و هي كما تلاحظون، معرّبة تتناغم مع اللفظ العربيّ، عكس الاشهر المستعملة اليوم في المغرب العربيّ، و مصر و دول الخليج. حيث قاموا بتعريب الأشهر من الانكليزية و الفرنسية (بينما استعملت المغرب الاشهر المعتمدة عند البربر و التي استقوها من اللاتينية، و تستعمل أيضا في تونس منذ القديم لاغراض فلاحية، و نسميها الاشهر العجمية و هي كما قلت، ذات أصول لاتينية.)
إذا، ما الرمزيّة في استعمال لفظة "فيفري" بينما لا أحد في تونس ينطقها بفاءين، فالجميع يقول fiivri بينما يلفظ جوان كما في الفرنسية تماما..؟ ما الرمزية في استعمال اسم يوليوس قيصر لتسمية شهر تمّوز؟ و ما الرمزية في استعمال لفظة DEC اللاتينية للدلالة على الشهر العاشر ديسمبر (قبل عمليات التحويل التي جعلته الشهر الأخير) ؟ و ما الضرر في الدعوة إلى استعمال أسماء لها تاريخ عربيّ، و لها رنين عربيّ لا بأس به ؟ و ما الضرر في الدعوة الى الاتفاق على أسماء أشهر واحدة للجميع؟ أليست اللغة العربية، هي اللغة الوحيدة ربما، التي لا تملك أسماء للأشهر الشمسية؟ ألم يحن الوقت لتوحيدها؟ ألا تستقيم الدعوة إلى ذلك عبر تعويد القارئ على شكلها؟ أم لا يحق لكاتب شاب أن يقيم هذه الدعوة؟

لسان العرب :
تشر : التهذيب عن الليث. تِشْرينُ اسم شهر من شهور الخريف بالرومية، قال أَبو منصور: وهما تِشْرِينان تشرين الأَول وتشرين الثاني وهما قبل الكانونين.
انتهى...

ملحوظة أخيرة، ذكرها الأستاذ عبد العاطي، تتعلّق بالنصّ نفسه (أخيرا!) و هي مسألة استعمال اللهجة العامية. و قد ذكر أن اللهجة العاميّة يمكن أن تستعمل مثلا في المقاطع الحواريّة. لا أن تتجاوز ذلك إلى النصّ نفسه. و الملحوظة الأخيرة هي ما يثير الحيرة، فلا يذكر كاتب القصص ـ و هو يعاني أعراض بداية الزهايمر على ما يبدو ـ أنه فعل ذلك. عموما يُرجى من القارئ ـ الايجابيّ (تيمّنا بالإخوة جماعة التنمية البشرية) ـ أن يدلّنا إن وجد شيئا من ذلك، هنا، فقد يحصل ذلك سهوا، أو قد يحدث تغيير في حرف يجعل من اللفظ العربيّ عاميّا (كما في الخطإ الوارد في قصة سندريلا : عربية بدل عربة و هي من اللهجة المصرية)..
ما يدعم هذه الحيرة، تلفّظ الأستاذ في سياق تعديده لعناصر اللوحة في أقصوصة الخروج عن الخطّ (و هي لوحة واحدة و ليست لوحات عديدة كما ذهب الأستاذ في قراءته)  بلفظتي : سطح، و زيتونة، كما تٌلفظان باللهجة العامّيّة، كأنّما ليس لهما وجود في اللغة العربية، مما أثار شكوك الكاتب و جعله يراجع قواميس اللغة علّه يكون مخطئا (و لم يكن)...
إنّ تقريب لغة القصّ إلى القارئ التونسيّ البسيط كان من بين الأهداف المهمّة التي رسمها الكاتب خلال خروجه عن الخطّ. فالتباين الذي يشتدّ بين الفصحى و العامّية لا مبرر له، و الأحقّ أن تطعِم العامّية الفصحى بالعبارة الحيّة، ابنة العصر، و الأحق أن تطعم الفصحى ابنتها العامّية باللفظ القويم، الفصيح، عوض استحضاره من اللغات الأخرى.. هكذا فقط تبقى العلاقة بين الفصحى و العامية علاقة أبويّة لا انفصال لها.
على أن تقريب المسافة بينهما، لا يعني أن تحلّ العاميّة محلّ الفصحى في اللفظ، و لا يعني أن يعبّر الكاتب عن المعنى باستعمال أدوات عامّيّة. و هذا لا ينطبق على المقاطع الحواريّة التي يعتبرها الكاتب ملكا للشخصيات لا ملكه.

ختاما، لا بدّ من شكر الأستاذ يوسف عبد العاطي، على نصائحه، و ملاحظاته، و ما من شكّ أنّ تجربته الطويلة مفيدة للشباب، و أن نصائحه مهمّة. على أنّ ذلك، لا يلغي، حقّ الكاتب في أن يقدّم مادة مختلفة، ربّما لم يتعوّد أهل الأدب في تونس على مثلها. كما لا بدّ من شكر نادي مصطفى الفارسي على مجهوداته التي لا يلحظها العامة مثلما لا تلحظها الدولة، و لا تمنحها حقها من الاعتراف، و من المساعدة (المعنوية خصوصا) .. كما لا بدّ من شكر الإعلام أيضا على اهتمامه الكبير بالندوات الادبية، و كل ما يتصلّ بالادب .. لا في هذه كنتُ أمزح طبعا -_-


Thursday, October 24, 2013

لماذا الأدب؟

قبيل انتهاء هذا اليوم الكئيب، تعود ذاكرتي إلى سنوات الدراسة الثانوية.. كنت في مكتبة المعهد النّموذجي، و هي قياسا، مكتبة "نموذجية" فيها ما لذّ و طاب من كتب الأدب و التاريخ و العلوم.. نادرا ما يستهلك تلاميذ المعهد هذه الكتب، فأغلبها لا يُعتمد في البرامج الرسميّة.. و أنتم تعلمون طبعا علاقة الحبّ التي تجمع تلميذا نموذجيا بما أراد له النظام أن يعلم.. 

في ذلك المكان الضيّق، عثرتُ على كنز اسمه "معجزُ أحمد"، و على "مسرح المجتمع" لتوفيق الحكيم. هناك جلستُ إلى "ستاندال" لأول مرة، و أقمتُ صداقة مع المدعوّ "فلوبير".. و أناس ظرفاء آخرين.. هناك بحثتُ أكثر في أسباب سقوط الأندلس، و انغمستُ أكثر مع تجربة المأمون السياسية.. و انتقل تفكيري إلى مستويات أعقد لم أكن أعرفها..

