Showing posts with label هوليود. Show all posts
Showing posts with label هوليود. Show all posts

Thursday, September 14, 2023

أوپنهايمر يلعب بالنّرد

تحتوي المراجعةُ على مقطعيْن:
 
1. اِندماج
 ---------------
 
فلمُ أوبنهايمر Oppenheimer آخرُ أعمال البريطانيِّ كرستوفر نُولَن. تجربةٌ بصريّةٌ أخاذةٌ لا يجبُ التفويتُ فيها بالمشاهدةِ المنزليّةِ عوضَ الذهاب إلى السينما. ليس فقط للتمتّع بتقنية IMAX الّتي صوّر بها كاملُ الفلمِ بما في ذلك الأبيض والأسود منه، وليس أيضا للغيابِ المُطلق للصّورِ الحوسبيّة CGI حتى في مشهد الانفجارِ النوويِّ الرّهيب. ولكن، لأنّ كثافة المادّة التي يقدمها نولن خلال ثلاثِ ساعاتٍ، تتطلّبُ تركيزا قد لا يسمح وضعُ جلوسِك المنزليُّ بتحقيقِه!
لم يعد أسلوب نولن يخفى على أحدٍ. فليس مفاجئا أن يلعب لعبتَه المفضّلة مع السّردِ ويقسمه إلى خطّيْنِ منفصليْنِ يحكيانِ حكايةَ أوپنهايمر بسلسلةٍ من المشاهدِ الاسترجاعيّةِ Flashback.
فأمّا الخطّ الأولُ، فيحدثُ سنة 1954، ويصوّرُ تفاصيلَ محاكمةٍ إداريّةٍ غير معلنة لمدير مشروع مانهاتن لصنع القنبلة الذرية روبرت أوپنهايمر R. J. Oppenheimer (أداء كِليان مرفي Cillian Murphy)، بسبب شبهة تعاونه مع السوفييت، وما يستتبعه ذلك من خطر تجريدِه من ترخيصه الأمنيّ الذي يسمح له بمواصلة أنشطته في المجال النوويّ. بعبارة أخرى، كان يواجه خطر نهاية مسيرته وتحطيم سمعته.
وأما الخطّ الثاني، فيحدث بعد خمس سنين (1959) ويصوّر وقائع جلسة استماع الشيوخ (Senate) لمرشّح البيت الأبيض لحقيبة التجارة، لويس ستروس Lewis Straus (أداء روبرت دوني جونيورز Robert Downey Jr.) ولمّا كان مفترضا أنها جلسة شكليّة لتزكية المرشح، تحوّل الأمرُ إلى مساءلةٍ مفاجئةٍ لعلاقةِ ستروس بأوپنهايمر وبمحاكمتِه السريّةِ الّتي يرويها الخطُّ السرديُّ الأولُ.
هكذا تتقاطع روايتا أوپنهايمر وستروس لقصّةِ مشروعِ مانهاتن وتختلفان. فميّزَ المخرجُ بالأبيضِ والأسودِ الرّوايةَ من وجهةِ نظرِ الثاني، وبالألوانِ المشاهد التي تمثّل روايةَ الأوّلِ. وبين هذا وذاك، يتفادى المخرجُ تكرار الأحداثِ، فيحدثُ التقاطع في لحظتيْن رئيسيّتين (اللقاء الأوّل في پرنستون، وجلسة استماع حول تصدير النظائر الذرية Isotopes) تكشفان عن طبيعة العلاقةِ الدراميّة بين الرجليْن، وهي علاقةٌ قريبةٌ من تلك التي خلّدها ميلوس فورمان بين موتسغت Mozart وأنطونيو سالييري Salieri في رائعتِه أماديوس Amdeus.
يتفادى المخرجُ أيضا أن يشعرنا بالمللِ رغم السّاعات الثلاث والمقاطع الحِواريّةِ الطويلةِ. فهذه المرة، وعلى عكس أفلامِه الأخرى، نشعر أنّه خفّف من حجم التحدّيات التقنية لحساب الدّراما والشّخصيات، فاختزلها تقريبا في مشهد تجربة ترينيتي Trinity. وفيما عدا ذلك، نجده أكثر تركيزا على حواراتٍ دسمةٍ كاشفةٍ عن جوانب عديدةٍ من الشخصيّة الرئيسيةِ. فتعمّق في ماضيه، وجعلنا نرافقه في رحلتِه الأوروبيّةِ لتحصيل المعرفة عن الفيزياء الجديدةِ، وعرض علينا أنشطته النقابية ومغامراتِه العاطفيّة، حتّى تجسّد الرجلُ عند اللحظة التّاريخيةِ مكتملَ الأبعادِ، مع زخمٍ تعبيريّ ينبعثُ من عينيْ مؤدّيه كِليان مرفي بلا حدودٍ، ويرشح بلا شكّ لجائزة الأكاديميّةِ مرفوقا بزميلهِ روبرت داوني جونيور عن أفضل أداءٍ لشخصية ثانويّةٍ.
ولن تنسى لعبة الاحتمالاتِ في حفل الأوسكار، أن تُنصف موسيقى ڤورنسون Ludwig Göransson وإدارة التصوير الفذّة لهويت فان هويتما Hoyte Van Hoytma.
قد يعاب على الفلمِ انحيازُه لأب القنبلة إلى درجة أنّه تجاهلَ ضحاياه الّذين يفوقون المائتيْ ألف قتيل، ليهتمّ بمعاناتِه السخيفة من تلك المحاكمة الإداريّة المكارثية الّتي أقيمت له. ولكنه يبقى فلما مدهشا عن پروميثيوس العصر الحديثِ، فإذا كنت ستشاهد فلما واحدا هذا العام، فليكن أوپنهايمر.
 
