Showing posts with label سينما تونسية. Show all posts
Showing posts with label سينما تونسية. Show all posts

Wednesday, October 4, 2023

مزيدا من الخيال، مزيدا من الحقيقة

 




يوهمنا الالتباس الحاصل بين مفهوميْ الحقيقة والواقع أننا كلما انغمسنا في الخيال، ابتعدنا عن الحقيقة. والحالُ أنّ الخيالَ إعادةُ تشكيلٍ للواقعِ من منظورٍ يسمحُ بتجاوزِ حُجُبِه حتّى تتجلّى الحقيقةُ. هل ينطبقُ الأمرُ نفسُه على السينما؟ تقترحُ الشاشة الفضيّةُ مبدئيّا الفلمَ الوثائقيَّ لرصدِ الحقيقةِ، والفِلمَ الخياليَّ1 للهروب منها. وفي أحيان تجريبيّةٍ كثيرةٍ، امتزج الخيالُ والواقعُ، بحثا عن أدواتٍ تعبيريّةٍ جديدةٍ، فازدانت الأفلامُ الروائيةُ الخياليةُ ببعض اللقطاتِ الوثائقيّةِ حتى تكسب أحداثُها مصداقيّةً في قلب المشاهدِ (فلمُ سِلما Selma مثالا). ومارست الوثائقياتُ إعادة التمثيل Re-enactment2 لاكتساب مذاقاتٍ دراميّةٍ تشدُّ المتفرج وتكسرُ ملل المعلومات المتراكمة. في الفلم التونسيِّ بنات ألفة، تقترح كوثر بن هنية علاقةً جديدةً أكثر إرباكا وإثارة للجدل.
 
بنات ألفة فلمٌ وثائقيٌّ بالأساسِ، فقمرة المخرجةِ متوجّهةٌ منذ البدايةِ نحوَ ألفة الحمروني وابنتيها آية وتيسير ليروينَ قصّتهنَّ الحقيقيّةَ، منذ نشأةِ الأمِّ في وسط فقيرٍ هشٍّ، فاضطرارها لزواج مهينٍ، فإنجابها لبناتٍ أربع، وصولا إلى فقدان البكريْنِ إذ أكلهما الذّئبُ كما تقول بن هنية.

يمكن أن نلحظ في الفلمِ صيغتيْن من الوثائقيّات كما حدّدها الناقد بيل نيكولز Bill Nichols3. أكثرُها بداهة الصيغة التشاركيّة Participatory، لوجود تفاعل مباشر بين المخرجة وموضوع بحثها: ألفة وابنتاها. وهو تفاعلٌ محدودٌ، لا نرى من طرفيْهِ في إطار الصّورةِ سوى الموضوعِ، وتكتفي الأولى بصوتِها. ربّما لتتنصّل من حقيقةِ حضورِها القويِّ والمؤثّرِ، وبالتّالي حضورِ رؤيتِها الشخصيّةِ للأحداثِ التي يرويها أصحابُها. فكأنّ الروايةَ روايتُها، ولكن بلسانِ بطلاتِها.

وتمتزجُ هذه الصيغةُ بصيغة أخرى أقلَّ شيوعا وأكثر إرباكا هي الصيغة الانعكاسية Reflexive mode. ففي لحظاتٍ متواترةٍ، ينقلبُ اهتمامُ الفلمِ إلى ذاتِه، ويتحوّل موضوع الكلامِ إلى تساؤلٍ حول موضوعِ الكلام. وهاهي بن هنية في مشهد الفلمِ الاستهلاليِّ، تشرح لبطلاتِها طبيعة الفلمِ ذاتِه وأدواته. وها هي إحدى شخصيات الفلم (آية) تعبّر عن حاجتها للمشهد الذي قُطِع تصويرُه… ضربٌ من التقعير4 المُربِكِ لما يتظاهرُ بأنّهُ كواليسُ فلمٍ داخلَ الفلمِ، فإذا هو كواليسُ ذاتِه.

تعدُنا بن هنيّة باستبدالِ ألفة الحمروني بهند صبري في المشاهد الّتي تتطلّبُ ممثّلا محترفا، لكنّ المشاهدَ "القويّة" لا تأتي، وإذا بالنّجمة التونسيةِ المصريةِ بطلةٌ لفلمٍ وهميٍّ. وإذا المُخرجةُ تؤكّد، في لقاء صحافيّ، أن المشاهد التمثيليّة، مجرّدُ محفّزاتٍ مقصودةٌ لتحريرِ الحقيقةِ من مكابحِ العلاقات الطبيعيّة (الأمومة) والاجتماعية (امرأة مطلقة في مجتمع محافظ) والإيديولوجية (علاقتُها بالتطرّف الديني) الّتي تضغط على حنجرتِها.

الخطّةُ ذكيّةٌ، وتجلّت أكثر من مرّة. مثلا في مشهدِ ليلة الدّخلةِ حين وقفت ألفة أمام الباب غرفة النوم متابعةً أداءَ هندٍ لشخصيّتِها، مصوّبةً أحيانا، مقترحةً أحيانا أخرى، حتّى تخرجَ الحادثةُ للمشاهدِ بكاملِ جرأتِها وجماليّتها. ومرّة أخرى في مشهدِ مواجهة المغتصبِ، حين جلست البنتانِ قبالةَ زوج أمِّهما، بل قبالةَ مجد مستورة الممثّل الّذي أدّى الدّورَ. فباحتا أمامَه بما وكأنّه يفوق طاقة احتمالِه. وانقلبت الأدوارُ فكأننا بهما مؤدّيتانِ وكأننا بهِ يتذكّرُ. أمّا المرّةُ الأبلغ برهانا على قدرة "الخياليِّ" على التحفيز على البوحِ، فهي حتما لحظة الصّدامِ بين آية وأمّها. إذ استذكرت رغبتها العابرةَ في تعنيفِها ردّا على شتائمها المهينةِ. ولمّا أثار البوحُ حفيظةَ الأمِّ، وذكّرتها بطبيعة العلاقة بينهما، أجابتها بأنّه فلمٌ وأنّها الآن تؤدّي دورها. فهل يمكنُ للمرء أن "يؤدّيَ" perform شخصيّتَه الحقيقيّةَ في فلمٍ وثائقيٍّ؟

لقد حدث أن جسّد بعضهم ذواتِهم الحقيقيّةَ في أفلامٍ خياليّةٍ. ومثلُ ذلك، جون مالكُفتش John Malkovich في رائعة سپايك جونز Spike Jonze الشهيرة5. ومثلها توجدُ في أفلامِ السيرةِ Biography، مثل التحفة البرازيليّة جبريل والجبل Gabriel e a montanha6. أما في الأفلام الوثائقيّة، فلا يُفترضُ من أبطالها أن "يؤدّوا". هكذا، يتّخذ بنات ألفة موضعا فريدا في طيفِ الصّورةِ السينمائيّةِ بين طرفيْ الخيالِ والتوثيقِ. وفي موضعٍ مقابلٍ تماما، أجدُني أستحضرُ الفلمَ الأيقونيَّ "لقطة مقرّبة" (كلوزآپ) للمخرج الكبير عبّاس كيارستمي. فهو فلمٌ خياليّ fiction بالأساسِ ممزوجٌ بمشاهد وثائقيّةٍ. ويحيلُنا هذا التقابلُ إلى تصنيفات الفلمِ الهجينِ.

في معجم المصطلحاتِ، يمكن أن نعتبر فلمَ كيارستمي أقربَ إلى الدراما الوثائقيّة7 Docudrama، فهو إعادة تمثيل Reenactment للوقائع بأسلوبٍ دراميٍّ، لتعويض الجزء الّذي لم تروِه المقاطعُ الوثائقيّةُ من أحداثٍ. أمّا في بنات ألفة، فلا توجدُ مشاهدُ إعادة تمثيلٍ، بل هي مشاهدُ تصويرِ مشاهدِ إعادة التمثيلِ. وحتّى أوضّح، فالدّأبُ في مشاهد إعادةِ التمثيلِ أنّ الأحداثَ تسبقُ زمنَ التصويرِ. أما في مشاهدِ بنات ألفة، فزمن الأحداث هو نفسه زمن التصوير. لا يوجدُ مشهد دخلةٍ، بل يوجدُ مشهدُ تصويرِ مشهدِ الدّخلةِ! وإمعانا في التعقيدِ، فنحن لا نعرفُ يقينا إن كانت أحداثُ زمن التصويرِ عفويّةً كلُّها أم معدّا بعضُها سلفا. وربّما تدفعني هذه الضبابيّةُ إلى أن أذهب بفلمِ بناتِ ألفة إلى صنف الخيالِ الوثائقيِّ Docufiction، حيث يتمُّ إقحامُ عناصر/مواقف خياليّة وسط بناءٍ وثائقيّ. هل انزعج مجد مستورة حقّا من دورهِ؟ وهل تاهت هند صبري في ضباب دورِها البسيط أم إنّ توهانَها عمادُ دورِها؟ وهل فكّكتْ ألفة وابنتاها مشاكلهنّ العميقةَ بتلك البلاغةِ دون همسة في الأذن؟ لا أملك إجابات قاطعةً، على أنني أميل إلى فكرة العفويّةِ الموجّهةِ، والمصادفةِ المخطَّطِ لها. لقد وصفَ أحد النقاد الفرنسيّين مشهدَ الإحماءِ المسرحيِّ بعديم النفعِ، والحالُ أنّه أحد المشاهد المفتاحيّةِ للفلم، فهو يلمّحُ إلى أنّ الأداء التمثيليَّ لم يقتصر على نور القروي وإشراق مطر(وهما اللتان أدتا دور الأختين الكبريين)، بل قد يشمل آية وتيسير أيضا. والفلمُ بذلك طبقاتٌ كثيفةٌ من البحث التجريبيِّ المثيرِ بين الخيال والواقعِ وبين الرواية والتوثيقِ. وهي عمليّةٌ جديرةٌ بصاحبةِ شلاط تونس وزينب تكره الثلج وعلى كف عفريت.

بنات ألفة محاولةٌ جريئةٌ لإبرازِ دورِ الخيالِ في رصدِ الحقيقةِ وتحفيزها. إذ لم يكن تمرينُ التذّكرِ كافيا للعائلةِ المكلومة، فكان ضروريّا تجسيد الذكرياتِ ودمجُها في مواقف متخيّلة أحيانا. فلم يحدث أن جلست آية وتيسير إلى زوج أمِّهما لتعلنا رأيهما فيه وفي جرائمه البشعة. ولكنّ تأدية المشهد المتخيّلِ ساعدَ على بوحٍ حقيقيٍّ لا خيال فيه.

المشكلةُ هنا، أن كوثر بن هنية لم تجرؤ على الخيال الوثائقيِّ كما تنبغي لها الجرأةُ. فآثرت على تصويرِ المشاهدِ، تصويرَ تصويرِها، وفضّلت على الفلمِ كواليسَه، وأبدت ارتباطا قويّا بلغة التوثيقِ حتّى وهي تسوّقُ لقيمةِ الخيالِ. بإدماج الكواليس ونقاشات ما قبل التصوير وما بعده، تشكلت مسافة ضخمة بين المتفرّجِ ولقطات إعادة التمثيلِ، فجاءت مهزوزةً شديدة الزيفِ لا تكادُ تنطلي على ألفة وبناتِها فما بالك بالمتفرّجِ؟ لقد وجدتُني أعيش تجربةً عكسيّةً لما تعيشُه البطلات داخل الفلمِ من تأثّرٍ بالمقاطِع المتخيّلة ومن استعدادٍ للبوحِ. فإذا كان الخيالُ fiction محفّزا على الحقيقة، فقد كان التوثيقُ الحقيقةَ عينَها.

يعرفُ الجميعُ ما حصلَ لألفة وبناتِها دون الحاجة إلى الوثائقيِّ. ليس فقط للاهتمام الإعلاميِّ الّذي عرفته حكايتُها في منتصف العقد الماضي، بل أيضا لحسن إيجازها (الحكاية) في كلمات بسيطة في افتتاحية الفلم: "ألفة عندها أربعة بنات، الزوج الصغار آية وتيسير مازالوا عايشين معَها، والزوج الكبار، رحمة وغفران، كلاهم الذيب". ويقترن الحديثُ عن الذئب بصورِ البنتيْنِ بحجاب أسودَ لا يصعب تأويلُ رمزيّته. هذه حكايةٌ أخرى عن الفقر والشباب والتطرّف والوقوع في براثن الإرهابِ. تيمةٌ يكرِّرُها التونسيّون في أفلامهم بإصرارٍ منذ "آخر فلم" للنوري بوزيد (سنة 2009). لكنّ بن هنية لا تهتم إلا عرضًا بتجنيد رحمة وغفران، ولا تلقي بالا لشبكات التسفير أو ما شابه. بل توجّه اهتمامها الكلّيّ للأمّ وتجربة تربية بناتِها الأربع التي انتهت بها إلى ما انتهت عليه. تصنع من عناصر حكايتِها سرديّةً نسويّةً محضةً. فتخلصُ بها إلى أنّ ألفة ليست فقط ضحية نظامٍ ذكوريٍّ يستعبدُ المرأةَ ويدجِّنُها عبر رموز ثقافيّةٍ متنوعة، وعبر أدواتٍ أبرزها الخوفُ. وإنّما تحوّلت إلى آلةٍ مفيدةٍ لإعادةِ إنتاجِه (النظام).