في ذلك المكان الضيق أيضا، توجّهت إليّ "س" بسؤال لن أنساه ما حييت.. قد أنسى اجاباتي الكثيرة و انفعالاتي الحادّة، و لكنني لا أنسى السؤال .. 
"لماذا الأدب؟ غدا تصبح أنت مهندسا، و أصبح أنا طبيبة. سيقدم كلانا خدمة للمجتمع، و سيرقى به، فلم الأدب؟ ما نفع كلمات رقيقة حالمة نتبادلها حينما نملك ترف الوقت لذلك؟ ما الذي ستضيفه ثلاثية نجيب محفوظ إلى قائمة الاكتشافات البشرية؟ و هل سيتحسّن وضع الدينار بمجرّد أن يقرأ الناس أغاني الحياة؟ أم إنّ شبكة المواصلات لن تتطوّر إذا لم نقرأ أعمال تشيكوف و غوغول؟"

أنا لا أعرف أين هي "س" اليوم، و لا ماذا تفعل، و لكنّني أعرف جيدا ماذا يحصل لذلك الشعب الذي لا تـُلقي كفاءاته بالا لنجيب محفوظ و أغاني الحياة و تشيكوف و غوغول.. أنا لا أعرف أين هي "س" اليوم، لكن من المؤكد أن هناك آلافا مثلها، اِجتازوا درجات التكوين الأكاديميّ دون أن يلمسوا كتابا أدبيا واحدا.. آلاف مثلها، يلبسون ميدعات أطباء، و جراحين، أو يحملون قبعات قضاة أو محامين، أو يحملون حقائب أساتذة أو معماريين.. أفكارهم جافة مكرّرة، خيالهم مريض بالهزال المزمن، لا يقدرون على التجديد، و لا عن التعبير عن أفكارهم... و لا يقدرون على التواصل مع الآخرين بشكل سليم.. 
هؤلاء هم الذين تجدونهم اليوم في الإدارة، ينظرون إلى آلاف العيوب التي تخترق جسد النظام و ينخر ما بقي من هيكله، و لا يقدرون على تغيير شيء، فأذهانهم نفسها لا تتغيّر.. و لا تفهم أن الحياة فعل تغيّر مستمرّ.. 

بالأمس رأيتُ على شبكة "فايسبوك" سيلا من الشّباب، يكبّرون في سعادة و رضا عن استشهاد أمنيّ وكـَّـله الشعب للذود عنه.. لم أفاجأ كثيرا، حينما اكتشفتُ أنّ أغلبهم من طلبة الهندسة، أو معاهد التقنية، أو حتى الطبّ..
إنّها القصة التي تتكرّر كلّ جيل، منذ سنوات ليست بقليلة : علوم تقنيّة، معلومات دونما معرفة، قطع مع كل أشكال الفكر و الفنّ و التفكّر و التفكير، فراغ روحيّ، و بساطة ذهنيّة، تأتي مسكّنات روحيّة فقيرة هشّة، بساطته الذهنية، تجعله لا يستوعب غيرها، يتعلّق بالمسكنات فيعلق.. 


لا أريد أن أختصر التطرّف في هذا المنوال، هناك أوجه عديدة، يجتمع بعضها فيخلق عقيدة الخراب هذه، لكنّ المؤكد أن للرداءة سببا واحدا.. و الرداءة لا تقتصر على تصوّراتنا الميتافيزيقية و الايتيقيّة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى.. كلّ شيء تقريبا.. "و فيمَ يفيدُنا الأدب؟" ينقذنا من الرداءة مثلا.. يراودني السؤال بينما يتوالى التكبير من حولي..

و حينما أرى هؤلاء المهلّلين المكبرين من المهندسين و الأطباء، يراودني سؤال ثان، ترى هل تراه يقول الشيء نفسه لو قرأ "أشواك السلام"؟ أو "لن تحدث حرب طروادة"؟ هل كان سيعتقد الشيء نفسه لو غمرته صغيرا لذة قراءة "هو الكون حيٌّ يحبّ الحياة.." ؟ و أيّة متعة روحية سيلقاها في هذا الأنموذج الرديء، لو أنه حاك عبر آلاف الاستعارات و المجازات و الأساطير و القصص انموذجا أكثر "رقيّا" و تعقيدا و عناية؟

مشكلتنا مع الخيال باتت أشبه بالعقدة، فنحن نرفض الخيال و نهرب إليه.. نشمّه كما الأفيون سرّا، ثمّ نذمّه جهرا.. لذلك ظلّ خيالنا الشعبيّ ركيكا، مبتذلا، نراه في مسلسلاتنا الرمضانية، و في أغانينا، و ربما في كتبنا. فماذا عسى واقعنا أن يكون، إذا ما كان خيالنا مبتذلا؟
يقولون إنّ أدب القصة، يهرب بنا من الواقع، و يهرب بنا من مشاكلنا الحقيقيّة، و لعلّ ذلك ما أملاه علينا خيالُنا المبتذل. إنّ عيوننا قاصرة، لا تقدر أن ترى الأشعة ما فوق البنفسجية، و لا تقدر أن ترى جوانب كثيرة من الحياة، و هنا يمارس أدب القصة دوره في اعادة قولبة الواقع، اعادة تشكيله حتى يمكن لعين القارئ أن يرى ما لم يره من قبل.. و في أشدّ القصص انغماسا في الخيال و الأسطورة، سوبرمان على سبيل المثال، سنجد انعكاسا كبيرا للنفسية الأمريكية خلال أزمة الثلاثينات.. 

يقولون إن أدب القصة، ترف فكريّ لا يعني بلادا تعاني كي تنتشل نفسها من انهيار ممكن. أقول إنّ ما لا نملكه من خيال، يجعلنا عاجزين على الحلم بشكل سليم.. أحلامنا نفسها ركيكة، نحاول أن نتوكأ على أحلام الآخرين، لأننا عاجزون عن صناعتها.. 
أدب القصة هو حاجة أكيدة لشعب مثلنا، يعاني من فقر رهيب في الذوق الجماعيّ.. أدب القصة هو ما قد يقدّم المثال، النموذج الأرقى، لما نريد و ما نحلم.. أدب القصة، يخاطب فينا اللاشعور قبل الشعور، و يغيّر فينا ما لا نعلم، و يرتقي بالأذواق من حيث لا نشعر. هكذا حصل مع الأمم السابقة. فلا مصادفة هنا إن تزامن ميلاد ميلاد كليلة و دمنة، و مقامات الهمذانيّ، بفترة هي الأعظم في تاريخنا، و لا مصادفة إن عرفت مصر تطوّرا لا بأس به في زمن توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ.. 

في الختام، أحب أن أذكر الطلبة من مهندسين و أطباء و خبراء قانون و صحفيين و أساتذة، و تقنيين، بمقولة أينشتاين الخالدة :"إن الخيال أهمّ بكثير من المعرفة. ذلك أن المعرفة محدودة بما نعرفه الآن في لحظتنا هذه، أما الخيال فيضمّ الكون كلّه، و كلّ ما يمكننا أن نعرفه أو نفهمه."



