Showing posts with label الثورة التونسية. Show all posts
Showing posts with label الثورة التونسية. Show all posts

Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Sunday, November 17, 2019

عن الذي ينقص



تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، وتململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، وراح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية ورطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، ولكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟ لماذا تعيش هنا إذا؟
فتح التلفاز وراح يحملق في الصور المضيئة وقد أخذته نفسه عن ما حوله... كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ والقهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان...

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، ولزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، إذ يجهل إحداثيّاته، وعليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت... في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات والغرف والعنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، وكذلك العيون والنفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك. كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء وشحّ الضوء والهواء. لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق والانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، ودهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، وربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، وقد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما كان زبائني يتهاوون.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، ولكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن وهذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه وحركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، ولا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاهل ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا... وحينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها وتقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها... ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي والدعابات القديمة... في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، وكثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة... أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، ومن يد البقال المتشققة الممدودة إليه، فرمى بالكيس أمامه وغادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأن البائع تعرّف عليه، وربما لأنه لم يفق من المفاجأة. وربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه... هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، ولكنه يصدّق الهاتف الذي بداخله. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يعبث بالأجساد، وأن يكِلَ للطبيب إيجاد على طبيعية لتفسير العبث خارج الأقبية. مرض قديم عاود الظهور، هبوط مفاجئ في الدورة الدموية تطلب تدخلا عاجلا، محاولة انتحار سببا تعفنا وتطلبت قطع شيء ما... لذلك لم يثق قطّ بالأطباء... لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم وينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة... رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة عليها حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى...

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة وما تفرضه من هراء. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى حينما كان نجم الأقبية، واليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه... قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان وكل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. وهاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة والمرناڨ، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم وينام...

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه. فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة... أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه قادما لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم لهم شيئا من الحكمة... من الخلف...
عاوده القرف وهو يتأمل القارورة. وخيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا واستدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب. إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل. هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، ولكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، وربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ وجماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، وكما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته. ويمكن بيسر وثقة أن يميّز بين ندبته وغيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة. تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع. اِرتعاش الأنامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، والعرق البارد. حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا... علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته وقد جُرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ متهوّر واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكّروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى...
قرأ على الوجوه نفورا واضحا. اِنزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة وحياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، وبدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل وقد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، ونبرة البلطجة... لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده... فلينزعجوا إذا. فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة... أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا ولا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

بص جانبا ثم نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا. وغادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهدات والنكات السخيفة... إن البشر لمقرفون. لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، وخيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ وكيف يتوب وقد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظلّ في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكلّ ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها... بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. ولئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، وله أن يحدثه قدر ما يشاء.

سُرَّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. وعاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، ولعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا واعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، وسيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون...
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. وتذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، وهذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة... وتساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح ضمور قدمه اليمنى وهو يقدّمها للمياه، كأنما ذبلت ولم تعد تصلح لشيء. اِنتابته موجة غثيان رهيبة، فغادر مهرولا... إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، وما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا وازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، وأشعل لفافة تبغ ودخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. والأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، وابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز وطلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة... حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم...

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ وإنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف فيها جسدَه. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها لا ليعبدها.

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده واستسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. وحينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة وحسم، وسألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة ولا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه ودواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، وإن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، ولا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك وتحضيرك.
وبسرعة وضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، وبدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، وحينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم وقد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، وأردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، ولطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا. كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، وإحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا وكأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Thursday, October 15, 2015

ولد البهيم

أحكمتْ تثبيتَ خمارِها تحت سترتِها. تأمّلتْ شكلَها أمام المرآةِ المرقّشةِ. لا شيءَ تغيّرَ. لا شيءَ يتغيّرُ. سمرةُ الوجهِ لم تملْ بعدُ إلى البياضِ. والوجنتان لا تزالان غائرتين داخل فمها. حاولت أن تأكلَ أكثرَ. ظهرَ ذلك على خصرها فخافت أن تخسرَ آخر ما بقيَ من الأسلحة. عادت إلى زهدها في الأكل وعادت إلى إظهار نحافة جسمها. مطّت شفتيها مرارا لعلّها تستخرجُ منهما بعضَ البريقِ. مزيدا من أحمر الشفاهِ. هذا أفضل. تكلّفَ القلمُ ثروةً صغيرةً، لكنّه يستحقّ، يثبتُ ذلك في كلِّ مرّة. بعضُ الألوان على الوجنتين. تقول المُزيّنةُ، يجب أن تتناسق الألوانُ مع الأثوابِ. هذا يجعل المهمّةَ أكثر تعقيدا. لون البشرةِ، لون الأثواب، ألوان الزينة، ألوان الرجال... حُقّةُ هذا البُنّيِّ تكادُ تنتهي. ضمور الوجنتين يكادُ يختفي. ستوصي نزيهة بجلبِ المزيدِ منهُ من تركيا. الحاجبان! لا بدَّ من إبراز الحاجبين!