2. اِنشطار
-----------------------
تحدّث الفلم عن ضحايا القنبلة في أحد المشاهدِ بالفعلِ، وعدّدهم وأبرز هول الكارثة دون أن يغامر بصور قد تستفزّ. وهذا ليس غريبا عن نولن الذي تفادى تصوير الألمان في فلم دنكرك Dunkerk. على أنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا، لماذا عليه أن يهتمّ بالضحايا إذا لم تكن القنبلةُ ولا الحرب النوويّة ولا حتى أوپنهايمر نفسُه جوهر الفلم؟ إننا ولا جدال، إزاءَ قصّةِ أوپنهايمر المفصّلةِ مع القنبلة، ولكنّها تفاصيل منتقاةٌ بعنايةٍ شديدةٍ حتّى تكون القصّةُ العيّنةَ التي تجسّد الجوهر وتبيّنُه. والجوهر الذي بحث عنه نولن هنا، كان أوپنهايمر كإعادةٍ لتشكيل إدراكِنا للواقعِ والحقيقةِ من منظور فيزياء الكمّ.
وبهذا مثلا، نفسّر إغراق نولن في وصف تفاصيل رحلة بطلِه الأوروبيّةِ، وفي تعديدِ أسماءِ العلماءِ الكبارِ الذين وضعوا أسس الفيزياءِ الجديدةِ، من نيلز بور Niels Bohr إلى هايزنبرڨ Heisenberg. حتّى إنّه لم ينسَ أن يشير عَرضا إلى دور أينشتاين في فتح الباب لهذا العالمِ بنظريّة المفعول الكهروضوئيّ Photoelectric Effect (وبفضلها حصل على جائزة نوبل، لا بالنسبية).
وعندما عاد البطلُ إلى بلدِه لتدريس الفيزياء الجديدةِ، انطلق من هذه المسألة، عارضا على تلميذِه الأوّلِ لومنتس Giovani Rossi Lomanitz معضلة طبيعة الضوء المتناقضة: هو موجةٌ وجُسيْمٌ في الوقت نفسِه.
ولّدت حالات التناقضِ في فيزياء الكمّ نوعيْن من ردودِ الفعل: فإما التعامل معها بشكلٍ براغماتيّ أفرزَ قوانينَ ميكانيكا الكمّ القائمة على علم الاحتمال كما فعل بور Bohr. وإما البحث عن تفسير أعمق وأدقّ يعيدُ إلى الفيزياءِ حتميّتها، وهذا رأي ألبرت أينشتين، فالله لا يلعب بالنرد كما يقول. وبين هذا وذاك، نعلم يقينا خيار بطل نولن.
لم تكن طبيعة الأشياء من منظورِ فيزياء الكمّ سوى تأسيسٍ نظريّ لما سيهتمُّ بهِ نولن فعلا. وكما قال بطلُه لرئيسِه في جامعة بركلي الدكتور إرنست لورنس Ernest Lawrence (أداء جوش هارتنت Josh Hartnet) حين وجد على السبورة دعما صريحا للثورة الإسبانيّةِ: لقد احتضنتَ الثورةَ في الفيزياءِ، فهلاّ رأيتَها في كلِّ شيء آخر؟
لقد عاش أوپنهايمر ثورة مفاهيمٍ أفرزها اتصالُه بفيزياء الكم، فلم يعد يسمعُ موسيقاها فحسب، بل بات يشعر بها، كما دعاه إلى ذلك نيلز بور، وكما عبّر عن ذلك نولن بلقطاتِ النجومِ والمطر المتتابعة، ولقطة تأمّل بطلِه في لوحة پيكاسو "امرأة جالسةٌ عاقدة ذراعيها" Femme assise aux bras croisés (في الحقيقة، أنجز پيكاسو اللوحة سنواتٍ بعد عودة أوبنهايمر إلى الولايات المتحدة)، قراءته لقصائد توماس إليوت T. S. Eliot في ديوان الأرض الضائعة The Waste Land. وتشير كلُّ هذه العناصرِ إلى انبثاق عالمٍ جديدٍ أمام أعين أوپنهايمر، عالمٍ لا تكادُ حقيقتُه تطالُ وإنّما تُلتمسُ من خلالِ أوجهها العديدةِ والمتناقضة. وكان أوپنهايمر عبر فهمه العميق لأبعادِ ميكانيكا الكمّ، أقدر النّاس على إسقاطِ منطقِها على تجربتِه الوجوديّةِ ذاتها. فكانت حياتُه، كما أبرز ذلك نولن، اِنعكاسا لهذا الإدراكِ.
على ضوء هذه العناصر، يمكن أن نفهم سبب تركيز نولن على علاقاتِ بطلِه الغراميّةِ. لا يتعلق الأمرُ بصيغة درامية جمالية، ولا مجرد استدراك بسيط حيال الانتقادات الّتي طالما حاصرته بسبب عزل أبطالِه بعيدا عن أية معالجة درامية تؤسس لرابط عاطفيّ مع المشاهد. صحيح أن مشهد الجنس الداعم بسخافةٍ لمفهوم الانجذاب للأذكياء Sapiosexuality كان مسقطا ومتكلّفا إلى حدّ يقوّي احتمال انصياع نولن لمنتقديه، لكنّ علاقة البطلِ بحبيبتِه في عمومِها قائمة على التناقض المنطقيّ (لكنها تعمل Yet it works) وعلى عالم من الاحتمالات الكمية. متناقضان إديولوجيا، منجذبان جنسيا، تقبل زهوره، وتلقي بها في المهملات، ترفض علاقتها به، وترفض التخلي عنه، يحبها ويتزوّج أخرى… حين يقف أوپنهايمر أمام باب جين تاتلوك Jane Tatlock (أداء فلورنس پيو Florence Pugh) يتحوّل إلى إروين شرودنڤر Erwin Schrödinger حيث لا سبيل إلى معرفة النتيجةِ إلا لحظة فتح البابِ.
يعمّم نولن هذه الصورة على مختلف شخصيات الفلمِ. جميعهم أشبهُ بإلكترونات نيلز بور Niels Bohr الّتي لا يمكن التنبّؤ بحالتِها في أي وقت، وإنما نكتفي بحساب احتمال حالتها في لحظة ما. أما بعيدا عن تلك اللحظة نفسها، فالنتيجة سوف تبدو مفاجئة أو غير معقولة. سوف تفاجئنا زوجتُه كيتي (أداء إملي بلنت Emily Blunt) اللامباليةُ بالقيمِ أو بالأعرافِ أو بابنها نفسه، بثباتِها أمام المحقّقين وتلاعبها بهم. وسوف تفاجئنا أكثر وهي التي تغير الرجال كما تغير الثياب، بثباتِها أمام إهاناتِ زوجِها، وتشبّثها به. سيفاجئنا الدكتور لورنس بشهادتِه ضدّ صديقه الذي دافع عنه طيلة أحداث الفلمِ ودعمه. وسيفاجئنا الدكتور هيل Hill (أداء رامي مالك) بوقوفِه إلى جانب أوپنهايمر الّذي أهانه في كلّ مرة يلتقيه فيها).
وحدهم السياسيون يمكن التنبؤ بأفعالِهم وخياراتِهم كأنهم كائناتٌ مسطحةٌ من عالمٍ أقل تعقيدا لا تنطبق عليه فيزياء الكمّ. تراهم، على تقلّب خياراتِهم، ثابتون بشكل مدهش، وموجهون كبوصلةٍ نحو ذواتهم المتضخّمة. وإذا كان لويس ستروس هو المثال الأهمّ الذي قدّمهُ نولن، فإنّ الرئيس الأمريكي ترومان Harry Truman (أداء ڤاري أولدمان Gary Oldman) هو المثال الأعنف والأكثر تطرفا، أو لعلّني لا أنسى ذلك الوغد الذي سحب كيوتو من قائمة المدن المرشّحة للاضمحلال، لأنّه قضى فيها شهر العسل، ولأن زوجته تحبها! مركزية ذاتية مريعة تنتصب بديلا مضحكا لفلسفة أقلّ وثوقية بكثير. والصراع بين أوپنهايمر وستروس كما أراده نولن، هو هذا. هو صراع بين نمطين للإدراك. أحدُهما ثوريٌّ والآخر بدائيٌّ تماما.
دعك من خرافة ساليري. ربما أرادها المخرج حقا، لكنّه فشل فيها تماما، وحسنا فعل. فشخصية ستروس تقف على طرف النقيض من شخصية الموسيقي الإيطاليّ. لقد أثبت الأوّل حتى آخر لحظات الفلمِ عجزهُ عن فهم العلماء وطريقة تفكيرهم، حتّى قال له مساعدُه: ربما لم يتحدّثا عنك، ربما كانا يتحدّثان عن أمر أكثر أهميّة! أمّا سالييري، فقد كان السبّاق إلى استيعاب عبقرية غريمهِ وموهبتِه الفذة، وكان فهمُه هو سبب مأساتِه وليس العكس.
كان فلمُ أماديوس عن سالييري بالأساس. هو من يروي الحكاية كلَّها، وهو من يحرّك الأحداث فيها. أما عند نولن، فنصيب ستروس من الأحداث جزؤها الأخير، وحسبُه من المشاهد أقل من سدسها كأي شخصية ثانوية. لا تثير شخصية ستروس أي تعاطف، كأي شرير كلاسيكيّ. أما شخصية سالييري فتعرض مأساة إنسانيّة عظيمة وتطرح تساؤلات مؤلمة.