Friday, August 16, 2013

سوق الكساد (حديث إلى الكاتب)



نص خطاب أتوجّه به اليوم إلى جمهور الأدباء الشبان، و ضيوف ملتقى قليبية للأدباء الشبان..

يقول الشاعر :
إلى كم ذا التخلف و التوانـــــــي ـــ و كم هذا التمادي في التمادي
و شغل النفس عن طلب المعالي ـــ ببيـــع الشعر في سوق الكسادِ

و السوق اليوم كاسدة، و التخلفُ و التواني ضاربان في البلاد كما لم نعرف من قبل، فهل يرحل الشاعر؟ و أية معال تراهُ يلقاها بعيدا عن الشعر، و عن الأدب؟ لقد علّمتنا تجربة المتنبي أن معالي الشعر أرفع من المناصب و أكبر من السلط، و أن الكاتب وحده من يصنع من الحاكم كافورا أو سيف دولة..

إن سوق الكساد هو السوق الذي يجب أن يباع الشعر فيه للناس، و إن زمن التخلف و التواني هو الزمن الذي يحتاج أكثر من أي زمن آخر إلى شجرة الكاتب الوارفة، و إن الوطن الذي أصابته شيخوخة مبكرة، هو أكثر الأوطان حاجة إلى ماء المداد حتى يستعيد نضارته..

إن علاقة الأوطان الجريحة بغزارة المنتوج الأدبي لا علاقة لها بالصدفة. لها ذات وقع الجسم الجريح حينما يفرز وسائل المقاومة و الحماية. ليس غريبا اذا أن يأتينا المتنبي في زمن كسوف الدولة العباسية، و أن يطلع علينا بن حزم وسط حروب ملوك الطوائف، و أن يسطع نجم نزار القباني زمن النكبة المريرة، و أن يولد محمود درويش و غسان كنفاني من رحم المأساة الفلسطينية..
ترون إذا، أن فعل الكتابة اليوم ليس ترفا فكريا، بل مقاومة حقيقية، عملية انعاش و افاقة قبل أن يسقط الوطن في حالة غيبوبة قد تطول..

الكتابة في هذا الزمن اذا جدّية جدا، أو يجب أن تكون كذلك.. في أكثر الأعمال ظرفا، أو بساطة، يجب أن تتوفر تلك الجدية.. و على الكاتب أن يعامل أوراقه بمنتهى الاحترام و كل تهاون في ذلك هو تهاون في انعاش الوطن.. عليك أيها الكاتب اليوم أن تبحث، أن تتأمل، أن تفكر طويلا، و أن تقدم لسوق الكساد لغة جديدة، و قولا جديدا، و أفكارا جديدة.. فكر بكل حرف تمرّ عبره، كما يفكر الجنديّ بكلّ خطوة يخطوها وسط الألغام.. راود الأفكار البعيدة، تحرّش بها، تحسس أجسادها بكل وحشية الكاتب، و احفظ تضاريسها جيدا قبل أن تخلّدها على الورق، إن الأفكار مسمومة أحيانا، و قد تقتل الورق، فكن مغامرا ماهرا.

هناك، عند نهاية الكتاب، ستجد هوّة عميقة، فيها قراء مترددون مرهقون، و دور نشر يعدون على الأصابع، و آلات طباعة عتيقة و اعلام يراقب بمنظار مقرّب جديد الساحة الادبية.. ارم نفسك في الهوة، و خض المعركة.. قاتل كي يقرأك الناس و لا يهمّ كثيرا بعد ذلك أن يعجب الناس بما كتبت أم لم يفعلوا، فالافادة حاصلة في الحالتين..

هنا في هذا المكان الجميل، تخلّصت من عادة الحبو، و تعلّمت المشي.. أفرزت خطواتي الأولى كتابا أرجو له شيئا من التوفيق، و الكثير من القراء، لكنني أعلم أن الطريق طويلة.. و أن التحول من سوق الكساد إلى سوق عكاض، لا يمرّ عبر كتاب وحيد.. و لئن لم أختر أن أكون كاتبا، فقد اخترتُ أن أجيد ذلك، أو أحاول على الأقل.. قاتلوا من أجل الأدب يرحمنا و يرحمكم الله، قاتلوا من أجل الأدب يرحمنا و يرحكم الله.. 



16 آب 2013

Saturday, March 23, 2013

الذكرى التسعون لميلاد الشعر

"يوم ولدتُ في 21 آذار (مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة... و كان الربيع يستعدّ لفتح حقائبه الخضراء.

الأرض و أمي حملتا في وقت واحد.. و وضعتا في وقت واحد.

هل كان مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي في الفصل الذي تثور فيها الأرض على نفسها، و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوبا عليّ أن أكون كشهر آذار، شهر التغيّر و التحوّلات؟"

نزار قباني ـ قصتي مع الشعر

و لأنّ تسعين عاما مرت على هذا التاريخ "الانقلابيّ"، فقد أحببتُ ان أشارككم هذه الرحلة الطويلة "نسبيا" بين دواوين نزار القباني الكثيرة، لأنّ الكثيرين لا يعرفون عن الرجل غير القصائد التي غناها كاظم الساهر، و نجاة الصغيرة و عبد الحليم حافظ و غيرهم.. رحلة بين دواوين الشاعر، أبدؤها بديوانه الأوّل حتى أبلغ ديوانه الأخير، أقدّم من كلّ ديوان مقطعا بسيطا، علّه يبيّن لكم تطوّر التجربة الشعرية لنزار، و تنقله بين ألوان القصيد، و فلسفته الشعرية، و مشروعه الفني...

فكي الغلالة .. واحسري عن نهدك المتضرّمِ
لا تكبُتي النارَ الحبيسة ، وارتعاشَ الأعظــمِ
نار الهوى ، في حلمتيكِ ، أكولة كجهنّـــــــمِ
خمريتان .. احمرّتا بلظى الدّم المتهجّــــــمِ
محروقتان .. بشهوةٍ تبكي ، وصبـر ملجَـــــمِ
نزار قباني ـ نهداكِ ـ قالت لي السمراء (1944)



منضمةٌ.. مُزقزقه
مبلولة كالورقــه
سبحانه من شقّها
كما تُشَقّ الفستقه
نافورةٌ صادحةٌ
و فكرةٌ محلّقه
وعاء وردٍ أحمر
في غرفة مُزوّقه
و باقةٌ من كرز
بأمها معلّقه
***
كم قبلة زرعتها
منغومة مُمَوْسَقَه
على فم كأنّما
خَلاّقُه ما خلَقه
و أنتِ فوق ساعدي
مأخوذة مستغرقه
مرتاعةٌ.. ضفيرةً
حيرى، و عينا مغلقه
أبيننا، ما بيننا
و أنتِ خجلى مطرِقه؟
نزار قباني ـ الشفة ـ طفولة نهد (1948)