لم تختر عبثا حكايات ألفة السابقةَ لزواجِها. بل انتقت منها ما يصلح فكرةً أوليّةً عن الشخصيّةِ. نعرف أنّها من وسط شعبي فقيرٍ وخطرٍ. ونعرفُ أنها اضطرّت إلى تعويض "الرجال" لحماية أمّها وحماية نفسها. فكبرت وسط شعورٍ دائمٍ بالخطرِ. ولم يفلح زواجُها في القطع مع المحنة بل زادها سوءا منذ الليلة الأولى. وكانت ردّة فعلها على ما فيها من طرافةٍ، تبطن المأساةَ القادمةَ. فدمُ العنفِ الذي أعلِن للناس يومئذٍ، كان الدم المؤسس للعائلة الجديدةِ. وجاءت بناتُها الأربع قرابين له. هنا أيضا، تقف كوثر بن هنية عند محطاتٍ دون غيرها، فرقة الاستعراض (Majorette)، حادثة صورة الفخذ، حادثة ضرب الأم لغفران، فتطرح عبرها على مستجوباتِها أسئلة بريئة في ظاهرها. وفي باطنها باب للجدالِ بين الأمّ وبنتيها حول مواضيع متنوّعة كالتربية والجنس والحبّ والجسد والتاريخ… فنتبيّنُ منها كيف تستبطن ألفة الفكرَ الذكوريَّ وكيف تقطعُ بناتُها معهُ.

كلُّ شيء في القصّةِ موجّهٌ نحو سرديّةٍ نسويّةٍ ألمّت المخرجةُ بمختلف أوجهها النظرية. وكلُّ المواضيع المطروحةِ للنقاشِ، كانت تحاولُ إما عبر الشخصيات الحقيقية أو عبر الممثلاتِ، أن تُسقط هذه السّرديّةَ على حياةِ البطلةِ وبناتِها. يأخذ جميعُ الرجالِ شكلاً واحدا، هو شكلُ مجد مستورة. ولئن حاول في لحظتيْن خارج مشاهد إعادة التمثيلِ، أن يستدرجَ شخصيّته الحقيقية كرجلٍ غير ذكوريٍّ (مشهد حديثه مع هند حول وصم الممثلات واستثناء الممثلين)، فإنّه لم يفلح في كسر قوّة الرمزية التي يمثّلها أداءُ رجلٍ واحدٍ كلَّ الشخصيّات الذكوريّةِ المؤذية. كلُّ الرجال سيّئون، كذا تخبرنا بن هنية. المتفقّهون في الدين؟ تجّار منافقون. جسدي؟ ملكي أنا وليس ملكا لأحد. ونحصل في النهاية على القراءة النسوية المنشودة: الذكورية هي فنّ صناعة الخوفِ، تنشأ المرأة في هذا المجتمع مواجهةً تهديدات معنوية وجسدية مستمرّة، حتى تجنح إلى الزاوية التي أريدَ حشرُها فيها: حجاب، وزواج، وقرار في البيت، وانصياع وتفريخ. وفي كلّ مرة حاولت فيها ألفة التمرّد، كان هناك رجل جاهزٌ للتهديد وإعادة "النظام"، حتّى يحصل الإشراطُ البافلوفي Pavlovian Conditionning وتصبح ألفة نفسها حارسة المعبد، وتمارس التهديد والتعنيف تجاه بناتِها حتى ينزلن في المنزلة نفسها.

على أنّ البناء الأنيق المنسجم يخلّف شعورا قويا بانتقائية التاريخ الذي تأسس فوقه. فطوّع مأساة ألفة من أجل قراءة اختزالية ذات وجه واحد أحد. فإذا نحن أمام أمثولةٍ Allegory وثائقية، ولسنا أمام سيرة مدهشة متشعبة الأوجه. لا تخبرنا ذكرياتُ ألفة عن أثر التحولات الاقتصادية في نهاية التسعينات على حياتِها، ولا عن تأثير اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية على تضاؤل شركات النسيج في منطقة الساحل، وارتفاع نسب البطالة في بداية الألفينات، وما سببه من انتشار للعنف والجريمة والمخدرات بأنواعها. لقد اكتفت المخرجة في مشهد ساخر بالإشارة إلى كذبة الأمن في زمن بن عليّ، ولكنها أمام حنين بطلتها لزمن لم تعرف فيه خطر الإرهابيين، لم تسعَ، كما فعلت في مواضيع أخرى، إلى الإيحاء لها بالعلاقة السببية القوية بين فساد النظام السابق وبين استشراء الإرهاب في زمن النظام الموالي.

تمتدّ السردية النسوية إلى ما بعد ألفة، فتقترح أيضا تفسيرها لتطرّف رحمة وغفران. هذان الفتاتان اللتان كبرتا في كنف أبٍ عنيفٍ وزوج أمّ أكثر عنفا، وأمّ متسلّطة تنقل كلَّ خوفها إليهما. بات واضحا عند كوثر بن هنية أنّهما في محاولتهما للتخلّص من السلطة الذكورية التي تحاول الأم نقلها إليهما، وقعا في براثنها. كان تدينهما تمرّدا مثل إقبالِهما على موسيقى الميتل (موسيقى المعدن للمُريدين الحقيقيين)، محاولة لقلب اتجاه العلاقة مع أمّهما. ولم يفطنا إلى أنّهما أخذا مكانها في التبشير بالنظام الذكوري ونقل ثقافته. تشير بن هنية إلى ذلك من خلال التركيز على حادثة بيع الحجاب، وحادثة وعظيّة عذاب القبر. وهما لحظتا التغيير بالنسبة للفتاتين. وكلاهما تبدآن من مبادرة أحد الرجال. هناك أيضا تركيز المخرجة على هوس رحمة بثقافة الموت، كأنما تسعى إلى إبراز العلاقة بين تطرّف الفتاة ورغبتها الخفية الجامحة في إيذاء نفسها: الهروب من الذكورية بالوقوع فيها. وعلى كلِّ حالٍ، فهي لا تأتي بجديد حين تتعامل مع تطرف النساء على أنهن ضحاياه. فقد روجت له الهتافات النسوية المستنكرة من جهاد النكاح. التطرف بناء ذكوريّ، ولكن ربّما كانت بن هنية تبالغ في تفسيره بهذا الشكل الاختزالي، فهو يحدث مع الرجال أيضا، وهم أيضا ضحاياه.

يستحضرني هنا فلمُ محمد بن عطية الجميلُ، "ولدي" (سنة 2018) الذي اقترح تفسيرا آخر للتطرف يتعلق بصراع الأجيال عوض صراع الجنسيْن. فحين يعجز الشباب عن التحرر من سلطة جيل الآباء، ولا يجدون مساحة لتحمّل المسؤولية، سوف يبحثون عن تحمّلها خارج أطر المجتمع الذي يعيشون فيه. تمنحهم الجماعات الإرهابية لذّة الشعور بجسامة أدوارهم، وبقدرتهم على الفعل، حين تخنقهم جماعاتهم الأصلية. لم يهتمّ بنات ألفة بهذا الجانب، لكنّه أشار إلى صراع الأجيال في الحالة البديلة: أي حين يحقق الأبناء فعل التحرّر بالفعلِ ويتملّصُون من الخوفِ وثقافتِه. نرى ذلك جليا في آية وتيسير ولغتهما التي تصدم ألفة وتثير جنونها أحيانا. وكان عمل كوثر بن هنية طيلة الفلم، مصاحبةَ بطلتِها في رحلةِ إعادة التعرُّف على بنتيْها الباقيتيْنِ، وتدارك خطاياها السابقةِ لإنقاذهما. لقد بدأت الرحلة بلباس أسود، وانتهت بالأحمرِ. فخطّت بذلك مسارا دراميّا إضافيّا (باعتبار القصة المرويّةَ والجزءَ المعادِ تمثيلُه، مساريْنِ أوّليْن) ربما هو الأكثر قيمةً في الفلمِ. والأكيدُ أنّه استمدّ جزءا كبيرا من قيمتِه من طريقة تمظهر شخصية ألفة طوال العرضِ.

تتمتع ألفة وبنتاها بحضور درامي مدهش، تجلى من خلال اللغة وقسمات الوجه. حين تتحدث إحداهنّ، هناك دوما شيء يشدّ الأنظار إلى الشّاشة. هناك دوما شيء يتسرّب منها إلى ضفّة المتفرّجين. يتلوّن الوجه بألوان الضحك والبكاءِ في وقت واحدٍ، ويأتي اللسانُ بصورٍ بلاغية تجعل من وقع الكلام ثقيلا. في فرنسا، رأيتُ متفرّجين فرنسيّين ينهضون في نهاية الفلم مطلقين زفرات حارة. لم تكن القصّة بهذه الخطورةِ، ولكنّ أسلوب راوياتِـها جعلها كذلك. ولقد استغلت كوثر بن هنية هذه الميزة جيدا، فتوازنت المشاهدُ بفضل حركةِ بطلاتِها، وقد كان الإطار الثابتُ مهيمنا. وتفنّنت في الزّج بهنّ في مواقف متنوّعةٍ استخرجت منها كل ضروب الانفعالاتِ. فشكّلت من ألفة شخصيّة قصصيّة عظيمةً حقا. شخصيّة تتجاوز التصنيفات البسيطةِ والأحكام الأخلاقية والسلوكية الفجة. بل تتجاوز حضورَها الواقعيَّ إلى حضورٍ قصصيٍّ مفرط في الإنسانية، مفرط في التجلّي بنبله ولؤمِه، ببطولاتِه وخزيه.

لقد كان حضور ألفة قويا إلى حد تضاءل أمامه حضور نجمةٍ في حجم هند صبري، فقد قُدِّم الأمرُ على أساس التناصف بينهما في أداء الشخصية نفسها. فإذا بهندٍ تعلِمُنا أنّها "ماهي فاهمة شيء". وإذا بالعلاقة بينهما تتشظّى علاقات متباينةً لا تشبه في شيء علاقةَ "تجسيد ما لا تقدر ألفة على أدائه". نجدها تتابع الممثَّـلَة بانتباهٍ شديدٍ يترسّخ أكثر مع لقطة تمرُّنها على اللهجة ونبرة الصوت. ونجدها تشرح للبنتيْنِ وأمِّهِما أسلوبها في تأويل الدّور والشخصيّةِ، ونفورَها من الكلام السّوقيِّ. ونجدها في حالة سجالٍ معها حول أداء شخصيّتِها، إذ تبادِرُ ألفة بتصويب هند وبشرح تفاصيل طباعها. أما الجزء الأكبر من العلاقة، فترجمه استجواب هند صبري الدؤوب لألفة، مستفسرة إيّاها حول طبيعة ميولها وأفكارها. ولا تجد مانعا في إبداء رأيها كما في حادثة مواعدة رحمة الغرامية التي انتهت شرّا.