ستروس هو سطحية نظرة السياسيِّ في مقابل عمق نظرة العالِم وثرائها. كأنّ الأول يرى العالم إما معه أو ضدّه، في حين يرى الثاني العالم بكلّ أطيافه اللونية. ألذلك غابت الألوان عن المشاهد التي من منظور ستروس؟
ربّما ينبغي تنسيب هذه المسلَّمة قليلا. صحيح أنّ مشاهد الأبيض والأسود توافق منظور ستروس وروايته للأحداث. لكن لا يمكن تحقيق الشيء نفسه بإطلاق مع مشاهد رواية أوپنهايمر الملونة. ففي بعضها نلحظ غياب منظور أوپنهايمر (مشهد جين العارية في التحقيق كان من منظور كيتي، ولقطة مرور لورنس للشهادة كان فيها أوپنهايمر مطأطأ الرأس، وفي بداية الفلم نرى محاضرة للبطل بالهولندية من منظور إيزيدور رابي Isidor Rabi).
إن مخرجا بخبرة نولن، لا يحتاج إلى تغيير الألوان ليعبّر عن منظور ما للقطاتِه. والفلم مليء بالفعل تلك الآليات التي تحقّق ذلك كالوصلات (Match cut) ولقطات منظور الغائب 3rd Person P-o-V… وبعبارة أخرى، ما كان غياب التمييز اللونيّ ليربك تجربة المشاهدة، أو يمنعنا من إدراك وجهة النظر التي يروي المشهدُ من خلالِها.
ثمّ هناك العنونة التي تتصدّر مشاهد كلّ خطّ سردي: إندماج Fusion للأبيض والأسود، وانشطار Fission للخطّ الملون. كأنّه يعمد إلى التذكير بأن أوپنهايمر عاش تجربتين مع القنبلة الذرية: كانت الأولى طويلة الأمد، وهدفه خلالها صنع القنبلة، أما الثانية فبدأت مع التفجير تقريبا، وكان هدفه فيها، التصدي لصنع قنبلة هدروجينية. وبهذا المعنى فنولن يحاول أن يذكر بأن أوپنهايمر ليس أب القنبلة النووية فحسب، بل هو أحد المناضلين ضد حرب التسليح النووية وإن كان العالم يتناسى ذلك ويتجاهله.
ولا شكّ عندي أن نولن يدافع عن بطلِه وينتصر له رغم معارضته الصريحة (كما يرد في الحوارات الصحافية) لصنع القنبلة. ويستند في انتصاره له، إلى حسن نيّته وحسرتِه الصادقة على ما اقترفه. يمرّر لنا ذلك ضمنيا حين سلّم أوپنهايمر ابنه إلى صديقه واصما نفسه بالأنانيّ البشع، فأجابه إن الأنانيين البشعين لا يدركون بأنهم كذلك. ولكنني أجده يفشل رغم جدية مشروعه.
يطغى الحوار على الفلم حتى الإرهاقِ، وهو مع ذلك عاجز أن يمدّ بطله بقولٍ مقنع واحد يخلّصه من هول وضوح الجريمة. بل إنه يكرّر الاتهامات المعروفة دون أن يردّ عليها بشيء يعلق بالذهن. هتلر مات واليابانيون على مشارف الاستسلام. ولا يأتي عزاءُ أوپنهايمر إلا من خلال الصّورةِ، مثل مشهد خطابِه البليغ إثر حدوث الجريمة، وسحنة كليان مرفي العبقريّةِ حين تلقّت شخصيّته خبر التفجير.
إضافة إلى الصورةِ، يحضر الدفاع عن أوپنهايمر من خلال الفكرةِ الرئيسية التي سبق تفصيل القول فيها. إذ لم تكن القنبلةُ قرارا شخصيا اتّخذ في لحظة واضحة السياق والعناصر والحيثيات. بل هو مسار طويل متشابك التناقضات والصدف واللقاءات والتفاعلات. زوجتُه تدفعه إلى القتالِ من أجلِ إدارة المشروع الذي لم يدرك أبعاده بعدُ، رئيسُه في العمل (إيرنست لورنس) يدفعه دفعا بعيدا عن النشاط النقابيّ ليتسنى له العمل في المشروع، وجيش العلماء الذي يعمل تحت إشرافه بجدية يستحيل أمامها التراجع والتفكير في العواقب، فهناك أجل، وهناك هوس علميٌّ يشلُّ مَلَكة التأمّل. تصبح القنبلة في كل هذا السياق مجرد حتمية تاريخية قادمة لا محالة، وكان أوپنهايمر فقط وجه النرد الذي كشف عنه السقوط.
لقد كان أوپنهايمر مخطئا بلا شك، يؤكد نولن، لا لإرادة أصيلة فيه، ولكن لأنه كان هناك، في تلك اللحظة ليس أكثر. ولو أعيد كل شيء فقد لا يكون هو وجه النرد الطالع، ولم يكن ربما ليقترف جريمته. الحياة لعبة احتمالات كما تقول قوانين فيزياء الكم، وكما يقول لنا نولن. وهو مذهب كنت سأبدي نحوه تفهّما أكثر لو عرض عليّ بشكل أقل تشنّجا، وعلى امتداد مساحة تأملية أكثر امتدادا داخل الفلم، وبحوار أقصر بكثير مما تعرّضت له. إنّ ثلاث ساعات من الحوارات المكثفة واللقطات القصيرة المتتالية شيء مرهق جدا، ولا أظنه يزيد من جمالية العمل بأي قدر. ففلم طويل لا يكون مرتفع النسق بالكامل إلا لخلل فيه.
فهل كان هناك داعٍ للالتواءة السردية ونحن أمام قصة تاريخية؟ وهل لويس ستروس بتلك الأهمية التاريخية التي كانت ستجعلنا نقفز من مقاعدنا صارخين في ذهول: لقد كان ستروس إذا!
حتّى كيتي زوجة أوپنهايمر لم تكن مُقنعة وهي تصرخ بهذا. لماذا لم تقولي ذلك منذ البداية يا كيتي؟ أنت لم تحصلي على أية معلومة إضافية، فلماذا تقولين ذلك الآن؟ مجرّد محاولة متكلفة للإيحاء بقيمة مفاجأة لا تهمنا كثيرا. إذ لم يشرَّك المشاهد في عملية البحث عن الفاعل طوال الفلم. قدّم لنا المخرج دوافع الفاعل، ولم يمنحنا الأدلّة.
ثمّ، ذلك السر الرهيب الذي تقاسمه العالمان في النهاية. كان أينشتاين يلهو هانئ البال أمام البركة في پرنستن Princeton سنة 1947 أي سنتين بعد الجريمة الكبيرة، وجاءه أوپنهايمر ليخبره أنّ سلسلة التفاعلات النووية التي قد تدمر الكوكب قد انطلقت بالفعل. يعلم جميعنا أن العبارة مجازية، إلا أذكى رجل في العالم الحديث، فقد اغتمّ قلبه فجأة كأنما أدرك لتوّه معنى إلقاء قنبلة نووية…
لا يختلف فلم أوپنهايمر عن باقي أفلام نولن في سياسته وفي غرضه الفنيّ: محاولة خلق تجربة بصرية لمفهوم ملتبس الإدراك (الزمن، الواقع، الذاكرة، الجاذبية…) ولئن حاول هذه المرة تلافي تقصيره الدراميّ الذي طالما اتّهم به، فقد سقط في إفراط أفسد التجربة إلى حدّ مؤسف. ولم يساعد الموضوع المستفزّ، ولا تذبذب الفلمِ بين غرضيْه الفني والترفيهيِّ في إعادة بعض التوازن. لقد كان نولن أقدر المخرجين على الإتيان بأفلام فنية ذات ميزانية عالية Blockbuster Art film، فمن العجيب أن يخيب في ذلك حين يكون موضوع الفلم، عن تقبّل التناقض في الأشياء.
إنّ ما ورد في مقطع الاندماج ليس إلا أبرز الملاحظات التي تكررت عن الفلم وأحببتُ الإجابة عنها في مقطع يمثل منظوري الشخصيّ كما فعل نولن في فلمِه. لذلك، فلست أتبنى الحماس الكبير تجاه الصّوت في أوپنهايمر. مازالت الموسيقى تطغى على الحوار بشكل يعيق تجربة المشاهدة، وهو خلل في تقنية IMAX باعتراف نولن نفسه، ولا يحاسب إلا هو على خياره. فهل كان ضروريا استعمال IMAX في فلم يقوم كلّه على الحوار؟ وهل كانت تجربة ترينيتي تستحق كلّ ذلك؟ صحيح أن نولن لم يستعمل الصورة الحوسبيّة، ولكنّه استعمل مؤثرات بصرية، وراكم لقطات التفجيرات لصنع شكل يقرب من عش الغراب.
وختاما، فلو كنت ستشاهد فلما واحدا في السنة، فليكن فلم أوپنهايمر. ليس لأنه الأفضل، بل لأنك لست من هواة السينما كما هو واضح، ولست إلا باحثا عن شيء تعمّر به حياتك الاجتماعية، وأعتقد أن فلما شاهده الجميع تقريبا، أنسب خيار لذلك. أما إن كنت تشاهد أفلاما كثيرة، وفاتك أوپنهايمر، فلابأس من ذلك، فهناك أعمال عظيمة أخرى جادت بها السنة، وتستحق وقتك.
 