أيّ مغزل
حاك أكتافا عرايا
هي في الليل مرايا..
تتنقّل
***
للصنوج
قهقهات عصيبة
فارس ضمّ صبية
في مريج
***
و الطبول
تحفر الأعصاب حفرا
و تحيل الشوق صبرا
و الميول
***
ذاك قدّ
كهضابي، كبرياء
يغمر الأرض عطاء..
حين يعدو
***
و طويلة مثلما ينهض سيف..
عريها .. نصف .. و نصف
كالخميلة

نزار قباني ـ سامبا ـ 1949
لي ميسة الزنّار.. و الخاصر الموشّحُ
و الخال لي.. و الشال لي..
و الأسودُ المسرّحُ
و كلّ ما فُتّحَ في الصّدر.. و ما يُفتَحُ
أنتِ و يكفيني أنا الغرورُ و التبجّحُ
نزار قباني ـ أنتِ لي ـ أنتِ لي (1950)



في ليالي الشرق لما..
يبلغ البدر تمامه..
يتعرى الشرق من كل كرامه
و نضال..
فالملايين التي تركض من غير نعال..
و التي تؤمن في أربع زوجاتٍ..
و في يوم القيامه..
الملايين التي لا تلتقي بالخبز..
إلا في الخيال..
و التي تسكن في الليل بيوتاً من سعال..
أبداً.. ما عرفت شكل الدواء..
تتردى جثثاً تحت الضياء..
في بلادي.. حيث يبكي الأغبياء..
و يموتون بكاء..
نزار قباني ـ خبز و حشيش و قمر ـ 1954



مزقيها ..
كتبي الفارغة الجوفاء إنْ تستلميها ..
و العنيني .. والعنيْها
كاذباً آنتُ . وحبي لكِ دعوى أدعيها ..
إنني أكتبُ للهو .. فلا تعتقدي ما جاءَ فيها ..
فأنا - كاتبها المهووس - لا أذكرهُ
ما جاءَ فيها ..
***
أتلفيها ..
وادفني كلّ رسالاتي بأحشاءِ الوقودِ
واحذري أن تخطئي ..
أن تقرأي يوماً بريدي ..
فأنا نفسي لا أذكرُ ما يحوي بريدي !..
و كتاباتي ،
و أفكاري ،
و زعمي ،
و وعودي ،
لم تكنْ شيئاً ، فحبي لكِ جزءٌ من شرودي
فأنا أكتبُ كالسكران ..
لا أدري اتجاهي وحدودي ..
أتلهى بكِ ، بالكلمة ، تمتصُّ وريدي ..
فحياتي كلها ..
شوقٌ إلى حرفٍ جديدِ
ووجودُ الحرف من أبسطِ حاجاتِ وجودي
هل عرفتِ الآنَ ..
ما معنى بريدي ؟
نزار قباني ـ رسائل لم تكتب لها ـ قصائد (1956)



مطرٌ مطرٌ و صديقتها
معها، و لتشرين نواحُ
و البابُ تئنّ مفاصله
و يعربد فيه المفتاحُ
شيءٌ بينهما يعرفه
اثنان أنا و المصباحُ
و حكايةُ حبّ لا تحكى
في الحبّ يموتُ الايضاحُ
ويغادر زرٌّ عروته
بفتور ، فالليل صباحُ ..
ودثارٌ فرَّ .. فواحدة
تُدنيه ، وأخرى ترتاحُ
وحوارُ نهودٍ أربعةٍ
تتهامس ، والهمس مباحُ...
نزار قباني ـ القصيدة الشريرة ـ قصائد (1956)


فحين تدخن أجثو أمامك
كقطتك الطيبه ..
وكلي أمان
ألاحق مزهوة معجبه
خيوط الدخان
توزعها في زوايا المكان
دوائر.. دوائر
وترحل في آخر الليل عني
كنجم، كطيب مهاجر
وتتركني يا صديق حياتي
لرائحة التبغ .. والذكريات
وأبقى أنا .. في صقيع انفرادي ..
وزادي أنا .. كل زادي
حطام السجائر ..
وصحن .. يضم رمادا ..
يضم رمادي...
نزار قباني ـ شؤون صغيرة ـ حبيبتي (1961)



إذا تصفّحتِ يوما يا بنفسجتي
هذا الكتاب الذي لا يشبه الكتبا
تباركي بحروفي كلّ فاصلة
كتبتُها عنك يوما أصبحت أدبا
كتبتُ بالضوء عن عينيكِ هل أحد
بالضوء عن عينيكِ قد كتبا؟
و كنتِ مجهولة حتى أتيتُ أنا
أرمي على صدركِ الأفلاك و الشهبا
أنا أنا بانفعالاتي و أخيلتي
ترابُ نهديكِ قد حوّلتُه ذهبا
نزار قباني ـ مدخل ـ الرسم بالكلمات (1966)

إنّي كمصباح الطريق صديقتي
أبكي و لا أحد يرى دمعاتي

الجنس كان مسكّنا جرّبته
لم ينه أحزاني و لا أزماتي

و الحبّ أصبح كلّه متشابها
كتشابه الأوراق في الغابات

أنا عاجز عن عشق أية نملة
أو غيمة.. عن عشق أي حصاة

مارستُ ألف عبادة و عبادة
فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي

فمكِ المطيّب لا يحلّ قضيّتي
فقضيّتي في دفتري و دواتي

كلّ الدروب أمامنا مسدودة
و خلاصُنا في الرسم بالكلماتِ
نزار قباني ـ الرسم بالكلمات ـ الرسم بالكلمات (1966)

 
خمسةُ آلافِ سنهْ..
ونحنُ في السرداب
ذقوننا طويلةٌ
نقودنا مجهولةٌ
عيوننا مرافئُ الذبابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ
أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..
أن تكتبوا كتابْ
أن تزرعوا الحروفَ، والرُّمانَ، والأعنابْ
أن تبحروا إلى بلادِ الثلجِ والضبابْ
فالناسُ يجهلونكم.. في خارجِ السردابْ
الناسُ يحسبونكم نوعاً من الذئابْ...
14
جلودُنا ميتةُ الإحساسْ
أرواحُنا تشكو منَ الإفلاسْ
أيامنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاسْ
هل نحنُ "خيرُ أمةٍ قد أخرجت للناسْ" ؟...
15
كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري
أن يستحيلَ خنجراً..
من لهبٍ ونارِ..
لكنهُ..
واخجلةَ الأشرافِ من قريشٍ
وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ
يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري...
نزار قباني ـ هوامش على دفتر النكسة ـ 1967