تنتمي هند صبري (ومجد مستورة وإشراق مطر ونور القروي) إلى طبقة متباينة مع طبقة ممثَّلتها. ليس فقط لأنّها نجمة إقليميّة بارزة وزوجة رجل أعمال ثريّ. ولكن لأنّها أيضا فنّانة مثقفة ومحامية، لها قدرات تعبيريّة واسعة، وهيمنةٌ معنوية لا ريب فيها. ونتاج ذلك أن ترتسم العلاقة بينهما عموديّة مهيمنةً. لكن أظهر الفلمُ ديناميكيّةً حيّة متقلّبة تبتعدُ عن معجم الهيمنة، وتقترب أكثر من معجم الزمالة. تسمع ألفةُ كلامَ الممثِّلة فتطأطئ برأسِها أحيانا، وتجيب بكل جرأةٍ وتدافعُ عن رأيِها في أحيان كثيرة أخرى. بل لا تخجل من التعليق على أداء هند صبري وتعويضها لمزيد الشّرح إن لزم الأمرُ. حين حاولت هندٌ شرح قدرتِها الاحترافية على خلق مسافة أمان بينها وبين الشخصية التي تتقمّصُها، توقعت أن تلزم ألفة الصمت وتكتفي بالإيماءِ في غير فهم. لكنها أبت إلا أن تجيب الممثِّلة بسؤال آخر: ماذا لو كان تأثير الشخصية أقوى من قدرة الإنسان على الاحتمال؟ وفي جوابِها برهان على عدم تأثرها بعمودية العلاقة التي قد تنشأ في مثل هذه المواقف. لقد تحوّلت المرأتان المنتميتان لعالميْن مختلفيْن، إلى زميلتيْنِ. وكان تأسيس العلاقة على هذا الشكل مهمّا للمخرجة، حتى تتمكن من التفاعل مع بطلتها بشكل غير مباشر عبر هند صبري. فهي تعي جيدا بقيمة سلطتها المعنوية كمخرجةٍ، ولا تريد أن تحجب بها أفكار ألفة التي تخرج عالية في كل نقاش. دور هند صبري وإشراق مطر ونور القروي دور تحفيزي يسمح بتداعي الذكريات، ودور استفزازي أيضا، يسمح بتداعي الأفكار وبإعادة النظر في الأحداث والقناعات. لذلك، فمن المهم هنا أن نتساءل إن كانت هند صبري أداة كوثر بن هنية أم شريكتها؟ وهل كنّا نشاهدُ هند صبري أم شخصيّتها؟

وأيا كانت الإجابة، فحسبها أنها ظفرت منّا بالارتباك والحيرةِ والآراء المتباينةِ. وحسبُ كوثر ما حقّقته في هذا العملِ من نضجٍ وقدرةٍ على تصويرِ أفكارٍ معقدةٍ، وجرأةٍ على الذهاب بالتمرين التجريبيّ إلى أبعدَ ممّا حصلت عليه في أعمالِها السّابقةِ. وبات من الواضح أن الشكل الوثائقيَّ لعبتُها المفضّلةُ (ثلاثة من خمسة إضافة إلى آخر مستوحى من سيرةٍ واقعية)، وأنّ صراع المرأة التونسية مع النظام الذكوريِّ قضيّتُها الأولى. ولكنني أجدُ ضروريّا أن تحاول الابتعاد عن مفضّلاتِها، وعن بيتِها المريحِ. وفي انتظار ذلك، فبناتُ ألفة تجربةٌ وثائقيّةٌ تونسية تدعو للفخر، وللأمل في تحف فنيّة خالدة.
 
--------------------
 

1 سوف أستعمل في هذا المقال مصطلح الخيال بمعنى المخالف للواقع fiction،ذلك أن هناك جدلا حول المفهوم وبعضهم يستعمل لفظ "رواية" وهو ممكن على أنه لا يعكس معنى التناقض مع الوثائقي وهي الثنائية التي أريد إبرازها ها هنا. Fiction/Documentary.

2 إعادة التمثيل Reenactment: إعادة تمثيل أحداثٍكما وقعت بالفعل. يكون الالتزام فيها بالحقيقة التاريخية قويّا إلى درجة تمنع من خلق مساحة درامية وعادة ما يتم التغاظي عن الحوار واستبداله بصوت الراوي. نجد هذه التقنية كثيرا في الأفلام الوثائقية التي تشرح الأحداث التاريخية والسياسية.

3 صيغ الفلم الوثائقي الستّDocumentary six modes: التفسيري Expository،والراصد Observational،والشاعري Poetic،والتشاركي Participatory،والأدائي Performative،والانعكاسي Reflexive.

4 التقعير Mise en abyme القصة داخل القصة،كما كان يحدث في أغلب القصص العربية الكلاسيكية. وجدت محاولات متنوعة لترجمة المصطلح الفرنسيّوليس التقعير أفضلها ولكنها جميعا لا تؤدي المعنى إلى تمامه. أضطر إلى استعمال هذا المصطلح لأنه يرنّغريبا في أذن القارئ،وإن كان له معنى أصليّيخالفُمعنى المصطلح وهو ما أنفر منه.

5 أن تكون جون مالكُفتش Being John Malkovich

6يروي الفلم قصة رحالة برازيلي شابّاختفى في جبال مولانجي جنوب شرق إفريقيا. وهي قصة واقعيّة استعادَالفلمُأحداثها مستعينا بأغلب الناس الذين قابلهم الشّاب في رحلته،إذ أدّوا أدوارهم الحقيقية.

7 يصنف بعضُهم فلمَلقطة مقرّبة،كخيالٍتوثيقيّDocufiction وهو صنف يختلف عن الدراما الوثائقيّة في كونِه فلما وثائقيّا يسمح لنفسِه بإقحام عناصر/مواقف خياليّة على سرديّتِه. لا أعرف مدى الخيال الذي أقحمه كيارستمي في فلمِه ولكنّالظنّعندي أنه أعاد تصوير الأحداثِالتي تمت مناقشتها في المحاكمة الموثّقة.

Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Monday, May 30, 2022

الخوفُ من الفانتازيا: رحلةٌ مع فرططو الذهب

عجبتُ ممّا حاق بفِلمِ عبد الحميد بوشناق الأخير من تهليل وإكبار لما وُصف كأوّل فلمِ فانتازيا تونسيٍّ. ليس لأنّ الفانتازيا، وعكس ما يظنّه الناسُ، أكثرُ فنونِ القصصِ في مدوّنتنا العربية منذ حربِ البسوسِ وعنترة إلى قصص ابن المقفع وألف ليلة وليلة. وليس لأنّ بوشناق جاء متأخّرا على قصص عبد العزيز العروي الخارقة ببضعة عقودٍ. ولكن لأنّ فلمَ "فرططّو الذّهب" ليس فلمًا عجائبيّا من أساسه!

ما العجائبيّ الّذي يجدُه المرءُ في هذا الفلم؟ أن يعيش أحدُهم حالةً من الهلاوس البصريّة؟ أن يعيش واقعا بديلا؟ أن ينقطعَ عن العالمِ ويبنيَ مكانه وهمًا عجائبيا؟ ربّما من الضّروريِّ أن نستذكر أحداثَ الفلمِ الكبرى بعجالةٍ حارقةٍ للأحداثِ ومفاجآتها علّنا نرشُد إلى ما كان خفيّا.

ها هنا معزّ (محمد السويسي) ابن الممثّل السابق (فتحي الهداوي) الّذي كسدت تجارتُه فانقطع للشرابِ وسوء معاملة أهلهِ حتّى انتقلت فظاظتُه لابنِه ففاقه فيها. لكنّ حدثيْن مهمّيْن يقصمان ظهر الفتى: الاعتداء حتى الموتِ على حبيبته من قبلِ مُنحرفيْنِ، وإصابتُه بمرضٍ في عينيْه قضى بفقدان بصرِه في القريب العاجلِ. هكذا يُطلقُ العنان لهلاوسِه الذهنية والبصريّة لتختلق قصّة الطّفل الوهميِّ إذ يأتيه مصحوبا بتحاليل طبيةٍ تُعلنُ اقتراب أجَلِ ضَرارتِه، فيقرّر بعد لأْيٍ أن "يُريه اللّي عمره ما شافه": يصحبُ ذاتَه الطّفلة في رحلةٍ في ذاكرتِه، يستعيدُ عوالم أبيه المسرحيِّ، يتصالح مع جرائم أبيه السكّيرِ، ويكشف لنا أنّه والطّفلَ واحدٌ. لم يكن هناك متسوّل بأجنحةٍ، ولا مومسٌ بعيونٍ في أعلى الرأس، ولا أمهق يتحوّل إلى مذؤوب مفترس. كلّها خيالاتٌ انتقلت من ذاكرة البطلِ إلى واقعِه المتوهَّمِ، كما يحدث في الكثير من حالات الذُّهانِ والاضطرابات النفسية المختلفةِ، فما العجائبيُّ في كلّ هذا؟

هناك أمثلة كثيرة مشابهة، ربّما أشهرها ـ ممّن أستحضرهم ـ الرّجل الطّائر Birdman لألخندرو إنيارّتو، وأقربُها لمثال بوشناق، فلمُ "أنا سايبورغ ولا بأس بذلك" للكوريِّ الجنوبيِّ الرّائع تشان ووك پارك Chan-wook Park. وجميعها لا تحاولُ إقناعنا بأيّة سرديّةٍ عجائبيّةٍ، بل إنّها تستعمل العجائبيَّ لتحييد البطلِ عن الحقيقةِ، وتأكيد عجزِه عن مواجهتها. وانطلاقا من هذا المعنى، ففرططّو الذّهب دراما واقعيّةٌ بسيطةٌ حاولَ عبرَها بوشناق أن يسيرَ في خطوطٍ متشابكةٍ تشكّلُ ملامِحَ شخصيّةِ معزّ.

معزّ المريض هي أوهن هذه الخطوطِ. نجدُه يعاني من داءيْنِ أبلغُ في دلالتهِما من حضورِهما. فأمّا ذهابُ بصرِه، فيدلُّ على ذهابِ بصيرتِه، وافتراقِ طباعِه عن طبيعتِه. نرى ذلك جليّا في معاملتِه لجارِه، وفي معاملتِه للطفلِ-ذاته حين أتاهُ. بل أوضحُ من ذلك، امتهانُه خدمة البوليس المشحونةِ بكلِّ معاني العنفِ وصُورِه. وأمّا إصابتُه بالذُّهانِ فليس أكثرَ من حيلةٍ روائيّةٍ لتبريرِ ما كاد يكون عجائبيّا، ولنقلِه إلى خانةِ الواقعيّةِ. وبلغة الشطرنج، فهي ذلك الخطأ الفادح Blunder الّذي يحوّل النّصر إلى اللانصر، والفانتازيا إلى اللاخيال. وكمثلِ تلكَ الحيلةِ السّخيفةِ الّتي يلجأ إليها الرّواةُ حين تتعقّد رواياتُهم فيُوقظونَ أبطالَهم من النّومِ في النّهاية، برهنَ عبد الحميد بوشناق عن خوفٍ مُبهمٍ من الفانتازيا، إنّني أكادُ أراهُ يتجوّل في قاعةِ العرضِ المظلمةِ ويهمسُ في آذانِ المشاهدين بضحكةٍ عصبيةٍ خافتةٍ: لا تأخذوها على محملِ الجدِّ، أنا نفسي لا أفعل ذلك!

يبرِّرُ الذّهانُ الفانتازيا، ولكن ما الّذي يبرّرُ الذهان؟ حادثةُ صديقتِه؟ نرجّح ذلك، ولكنّ البناء السّرديَّ لا يَفتَرُ عن حبكةٍ شديدةِ التّماسُكِ، ويكتفي بإلقاءِ الأحداثِ جزافا تاركًا للمشاهدِ عبء التّركيبِ. أليس هذا جميلا؟ يهمسُ أحدُهم، فأجيبُ، بلى، إذا كانت القِطعُ المُلقاةُ قابلةً للتّركّبِ دون تعسّفٍ…

في خطٍّ آخرَ، يرسمُ بوشناق صورةَ معزّ الإبن. فيُناظرُ بين علاقتِه ـ رجلاً ـ بذلك الطّفل الّذي كفِله، وبين علاقتِه طفلاً بأبيهِ في الماضي. هكذا سار الفلمُ مُراوِحا بين مغامرةِ معزّ والطّفل الغامضِ، وبين ماضي معزّ مع أبيه السكّير العنيفِ عبر تكثيفٍ للقطات الاسترجاع Flashback. ولأنّ المخرج اختار حرمان المشاهدِ من تفسير العلاقةِ بين الماضي والحاضرِ، فقد كانت المراوحةُ ثقيلةً وتشي بتشتّتٍ في الأفكارِ. الكثير من التقفيز (Jump cut) والنّادرُ من الوصل (Match cut) لا يساعدان في فهم المقارنة المُقترحة. الأهمّ من هذا، هل نجح التناظر حقا؟ في مغامرةِ البطلِ والطّفلِ التّائهِ، تنجح الفانتازيا بطريقةٍ ما في ترويضِ معزّ والخروجِ بِه من مستنقع العنفِ والذّهانِ. تُصالِحُه مع ماضيه وتُعيدُه إلى واقعِه. أمّا في قصّتةِ مع أبيهِ عبد الوهاب (الهدّاوي)، فلا يحضُر المسرحُ (مقابل الفانتازيا) إلاّ في النّهايةِ (لدواعٍ سرديّةٍ)، ولكنّنا نُدركُ أنّه لم ينجح في انتشالِ عبد الوهاب من محنتِه، بل إنّه مُسبِّبُها. وبالتّالي فقد أدخلنا بوشناق في مقارناتٍ خياليّةٍ وغير مفيدةٍ بسبب تكثيف الاسترجاع، وعموما فقد كان البناءُ السّرديّ غير متوازنٍ بالمرّةِ بسبب إصرارِ بوشناق على استحداث التواءةٍ سرديّة plot twist لم تباغت أحدًا.