الدّفتر الأزرق
كتب في 6 آب 2023


Monday, April 11, 2022

رَمْلٌ وبِزْرٌ وأسطورة: لعبةُ الاستشراقِ في فلمِ كُثيب


يسمح لنا الإصدار الجديد من فِلم كُثيب Dune بالتّفكّر في تأويليّة العملِ السّينمائيّ من منظور جديد. فتجزئته لفِلمَيْن لم يُنتج ثانيهما بعدُ، يجعلنا حائرين في التّعاملِ مع أوّلِهما. فهل هو فلمٌ قائمٌ بذاتِه أم تُراه مقدّمة سلسلةٍ من الأفلام؟
 
لا أعرف إن كان ضروريّا أن أقدّم عالم كُثيب الروائي/السينمائي، فقد أعاده فلمُ دُني فيلنوف Denis Villeneuve إلى الواجهة وجعل اسمَه على كلّ لسان، وأعاد معَه حكاية الفشلِ الأشهر في تاريخ هوليود. حكاية خودورفسكي وسلفادور دالي 1976، وحكاية ديفد لينش المُحبِطة مع الخيال العلمي 1984. لقد انتهى الجميع إلى حقيقةِ أنّ قصّة كُثيب أكثر كثافة وتعقيدا من أن يحتويها فلمٌ واحدٌ. إذ لا يتعلّق الأمرُ بقصّة پول أتريدس Paul Atreides وصراعِ عائلتهِ ضدّ آل هاركونن Harkonnen على ثروات كوكب الكثبان. بل تتجاوز ذلك لتبنيَ عالمًا متراميَ الأطراف في الزمان والمكان، ترتسمُ الشّخصيات فيه على أكثر من بعدَيْن، وتأخذُ حيّزا لأفعالِها ودوافِعها. هكذا، فإنّ كلَّ محاولةٍ لحشرِ فضاءِ "كُثيْب" في حيّزٍ سينمائيٍّ "تجاريٍّ"، تستدعي أسلوبَ الحذفِ البلاغيِّ في غير موضِعه، فمعَ كلِّ حدثٍ ينتقلُ من النصِّ إلى الشّاشةِ، تسقُط الدّوافعِ الّتي أدّت إليهِ، فيبدو للمُشاهدِ ضعيفَ التّبريرِ، واهنَ الارتباط بما يتبعه. وهو ما دعمتهُ تجربةُ ديفد لينش السّابق ذكرُها. وما كان لِـدُني فيلنوف أن يخوضَ المغامرةَ لولا تعلّقه الطّفوليّ بعالمِ فرانك هربرت Frank Herbert. فاستحدث لرغبتِه (ولرغبةِ المنتجين) صيغةً مجزّأةً مثيرةً للتساؤل.
 
يغطّي فلمُ فيلنوف مرحلةَ البدايةِ من قصّةِ الأميرِ پول أتريدس. أي، منذ زمن رحيله وعائلتِه عن كوكبه الأمّ واستقرارِه في كوكبِ الكثبانِ، إلى حدوثِ المؤامرةِ على أبيه وآلِه، ولجوئه إلى قومِ الفريمن Fremen. ورغم أنّ النهايةَ لا تخبر عن مآلِ عرشِ پول أتريدس، إلّا أنّ لغةَ الفلمِ تُنبئُ عنه: فقد عومِل الفتى منذُ البدايةِ بما يليقُ بالأنبياء، إمّا بحبٍّ خالصٍ أو بتقديرٍ خاصٍّ. ولا يجدُ فيهِ أصحابُ الرُّؤى والكراماتِ سوى حالةٍ استثنائيّةٍ تتجاوز اللامعقولَ. لقد وُلدَ بطلاً ولم يبق له سوى اجتياز الطّريقِ ومِحَنِه لتحقيقِ ذاتِه المغيّبةِ. إنّه توماس أندرسن الّذي سيصبحُ نيو، وهو الإسكندرُ الّذي سيصبح في نبؤاتِ العرّافين، ملكَ المشرقِ والمغربِ. لم يبخل فيلنوف البتّة في استعمال النبؤات لربط بطلِه بهذا التّصوّر الإسكندريِّ. كان هناك إفراطٌ في الرّؤى الّتي تنتاب پول، وماهي إلاّ ساعةٌ أو شهرٌ حتّى تتحقّق أمامه، كأنّ الواقعَ يتقوّضُ ثمّ يركع تحتَ إرادتِه. وإضافةً إلى منزلتِه بين الشخصياتِ، ورؤاهُ التنبّئيّة، تسير أحداثُ الفلمِ تحت وقعِ نغمةٍ قَدرِيّةٍ لا تُخطئها العينُ: لا أحد هنا يراوغ قدَره، لا الأبُ السائرُ نحو حتفِه في كوكب الكثبان وهو يدري بذلك، ويوصي خليلتَهُ بابنه. ولا المُقاتلُ دُنكن إداهو Duncan Idaho وهو يواجه نهايته بابتسامٍ. ولا قومُ الـFremen وهم يتابعُون قضاءَ صاحبِهم أمامهم على يدِ الغريب في تسليمٍ. أضعفت حتميّةُ الأقدارِ من تشويق الفلمِ، فمسارُ البطلِ يرتسمُ مُسبقا بدون ارتباك، تقريبا. أقول تقريبا لأنّ فيلنوف قام بمحاولةٍ أخيرة في النّهايةِ، كي يشتّت الأذهانَ، ويبعث شيئا من التّشويق وهو يستخدمُ ذاتَ الأدواتِ (الرؤى، النبؤة، الحتميّة القدريّة) ليعلن موت بطلِه قبل نزالِه ضدّ أحدِ رجال الفريمن. تتكرّر ذات الفكرةِ مع نيو في ماتركس لكن بمقدار اجتهادٍ أقلَّ. تُعلنُ الرّؤيا أن على پول أن يموت ليُبعث لسان الغيب، وفي الآن ذاته، تُسرُّ له أنّه إذا أخذ روحا، فكأنّما أخذ روحه. معادلةٌ سهلةٌ تسمحُ له أن يحقّق عكس ما رآهُ في الرؤيا، وأن يذعنَ لمشيئتها أيضا.
 
ما يهمُّنا من كلّ ذلك، أنّ لغةَ الفلمِ تُعبّرُ عن قدريّةٍ نعرفُ مسبقا أين ستفضي بنا، ولكنّنا لا نعرفُ كيف. بالتّالي، نقفُ حائرين أمام صورةِ البطلِ المرتسمةِ عندَ نهايةِ الفلمِ، لا نعرفُ هل اكتملتْ أركانُها أم لا تزال في بداياتها. ولكيْ تتّضحَ أبعادُ المعضلة، سنذهب قُدما في التّعامل مع "كثيب: الجزء الأول" كأنّه عملٌ فنيٌّ مكتملٌ قائمٌ بذاته. وسنحاول اقتفاء تصوّر البطلِ من خلالِه. ثمّ نعودُ إلى توقّعنا لأحداث الجزء الثاني، وكيف يغيّر اعتبارُه جزءا لا يتجزّأُ من العمل ككلّ، من تصوّرنا للبطلِ.
 