ثوري ! . أحبّكِ أن تُثوري..
ثوري على شرق السبايا . والتكايا .. والبُخورِ
ثوري على التاريخ ، وانتصري على الوهم الكبيرِ
لا ترهبي أحدًا . فإن الشمس مقبرة النسورِ
ثوري على شرقٍ يراكِ وليمة فوق السريرِ..
نزار قباني ـ يوميات امرأة لا مبالية ـ 1968


أحبّ طيور تشرينْ
تسافر حيثما شاءت
و تأخذ في حقائبها
بقايا الحقل من لوز و من تينْ
أنا أيضا أحبّ أن أكونَ
مثل طيور تشرينْ
أحبّ أن أضيع
مثل طيور تشرينْ
فحلوٌ أن يضيع المرءُ
بين الحينِ و الحينْ
***
أريد البحث عن وطن
جديد غير مسكونِ
و ربّ لا يطاردني
و أرض لا تعاديني
أريدُ أفرّ من جلدي
و من صوتي و من لغتي
و أشرد مثل رائحة البساتينِ
أريد أفرّ من ظلّي
و أهرب من عناويني
أريد أفرّ من شرق الخرافة و الثعابين
من الخلفاء و الأمراء.. من كلّ السلاطينِ
أريد أحبّ .. مثل طيور تشرينْ
نزار قباني ـ يوميات امرأة لا مبالية ـ 1968


أحبيني
بكلّ توحّش التتر
بكل حرارة الأدغال
كلّ شراسة المطر
و لا تبقي و لا تذري
و لا تتحضّري أبدا
فقد سقطت على شفتيكِ
كلّ حضارة الحضرِ
***
أحبيني
كزلزال، كموت غير منتظر
و خلي نهدكِ المعجون
بالكبريت و الشرر
يهاجمني كذئب جائع خطرِ
و ينهشني و يضربني
كما الأمطار تضرب ساحل الجزرِ
أنا رجل بلا قدر
فكوني أنتِ لي قدري
و أبقيني على نهديكِ
مثل النقش في الحجرِ
نزار قباني ـ القصيدة المتوحّشة ـ قصائد متوحشة 1970





أهطلُ في عينيكِ كالسحابة
أحمل في حقائبي إليهما
كنزا من الأحزان و الكآبة
أحمل ألف جدول
و ألف ألف غابة
و أحمل التاريخ تحت معطفي
و أحرف الكتابة
نزار قباني ـ 38 ـ كتاب الحب ـ 1970
( مهدى "إلى زوجتي الغالية بلقيس، رفيقة العمر، و رفيقة الشعر")




رسائلي إليكِ ..
تتخطاني .. وتتخطاكِ ..
لأن الضوءَ أهم من المصباحْ
و القصيدة أهم من الدفترْ
و القبلة أهم من الشفة ..
رسائلي إليكِ ..
أهم منكِ .. وأهم مني
إنها الوثائق الوحيدة ..
التي سيكتشف فيها الناس
جمالكِ ..
و جنوني ..
نزار قباني ـ مئة رسالة حبّ ـ 1970



يستوطنُ حزن عباسيٌّ في عينيكِ ..
وتبكي مدنٌ شيعيهْ
وتلوحُ مآذنُ من ذهبٍ
وتضيءُ كشوفٌ صوفيهْ
وأنا الأشواقُ تحولني
نقشاً .. و زخارفَ كوفيهْ
أتمشى تحت جسور الشَعْر الأسودِ ،
أقرأ أشعاري الليليهْ..
أتخيل جزراً دافئة ومراكبَ صيدٍ وهميهْ
تحمل لي تبغاً ومحاراً .. من جزر الهند الشرقيهْ ..
نزار قباني ـ حين أحبّكِ ـ أحبك أحبك و البقية تأتي 1978





أحبكِ .. حين أكونُ حبيبَ سواكِ ..
و أشربُ نخبكِ حين تصاحبني امرأة للعشاءْ
و يعثر دوماً لساني ..
فأهتفُ باسمكِ حين أنادي عليها ..
و أشغلُ نفسي خلال الطعامْ ..
بدرس التشابه بين خطوط يديكِ ..
و بينَ خطوط يديها ..
و أشعرُ أني أقومُ بدور المهرج ..
حين أركزُ شالَ الحرير على آتفيها ..
و أشعرُ أني أخونُ الحقيقة ..
حين أقارنُ بين حنيني إليكِ ، وبين حنيني إليها ..
فماذا تسمين هذا ؟
ازدواجاً .. سقوطاً .. هروباً .. شذوذاً .. جنوناً ..
و كيف أكونُ لديكِ ؟
و أزعم أني لديها ..
نزار قباني ـ تناقضات ن.ق الرائعة ـ أحبك.. أحبك.. و البقية تأتي 1978



سأبدأ من أول السطر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأنيِّ سقطتُ أمام التحدي الكبيرْ !!
سأبدأ من أول الخصر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأني تلعثمتُ ، مثلَ التلاميذ ، فوق السريرْ ..
سأبدأ من قمة الصدر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأني تصرفتُ آالأغبياءْ
أمام دموع المرايا .. وشكوى الحريرْ ..
سأبدأ من شفتيكِ نزولاً ..
إذا كنتِ تخشينَ من غربة الليل والزمهريرْ
سأبدأ من قدميكِ صعوداً ..
إذا كان لا بدَّ لي أن أموتَ ..
لأربحَ هذا الرهانَ الكبيرْ !!
سأبدأ من أول السطر ـ أحبك .. أحبك .. و البقية تأتي 1978



يا صديقه :
عائد إلى زمن اللاشعر .. عاري القدمين
عائد دون شفاه
عائد دون يدين
إن حرب السنتين
كسرتني..
كسرت سنبلة القمح التي تنبتُ بين الشفتين..
جعلتني عاطلا عن عمل الحب..
فلم أقرأ مزاميري لعينيكِ..
و لا قابلتُ عصفورا غريبا..
أو قصيدة..
***
فاعذريني إن تأخّرتُ عن الوعد قليلا
فلقد كان وصولي مستحيلا..
و بريدي مستحيلا..
إنّ آلاف الحواجز
وقفت ما بين عينيكِ و بيني
أطلقوا النار على الحلم فأردوه قتيلا
أطلقوا النار على الحبّ فأردوه قتيلا
أطلقوا النار على البحر، على الشمس، على الزرع،
على كتب الأطفال، قصّوا شَعْر بيروت الطويلا
سرقوا العمر الجميلا..
نزار قباني ـ إلى بيروت الأنثى مع حبّي ـ 1978