خلافا لصورةِ المريضِ، فإنّ صورة الإبنِ جوهرية. فما الفلمُ إلاّ محاولةٌ لتفكيكِ عناصرِ العلاقةِ المعقّدةِ بين الإبنِ وأبيهِ. فيقترحُ ظاهرًا مشحونا بالعنفِ والاستهتارِ: استهتارُ الإبنِ بحالةِ أبيهِ الحاضرةِ، مقابل استهتار الثاني بعائلتِه كلّها في الماضي. ثمّ يكشفُ رويْدا رويْدا عن باطنٍ مثقّل بالآلامِ. ومع تصاعد وتيرةِ العنفِ والألمِ (لدواعٍ غير مبرّرةٍ تقريبا)، نصلُ إلى لحظة المصالحةِ: فيتصالحُ الأبُ وابنُه حين يتصالحُ الإبنُ وذاته. يستعملُ بوشناق في هذا الخطِّ، شخصيّةً ثالثةً هي شخصيةُ الأختِ (هاجر عيّاد). إنّها أيضا ابنةُ عبد الوهاب ولكنّ علاقتَها به تختلف جذريا، فقد تقبّلت أسلوب أبيها، وربّما أبدت قوّة شكيمةٍِ لا يملكُها أخوها الغاضبُ، العاجزُ عن المواجهةِ. والحقيقةُ أنّ دورَ هاجر عيّاد رغم براعةِ الأداءِ وقوّة الحضورِ، يكادُ يرجعُ بالفلمِ إلى خانةِ الأعمال الاجتماعيّةِ البائسةِ، ولا يحقّقُ للفكرةِ/الأفكار الرّئيسيّة أيّة نقاطٍ إضافيّة.

أعتقد أنّ أيَّ وَلَدٍ ينظُر عادةً إلى أبيهِ بتعظيمٍ وإجلالٍ. سيكون قُدوتَه الأولى ومرآةَ الكمالِ في عينيْهِ ولو لزمنٍ بسيطٍ قبل أن يصابَ بخيبةِ الأملِ الّتي ستسمحُ له بالانفصالِ بشخصيّتِه بعيدًا. ثمّ إنّه سوف يحتاج إلى وقتٍ قصر أو طالَ ليتقبّل هذا الانفصالَ، ويتصالحَ مع والدِه مجدّدا وقد تدرّج من مرتبة الإله إلى الشيطانِ ثمّ الإنسانِ. ولقد عبّر بوشناق عن هذه الرّحلةِ بصدقٍ متلعثمٍ. ولئن أخذ معزّ عن أبيه حُبَّهُ للفنِّ، فقد كان انفصاله عنه انفصالا عن الفنِّ أيضا، وآثر العملَ شرطيّا يمارسُ العنفَ بإفراطٍ. أفيلعنُ بذلك أباهُ على "محنةِ" الفنّ الّتي أورثه إيّاها؟ يقولُ بوشناق إنّ ثمّة 70% منهُ في الفلمِ، ولأنّنا نستبعدُ تشابه ظاهر علاقةِ معزّ وأبيه بتلك الّتي تجمعُ المخرجَ بالفنّان لطفي بوشناق، فلا نستبعد عناصرَ من باطنها. وهو ما يحيلُ على خطّ ثالثٍ مشكّلٍ لشخصيّةِ معزّ، وهو الفنّان.

لقد دفن معزّ ذلك الفنّان الّذي كان يمكن أن يكونه، وأصبح بوليسا بكلّ العنفِ الّذي يمثّله. ومع حلولِ الطّفلِ الغامضِ في حياتِه، استنجدَ تلقائيّا بما علق في ذاكرتِه من "فنونِ" أبيهِ لينقذ نفسه. لكنّ معزّ طوال الفلمِ لم يتقمّص قميصَ الفنّانِ، بل تركَ ذلك لمختلفِ الشّخصيّاتِ الخياليّةِ الّتي قدّمَها للولدِ: الشريدُ ذو الجناحيْن، المومسُ ذات العيون الخمسة، الكائنُ الخفيُّ ذي اللسانِ الحربائيّ وأخيرا ذلك الأبهق المذؤوب. وقبل هؤلاءِ، يمثّل الأبُ عبد الوهاب صورةَ الفنّانِ أهمَّ تمثيلٍ في الفلمِ، فما الّذي يجمعُ خمستَهم، وكيف تمثّل عبد الحميد بوشناق الفنّان؟ ظهر عبد الوهاب بحُلّةِ المهرّج في ومضاتٍ استرجاعيّةٍ سريعةٍ خاطفةٍ، تحكي عن تجربةِ أداءٍ Casting خائبة. وفضلا عن افتقارها للطّرافةِ، فهي تقدّم الفنّان في حُلّةِ المتسوّل المتوسّلِ للحصولِ على فرصةٍ/عملٍ. لكنّ بوشناق لم يكتفِ بالتلميح لذلك، بل قدّمه متسوّلا بالفعلِ عبر شخصيّةِ الشّريدِ ذي الأجنحةِ. وعموما فما يجمع هؤلاء الّذين سوف يُرونا ما لم نره في عمرنا، هو بؤسُهم وانحطاطُ أوضاعهم وعيشهم على هامش العالمِ، بل في عالمٍ آخر تمامًا كما الحالُ مع الأمهقِ. ومع أنّ الفلمَ يحاولُ أن يُبرزَ أثر الفنِّ على الإنسانِ كقوّةِ خلاصٍ، فإنّه لم يسعَ لاستبدال الصورة النمطيّةِ لـ "فنّان الغلبة" الّتي نجدُها في الأعمال الدراميّة الكلاسيكيّةِ ذات البُعد الاجتماعيِّ، بصورةٍ تناسبُ قدرته على الفعلِ والتّأثيرِ. ذلك أنّ "فرططّو الذهب" مرّة أخرى، يفشلُ في استحضار شروط الفانتازيا.

نتبيّن خطّا رابعا في صورةِ معزّ، وهو خطّ البوليس. وأستعمل لفظة "البوليس" بدالَ رجل الأمن هنا لأن لا أحد يشعر بالأمن في حضرةِ أناسٍ كهؤلاء. وأعتقد أنّ بوشناق اعتنى بهذا الخطّ وبالغ في الاهتمامِ بمُنحنياتِه. وإنّي أرجّح اختياره لمحمّد السّويسي لهذا الغرضِ بالأساس: طويلٌ، ذو ملامحَ غليظةٍ ونظرات ثاقبة مليئة بالعنفِ. لا يملك قواما رشيقا، ولكنّه يملك كتلة ضخمةً كأنّها الحضورُ المادّيّ لروحٍ همجيّةٍ. ثمّ، كنارٍِ على علمٍ، يمنحُه حذاءً يضاهيهِ ثِقلاً وضخامة وعُنفا. نتحصّل في النّهايةِ على تمثّلٍ قويٍّ لرجلِ البوليس، كسالبٍ Negative لصورة الفنّانِ. ولأنّ بوشناق لا يريدُ لأفكارِه أن تحافظ على جمالِ بساطتِها، فقد فضّل أن يتجاوز هذا المعنى، ويستطرد أكثر في مسألةِ الأمنِ والعنفِ. لم يعد لنا مثالٌ واحدٌ بل مثالان متقابلان: معزّ الانفجاريِّ، والمنذرُ رئيسه الهادئُ الأنيق (إبراهيم زرّوق). يقدَّم المنذر من خلالِ فضاءاتِه: مكتبه ومنزلِه، وأيضا من خلالِ عائلتِه (تقوم بدور زوجته رباب السّرايري). وعلى طريقةِ أغنية لَبِنَةٌ في الجدار A brick in the wall، يُشحَن ظاهرُ المنذرِ الهادئُ بعنفٍ أكبر بكثيرٍ من ظاهرِ معزّ. سوف نلحظ هنا كيف تتميّزُ فضاءاتُ حضورِ المنذر بضوءٍ أكثرَ، وألوانٍ أقربَ للبياضِ والانفتاحِ في مقابلِ الظُّلمةِ وألوان النّيون الّتي تميّزُ عوالمَ معزّ. علاقتُه بزوجتِه تتلخّص في الكدماتِ على وجهها، وعلاقتُه بابنته تقفُ عند طاولةِ الطعامِ، وكلّ هذا صورةٌ معاكسةٌ لعالمِ معزّ وعلاقتِه بحبيبتِه وبالولدِ الّذي اصطحبه. ما الّذي يرسمُه بوشناق عبر كلّ هذا؟ ربّما مقابلةً بين عون البوليس الميدانيِّ البسيطِ، وأصحاب السّلطةِ الحقيقيّين، وأرباب العنف الهيكليّ. وهي لعمري مقابلةٌ ـ على رجاحتِها ـ لا تضيف شيئا إلى فكرةِ/أفكار الفلمِ الرئيسيّةِ. وقد يمكن أيضا ترجيحُ استعمالِ شخصيّة المنذر للتأكيد على أنّ عنف معزّ طارئ وليس متأصّلا فيه. نراهُ يمارسُ العنفَ، مثل أبيه، تعبيرا عن ألمه الّذي شقّ عليه. وهي فكرةٌ جميلةٌ لولا أنّنا في النهاية نتحصّل على عنفٍ أصليّ يتركُ كدماتٍ بسيطةً وعنفٍ مؤقّت يفقأ العيون ويقتل… وعلى كلّ حالٍ، فكلّ الجزء الخاصّ بالمنذر استطرادٌ طويلٌ ومملٌّ.


آخرُ الخطوطِ المكوّنةِ لملامحِ البطلِ، هو خطّ الحبيبِ، ويظهرُ في لقطاتٍ عابرةٍ غير ذاتِ بالٍ سوى للبناءِ السّرديّ المرتبك. فبعد أن "يصدم" المخرجُ المشاهدين بمشهد الفَقْءِ، يعودُ ليبرّر ذلك باغتصاب حبيبتِه بأيدي ضحيّتيْهِ. "هما إذا مذنبان، وربّما يستحقّان ما حاق بهما"، كأنّما يصبح الانتقامُ مشروعا خصوصا إذا ما كان المرءُ صاحب سلطةٍ (بوليس)... طبعا لن ندخل في مهاتراتٍ أخلاقيّةٍِ، ولا تحملُ كلُّ هذه المشاهدِ أية تفاصيل يعبّر من خلالِها المخرجُ عن موقفِه من سلوكات بطلِه. ولكنّ تقديمَ الاعتداءِ ثمّ تفسيرَه فيما بعد (بحثا عن التواءة أخرى)، يخلق نَفَسًا تبريريّا. وربّما هذا ما حدث بالفعلِ، فبعد أن يصدم المخرجُ المتفرّجين بمشهد الفقءِ منذ البدايةِ، كان عليْه أن يبرّره ليصنع بعض الانسجام الدّراميِّ، من هم هؤلاءِ، ولماذا قتلهم. وقد يفسّر ذلك اختلاف مشاهد معزّ مع حبيبتِه عن باقي لقطات الفلمِ أيضا. والمؤكّد أنّ معزّ الحبيب كان كقِطع الفراولة في فنجان قهوةٍ: لم ينجح في الانسجام مع باقي خطوط الشخصية فحسب، وإنّما شتّت مذاقاتِها، وهلهل الحبكة الدّرامية بشكل كبيرٍ.

إنّه ذات الخطإ الّذي اقترفه عبد الحميد بوشناق في "دشرة"، العجز عن لملمة خطوط السّردِ بعد الإفراطِ في تشبيكِها. هو نوع من الهوس الّذي يستبدّ بالكثير من المؤلّفين في بداياتهم، يدفعهم لخلقِ شيءٍ عبقريٍّ معقّد التفاصيل، ثمّ تكشف لهم التجاربُ عن قيمةِ البساطةِ وعبقريّتها. البلاغةُ في الإيجاز يقول الأقدمون، والجمالُ في البساطةِ، وكلّما أضافُ المرءُ كلماتٍ للجملةِ، كلّما زاد احتمالُ اللّحن (الخطإ).