لا شكّ عندي أنّ فيلنوف أجاد اختيار بطله كما لم يفعل سابقوه. فقد أضحى الممثل الأمريكيّ تيموتي شالامي، أيقونة هوليوديّة للنّضارةِ وخصب الموهبةِ والرجولةِ الّتي لا تزال وعدًا. إنّه قمر الزّمان لهذا العصر، مزج من نعومة النبلاء وجاذبية الجامحين. وكذلك شخصيّةُ پول أتريدس في بدايةِ رحلتِه، وريثا للعرشِ، وولدًا ينبئُ نبوغُه بشأنٍ عظيمٍ. ولئن تحوّلت الشّخصيّةُ إلى منهلٍ للعديدِ من الملاحمِ القصصيّةِ العالميّةِ (لوك سكايوولكر في حرب النجوم، وغريفيث في رائعة كنتارو ميورا برسرك Berserk، وخصوصا راينهارد فون لوهنغرام بطل ملحمة أبطال المجرّة ليوشيكي تاناكا)، فإنّها لم تأتِ من فراغٍ، واستمدّت عناصِرَها من شخصيّاتٍ أخرى، لا شكّ أنّ لورنس العرب أشهرُها. وكما ساهم العميلُ القادمُ من الغربِ في إشعال فتيل الثورة العربية الصحراويّةِ في وجهِ الأتراكِ، جاء پول أتريدس ليقودَ شعب الكثبان ضدّ آل هاركونن. لكنّ لورنس العرب لم يكن نبيلاً، ولم يكن له حظّ (أو رغبة) في تزعّم هؤلاء. لذا يجب أن نذهب إلى تاريخٍ أبعدَ لنعثر على ما يمكن أن يكون أصلاً لپول. فهناك في بلاد الإغريقِ، بزغ نجم الإسكندر المقدوني وهو بعدُ في مقتبلِ العمرِ، وبدأ رحلةَ المجدِ بوفاةِ والده. صاحبت رحلتَه النّبؤاتُ والرؤى والقصص المدهشةُ، وحاولَ في كلّ مرّة غزا فيها قوما أن ينتسبَ إليهم، فأعلن في مصر ارتباطه بآمون أسوة بالفراعنة من قبله، وصاهر ملوك الفرس الّذين قهرهم، ومنحَ حملتَه العسكريّةَ أبعادا أكبر من غنيمة السّلطة. لا شكّ أنّ پول أتريدس تنويعٌ دراميٌّ لشخصيّة الإسكندر المقدونيّ، ويمكن بذلك تفسير اختيار اسم "أتريدس" Atredes النّابع من الميثولوجيا الإغريقيّة (من عائلة أتريدس أو أتريوس جاء أغاممنون أحد أبطال ملحمة طروادة).
 
لم تختصّ عائلة أتريدس بهذا البعد الرّمزي. إذ تعكسُ القصّةُ صراع الهويّاتِ كما رآهُ فرانك هربرت في عالمِ ما بعد الحربِ (العالمية الثانية). لنتأمّل الجماعاتِ الأربع الرئيسيّة هنا:
فأمّا آل أتريدس، فتشيرُ أصولهُم الإغريقيّة إلى الحضارةِ الغربيّةِ بشكلٍ عامٍّ. هناك حضورٌ ملفتٌ للأعمدة. هل هي دوريّة أم كورنثية؟ وماذا عن تلك النّقوش على الجدران والقبور؟ أهيلينيّةٌ هي أم كلاسيكيّة؟ لستُ خبيرا ولكنّ الرّوح الإغريقية في هذه العناصرِ لا تخطئها العينُ. الأهمّ من ذلك، أنّ دني فيلنوف دمج في تصوُّرِه لـكَلَدَان Caladan (موطن أتريدس) عناصرَ أوروبيّةً أخرى. الجبال والغابات والبحيرات الشماليّة، وثقافة التّوريرو الإسبانية الجنوبية Torero. لقد اختار فيلنوف بلاده كندَا أرضا لتصوير كَلَدَان لأنه أرادها شبيهة بالـ"وطن". هكذا، فأتريدس هي "نحن"، هي الغربُ بروايةِ الغربِ، وپول أتريدس هو الرّجلُ الأبيضُ بامتياز.
 
وفي مقابل هذه الصّورةِ، يشيرُ آلُ هاركونن Harkonen من خلال الروايةِ والمعلوماتِ المحيطةِ بالروايةِ، بأصابعَ ثابتةٍ إلى شرق الستار الحديديِّ. أي الاتّحاد السوفيتيِّ ومن والاه. لا ننسى أنّ فرانك هربرت كتب روايته في الستينات حين كانت الحربُ الباردةُ في أوجها. لقد اختار الكاتبُ فلادمير اسما لزعيم أوغاد روايته، إمعانا في الإشارة. لكن، تغاظى فيلنوف عن كلّ هذا في كُثيبِه وأخرج آلَ هاركونن في حُلَّةٍ محايدة كاد ينكر عليها بشريّتها. لا شيء في أزيائهم أو أسمائهم أو كوكبهم أو بناياتهم يشير إلى ثقافة بعينها، وكلّ ما يمكن تحصيله من هذا الحضور المبهمِ، هو النهمُ الرأسماليُّ الّذي لا ينضبُ للثروة. بكرش ضخمةٍ، ومظهرٍ منفّر، وإفراطٍ في الأكلِ، لم يبق من قبحِ هذا التمثّلِ المادّيِّ لجشع رؤوس المال سوى التحمُّم بسائل زيتيٍّ أسود كالنفط. ولقد قام فيلنوف بذلك فعلا!
 
وأما الجماعةُ الثالثةُ، فهي بني جسريت Bene Gesserit وهي طائفةٌ دينيّةٌ من نساءٍ يمتلكن قدراتٍ ذهنية خارقةٍ، يعملن على التّأثير على أصحاب القرارِ من الرّجال، وبالتّالي الحكم بصيغة غير مباشرة تمهيدا لظهور المنتظر. ومن الواضح أنّ رمزيّة الدّين تغلب على رمزية الجندر في هذه الجماعة، فرغم النّفوذ والقوّة، يظلّ عملُها خدمةً للرجلِ الموعودِ، لسان الغيبِ المنتظرِ. وبالتّالي يجب أن ننظر إليها كجماعة دينية بالأساسِ. جماعة دينيّة تورّث تعاليمها عبر النّساء، وتستعمل مفردة "بِن" Beni وترتبط بنبي منتظر، عند من رأيتُ كلّ هذا من قبل؟ لا شكّ أنّ هناك إحالة إلى اليهود باعتبارهم بشكل ما، جسرا بين آل أتريدس (الغرب) وما يؤمنون به، وبين تلك الجماعة القابعة في الصّحراءِ وما يؤمنون به (Gesserit تبدو تحريفا للكلمة العبريّة جشر גשר).
 
نتحدّث عن الجماعة الرّابعة، وهم الفريمن Fremen وكلّ ذلك الزخم الثقافيّ الّذي استعاره فرانك هربرت من الثقافة العربية الإسلامية (ومن الثقافة البوذية أيضا) وصاغ ملامحها بواسطته. إنهم صحراويّون، أقرب إلى بدو الطوارق في ترحالهم واحتمالهم لقسوة الطقس. يستعملون معجما عربيّا بيّنا (لسان الغيب، شيء الخلود، الرّاقص، الخ)، ويتميّزون بنظام معرفيٍّ لا عقلانيٍّ قائمٍ على الأسطورةِ والإيمانِ. من المهمّ هنا أن نذكر كيف يشترك الفريمن في ذلك مع بني جسريت، لكنّ هؤلاء ينتمين في الآنِ نفسِه إلى عالمِ الامبراطوريّةِ المنطقيِّ، عالم أتريدس ضدّ هاركونن، حيث يملك كلُّ شقٍّ حاسباتِه البشريّة Mentat.
 
إنّ كوكب الكثبان أو الرّاقصِ Arrakis هو صورةُ الشّرقِ في المُخيّلةِ الأوروبيّةِ. ذاتُ الاستشراقِ الّذي فضحه إدوارد سعيد ذات يوم. جسمٌ من الرّمالِ، وذهنٌ من الأساطيرِ، وقلبٌ من البدائية، بل من الثرواتِ المسيلةِ للّعابِ. في عالمِ كُثيب Dune يتحوّل النفطُ العربيُّ إلى بِزرٍ أو توابل تنضحُ بها الرّمالُ اللامتناهية، وهي استعارةٌ عظيمةٌ تعودُ بفكرةِ الاستشراقِ إلى عصورِ الرحلات البحرية الكبرى حين كانت التّوابلُ أعظم ما يأتي بهِ الأوروبيُّ من الشّرقِ. ولقد حافظ فيلنوف على الصّورةِ الّتي استنبطها فرانك هربرت في السّتينات، مع بعض التغييرات الطفيفة الّتي أملتها متغيّراتُ العصرِ، فاختفت بعض المصطلحات مثل "الجهاد"، واتّخذ الفريمن بعض الأدوات البديعةِ رغم افتقارهم للأسلحة الثقيلة ولقوّةِ الحضارةِ.
 