من أين أتتكِ القسوة يا بيروتُ
و كنتِ برقّة حوريّه..
لا أفهم كيف انقلب العصفور الدوريُّ
لقطّة ليل وحشيّه..
لا أفهم أبدا يا بيروتُ
لا أفهمُ كيف نسيتِ الله..
و عدتِ لعصر الوثنيّه..
يا ستّ الدنيا يا بيروت، إلى بيروت الأنثى مع حبي 1978




أتحدّى كل عشاقك يا سيّدتي
من ملوك، و مشاهير، و قوّاد عظام
أن يكونوا صنعوا تختكِ من ريش النعام..
أو يكونوا أطعموا نهديكِ.. يا سيّدتي
بلح البصرة..
أو توت الشآم..
أتحداهم جميعا
أن يخطّوا لكِ مكتوبَ هوى
كمكاتيب غرامي
أو يجيئوكِ على كثرتهم
بحروف كحروفي، و كلام ككلامي..
***
أتحدّى كتب العشق و مخطوطاته
منذ آلاف القرون
أن تريْ فيها كتابا واحدا
فيه يا سيّدتي ما ذكروني
أتحدّاك أنا أن تجدي
وطنا مثل فمي
و سريرا دافئا .. مثل عيوني
قصيدة التحديات ـ أشعار خارجة عن القانون ـ 1972



أعتذر إليك
بالنيابة عن بن الفارض،
و جلال الدين الرومي،
و محي الدين بن عربي،
عن كلّ التنظيرات..
و التوهيمات و الرموز و الأقنعة،
التي كنتُ أصنعها على وجهي
في غرفة الحب..

يوم كان المطلوب مني
أن أكون قاطعا كالشفرة،
و هجوميا كفهد افريقيّ
أشعر برغبة في الاعتذار إليك
عن غيابي الذي لا مثيل له
و جبني الذي لا مثيل له
و عن كل الحكم المأثورة
التي كنتُ أحفظها عن ظهر قلب
و تلوتُها على نهديكِ الصغيرين
فبكيا كطفلين معاقبين، و ناما دون عشاء..
***
أعترف لك يا سيدتي
أنكِ كنتِ امرأة استثنائية
و أن غيابي كان استثنائيا
فاسمحي لي أن أتلوَ أمامكِ فعل الندامة
عن كلّ مواقف الحكمة التي صدرت عني
فقد تأكد لي بعدما خسرتُ السباق
و خسرتُ نقودي
و خيولي
أن الحكمة هي أسوأ طبق نقدّمه
لامرأة نحبّها
حبّ استثنائيّ لامرأة استثنائية ـ كلّ عام و أنت حبيبتي ـ 1978



كان اسمه
كما يقال أنور السادات
كان اسمه المأساة
والعلم عند الله والرواة
و كان يمشي
خلف عبد الناصر العظيم
مثل الشاة
منحنيا.. منكسرا نصفين
وشاحبا.. وصامتا.. وزائغ العينين
وكان أقصى حلمه
في أول الثورة أن يهتم بالحقائب
وأن يقول للرئيس آخر النكات..

نزار قباني ـ اليوميات السرية لبهية المصرية 1979


أشهد أن لا امرأة
اختصرت بكلمتين قصة الانوثة
و حرّضت رجولتي عليّ
إلا أنتِ
****
أشهد أن لا امرأة
توقّف الزمان عند نهدها الأيمن
إلا أنتِ
و قامت الثورات من سفوح نهدها الأيسر
إلا أنتِ
****
أشهد أن لا امرأة
قد غيّرت شرائع العالم إلا أنتِ
و غيّرت خريطة الحلال و الحرام
إلا أنتِ
أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ ـ 1979



في البدء كان الشعرُ
و النثرُ هو استثناء
في البدء كان البحرُ
و البرّ هو استثناء
في البدء كان النهد
و السفحُ هو استثناء
في البدء كنتِ أنتِ
ثمّ كانت النساء
هكذا أكتب تاريخ النساء ـ 1981


مايا تغني ـ و هي تحت الدوش ـ أغنية من اليونان رائعة
و تضحكُ دونما سبب
و تغضبُ دونما سبب
و ترضى دونما سبب
و يدخل نهدها الذهبيّ في لحم المرايا
مايا تناديني
لأعطيها مناشفها
و أعطيها مكاحلها
و أعطيها خواتمها الملوّنة المثيرة
مايا تقول إنّها لم تبلغ العشرين بعد
و أنّها ما قاربت أحدا سوايا
و أنا اصدّق كل ما قال النبيذُ
و كلّ ما قالته مايا
***
مايا وراء ستارة الحمام واقفة كسنبلة
و تروي لي النوادر و الحكايا
و أنا أرى الأشياء ثابتة.. و مائلة..
و حاضرة.. و غائبة..
و واضحة .. و غامضة..
فتخذلني يدايا
مايا مبللة و طازجة كتفاح الجبال
و عند تقاطع الخلجان قد سالت دمايا
مايا تكرّر أنها ما لامست أحدا سوايا
و أنا أصدق كل ما قال النبيذُ
و نصف ما قالته مايا
من ارشيف السيدة ميم ـ هكذا أكتب تاريخ النساء 1981



هذا هو التاريخ يا بلقيس
كيف يفرق الإنسان
ما بين الحدائق والمزابل
بلقيس
أيتها الشهيدة والقصيده
والمعطرة النقيه
سبأ تفتش عن ملكتها
فردي للجماهير التحيه
يا أعظم الملكات
يا امرأة تجسد كل امجاد العصور السومريه
بلقيس ياعصفورتي الاحلى
ويا ايقونتي الاغلى
ويادمعا تناثر فوق خد المجدليه
اترى ظلمتك اذ نقلتك
ذات يوم من ضفاف الاعظميه
بيروت تقتل كل يوم واحد منا
وتبحث كل يوم عن ضحيه
والموت في فنجان قهوتنا
وفي مفتاح شقتنا
وفي ازهار شرفتنا
وفي اوراق الجرائد
والحروف الابجديه...
قصيدة بلقيس ـ 1982



أيتها العربية التي ينقّط العسل الأسود من عينيها
نقطة .. نقطة ..
و ينقط الشعر من شفتها السفلى
قصيدة .. قصيدة
و يرن حلقها الطويل صباح يوم الأحد
كناقوس كنيسة..
ما كان في حسابي..
أن أمرّ معك ذات يوم تحت أقواس النصر
لنضع وردة على قبر العاشق المجهول
و لا كان في حسابي
أن أرى صورتك في متحف اللوفر
مع أعمال (رينور)
و (ماتيس)
و (سيزان)
و أن أرى أعمالي الشعرية
تباع في مكتبات الضفة اليسرى
مع أعمال رمبو
و فيرلين
و جاك بريفير
***
يا فاطمة
يا ذات الشفتين المعطّرتين بحبّ الهال
و القدمين المرسومتين بالاكواريل
لم يكن في حسابي
أن أكون أشهر العشاق بتاريخ العرب
و أشهر العشاق بتاريخ فرنسا
لم يكن في حسابي
أن أدخل إلى باريس بجواز سفر عربي
و أخرج منها
رئيسا للجمهورية الخامسة!!
فاطمة في ساحة الكونكورد ـ الحب لا يقف عند الضوء الأحمر 1985