الفانتازيا هو آخر شيءٍ يمكن أن نصف بهِ فلمَ فرططّو الذّهب لعبد الحميد بوشناق. ليس لأنّ الفلمَ لا يقدّم أيّ عنصرٍ فانتازيٍّ، فكما قلنا، لم تكن المشاهد العجيبة هنا سوى هلوساتِ ذُهانٍ دونكيخوتيّةٍ. وليس لأنّ تلكم المشاهد كانت معزولةً وسط الفلمِ، لا تُشبِهُه ولا تؤثّر على شيء من أحداثِه، وتكتفي بمدلولاتِها الذّاتيّةِ (هذه التّجارب العجيبة الّتي لم يرَ مثلها الولدُ من قبل، هي ما يقدّمُه الفنُّ للناسِ، هي شيءٌ أجملُ من الحقيقةِ، وأكثرُ جمالا) كأنّها فاصلٌ وسط الحكايةِ. بل أكثر من ذلك، فالفلمُ يستعملُ لغةً واقعيةً لا تمتُّ بصلةٍ للفانتازيا. ونجدُ مشاهدَه مغمورةً أغلب الوقت في مياهِ الواقعية الاجتماعيّةِ، حتّى في تعبيرِه عن قضيّته الأساسيّةِ أي قضيّة الفنّانِ، وأثر العملِ الفنّيِّ. تحاول بعض الأقلام أن تجدَ حلاّ توفيقيّا باستعمال مصطلح الواقعيّة السحريّةِ. حيث تمتزج سيميائيّةُ الواقعيّةِ Realism بعناصر الفانتازيا. ولكن حتّى في هذه الحالةِ، فالعجائبيُّ لا يُنكرُ ويجد اعترافا وقبولا حسنًا. قططُ موريكامي تتحدّث في واقعِه لا في أحلامِ أبطالِه. لقد حاولَ بوشناق أن يكسر محرّمات السينما العربية بتجاوزِ نظرتِها الكلاسيكيّةِ للفلمِ كوِحدةِ رصدٍ للواقعِ وللمجتمعِ بالأساسِ، ولكنّه عِوضَ أن يفعلَ، فقد رسّخ لتلك النّظرةِ وبرهنَ ربّما أنّ الحواجز بين السينما العربية والفانتازيا لا تعودُ للجمهور وإنّما للفنّان نفسِه.



 

Sunday, March 17, 2019

الهلع من الدّشرة

 

إنّ ما يجعلُ دشرة حدثا ثقافيّا مهمّا في تونس، هو ذاتُه الّذي جعل منه فلما غير ذي بالٍ. فأدبُ الرّعب بشكلٍ عامّ لم يعد غريبا في تونس إلاّ منذ أن تكوّنت الأكاديميّاتُ وأخضِعَ الأدبُ فيها للدّراسات "الجادّة". أمّا الثقافة الشّعبيةُ الأصيلةُ فنجدُها عامرةً بالحكايات المثيرةِ للخوفِ والخيالِ والمعبّرةِ عنِ الهواجس الدفينة. وفي حين لم تَحِد السينما التونسيةُ أغلب الوقت عمّا لا يرضى عنه أكاديميّو الفنون "الملتزمة" (بماذا؟)، ولم تشذّ إلاّ بكوميديا أو اثنتينِ، يختارُ عبد الحميد بوشناق لفلمِه الطّويل الأوّل أن يمضيَ بعيدا في الشّذوذ، فيقتفيَ بقُمرَتِه ذلك الشّيء المروّع المختبئَ خلف خيالاتنا…
 
لا تسمحُ طبيعةُ هذا النّصّ بالعودةِ للنّظريّات الكثيرة الّتي درست سينما الرّعب وحاولت أن تصنّفها وترتّبها وتجيب عن سؤال : لماذا نشاهدُ أفلام الرّعب؟ وعلى كلّ حالٍ فلم توفّق أيٌّ منها في تقديم إجابة متكاملة1. ذلك أنّ الدوافع تختلف باختلافِ المتفرّجِ وباختلافِ صنفِ الرّعب أو الثيمة. وإذا كانت الدّوافع تتباين عند مشاهدي الرّعب المعويّ Visceral horror أو أفلام التشريح Slasher movies، فإنّها أكثر تباينا مع الأصناف الأخرى للرّعب2. على أنّه يجب التأكيد على تأثير طبيعة العلاقةِ المُنبيةِ بين المشاهدِ والمشاهَدِ في إرساء مختلفِ الدّوافعِ الممكنة.
فالمتفرّجُ جالسًا في ركنٍ خفيٍّ في الظّلامِ يمارسُ نوعا من التّلصُّص Voyeurism على شخصيّاتِ الفلمِ، فيُحدث معها علاقاتٍ أحاديّةً تتراوح بين التّماهي (Identification) والتّوثين (Fetichism). ومن ثمّة، يسمحُ الفلمُ للمشاهدِ عبر هذه العلاقات بإسقاط رغباته على الشّاشة، وتحرير انفعالاته المكبوتة ومواجهتها3.
 
ولئن تبدو هذه العلاقةُ شخصيّةً جدّا، فإنّ كونيّةَ المخاوفِ الإنسانيّةِ تجعل التّأثيرَ جماعيّا. كما أنّ سينما الرّعب لا تتجاهل مخاوف الجماعةِ، أو التابوهات القائمةَ على مستوى المجتمع، بل إنّها من أهمّ محرّكاتها. فهي تعمل على كشف محرّماته وإظهار ما يحاول كبته وإنكاره، من مخاوفنا تجاه ثقافة الاستهلاك الحديثة واعتمادنا المتنامي على التكنولوجيا إلى فَزَعِنا من الآخر المختلف جسديا واديولوجيّا4.
 
أين يتنزّل "دشرة" من كلّ هذا؟ باعتباره الأوّل من نوعه (فلم رعب تونسيّ) فقد كان تجريبيّا بشكلٍ كبير، اختلطت فيه أصنافُ رعبٍ متنوّعة، أهمّها رعب الغيبيّات Occult horror والرّعب النفسي Psychological Horror والرعب المعويّ Visceral Horror وأيضا رعب الأرياف Rural Horror…
 
يتعلّق الرعب النفسيّ بالشخصيّة الرئيسيّة إذ يحملنا على التّماهي معها ومع لحظات فزعها. ومن أشهر أفلام هذا الصّنف مشروع السّاحرة بلير The Blair Witch Project، لذلك فليس غريبا أن يكون هذا الفلمُ حاضرًا بكثافة في مشروع عبد الحميد بوشناق. نتعرّفه منذ المشهد الثالث تقريبا، حين يجتمع أبطال الفلمِ الثلاثةُ: ياسمين وبلال وعزيز. ويعزمون لمشروع التّخرّج على إنجازِ تحقيقٍ صحفيٍّ مصوّرٍ عن القصّةِ المثيرةِ لمنجيّة، إحدى نزيلات مستشفى الرّازي (للأمراض العقلية) الغامضات. وكما نعلمُ، تقودهمُ المقابلةُ إلى الذهابِ إلى قريةٍ صغيرة (دشرة) نائيةٍ في أعماقِ غابة لا أوّل لها ولا آخر. وهناك، تتوارى الحضارة تماما ويحضرُ الفزعُ بمختلفِ أصنافه. فيتحوّل المشاهدُ إلى ضحيّةٍ رابعةٍ مستمدَّةً مخاوفها من التّماهي مع الشخصيات الرئيسيّة وأهمُّها ياسمين.
 
يخبرُنا بوشناق منذ البدايةِ عن الشخصيّةِ الرّئيسيّةِ بدعوتِنا لزيارةِ أحلامها المتداخلة (nested). فهذه عادةٌ معروفة لدى الشخصيات الرئيسيةِ في أفلام الرّعب. ولا تسمح الأحلامُ بتقريبنا من الشخصية الرئيسية فحسب، بل تنذرنا أيضا بطبيعةِ الخطرِ الّذي سوف يتهدّدُها، وتلمّح إلى حقيقةٍ عن البطلِ لم يدركها بعدُ. نجدُ كلَّ ذلك في حلمِ ياسمين الّذي يحيلنا إلى أهم مشاهدِ أفلام الرعب النفسيّ على الإطلاق، وهو مشهدُ الحمّام في سايكو Psycho لهيتشكوك. لكنّني مع ذلك لا أجدُ تفسيرا لحكاية الحمّام والدّماء بين الفخذين… 
 
الكابوس يستعيد لقطة سايكو الشهيرة ولكن من دون موسيقاه العظيمة
 
وفي المرّة الثانية الّتي ينتابُنا فيها الفزعُ مع ياسمين، يظهرُ الصِّنفُ الثاني، وهو رعب الغيبيّات. فمنجيّة تبدو أقرب إلى الدراويش أو المجانين الّذين اقتربوا من جانب النجوم، وعرفوا أكثر ممّا ينبغي. إنّها تملك معرفةً بما وراء الطبيعة، وإلاّ كيف استطاعت أن تشير إلى مكانِ الدّشرةِ في الخريطة في تلك اللحظة العصيبة؟
 
يقوم رعب الغيبيّات على علوم التنجيم والسّحرِ والطقوس المخيفةِ الّتي تحدثُ حين ننامُ. لقد طغى هذا الصّنف بشكلٍ كبير على الفلمِ، خصوصا وأنّ موضوعه الأساسيَّ ـ ظاهريّا على الأقل ـ هو أحد أشهر الطقوس السحريّة وحشيّةً في شمال إفريقيا، أي استعمالُ الأطفال كقرابين للأعمالِ السّحريّةِ.
في هذا المستوى يتراجعُ حضورُ المرجعيّةِ السينمائيّةِ العالميةِ لصالح مدوّنة الرّعبِ التّونسيّةِ الأصيلةِ، على مستوى المضمون على الأقلِّ فقد كان مشهدُ الطّقوسِ الليليّة المرعبةِ ـ كما رأته ياسمين من وراء النافذة ـ أقربَ إلى طقوس سحرةِ أوروبا أو أشبه باجتماع كائنات لا بشريّة في إحدى المقابر.
 
مشهد التغسيل
لم يقف بوشناق عندَ ذبح الأطفالِ، فقد كانت الدّشرةُ عُشّا لشتّى الأهوالِ الّتي يمكن أن تسمع عنها قصصا في تونس: السّحرُ الأسود (الكسكسةُ - أي تحريك الكسكس - بيد الموتى، وتكميم أفواه الموتى بالطلاسم…) وأكلُ البشر والكائنات الماورائيّة الّتي لم يصرَّح عن كنهها تماما ونرجّح أنّها الغولة (المختبئة في المنزل) والعفاريت أو الكائنات الشيطانيّة (الّتي صرفها الجدُّ بقراءة القرآن فتلاشت). نضيف إلى ذلك مشهد التغسيل الّذي قُدِّم الجدُّ بواسطته، وهو مشهدٌ حاولَ المخرجُ أن يبرزَه باللّقطة القريبة جدّا Extreme Close Up ويبثَّ عبره رهبةً لا أظنّها وصلت ونحن نرى بوضوح عروق الميّت العامرة بالحياة، وضلوع جفنيه وهي تجاهد للانغلاق.
 
وعلى كلِّ حالٍ، فقد أخطأ بوشناق بالاعتقادِ في أنّ تكديس هذه العناصرِ سيعطي الفلمَ الأصالة التّونسيّة الّتي ينشدُها. لقد منحَ الحوارُ القصّةَ بالفعلِ تلك الأصالة، بإفراطهِ في العنف اللفظيّ المتبادل بين الشخصيّات حتّى بلغَ العنف المادّيّ. كما أنّ الإطار نفسه يعبقُ بالخصوصيّات التونسيّة، وكان من الأفضلِ الاكتفاءُ بمسألةِ القرابينِ البشريّةِ بما أنّ القصّة تدور حولها.
 
لقد أسهمَ التّكديس في إرباك القصّةِ وتشويشها. فنحن نعلمُ أنّ ذبحَ الأطفال يحدثُ بغرض الحصول على الكنوزِ، لكن لم يذكر ذلك صراحةً. ولا يمكن افتراضُ أنّهم نجحوا في مساعيهم. لقد أظهرت إحدى اللّقطات حصول سيّد الدّشرة (آسف لقد نسيت اسمه، ولا أجد له أثرا على الانترنت) على المال من أحد "الزبائن"، كما نعرف عبر منجيّة أنّ هناك تجارةً تحدثُ، يقدّم بموجبها أهلُ الدّشرةِ خدمات سحرٍ وشعوذةٍ للغرباء القادمين. كلّ هذا يجعلنا نتساءل عن هذه الحاجة إلى المالِ من قبلِ كائناتٍ لا تبدو بشريّةً، إذ قرأ الجدُّ البشير عليها القرآن فتلاشت (قبل أن تعودَ مرّة أخرى).
إنّه عالمٌ لا يبدي أية حاجةٍ للمال أو للعالمِ الخارجيِّ فلماذا يستدعيه (العالمَ الخارجيَّ) ويقيم معه الصفقات؟ ثمّ تأتي الغولة، ذلك الكائن المتوحّش الّذي يطلع علينا من دون أن يضيف أيّ شيء للقصّة عدا نوعٍ مختلفٍ من الرّعبِ وهو الرّعبُ المعويُّ.
 