رزح كوكبُ الرّاقص طويلا تحت حكم هاركونن المستبدِّ. ثمّ تحوّلت سيادتُه إلى آل أتريدس، الّذين حاولوا إقامة علاقات تشاركيّةٍ مع أهل الكوكبِ قبل أن يحدث الانقلابُ. الفريمن أو القوم الأحرار إذا، لا يرفضون قطعا أن يستوطن أرضَهم الغرباءُ ويديرونها ويستغلّون ثرواتها طالما سيعاملونهم باحترامٍ ويتركون لهم هامش حرّيّةٍ للتّصرّف في شؤونهم الدّاخليّةِ. أليس مضحكا أن ينتسب الفريمن إلى الحريّة وهم عاجزون عنها؟ إنّ النفط/التوابل لا تعني لهم شيئا لأنهم بدائيون لا يملكون التقنية اللازمة لتكريرها والاستفادةِ من منافعها العظيمة للسفر عبر النجوم. لذا، يصبحُ وجود أتريدس/الرجل الأبيض ضروريّا لإقامةِ الحضارة في هذه الرّبوعِ القاحلة، وتحريرها من الاستبدادِ. تُعيدُنا الفكرةُ إلى موضعِ الشخصيّةِ الرّئيسيّةِ من الجماعاتِ الأربعِ، وكيفَ أنّ پول أتريدس ينتقلُ من عالَمِه الغربيِّ لينتسب مؤقّتا إلى عالم الكثبانِ ويقودَهم في رحلةِ التحرّر. وهي الصّورةُ الّتي استعارَها هربرت من إحدى أهمّ مشاربِ روايتهِ: قصة لورنس العرب Lawrence of Arabia الشهيرة. بل يمضي بها إلى أبعدَ منذ ذلك، فلا ننسى كُنيةَ البطلِ عند الفريمن حين يصدقُ الوعدُ وتتحقّق الرؤى: المُؤدّب Muad'dib. في كثيب الجزء الأوّل، نتوقّف عند مرحلة الانتساب، ولا نعرف بعدُ إن كان فيلنوف سيخلصُ للرّوايةِ أم لا ولا نعرف مدى تأثير پول على عمليّةِ التّحريرِ، لكنّ الأحداث الّتي صوّرَها الجزء الأوّلُ كافيةٌ للتّصديق على هذا التمثّل الاستشراقيِّ. لقد حاول فيلنوف أن يمنح قومَ الفريمن سحريّةَ الغرباءِ، فركّز على كلّ الطقوس الّتي لا تألفُها الذّهنيّةُ الغربيّةُ مثل البصاقِ، والاستفادة من ماءِ الميّتِ، وإجلالَ النخيلِ، وتقديس شيء الخلود)، ورغم كلّ ذلك، ظلّت العلاقةُ عموديّةً. فهؤلاء القومُ أدنى منزلةً من آل أتريدس وآل هركونن داخل الامبراطوريّةِ. إنّهم قومٌ قُصّرٌ يحتاجون إلى "وليٍّ" من كبارِ مجلس الامبراطوريّةِ، أو مجلس الأمن!
 
في رواية هربرت يواصلُ پول أتريدس رحلته المظفّرة نحو عرش الامبراطوريّة، ثمّ ينطلق في مرحلة ثانية في مواجهة الدسائس والمؤامرات. فلا يُبدي خلالَ ذلك أيّ مراجعةٍ لتمثّل representation الفريمن، ولا أيّ انتقادٍ لفكرةِ پول المُنقذِ المؤدّبِ. فهل سينحو فيلنوف نحو ذلك؟ أعتقد أنّ المتأمّل في أعمالِ المخرج الكنديِّ السّابقةِ (Blade Runner 2049 وIncendies أساسا) سوف يجيب بالنّفيِ. فقُربُه النّسبيُّ من الثقافةِ العربية وفهمُه العميقُ لطبيعةِ الأعمال الّتي يُعيدُ صياغتها، ونزوعُه نحو تقديمٍ طرحٍ جديدٍ، يضعونه أمام معادلةٍ تعوّدَ على حلّها بكلِّ اقتدارٍ. وبالتّالي، فإنّي أرى پول أتريدس غير قادرٍ على الحفاظ على منزلته كبطلٍ ومصدرٍ للتّماهي، ولعلّه يتحوّل إلى نقيض ذلك تماما، أي إلى دعوةٍ صريحةٍ لمراجعةِ كلّما أتاه في الجزء الأوّلِ، وينقلب معه كثيب إلى انتقادٍ لسياسةِ الرجل الأبيض ونظرتِه المتعالية للآخر. فهل يكون انقلابُه ذاك متأخّرا؟
 
ربّما كان سابقا لأوانه أن أخوض في جزء لم ينته صاحبُه بعد من كتابته، ولكنّ قيمةَ السّؤالِ تستدعي ذلك: فإذا كان الجزء الثاني سيقلبُ نظرتنا لما حدث في الجزءِ الأوّلِ، كيف يمكننا أن نتعاملَ مع الجزءِ الأوّلِ؟ هل يصحُّ أن نعلنَ أن كثيب الجزء الأوّل هو فلمٌ استشراقيٌّ بامتيازٍ إذا كان الجزء الثاني يدفعنا لانتقادِ السلوك الاستشراقيّ؟ وبعبارة أخرى، كيف يجب أن نتعامل مع عمل فنيّ مجزّأ؟ أيكون الجزء الفردُ قائما بذاته أم لا يمكن تحليله إلا في سياقه الشامل؟
 
لقد أربكني السؤال وأخّر كتابة مراجعتي للكثيب قليلا (لا يسخرنّ أحدكم من هذه الـ"قليلا") ثم إنني انتهيت إلى حقيقة بسبطة هي أن العمل الفني لا يكون كذلك بصفة اكتماله، ولا حتى بصفة النية في إكماله، إنما يكون كذلك بمجرد الإعلان عنه عملا فنيا. فهل ينكر أحدنا أن رواية الحصن لفرانز كافكا غير المكتملة عمل فنيّ؟ إنّ كثيب الجزء الأوّل قائم بذاته بمجرّد صدورِه مفردا يمكن للمتفرّج الاطّلاع عليه من دون ما قد يلحق به من الأجزاءِ، وهو بالتّالي مؤثّر في المتفرّج يهبه لحظة تماهٍ مع بطلٍ مثالٍ ويثبّت في لاوعيه تمثّلاتٍ صائبة أو خاطئة للموضوعاتِ. لا يمكن إذا أن ننكر الاستشراق عن فلمِ دُني فيلنوف وإن لم يرغب في ذلك، بل ولو جاء بغير ذلك في ما سيتبعُ من أجزاءٍ. لا يزالُ إنسانُ المشرقِ متخلّفا، لا منطقيّا، قاصرًا في نظرِ الرّجلِ الأبيضِ، حتّى في عصرٍ أخذ فيه سحرُ الشرقِ وغموضُه في التّلاشي بفعلِ حركات الهجرةِ والاندماجِ. لقد أصبحَ رجلُ الفريمن مواطنا كنديّا "صالحا" يسكن بجوارِ فيلنوف بين ثلوج الكيبيك ويحرصُ مثله على فرز نفاياتِه وتدويرِها، لكنّ صورته لا تزالُ في ذهنِه، بدويّا يرقص في الرمال اللانهائيّةِ على وقع الأساطير.