أكتب
حتى أنقذ العالم من أضراس هولاكو
و من حكم الميليشيات
و من جنون قائد العصابة
***
أكتب
حتى أنقذ النساء من أقبية الطغاة
من مدائن الأموات،
من تعدد الزوجات،
من تشابه الأيام،
و الصقيع و الرتابة،
***
أكتب
حتى أنقذ الكتابة من محاكم التفتيش
من شمشمة الكلاب
من مشانق الرقابة
***
لا شيء يحمينا من الموت
سوى المرأة .. و الكتابة 
  لماذا أكتب ـ قصائد مغضوب عليها ـ 1986



لا تفكّر أبدا .. فالضوء أحمر
لا تكلم أحدا .. فالضوء أحمر
لا تجادل في نصوص الفقه، أو في النحو،
أو في الصرف
أو في الشعر أو في النثر،
إن العقل ملعون و منكر
***
ابق أميا .. و لا تدخل شريكا في الزنى أو في الكتابة
فالزنى في عصرنا أهون من جرم الكتابة
أحمر، أحمر، أحمر ـ الحب لا يقف عند الضوء الاحمر 1986



بوسعكِ أن تجلسي حيث شئتِ
و لكن..
حذاري بأن تجلسي في مكان القصيدة
صحيح بأني أحبك جدا
و لكنني في سرير الهوى
سأنسى تفاصيل جسمكِ أنتِ
و أختار جسم القصيدة..
بروتوكول ـ سيبقى الحبّ سيدي ـ 1987



"للمرأة التي أحبّها
قدمان صغيرتان جدا..
تشبهان كلام الأطفال
و لجسدها رائحة سرّية جدا
كرائحة الكتابة الممنوعة"
سيبقى الحبّ سيدي ـ 1987


يا تلاميذ غزّة
علّمونا بعض ما عندكم
فنحن نسينا
بأن نكون رجالا
فلدينا الرجالُ
صاروا عجينا
علّمونا
كيف الحجارة تغدو
بين أيدي الأطفال
ماسا ثمينا
كيف تغدو
دراجة الطفل لغما
و شريطُ الحرير
يغدو كمينا

ثلاثية أطفال الحجارة ـ 1988



لماذا
أقوم بدور المعلّم
ـ في ساعة الحسم ـ قولي
و لا ساعداي زجاج.. و لا شفتاي جليد
مسامات جلدكِ مفتوحة..
و نهدك.. يخرج كي يتنفّس بعض الهواء النقيّ
و بعد قليل يعود.
و ماذا يفيد أرسطو.. و لوركا.. و كافكا.. و طاغور؟
حين تفور الدماء.. و يعوي الوريد
لهذا النبيذ ثقافاته
فماذا تهمّ النصوص؟
و جسمكِ نصّ فريد.. فريد
سيرة ذاتية ـ الأوراق السرية لعاشق قرمطي 1988



أيّها الناسُ :
أنا الأوّلُ ، والأعدَلُ ،
والأجملُ ، من بينِ جميعِ الحاكمينْ
وأنا بدرُ الدُجى ، وبياضُ الياسمينْ
وأنا مخترعُ المشنقةِ الأولى ..
وخيرُ المرسلينْ
كلّما فكّرتُ أن أعتزلَ السُّلطةَ ،
ينهاني ضميري ..
مَن تُرى يحكمُ بعدي هؤلاءِ الطيّبينْ ؟
مَن سيشفي بعديَ ..
الأعرجَ ..
والأبرصَ ..
والأعمى ..
ومَن يحيي عظامَ الميّتينْ ؟
مَن تُرى يخرِجُ من معطفهِ
ضوءَ القمرْ ؟
مَن يا تُرى يرسلُ للناسِ المطرْ ؟
مَن يا تُرى ؟
يجلدهم تسعينَ جلدهْ ..
من يا تُرى ؟
يصلبُهم فوقَ الشجرْ ..
مَن تُرى يرغمُه
أن يعيشوا كالبقرْ ؟
ويموتوا كالبقرْ ؟
كلّما فكّرتُ أن أتركَهم
فاضتْ دموعي كغمامهْ
وتوكّلتُ على اللهِ ..
وقرّرتُ بأن أركبَ الشعبَ ..
من الآنَ .. إلى يومِ القيامهْ ..

السيرة الذاتية لسياف عربي ـ 1988


لستُ أدري، ماذا يقول الشاعر
و هو يمشي في غابة من خناجر
أطلقوا نارهم على المتنبي
و أراقوا دماء عامرْ
لو كتبنا يوما رسالة حبّ..
شنقونا على بياض الدفاتر
ما بوسع السياف
قطع لساني
فالمدى أزرق.. و عندي أظافرْ
مدخل ـ تزوّجتُكِ أيتها الحرية ـ 1988


يريد الممالكُ أن يملكوني..
و أن يشربوا من دمائي و حبري
يريدون رأسَ القصيدة كي يستريحوا..
و للشعر و الحبّ فوضتُ أمري
أحبّكِ برقا يضيءُ حياتي
و قنديلَ زيت، بداخل صدري
فكوني صديقة حرّيتي..
و كوني ورائي بكلّ حروبي
و سيري معي، تحت أقواس نصري
بيان من الشعر ـ تزوّجتُكِ أيتها الحرية 1988




يا سادتي
إنّ السماء رحيبة جدا
و لكنّ الصيارفة الذين تقاسموا ميراثنا
و تقاسموا أوطاننا
و تقاسموا أجسادنا
لم يتركوا شبرا لنا
****
يا سادتي
قاتلتُ عصرا لا مثيل لقبحه
و فتحتُ جرح قبيلتي المتعفّنا
أنا لستُ مكترثا
بكل الباعة المتجوّلين
و كلّ كتّاب البلاط
و كلّ من جعلوا الكتابة حرفة
مثل الزنى
****
يا سادتي
عفوا إذا أقلقتكم
أنا لستُ مضطرّا لأعلن توبتي
هذا أنا..
هذا أنا..
هذا أنا..
هذا أنا ـ الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق 1989

 