ورغمَ أنّ بداية الفلمِ لم تخلُ من الدّماءِ (ظهور الدّماء على منضدةِ التغسيل، دماءُ ياسمين أثناء الحمّام، ودماء الإشارةِ إلى الدّشرة في الخريطة)، إلاّ أنّ الرّعب المعويَّ لم يكشّر عن أنيابه إلاّ في نهاية الفلمِ بعد تشويقٍ طويلٍ. يمتازُ التّمهيدُ في عادةِ هذه الأفلامِ بحضورٍ كثيفٍ للإباحيِّ (Hostel)، فالمجزرة الّتي يتعرّضُ لها الأبطالُ فيما بعدُ تأخذُ شكلَ العقوبةِ على السلوكات اللاأخلاقيّةِ الّتي مارسوها. لذلك يتماهى المشاهدُ الوفيُّ لهذا الصّنفِ مع القاتلِ، ولا يشعرُ بأية شفقة تجاهَ الضحيةِ (هناك أنواعٌ أخرى من المشاهدين أكثرُ تعاطفا مع الضحيّة)5. في حالةِ دشرة، وبالسّعي وراء ذات الدّوافع الجنسيّة الّتي ترتبطُ عادةً بأفلام الرّعبِ بما هيَ دوافعُ "محرّمة" نحاولُ كبتها وتحاشي الاعتراف بها، سوف نلحظُ خلفَ اللغةِ حكاية الصّراعِ المكبوت القابعِ في السيّارة بين الولديْنِ على ياسمين. من يجلسُ في المقعد الأماميّ. من يفوز في معركةِ النّكاتِ الجنسيّةِ ويثبت ولو عبر الدّعابةِ أنّه الأكثر فحولةً، أنّه الأكثر تميّزا. عزيز كان دوما صاحبَ السّبقِ، لكنّ ياسمين لا تبالي بذلك، وتصرّ على إبقاء العلاقةِ طفوليّةً. الحقيقةُ أنّها ليست مستعدّة للمرحلةِ الجنسية ولا تزال ترى في أبيها/جدّها حبيبَها المنقذ. ولعلّ هذا ما يفسّر الدّماء في كابوسها. تلك كانت خطيئتها. لقد انقاد الثلاثةُ إلى تخومِ الغابةِ (وما تعنيه في المخيالِ التّونسيّ) بفضل طفلةٍ تلبسُ الأحمرَ. تلك الطفلةُ هي انعكاسٌ لسايكولوجيا ياسمين، فهي تصرُّ رغم مرور السّنين على البقاءِ طفلةً، بقمعِ نوازعها الجنسيّة، والاشمئزازِ من اللحمِ. تحيلنا الطفلةُ الّتي تلبسُ الأحمرَ في الغابةِ على خرافةٍ شهيرةٍ جدا. ترمزُ خرافةُ ليلى والذّئب إلى اندفاع الطفلةِ نحوَ الحياةِ الجنسيّةِ قبل الوقت المناسبِ6. ليلى تذهب إلى بيت الجدّة لتصاحب الذئب في الفراش أما ياسمين فتقول إنّهم مثل الإخوةِ، وتنام في الفراش وحيدةً. وبمجرد أن حدث ذلك، عادت الكوابيسُ، وحضرت الشياطينُ. فيما بعدُ جاء الأبُ/المنقذُ فعوقبَ هو أيضا لرفضه تسريحَ ابنته. أمّا بلال فقد عوقبَ باختراقِ جسدِه بأعنف الطرقِ وأبشع الصّورِ، لأنّه لم يكن رجلا بما يكفي…
 
ياسمين تقود فريقها خلف الطفلة ذات الرداء الأحمر
 
تبقى هذه القراءةُ محدودةً بالكثير من العناصرِ المهلهلة في السيناريو مثلما تحدّثتُ في السّابقِ. ويمكنُ أن نقدّم قراءةً أخرى عن طبيعة الخطيئة الّتي اقترفها الثلاثةُ، وهي تمرّد الشبابِ.
 
منذ البدايةِ يتحرّك الثلاثةُ في عداءٍ مطلقٍ مع البنى والتنظيمات والهياكلِ. بلال يأتي متأخّرا للدّرسِ. ياسمين تعملُ من دون أن تخبر جدّها. ترفضُ الحديثَ إلى الشّيخِ وترفض أفكارَه. ثمّ إنّهم يوضعون في مقابلةٍ مع صنف آخر من الشّبابِ، صنفٍ اختارَ لبس البدلةِ الرسميةِ، والانتشاءَ بالإطراء (ولعق الأحذية)، واستعمال اللغة الخشبية. يحملون أدوات التصويرِ ويندفعون متجاوزين بيرقراطيّة الإداراتِ، والتسلّل عبر الأبواب الخلفيّةِ، لا يتراجعون أمام الغابة الكثيفة، ولا أمام المسافة الطويلةِ. إنّ خطيئتهم أنّهم لا ينضبطون لأيّ شيء، بما في ذلك اللغةَ المقبولةَ. وإذا كانت منجيّة الّتي تشبههم في اندفاعها وتمرّدها وبحثها عن الحقيقةِ، قد تحوّلت إلى مجنونة في نظرِ المجتمعِ، فإنّ مصير الثلاثةِ سيكون أسوأ لأنّهم لم يكتفوا بالكتابة، وإنما جاؤوا بغرض التصوير.
 
أعتقد أنّ هذه القراءةَ مهمّةٌ لأنّها ـ في ما أظنّ ـ تعكس جانبا من شخصيّة المخرجِ حين أصرَّ على مغامرة التصويرِ بميزانيّة خفيفةٍ جدا، متجاوزا طلب الدّعم والمسار البيروقراطيّ الاعتياديّ للسينما التونسيّةِ. ولا شكَّ أنّ روحَ الشّباب المتمرّدِ على الضوابط السينمائيّة القديمةِ حاضرةٌ بقوّةٍ في الدّشرةِ.
وبينما نجح المخرجُ، فشلَ أبطالُه (أو هكذا يبدو لنا) في النجاةِ. وأيّا كانت القراءةُ، فنحن دوما نصطدمُ بالتواءة عزيز واكتشاف حقيقته. إذ تخرجُ علينا بشكلٍ مشابهٍ لنهايةِ فيلم المنشار الأوّل Saw (سنة 2004)، لكنّها تهدمُ كلَّ بناءٍ ممكنٍ تقريبا، ولا غايةَ من ورائها إلا خلق حالةٍ جديدة من الفزع لا أخالها حدَثت. لقد كانت نوعا من الشّطط الدراميّ الّذي يصيب بالتخمةِ حين تكون قد أخذتَ كفايتَك بالفعل من المفاجأة القاصمةِ الّتي كشفتْ حقيقةَ ياسمين.
 
ولم يتوقف الفيلمُ ليعرض علينا تفسيرا مقنعا، واكتفى فقط بالاسترجاع (flashback) ليثبت أنّ المفاجأة لم تكسر السيناريو وأنّه قرئ لها حسابٌ منذ البدايةِ. لكنّ المفاجأة لا تقولُ لماذا وكيف. فهُم كما تقول ياسمين مثل الإخوة، والإخوة يعرفون كلَّ شيء عن بعضهم البعض.
وعلى المستوى التقنيِّ، يمكنُ القولُ إنّ الرّعب المعويّ كان ناجحا، وإنّ الدماء واللحم والأمعاء واللقطات المثيرةَ للغثيانِ كانت مثيرة للغثيان. ولقد ساعدت الإنارة الخافتة Low-Key Lighting والتركيز على اللقطة القريبة Close-up في تلافي نقائص الميزانيّة البسيطة. ولا شكّ أنّ بَقْر بطن بلال كان بشعا بما فيه الكفاية في عيون المتفرّجين.
 
أما جانب الرّعب النفسيِّ، فقد تأثّر سلبا بالميزانيّة البسيطة. ذلك أنّه يحتاج إلى حركة قُمرة أكثر تعقيدا، أو استعمال وجهة نظر البطل POV كما في مشروع الساحرة بلير، وهو أمرٌ رفضه بوشناق، واكتفى بَداله باستعمال متتاليات قصيرةٍ ولقطات قريبة جدا، والعملِ المكثّف على القطع Cuts والتركيب والأصوات السّرديّة diegetic (الصراخ) واللاسردية (الموسيقى) لنقل نفسيّة الشخصيّات أوقات الخطر. وأعتقد أنّ كلّ ذلك قد استعملَ بشكل بسيطٍ خالٍ من الأناقة.
في المقابل، حضرت الأناقةُ في رعب الغيبيّات، فتمَّ تصميمُ الكائنات الخارقةِ والشيطانية بشكل بارعٍ، وكذلك كان تجلّيها رهيبا أحيانا. وبذات العناية، صُمّمت مشاهدُ الطقوس، والأعمال الخارقة. وربّما يعودُ السّبب إلى استئناسِ المخرجِ بمدوّنة الرعب السينمائيّةِ حتّى في هذا المستوى الشديد الخصوصيّة. كان الوحشُ أو الغولةُ شيئا أقرب إلى وحش أفلام الحقد The Grudge أو الحَلَق Ring، وكانت طقوس الليل أشبه بملتقى ساحرات في مقبرة أوروبيّة قديمة. واختفت ألبستهنّ التّونسيّة الريفيّةُ في التقابل الضوئيّ الحادّ الأشبه بالـ chiaroscuro، باستعمال أدوات بسيطة حاول المخرج توريتَها بتقصير اللقطة وتركيبها.
 
اجتماع المقبرة وضوء الكشافات السّيء
 
لقد امتدَّ هذا الامتزاجُ بين الأوروبيِّ والتّونسيِّ إلى رابع أصناف الرّعب الّتي تميّزُ دشرة، وهو أهمّ هذه الأصنافِ لذلك تركتُه لنهايةِ المقالِ. يرتكزُ رعب الأريافِ Rural Horror على فكرةِ الاحتباس في مكانٍ غابتْ عنه الحضارةُ، وما يمكن أن يحملَه من أخطارٍ قد تتعلّق عادةً بمسائل غيبيّةٍ (أسطورةٌ قديمةٌ، طقوسٌ سحريّة، طائفةٌ مخيفة sect). لقد وجد بوشناق في غابات الشمالِ الغربيِّ كنزا فنّيّا ثمينا. شيئا جميلا ومخيفا يشحذُ الخيالَ. شيئا يحملُ الخصوصيات الغربية لأفلام الرعب الريفيِّ، ولكنّه أيضا عامرٌ بالعناصرِ التّونسيَّة الّتي لا تخطئها العينُ.
وهذا المكانُ هو مفتاحُ خارطة الرّعب الّتي تشكّلتْ في دشرة عن غير وعيٍ غالبا، ولكنّها تعكسُ مثلما ذكرنا منذ البداية، محرّما اجتماعيّا مكبوتا.
 
لفهم ذلك يجب أن نعيد صياغة القصّة مثلما يلي: يدرسُ ثلاثةُ طلبةٍ مشروع تحقيقٍ صحفيٍّ فريد. يعيش ثلاثتهم في المدينةِ، يستعملون كلّ ما جادت به التقنيةُ من ترفٍ. من السيّارة إلى الكمبيوتر والهاتف. وحتّى دراستهم تعتمد على تقنيات تصويرٍ متطوّرةٍ لا يملكُ أيٌّ كان القدرة على استعمالها (لنذكر صراخ بلال في وجه عزيز بعدم استعمال قمرته). حين يلتقون بمنجيّة (لاحظوا المقابلةَ بين اسمِ منجيّة واسم ياسمين)، تلك المرأة الّتي وجدت في مكانٍ مقفرٍ بعيدٍ عن الحضارةِ، يختفي الكهرباءُ، ويختفي الحوار المتحضّرُ ويستبدلُ بهجومٍ شرسٍ ودماءٍ تعبّرُ، ويختفي google map وتحضر الخارطةُ التقليديّةُ الورقيّةُ.
 
يذهب الثلاثةُ إلى تخوم الغابةِ، بعيدا عن كلِّ أشكالِ الحضارةِ فماذا يجدون؟ مجتمعا بدائيّا تماما. تحدثُ مقابلةٌ حادّة بين الجماعتين. كانت ياسمين قائدة الثلاثة ولا شكّ. تقود السيّارة، تبادرُ بالحديث، تصرخ في الولدين وتفضُّ نزاعهما، وتتحدّث باسم الفريق. في المقابل، كان هناك سيّدٌ واحدٌ وجمعٌ من النّساءِ من مختلفِ الأعمارِ. يتحدّثُ السيّدُ باسمِ الجميعِ بلهجة الشمال الغربيِّ، وأسلوبٍ ريفيٍّ لطيفٍ. يُبدي لهم كلَّ الكليشيهات الّتي نعرفُها عن أهل الريف: الفقرُ والكرمُ وحسنُ الضيافةِ والشّهامةُ وعرضُ المساعدةِ بلا حدودٍ. في الأثناءِ تكتفي النساء بالصّمتِ المدقع. في هذا المجتمعِ يحرم أن تتكلّمَ النساءُ، ويجب أن يكتفين بطهوِ الطعامِ.
في المرّة الوحيدةِ الّتي نطقت فيها امرأةٌ، كانت حاملاً، وكانت توشوشُ في خوفٍ وكان جزاؤها التوبيخ الشديدَ من سيّد الدّشرةِ. لماذا صرخ فيها؟ يجيبُ ببشاشته السخيفةِ إنّها امرأةٌ تهذرُ كالمجانينِ بما لا تفهمُ.
يجلسُ الجميعُ للأكلِ. يقدّم الطعامُ. لحمٌ وفيرٌ وغيابٌ تامٌّ لأدنى مظاهر النظافةِ. تُبرزُ القمرةُ توحّش القومِ وهم يلوكون اللحومَ، وتبرز في الوقتِ ذاتِه مشاعر القرف المرتسمةِ على الفتاةِ المتحضّرةِ وصديقها بلال.
 