Tuesday, September 5, 2017

تحفة تارنتينو التي ليست له


في الوقت الذي كانت فيه أغلفة المجلات السينمائيّة محتفية بمشاهد فيلم دنكرك Dunkirk، فاجأنا إدغار رايت Edgar Wright (صاحب فيلم Hot Fuzz وShaun of the Dead) بكوميديا رومنسيّة طريفة بعنوان بايبي درايفر أو السائق بايبي Baby Driver. ودون الدخول في مقارنات غير مجدية، أعتقد أنّه كان أفضل أعمال الصائفة المنقضية.

حين تشاهد فيلم بايبي درايفر فكأنّك تشاهد أفلاما كثيرة في الآن ذاته. في بداية العرض، يطالعك شاب غامض الملامح، خلف مقود سيارة سوبارو Subaru يوحي كلّ شيء فيها أنّها جاهزة لغزو الطريق، ثمّ تطالعك ملامح رفاقه الثلاثة، وهم يخرجون من العربة نحو البنك المواجه، فلا تحتاج إلى اجتهاد كبير لتعرف أنّك أمام أحد أفلام السرقة Heist Movies.
هناك الكثير منها، هناك تلك التي تتميّز بالهدوء، والمقاطع الحواريّة الكثيرة، والنهاية المخادعة plot twist. أعتقد أنّ فيلم اللدغة The Sting لبول نيومان Paul Newman وروبرت ردفورد Robert Redford من أشهرها. وهناك تلك التي تركّز أكثر على الأكشن، كفيلم سرقة السيّارات "رحل في 60 ثانية" Gone in 60 seconds. وهناك تلك التي تجمع بين كليهما، مثل رائعة ستانلي كيوبرك Stanley Kubrick "القتل" The Killing أو تحفة سبايك لي Spike Lee "عميل داخليّ" Inside man. ثمّ هناك تلك الأفلام التي لا تهتمّ بتفاصيل العملية بقدر اهتمامها بكلّ ما يحيط بها (الأشخاص، النتائج، الخ). إنّ السرقة نفسها تصبح فيها سياقا لا أكثر، وهي في العادة تروي عمليّة سطو فاشلة. أبرز نماذج هذا النوع هو فاتحة أعمال فتى هوليود الذهبيّ كوينتن تارنتينو Quentin Tarantino، مستودع الكلاب Reservoir Dogs. لذلك، فلو أنّ Baby Driver فيلم سرقة، فهو حتما فيلم سرقة من هذا النوع.



سنتذكر مستودع الكلاب خصوصا في تلك المشاهد التي تحدث عند مخزن الدكتور Doc الذي أدّى دوره النجم كيفن سبايسي Kevin Spacey. حيث يجمع أعضاءَ العصابة الذين يحملون أسماء مستعارة سخيفة، وطبائع طريفة مضحكة ووشوما مثيرة للغثيان، ثمّ يشرح لهم تفاصيل الخطّة المزمع تنفيذها ويوزّع الأدوار. وسنتذكر مستودع الكلاب حينما نرى جثّة دجاي-دي JD (أحد أفراد العصابة) في مرآب السيّارة، فنحن نعرف أنّه مكان تارنتينو المفضّل. ثمّ إنّنا سنذكره مع أغلب مشاهد الحركة حين يحتفي إدغار رايت Edgar Wright بالعنف ويصنع منه إستطيقاه الخاصّة، ونحن سنذكره حين لا تعمل خطّة الدكتور كما يُفترض وينقلب أفراد العصابة بعضهم على بعض، وتسود الفوضى.
من الصعب أن تُخطئ العين حضور تارنتينو في هذا العمل المهوس بنفسه، المنكمش على أسلوبه. تخبرنا لقطته الأولى أنّنا أمام عمل سينمائيّ يذكّرنا في كلّ لحظة أنّه فيلمٌ سينمائيٌّ، وأنّه لا يحاول بأيّ شكل أن يوهمنا بأنّه قطعة من الواقع. لا شيء واقعيٌّ هنا، لا سائق العصابة الذي يعمل بالموسيقى في أحلك الظروف وأصعبها، ولا المجرمة الخطيرة التي تقتحم البنك كما يقتحم النجوم افتتاحيّات المهرجانات العالمية، ولا ذلك الخروج الموقّع من السيّارة على أنغام تحفة جون سبنسر Jon Spencer Blues Explosion المسمّاة Bellbottoms. لا شيء حقيقيّ في كلّ هذا المشهد، ولهذا تزداد دهشتُنا وتتضاعف حين نتابع لقطة المطاردة الرهيبة بأنفاس منقطعة، فرغم أنّ كل شيء يوحي بالخيال، تبدو المطاردة واقعية جدا! لكنّ لحظة حضور تارنتينو الكبرى، تأتي عند نهاية هذا المشهد، إذ تتغيّر الموسيقى إلى طابع الـRythme & Blues، ويظهر الأصفر المشبع بالأحمر ليملأ عنوانُ الفيلم كامل الصورة. ذلك توقيع تارنتينو الذي عُرف به في كلّ أعماله. لكنّ إدغار رايت Edgar Wright لا يكتفي بالأخذ من صاحب مستودع الكلاب، وإنّما يحاول أن يذهب بالأسلوب إلى ما أبعد منه، فكان توظيفه للموسيقى أكثر عمقا.


اِستعمل رايت ـ كما في أغلب أفلام تارنتينو ـ مادّة موسيقيّة جاهزة، ولم ينجز موسيقى تصويريّة خاصّة بالفيلم Film Score. فسمح له هذا الخيار بتوفير مادّة موسيقيّة ثريّة ورائعة يمكن الاستمتاع بالاستماع إليها لوحدها. مثّلت هذه القائمة الموسيقيّة المميّزة أهمّ عناصر البناء الأسلوبيّ الذي طغى على الفيلم وأفرده بصمة خاصّة.
لكنّ موسيقى Baby Driver تتميّز عن موسيقى أفلام تارنتينو وغيره بتطابقها مع محتوى المشهد، فهي لا تكتفي بترجمة أحاسيس الشخصيات إلى المشاهد (في شكل موسيقى رومانسية أو حزينة مثلا)، ولكنّها تتحوّل إلى تعليق صريح على الأحداث، كما في لقطة دخول البطل بايبي Baby إلى حيث تعمل حبيبتُه رفقة أفراد العصابة، إذ يختار إدغار رايتْ من الأغاني، قطعة سام و دايف Sam&Dave "حين لا يكون حبيبي بخير" When something is wrong with my baby. وأيضا في لقطة وقوع بايبي وحبيبته ديبورا Debora في قبضة المجرم الهارب بُدِي Buddy، إذ كان اختيار إدغار رايت لرائعة باري وايت Barry White "لن أفرّط فيك أبدا أبدا" Never Never Gonna Give You Up أشبه بالتعليق الساخر على المشهد. ثمّ إنَّ الموسيقى التصويريّة عند إدغار رايت لا تبقى خارجة عن الفضاء السرديّ، وإنّما تقتحم خطّ الأحداث وتتداخل معها، وتنبعث من عناصرها. الموسيقى جزء من المشهد، تأتي من راديو السيارة، أو من عازف الساكسو في الطريق، أو من التلفاز، أو من أحد أجهزة الأيبود iPod الكثيرة التي تملأ جيوب البطل بايبي. وفي بعض الأحيان، تبدو وكأنّها تؤثّر على أحداث القصّة نفسها، فحينما تنبعث أغنية تي ركس T. Rex التي تقول "أوه ديبورا، أنت تبدين مثل حمار وحشيّ!" (لا أعرف كيف تبدو هذه الكلمات رومانسية بالانكليزيّة) كانت ديبورا Debora تلبس بالفعل زيّا أبيض وأسود.
يتسرّب التداخل بين الموسيقى والأحداث إلى أعماق البناء الدراميّ، فيتحوّل إلى دافع للأحداث، حينما يصبح وسيلة تعارف لطيفة بين الحبيبين، بحثا شيّقا في الموسيقى عن الأسماء، وعن الأحلام المؤجّلة. وأيضا في بعض اللحظات الأقل رومانسيّة، حين يصرّ بايبي السائق أن ينزل أفرادُ العصابة من السيّارة بالضبط مع إشارة الأغنية، أو حين ساهم بحثه عن موسيقى جيّدة في راديو السيّارة التي افتكّها من صاحبتها في إعطاء فكرة لطيفة لضحيّته المسنّة عنه، وهو ما خفّف عنه حكم المحكمة في النهاية…