ما جاء يوما حاكم
لهذه المدينة المقهورة،
المكسورة،
الحزينة..
إلاّ ادّعى، بأنّه الممثل الشخصيّ
و الناطق باسم الله..
فهل من المسموح،
أن أسأله تعالى..
هل أنت قد اعطيتهم وكالة
مختومة .. موقّعة؟
كي يجلسوا على رقاب شعبنا إلى الأبد؟
هل أنت قد أمرتهم
أن يخربوا هذا البلدْ؟
و يسحقونا كالصراصير بأمر الله
و يضربونا بالبساطير
بأمر الله؟
فان سألت حاكما منهم
من الذي ولاك في الدنيا على أمورنا؟
قال لنا : يا جهلة..
أما علمتم أنني
أصبحتُ صهر الله؟
****
أريد أن أصرخ
يا الله!
هل أنت عيّنت وزير المال؟
اذا لماذا انفجر الفقر
لماذا انفجر الصبر؟
و أصبح الصحن الرئيسيّ هو الزبالة؟
و أصبح العصفور في بلادنا لا يجد النخالة
فهل غلاء الخبز
شأن من شؤون الله؟
و هل غلاء الموت و الأكفان
شأن من شؤون الله؟
****
إذا لماذا يأكل الكبار كافيارا
و نحن نأكل النعال؟
اذا لماذا لا يفرق الفقير في بلادنا
بين رغيف الخبز و الهلال؟
إذا لماذا في بطون أمّهاتهم
تنتحر الأطفال؟

أصهار الله ـ الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق ـ 1989

 

"كانت أمي
حین أبوس یدیھا
تعطیني قرشاً
وإذا قبلتُ امرأة من شفتیھا
تعطیني قرشینْ ..."
المكافأة ، لا غالب إلا الحب، 1989



تستطيع بئر النفط
أن تضخّ عشرة براميل يوميا
و لكنّها لا تستطيع أن تضخّ
متنبّيا واحدا!!
المتنبي، لا غالب إلا الحب، 1989



سألني ضابط الحدود
كم عمرك؟
قلتُ : خمس و ستون قصيدة
قال : يا الله! كم أنت طاعن في السنّ
قلتُ: تقصد كم أنا طاعن في الحرّية

استجواب، لا غالب الا الحبّ، 1989



"منذ البدء كنتُ مع الديمقراطية الشعرية،

كنتُ أؤمن أن الشعر هو حركة توحيدية لا حركة انفصالية، و أنه همزة وصل لا همزة قطع، و أنه فنّ الاختلاط بالآخرين لا فنّ العزلة.. و أنه فن الملامسة و الحنان لا فنّ القاء القبض على الآخرين و اغتصابهم شعريا..

إيماني بديمقراطية الشعر دفعني إلى التفتيش عن لغة تؤمن هي الأخرى بالديمقراطية و تحبّ الجلوس في المقاهي الشعبية و تشرب القرفة و اليانسون و تلعب الكونكان و تركب أوتوبيسات الحكومة و تنزل في فنادق الدرجة الثالثة و تشاهد مباريات كرة القدم و مسرحيات عادل إمام و دريد لحام و تقرأ سيرة أبي زيد الهلالي..
كنت أؤمن أن الشعر موجود في عيون الناس و في أصواتهم.. و في عرقهم.. و في دموعهم.. و ضحكاتهم.. و انّ وظيفتي كشاعر هي أن أنقل المشهد الشعبي الكبير.. و هذا ما فعلته خلال خمسين عاما..

لذلك تجمّع الناس حول شعري ليسمعوا حكاياتهم و ليشاهدوا شريط الفيديو الطويل الذي أخرجته عن حياتهم.."
هل تسمعين صهيل أحزاني ، 1991



في هذه الأيام يا صديقتي
تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعى الوطن
تخرج من شفاهنا عريشة شامية تدعى الوطن
تخرج من قمصاننا
مآذن بلابل جداول قرنفل سفرجل
عصفورة مائية تدعى الوطن
أريد أن أراك يا سيدتي
لكنني أخاف أن أجرح احساس الوطن
أريد أن أهتف كل ليلة إليك يا سيدتي
لكنني أخاف أن تسمعني نوافذ الوطن
اريد أن امارس الحب على طريقتي
لكنني أخجل من حماقاتي
أمام أحزان الوطن
لا بدّ أن أستأذن الوطن، هل تسمعين صهيل أحزاني 1991


تقاطعت في لحمنا خناجر العروبه
و اشتبك الإسلامُ بالإسلامْ
هوامش على دفتر الهزيمة، هوامش على الهوامش (1991)


في بلدتنا يذهب ديك
يأتي ديك
و الطغيان هو الطغيان
يسقط حكم لينينيّ
يهجم حكم أمريكي
و المسحوق هو الإنسان
الديك، هوامش على الهوامش 1992



حبّك اشكالية كبرى
إشكالية جسدية
و إشكالية لغوية
و إشكالية ثقافية
فذراعي قصيرة
و أغصانك فاكهة مثقلة بالفاكهة..
و أجنحتي مكسورة
و سماواتك مدروزة بالعصافير
و مفرداتي محدودة
و جسدكِ اكاديمية ملكية
تختزن الشعر
و تبتكر اللغات..

أنا رجل واحد و أنتِ قبيلة من نساء 1993
 



أنا لا أحبك..
على طريقة الهيبيين، و الغجريين، و الفوضويين،
و لكنني أتعامل معكِ كما أتعامل مع شعري
صدرا.. و عجزا..
وزنا و قافية..
نمنمة و تطريزا..
حتى لا يعرف الناس
أين تبدئين أنتِ
و أين تنتهي القصيدة..

كيف تكونين حبيبتي و لا أخرج عن النص، خمسون عاما في مديح النساء 1994





يا أحبائي وراء البحر
هل يوجد عندكم وقت للشعر؟
هل من أذن عاشقة تسمعني؟
هل لديكم خبر عن كبرياء المتنبي؟
و غرور المتنبي..
و طموح المتنبي..
أم نسيتم يا ترى، هذا المليكا الأعظما؟
رحم الله كلاما عربيا
لم نعد نشبهه..
لم يعد يشبهنا..
من أنا في أمريكا ـ خمسون عاما في مديح النساء 1994



ماذا تفيدُ الهرولة؟
ماذا تفيدُ الهرولة؟
عندما يبقى ضمير الشعب حيا
كفتيل القنبلة
لن تساوي كلّ توقيعات أوسلو
خردلة!!

المهرولون، تنويعات نزارية على مقام العشق 1995


أنا من أمّة على شكل ناي
هي دوما حبلى بمليون شاعر
كل اطفالنا يقولون شعرا
و العصافير و الربى و البيادر
ما بنا حاجة لمليون ديك
نحن في حاجة لمليون ثائر

الحضارات كلّها شغل أنثى
و الثقافات من رنين الأساور
تزرع المرأة السنابل و الورد
و يبقى كل الرجال عشائر...

(ديوان أبجدية الياسمين)


و كان هذا آخر ما قال شاعر القرن العشرين في آذار 1998
قبل أن يودّعه الشعر، و تودّعه العروبة..




Translate