إنّ هؤلاء القومَ لمرعبون. إنّهم يعيشون خارجَ الحضارةِ. يمسكونَ سكاكين عوض مضخّمات الصّوت والقُمرات، ويأكلون بأيديهم بدل الشوكة والسكين، ويخفي النساءُ وجوههنّ عن الغريبِ ويمتنعنَ عن الحديثِ. إنّ الرّعبَ الحقيقيَّ هنا، هو أن تكتشفَ فجأةً أنّك جئت من هنا، من هذا المكانِ!
 
قد يقول القائلُ إنّنا لسنا أمام مقابلةٍ بين الريفِ والمدينةِ، بين الرّيف والعاصمةِ لو شئنا الدّقة في نقلِ الكليشيه الشّائعِ. والأمرُ لا يتعلّق إلا بمكانٍ محدّد دون غيرهِ. لكنّ المقابلةَ الّتي تحدثُ بين جمعِ الطلبةِ وجمعِ المتوحّشينَ واضحةٌ. أكّدها المخرجُ من خلالِ اهتمامِه برحلةِ الجدِّ لإنقاذ ابنته.
 
هناك أغنية راب RAP تونسيّة شهيرة تعكس بشكل كبيرٍ الصّورة النّمطيّة الرّائجة في تونس: 
”جاي مالريف للعاصمة 
مخلي وريا دعاوي لميمة 
من عيلة فقيرة و بو زاولي 
لا سمعنا عمدة ولا والي 
راكب في لواج سارح بافكاري 
نتذكر الفقر تشعل ناري 
في الصغرى مشينا قرينا عل الكريتا 
في صغري نستخايل مناش في الخريطة … 
حكينا عالحاضر و الماضي 
وعلى الدشرة الفقر في دشرتنا صاحب عشرة“
 
وهو مشهدٌ لو قلبنا مسارَ رحلته لاختصر الفيلمَ تقريبا. تقترنُ سيارة الأجرة المعروفة باللّوّاج بالريف بشكلٍ كبيرٍ. ورغمَ وجود الدشرةِ في الشمال الغربيِّ (الأكثر فقرا في تونس)، فإنّ المخرجَ اختار تصوير محطّة باب عليوة الّتي تذهب بالمسافرين جنوبا. ربّما لأنّها مناسبةٌ للتصويرِ أكثر من محطة باب سعدون (الّتي تنقل إلى الشمال)، وربّما أيضا لارتباطها في المخيال الشعبيّ بالانتقال من المدينة إلى الريف، كما في أغنية بلطي.
 
لا، لم يكن الأمرُ عفويّا تماما. فلا توجدُ أيّةُ حاجةٍ سرديّةٍ لتصويرِ رحلة الجدِّ بذلك الشكلِ. ما إن يصل إلى المحطّةِ حتّى تحضر الأشباح (أو الرّهبان لا أعرف). وفي داخل السيارة، لم يُخْفِ الجدُّ خوفه من هذه الكائنات الجالسة من حوله وتتصرّفُ بشكلٍ مريبٍ.
تحملُنا القُمرةُ على الخوفِ من هذا العالمِ، والتوتّر تجاه تصرّفاته. مع إنّنا طيلةَ هذا الوقتِ لا نستطيع الجزمَ بشيءٍ خطإٍ. حتّى مشاهد اللحم المقزّزة، تعكسُ في الواقعِ نظراتِ ياسمين ورفيقيها لما حولهما. ولم يحدث التّحوّلُ إلاّ بالتّزامنِ مع لحظة الكشفِ الرّهيبة: إنّ ياسمين قادمةٌ من ذات هذا المكانِ الذّي تقرفُ منه! إنّها بشكل مجازيٍّ أصيلةُ هذا المكانِ المخجل، أصيلةُ هذا العالم اللامتحضّر المتوحّش! مع اكتشاف هذه الحقيقةِ ينقلبُ العالمُ رأسا على عقبٍ، ويموت من يموتُ، ويهربُ من يهربُ، وتخرجُ الوحوشُ من مخابئها، ويحطُّ الموتُ على الرّؤوسِ.
 
إنّ الاشمئزازَ من الرّيفِ، ومن الأصولِ الرّيفيّةِ أمرٌ شائعٌ عند التونسيّين. ورغمَ كل الكلام اللطيف الذي نقوله في القنوات والصحافة والاجتماعاتِ والندوات الرسمية، فلا تزال زلاّتُ اللسانِ تفضحُ من يشمئزّون ممن وراء "البلايك"، ولا نزال نلاحظ الحضور المكثف لفوبيا الأرياف (لو وجد شيءٌ كهذا) في كلام المقاهي والشوارعِ، وفيما لا يقالُ. إنّ الخوفَ من الأرياف وأهل الأريافِ هو نوعٌ من الخوفِ من الآخر (society's fear of otherness) لما يعكسُه المجتمعُ التّونسيُّ من تقابلٍ عنيفٍ بين الرّيف والمدينةِ.
 
قد يحدثُ ما كانت تخشاه ياسمين، وتتحوّل إلى "منجيّة"، ولكنّنا على أيّة حالٍ لا نرى في حكايةِ ذبح الأطفال إلاّ تعلّة واهية. لقد حدثت أغلبُ هذه الحوادثِ في مدنٍ لا في قرًى صغيرةٍ. وما استشهاد المخرجِ بحادثة الطفل ربيع (ابن منزل بورقيبة أكثر من خمسين ألف ساكن) إلاّ دليل على ذلك. كما أنّ الفيلمَ لا يمكنُ أن يكون تحذيرا إذا ما أخذناه بجدّية، فهو يؤكّد امتلاك هؤلاءِ للقدرات الخارقةِ وينفي فكرة الهراءِ والشعوذة العقيمةِ. هو أقرب إلى التشكيل الخارجيِّ لذلك الرّعبِ الحقيقيِّ الكامن وراءه.
فيلمُ دشرة، عملٌ تونسيٌّ فاتحٌ، لأنّه اقتحم سينما النّوع Film genre وتمكّن إلى حدّ جدِّ محترمٍ من أدواته. ورغمَ بعض الحشوِ الّذي سبّبته الحماسةُ والاندفاعُ، فقد استطاع أن يصنع شيئا حافلا بالأفكارِ والصّورِ. لقد أطنبتُ في تحليلِ الفيلمِ لتبيين قيمة سينما الرّعبِ، وجدّيّتها عكس ما يظنُّ الكثيرون. فلا شيء يدفعُ بالفنِّ إلى الأمامِ أكثر من أن يكون شعبيّا.
 
-------------
1 - جون ب. هِسّ: سايكولوجيا أفلام الفزع John P. Hess The psychology of the scary movies
2/5 - د. ديردي جونسون، المراهقون، دوافع مشاهدة الرّعب المعوي ـ أبحاث في التواصل البشريJOHNSTON, Deirdre D.: (1995) Adolescents„ Motivation for Viewing Graphic Horror. IN : Human Communication Research. 1995
3/4 - سوزَن هيوَرد، دراسات في السينما Susan Hayward: Cinema Studies, Key Studies
6 - برونو بيتلهايم : استخدامات السّحر: معاني الخرافات وأهمّيتها (1977)Bruno Bettelheim: The Uses of Enchantment: The Meaning and Importance of Fairy Tales (1977)

Tuesday, October 31, 2017

العفاريت كما تراها كوثر بن هنيّة


بين صرخة الانتفاضة وأمل الثورة، نبتت بالوعة من فراغات التهافت. ثمّ، وكأنّها ثقب أسود، راحت تسحب النور من بين أعين التونسيّين حتّى بات الظلام متهالكا على الأفق، قريبا من اليقين، وبات اليأسُ لغة التواصل، ومشتَركا حين فرّقتهم سياسات التّوافق. لا شيء يبشّر بالجمال تقريبا، ولا شيء يعد بأفضل منه، ربّما باستثناء بعض ذلك الذي يحدث في السينما. فمع كلّ سنة من الحرّيّة، يزداد تردّد الأصوات السينمائيّة التونسيّة، في المهرجانات الكبرى، وبعد أن دوّت صورة "نحبّك هادي" لمحمّد بن عطيّة في برلين السنة الماضية، جاء دورُ المخرجة كوثر بن هنيّة لتظفر بمشاركة متميّزة في مهرجان كانّ الأخير من خلال فيلمها الجديد "على كفّ عفريت".

وبعد أن تُوجّت السنة الماضية بالتّانيت الذهبي بفضل فيلمها الروائيّ الطويل الثاني "زينب تكره الثلج"، تشارك بن هنية مرّة أخرى في مهرجان قرطاج بفيلمها الذي شارك في مسابقة "نظرة ما" Un certain regard في نسخة كانّ Cannes الأخيرة.
يستعيدُ فيلم "على كفّ عفريت" جزءا من البالوعة التي تسحب الألوان من مشاهد الحياة التونسيّة، ينبش فيها، ويعيد تشكيلها بإيقاعات أكثر حدّة من حواسّنا الرّاكدة، عسى أن يوقظ ما نام فينا، أو يحرّك ما سكن. من خامات الرعب، والقبح، واليأس كما يعيشها التونسيون، رسمت كوثر بن هنية، طريقا جديدا للإبداع ربّما لم تألفه السينما التونسيّة الغارقة في وحل التقليد منذ سنوات طويلة. فإذا اليأسُ من الوطن، أملٌ في سينماه، وإذا الكفر بنظمه، إيمانٌ بشاشته الكبيرة.

يصعب الحديث عن "على كفّ عفريت" دون التطرّق إلى العفريت، وإلى كفّه، وإلى الظروف التي دفعت "البطلة" إلى الوقوع على هذا الكفّ. لحسن الحظّ، لا ينتقص حرق الأحداث شيئا من سطوة الموقف، ولا من وقع الصدمة، فخطوط القصّة العامّة معروفة عند الشارع التونسيّ منذ أربع سنوات تقريبا، حينما تفاعل مع ما حدث لمن أطلق عليها إسم "مريم"، شابّة تونسيّة تعرّضت رفقة صديقها إلى اعتداءٍ من بعض أعوان البوليس، فقط لأنهما لقمة سائغة، في وضع ضعيف يسمح بالابتزاز، أو هكذا خيّل للأعوان.

ليست هذه المرّة الأولى التي تعتمد فيها كوثر بن هنية على مادّة مستوحاة من الواقع، فقد كان فيلمها الروائيُّ الأول مبنيّا على قصّة من عرف بـ"شلاّط تونس". لكنّ التعامل مع القصص الواقعية، يبقى أمرا نادر الحدوث في السينما التونسيّة، لا لسعة الخيال وإنّما لضعفه، فالعمل على اللامتخيَّل يتطلّب اهتماما أكبر بالكيفيّة، بالأسلوب، لأنّه، حينما تكون الدراما معدَّة سلفا، يبقى هو أهمّ مواطن الإبداع. كتبت المخرجة التونسيةُ سيناريو الفيلم انطلاقا من مذكّرات مريم بن محمّد (وهو إسم مستعار) المنشورة تحت عنوان "ذنبي أنني اغتُصبت" Coupable d'avoir été violée، لذلك كان عليها أن تشتغل على الصورة لتنقل إليها القيمة المضافة للقصّة، ولقد كان هذا العملُ جليّا منذ المشهد الأول.