يكشف كلّ ذلك عن عمل كبير قام به إدغار رايت لتحديد القائمة الموسيقيّة. لقد نصح تارنتينو زميلَه بعدم تحديد الأغاني بشكل قاطع عند كتابة السيناريو لأنّ استوديوهات الإنتاج كثيرا ما تجد مشاكل عند شراء حقوق استغلال هذه الأغاني. مع هذا، فقد أقدم إدغار على المخاطرة الكبيرة. نحن نعرف أنّه لو لم يحصل على أغنية ديبورا لـT. Rex، لاضطرّ لإعادة كتابة قسم كبير من الفيلم مثلا. الموسيقى أوّلا، هي ما يبدو شعار المخرج في هذا الفيلم. فالسائق بايبي يحدّد الوقت اللازم لعملية السطو بواسطة المقاطع الموسيقيّة، يختار المقطع المناسب ويحدّد به لحظةَ بداية العملية (الخروج من السيارة) ونهايتِها (العودة إلى السيارة) وهي أيضا لحظةُ بداية دوره كسائق فذّ. اِستوجبت طريقة عمل بايبي، كتابةَ مشاهد السطو انطلاقا من القطعة الموسيقيّة لا العكس، وهو ما دفع إدغار رايت إلى تسجيل الموسيقى بشكل مباشر خلال التصوير، وهذا وحده كافٍ للدلالة على عبقريّة الفيلم.


تسمح هذه الميزات بتصنيف Baby Driver كفيلم موسيقيّ بشكل ما، فلئن كان أبطاله لا يغنّون بشكل مفاجئ خارج السياق الدراميّ، فهم يغنّون داخله بتعلّات ذكية. ديبورا تدندن بصوت أثار انتباه بايبي، وبايبي يتابع أغنية تي راكس متمتما مترنّما راقصا، وباتز Bats (جيمي فوكس Jamie Foxx) يردّد مقطع Tequila وهو يفرغ خزّان المسدّس في ضحاياه، وحتّى الدكتور (كيفن سبايسي) كان له نصيب من الغناء حين تحوّلت عبارته (متخلّف يعني بطيء، هل هو بطيء؟) إلى مقطع رمكس Remix عبقريّ تسلّى بايبي بإنجازه.
والتأثير الكبير للموسيقى على المَشاهد، يجعلنا نتحدث عن كوريغرافيا موسيقيّة شبيهة بتلك التي نراها في الغنائيّات. خذ مثلا مشهد شراء القهوة، فمباشرة بعد شارة البداية، وانسحاب العنوان الكبير، تأخذنا الكاميرا في مشهد من لقطة واحدة طويلة، لتنقل لنا رحلة السّائق القصيرة من المبنى الذي يضمّ مخزن العصابة، إلى محلّ القهوة القريب. كلّ شيء كان موقّعا، محسوبا، منسجما مع خطواته الأقرب إلى الرقص، حتى الجدران التي كتبت عليها بعض كلمات الأغنية المصاحبة في شكل غرافيتي Graffiti. أو مثلا مشهد المجزرة الصغيرة التي تسبّب فيها باتز في مخزن تاجر الأسلحة، إذ كان كلّ شيء موقّعا على أنغام أغنية تاكيلا Tequila اللاتينية الشهيرة.


وحتّى قصة الحبّ البسيطة التي أضفت رونقا رومنسيّا لطيفا على الفيلم، تكاد تشبه قصص الحبّ التي نراها في الأفلام الغنائيّة. ولئن لم يؤدّ الحبيبان مقطعا غنائيّا متكامل العناصر، فقد أحالا ضمنيّا إلى ذلك، خصوصا في ذلك المشهد الرومانسيّ البهيج في محلّ غسل الثياب، حين اضطرّتهما سمّاعتا جهاز الأيبود iPod اللّتان يقتسمانها، إلى أن يتحرّكا معا بشكل منسجم كأنهما يرقصان مصحوبيْن في رقصتهما بحركة الأقمشةِ الملوّنة الزاهية اللولبيّة داخل آلات الغسيل.



لم يكن استعمال الأسلوب الغنائيّ بديعا سينمائيّا زخرفيّا لا أكثر، وإنّما كان منسجما تماما مع محتوى الفيلم. يجب أن نذكر دوما أنّنا نرى المشاهد بعيون السائق بايبي، هذا الفتى الغريب الذي فقد أمّه صغيرا بسبب حادث سيّارة، واحتفظ بذكرى صوتها العذب، وبحاجته الدائمة للموسيقى ليتجاوز مشكلة أذنيه التي خلّفها الحادث. لا يستطيع بايبي أن يستمع إلى العالم من دون خلفيّة موسيقيّة، لذلك كانت الأغاني حاضرة باستمرار، ولذلك أيضا كنّا نسمع الموسيقى من جهة واحدة حين ينزع أحدهم إحدى السمّاعتين من أذنيه.
ولأنّ السائقَ كما يقول باتز يجب أن يكون عينين وأذنين، فقد كنّا نرى الأشياء بعينيْ بايبي. لذلك بدت شخصيّات الفيلم ممعنة في الكاريكاتوريّة. بُدي Buddy ودارلينغ Darling العاشقان حتّى السخف، وباتز المتهوّر حتى الغباء، وأبوه يوسف Joseph الأكول، والدكتور زعيم العصابة الذي لا يجد كلمة سريّة سوى "بانانا" (موزة)... إنّ الواقع حتما لا يشبه كلّ هذا، ولكنّ بايبي يقوّض الواقع ويجعله أجمل بواسطة الموسيقى. معاناة والده المقعد والأصمّ تصبح أقل إرهاقا، وصوت الموت المنهمر من حوله يصبح أكثر هوانا، وأحلام حبيبته اللامعقولة تصبح أقرب إلى المنال. إنّ هذا هو أجمل ما في Baby Driver، الموسيقى التي لا تخدّر آلامنا فحسب، وإنّما تجعل الواقع ممكنا.
فيلم Baby Driver ليس فيلم سرقة فحسب، بل هو فيلم موسيقيّ بامتياز، وهو أيضا فيلم مطاردات لم نرَ مثله منذ زمن بعيد. ليس ذلك النوع من المطاردات التي تغلب عليها المؤثرات البصرية كما في سلسلة أفلام "السرعة والغضب" The fast and the furious. وإنّما تلك المطاردات التي نشعر بتفاصيلها ونراها على خارطة نرسمها في أذهاننا بسهولة.
لقد تلاعب إدغار رايت بأصناف سينمائيّة كثيرة في فيلم واحد، يطغى على أحداثه الرّصاص والأوغاد، وتطغى على أسلوبه الموسيقى، تماما كما كان يفعل تارنتينو في مرحلة التسعينات وبداية الألفينات، ولئن كان رايت أقلّ عبقريّة في كتابة الحوار، فقد عوّض ذلك بإحداث علاقة فذّة بين الموسيقى التصويريّة والأحداث. جاء Baby Driver بهيجا، متّقدا، حركيّا كما يجدر بأفلام الصيف، ولكنّها أيضا جاء مبدعا، ذكيّا، جديرا بأن يُذكر في شهر شباط القادم.


------------------------------------------------------------
العنوان : بايبي السائق Baby Driver
السنة : 2017
المخرج : إدغار رايت Edgar Wright
النوع : سرقة، مطاردات، جريمة، موسيقى، كوميديا رومانسية
البطولة : أنسل إلغُرت Ansel Elgort (بايبي)، جون هام Jon Hamm (بودي)، ليلي جايمس Lilly James (ديبورا)، كيفن سبايسي Kevin Spacey (الدكتور)، سي جاي جونز CJ Jones (الأب)
المدة : 112 دقيقة

Translate