تؤدّي مريم الفرجاني أوّل دور لها من هذا الحجم، لكنّها منذ اللقطة الأولى، تواجه الكامرا/المرآة بثقة تبعث على البهجة، معها صديقتُها تساعدها على الاستعداد لاقتحام سهرة جامعيّة صاخبة في تونس العاصمة. تتصرّف كأيّة فتاة حديثة العهد بهذا العالم المغوي، تتقلب بين الحماس والارتباك والدهشة والرغبة، تتبع مسارا سطّرته قمرة (كامرا) المخرجة المتسلّطة على المشهد، المسيطرة بإتقان كبير لكلّ تفاصيله. تجول بنا في أركان الفضاء بفضل لقطة متتالية (long take) من عشر دقائق، هي إحدى تسعة لقطات فحسب كوّنت الفيلم كلّه. وبفضل عمق الحقل (deep focus) الذي سمح به الفضاءُ وهندسةُ المخرجة، أمكن رؤية ما هو أبعد من رؤية البطلة نفسها. هناك عند الركن، يقف ذلك الشابّ الذي لحظت اهتمامه بها، يتحدّث مع إحدى رفيقاتها، فنعرف ـ نحن المشاهدون ـ قبل البطلة نفسها، كيف ستتعرّف عليه.
هكذا بما قلّ من الكلمات وما دلّ من الصور، صرنا داخل إطار المشهد، نتحرك خلف قُمرته الحيّة النشيطة المغرية، كأنّها تتجاوز علاقة التلصّص التي تجمع ـ عادة ـ بين المشاهد وبين الشخصيّات، إلى علاقة شراكة هي مفتاح الإثارة Thriller الذي سوف يواجهنا بعد حين.

تنتقل المخرجة من التمهيد إلى جوهر الأحداث بعنف صادم. تنقلب الوجوه، وتتغيّر العبارات، ويفقد الفضاء موسيقاه المرحة. في المشهد/اللقطة المتتالية الثانية، يتمُّ تجاهل الحدث القادح، أو يتمُّ حجبه بشكل مستفزّ، ولا نفهم وقوعه إلا بشيء من التأخير. كما في رائعة كاغيموشا Kagemusha لا نحضر المعركة، ولكن تطالعنا أوجه الجرحى ورائحة الموت فنفهم كلّ شيء. رسمت مريم الفرجاني على ملامح شخصيّتها ما نحتاج إليه من رعب، وصدمة عصبية، وإحساس بالضياع لندرك ما حلّ بها، فالاغتصاب هو الاغتصاب أينما كان في بلاد الدنيا، أما ـ ما تلا الاغتصاب ـ فهو شيء تونسيٌّ فريدٌ يجب أن نعيشه من وراء الشاشة لنشعر به، ونفهمنا.

في ثمانية لقطات متتاليات يتراوح طولها بين الثمانية والثمانية عشر دقيقة، نجول مع مريم ويوسف (غانم الزرلّي) بين المستشفيات ومراكز البوليس وشوارع العاصمة، نحمل ثقل المذلّة والمهانة التي يحملان، ويعترينا شعور بالإثم عظيمٌ مع كلّ نظرة إدانة في وجه شخصٍ يُفترض منه المساعدة. وكأنّنا في محاكمة كافكا التي لم تلتئم، يضيع وسط البيروقراطية كلُّ إحساس بالتّكافل، والرحمة والإشفاق، وتسود اللامبالاة. فأمام حالة الضحيّةِ الرثّة، تجدُ موظّفة الاستقبال بالمصحّة وقتا للحديث عن الشاي والسكّر. ويُرفع شعار القانون الذي لا يلتزم به أحد منهم: لا يمكن قبول المريضة بدون هويّة رسمية. لا يمكن قبول طالبة في المبيت بعد العاشرة. لا يمكن أن تركب سيارة أجرة دون أن تدفع ثمنا كاملا… كأنّنا في زمن الاشتباك لغسان كنفاني، يبدو مشهد الناس في قسم "الاستعجالي" في المستشفى مرعبا، يشتبكُ الناس ويتهافتون كلٌّ من أجل حياته، لا أحد ينظر إلى الآخر تقريبا، كأنّنا في فيلم زومبي.

لقد استعاد يوسف هذه الاستعارة وهو يتحدّث عن حياته. يشعر أنّه البشر الوحيد الباقي وأنّ الجميع من حوله يريد أن يعضّه ويخلّصه من إنسانيّته. ربّما لذلك يبدو لوهلة أنّه البشريُّ الوحيد من حولها، الشخص الذي صمّم أن يطالب بحقّه من العدالة، فزرع فيها ذات العزيمة. لكنّنا نكتشف تباعا، أن يوسف ليس وحيدا، فهناك بعض أمارات الإنسانيّة في بعض هؤلاء الناس، ربّما مثلا تلك الممرّضة التي وكأنّها إذ تتابع قصّة مريم، تتابع مسلسلا تركيّا، وربّما الدكتور البحروني (الطبيب الشرعي) الذي ـ في ممارسته لمهنته بمثل ما يُفترض منه أن يفعل ـ بدا شخصا خارقا، ولكن خصوصا عون البوليس الذي استعاد دوره كعون أمن يحمي الضحيّة قبل أن تُطبق عليها كفُّ العفريت.

ولكنّ استعارة الزومبي تتجلّى بشكل أبرز هناك، في جبّ العفاريت، حين يطاردُ المعتدون ضحيّتهم. مرة تحتمي منهم بالكلاب (ربّما في إشارة إلى استعارة أخرى)، ومرّة بالهراوات، ومرّة بالاختباء وراء باب مغلق. لا يمكن أن نُخطئ خلوَّ هذه المطاردات من كلّ داعٍ دراميِّ حقيقيِّ، ولا يمكن أن نغفل عن حركات ثلاثتهم السخيفة والمبالغ فيها. من قال إنّ الموتى الأحياء لا يمكن أن يظهروا في دراما واقعيّة؟ بين جدران مراكز الأمن، تخطو كوثر بن هنيّة على حافّة أفلام الرعب، ورهاب الأماكن المغلقة، وحتّى عند الخروج إلى الشارع الخالي الفسيح، لا يزال الاختناق سمة المكان. كأنّ البلاد كلّها ثكنة بوليس كبيرة، مهمّة أعوانها الأساسيّة حفظ نمط ثقافيّ يقدّس الذكرَ ويختزل المرأة في أنوثتها، أو ما يُعرف اصطلاحا بثقافة النظام الأبويّ (Patriarchy).

لقد عملت كوثر بن هنيّة على النبش في مفاصل النظام الأبويّ، فكان حاضرا على حافّتيْ الدراما كسكّة تقودها. منذ البداية، تجنّبُ علاقةَ مريم بيوسف من التقاليد المألوفة. لا يهرع الشابُ إليها، ولا تتمنّعُ، بل تتوجّهُ إليه وتعرض عليه الخروج من دون أن تعرف إسمه. لكنّ خيارها لا يخيب إذ يتّضح ـ فيما بعدُ ـ أنّه "الرجلُ/المثالُ".
وخلال رحلتهما، تنثرُ المخرجةُ الكثير من الأفكار الرّائجة في مجتمعات النظام الأبويّ. فالمرأة المغتصَبة مدانة مسبقا، ربّما من قِبَل النساء قبل الرجال. لقد كانت النساءُ أكثر قسوة في تعاملهنّ مع البطلة، فموظّفة الاستقبال في المصحّة الخاصّة، اتّهمتها بمحاولة الكيدِ لشخص ما، والصحفيّةُ "المحترفة" فضّلت مواصلة النوم على أن تهتمّ لأمرها، فهي لا تعدو أن تكون قصّة للنشر، ولكنّ أقسى الأحكام، أطلقته عليها الشرطيّةُ التي أسأنا فهم هدوئها. فمع أوّل اختلاف برزت تلك الفكرةُ المخفيّةُ جانبا، قالت لها بنظرة اتّهام لا غبار عليها : عاهرة.
لقد ظلّت هذه المشاهدُ ثانويّةً لأحداث القصّة، وظلّ تأويلها مضمَّنا لا صريحا، ولم تحاول كوثر بن هنية أن تخلق أية مواجهة إيديولوجيّة، ما جعل الصورة تصل ببلاغة لم أعهد مثلها في السينما التونسيّة. لم تتوقّف كوثر بن هنيّة عند القمع الذكوريِّ للمرأة، بل ذهبت إلى القمع الذكوريِّ للرجلِ أيضا. فكان ما تعرّض إليه يوسف من ضروب الإذلال أقسى وأعنف. فأسقطت عنه "الرجولة" لأنّه عجز عن حمايتها، وفي كلّ مرة حاول فيها عون بوليس استفزازه، كانت هي الوسيلة. حتّى عند خلافه مع سائق سيارة الأجرة، كانت إهانة السائق تمرّ عبر الفتاة :"إذا كنت مفلسا، لماذا تُتعب بنت الناس معك؟".

لقد ربط "على كفّ عفريت" بخفّة عبقريّة، بين النظام الأبويّ والنظام البوليسيّ. فبالنسبة لكوثر بن هنيّة، لا يعدو الثاني إلاّ أن يكون تمظهرا للأوّل. لا ديمقراطيّة مع نظام بوليسيٍّ، هكذا بدت المواجهة بين يوسف والأسعد (المحقّق الأول)، لكن أيضا، لا يمكن التخلصّ من النظام البوليسيّ مع الإبقاء على النظام الأبويّ، وهكذا بدا بورتريه Portrait أعوان البوليس في الفيلم. يقفون متجاورين، كأنّهم يحشدون التِّسْتُسْتِيرون، يأخذ أحدهم موقع الزعامة، ربّما بفضل شاربه الطويل، ينفخ صدره قدر ما يستطيع، يمارسون الوصاية على المرأة، يسمّونها "الوليّة"، "الصبيّة"، أو ربّما بنعوت سوقيّة أخرى. لا يتبنّى العنفُ البوليسيُّ ثقافة الـPatriarchy فهو وليدُها، وتجلّيها، لذلك يمتزجان بشكل مكثّف في عبارات الترهيب والتخويف النمطية: "نكلّمو بوك"، "فضيحتك على كل لسان"، "شكون باش يرضى بيك؟"… بدون الوقوع في تمطيط مملّ، أو تكرار لما يعرفه الجميعُ، استعاد الفيلمُ أهمّ تقنيات البوليس التونسيّ، وطرقه لمغالطة المواطنين والتلاعب بهم وبأعصابهم. إنّهم عكس مريم المواطنة، يحفظون القانون جيّدا، يخفونه حين يدينهم، ويتلونه في خشوع حين يخدم مصالحهم. يسهل عليهم وضع الضحيّة في موضع الجاني، الوقت في صالحهم كما ذكر الشاذلي (أداء مميّز من الشاذلي العرفاوي)، والنظام يحميهم لأنّهم عمادُه.

وكما ربط الفيلم بين السلطة البوليسية والسلطة الأبوية، ربط أيضا بين ثورة الحرّيّة وجهاز البوليس. بين شباب القصبة وأعوان القمع، فلا ننسى أنّ كوثر بن هنيّة ابنة سيدي بوزيد. فأحدث استعمالُ عبارة "على كفّ عفريت" في خطاب الشاذلي، مقاربةً بين مريم وتونس، الأولى المعنيّة بعنوان الفيلم، والثانية المعنية بعبارة المحقّق (البلاد على كفّ عفريت وأنت تحب تشكي؟). كلاهما ضحيّة والجاني واحد يأخذ شكل بطل يحمي الحمى من الإرهاب.

إنّها المرة الأولى التي يخرج فيها فيلمٌ تونسيٌّ بهذه الجرأة في الشكل وهذا الاندفاع والوضوح في المضمون. لكنّه مع ذلك لم يخلُ من الهنّات خصوصا على مستوى الآداء. فرغم عمل مريم الفرجاني المميّز في شخصيّة مريم، إلا أنّها عرفت بعض لحظات الضعف خصوصا في مشهد المستشفى الأوّل (لا ما تصوّرنيش!)، كما كان الكثير من الأدوار الثانويّة هشّ الآداء، فالممرّضة في المستشفى لم تكن تنظر إلى الممثلين تقريبا، وأداء المعتدين الثلاثة كان أحيانا أقرب للهزل منه للرّعب، أمّا المحقق سي الأسعد، فلم أسمع عن محقّق ألطف منه. لقد دفعه يوسف بالفعل، ومع ذلك لم يمسّه بسوء، بل أبدى ثقافة عالية تجعلني أتساءل كيف لشخص يجيد الاستعارات الميثيقية أن يتصرّف بتلك الرّداءة؟ لقد كان مثال يوسف النجار ومريم العذراء و"ما عندناش منه في القرآن" سيّئا بقدر ما كان مثال الزومبي ناجحا.
ويبقى خطأ شاشة الهاتف السوداء حين تظاهر الشاذلي بأخذ رقم الأب منه، أسوأ الأخطاء التقنية. لكنّ هذه الأخطاء وإن أثّرت بعض الشيء على جودة العمل، فهي لم تسلب منه قوّته، ولا مساحة الإبداع فيه، ليبقى برأيي أحد أهم التعبيرات السينمائيّة التونسيّة ودليلا على أنّ رياح الحريّة قد بدأت تنحت بصماتها.

العنوان : على كفّ عفريت
السنة : 2017
المخرج: كوثر بن هنيّة
الصنف : دراما، اجتماعي، إثارة
المدّة : 100 دقيقة
البطولة : مريم الفرجاني، غانم الزّرلّي

Translate