"أُذِّن و إلا مازال؟"

شعرتْ بتوتّر حينما سمعت العبارة. تفضِّلُ دائما أن تخرُجَ دون أن يشعرَ بها أحدٌ. ليس بها رغبة للتواصل داخل هذه الجدران. فضّلت أن لا تجيبَ. عاودت التطلُّعَ إلى المرآةِ من مسافةٍ أبعدَ. لا بأسَ. يومٌ جديدٌ. محاولةٌ جديدةٌ. اِختارت الألوان بعناية هذه المرةَ. راقبته طويلا. عرفتْ إلى أيّ الألوان يميلُ.

حقيبةُ الأكلِ مهترئةٌ، لكنّها تنجزُ عملها بكفاءة، وتحفظُ لها كنزها الصغيرَ. أمام البابِ اصطفَّ كدسٌ من الأحذية. ألقت نظرة جانبيّةً على قدمِها اليمنى. فَرَدَتها كراقصات الباليه. اِنحت وتناولت زوجا من ذوي الكعب العالي. القدمُ جميلةٌ دوما بالكعبِ العالي. لن يمكنَه تجاهُل الصوتِ من بعيد. سيكون اليومُ شاقًّا بهذا الحذاء، لكنَّ العبرةَ بالخواتيم. فتحتْ البابَ لتُواجِهَ العالمَ.

"حيِّ على الفلاح!"

إنَّها الخامسة، حفيفُ الهواءِ يجمِّدُ الأطرافَ. القمرُ الباهتُ المعلَّقُ يتراجع خائبا. الصَّمتُ المطبقُ يبشِّرُ بولادة النهار. مرَّ شريطُ يومها أمام عينيْها قبل أن يبدأَ. أحسَّت بشيءٍ من التَّعبِ كأنَّها في آخر النهارِ. لن يكونَ الفرق كبيرا بين الموقفين. ستكون تماما هكذا بعد إحدى عشر ساعة من الآن. وسيكون القمرُ معلّقا، والهواءُ مجمَّدًا، و ربّما صوت الآذان الأخيرِ مبشِّرًا بعودة الصمتِ على المكان.

سربٌ من الأشباح يجاهدُ الريحَ وحُفَرَ الطريقِ المقابلِ. ستبدو هي أيضا على درّاجتها بعدَ قليل شبحًا صامتًا يقطعُ المدينةَ من طرَفِها إلى الآخرِ. الكلُّ هنا يذهبُ إلى هذا الطرفِ الآخرِ. يحُجُّ إليه مبتهلاً داعيا. يطوف في أرجائه. ينشُدُ خلاصَه. هي أيضا تريدُ الخلاصَ. فقط لو أنّه يلحظُها!

"يا سي عليّ، ما عندكش فكرة على قرارات اليوم؟ صباح الخير يا هادي، نهارك طيب!"

اِقتربتْ من الحشدِ عندَ المرآب. أحكمتْ غلقَ قفلِ الدرَّاجةِ. تظاهرتْ بالانهماكِ في ذلك، بينما عيناها تجولان خفية في المكان. لا ظلّ له في الأنحاء. لعلَّه باشر عمله باكرًا... سعلتْ مرّتين، نزعتْ معطفها. ربَّما تجذِبُه ألوانُ الثوبِ الجديدِ، ولو كان في الداخلِ. كادَ البردُ يذهبُ بجسمها النحيلِ، لكنّها واصلتْ طريقَها إلى قسمِ الكيميائيّاتِ. ضربتْ بقدمها على الأرض، لعلَّه يسمعُ صوتها فيظهرُ من تحتِ الأرضِ. لا بأسَ. ستراهُ وقتَ الغداءِ...

في قسم الكيميائيّاتِ، مرّتْ من أمامه، لكنَّها لمْ تلحظه. اِنتابته حرارةٌ مفاجئةٌ. لم يكنْ أحدٌ معه في موقع عمله. لحسن حظِّه لم يكن أحدٌ هناكَ. اِبتلع جفافَ حلقه. تمالكَ نفسَه. عاودَ اختلاسَ النظرِ إلى ما تبقَّى من ظلِّها في المكانِ. لقد اختفتْ تماما! أخذ نفسا عميقا وحاولَ اجترار ما غنمه من اللحظةِ العابرةِ. لم تسعفه النظرة الخاطفة بملاحظة الكثير. لم يعتدْ منها تركيبة الألوانِ هذه. ما تبقَّى من المشهد كان ما يكوّن شكلها في قلبه. وقعُ مشيتِها، نحافةُ خيالِها، حنانُ عينيها، رعشةُ جسدِه كلَّما استشعر رائحتها. لا تزالُ الرائحةُ الخفيّةُ تملأُ الفضاءَ من حوله. تمرُّ كلَّ يومٍ من قربه، تتركُ له كلَّ ذلك، و خيالاتٍ كثيرةٍ تذهبُ به عن عمله لبعض الوقتِ. صارَ في كلِّ صباح ينتظرُها كمن ينتظرُ وقتَ صلاتِه...

"جماعة الاتّحاد، قالوا يلزمنا احتجاج!"

ثمَّ يتهشَّمُ كل شيء في ذهنه كما الزجاج. يعودُ إلى عالمه و إلى الرّافعة المنتصبة أمامه. هتافاتُ الزملاء من حوله، وأوركسترا الآلات الرّخيمة الواثقة، و هذا البخارُ المتصاعدُ إلى الله. اِزداد حديثُ العمّالِ توتّرا هذه الأيامِ، و زاد حجمُ شرودِه في البخارِ المتصاعد من حوض السائل الكيميائيِّ الخانقِ. تابعَ صعودَه إلى السَّقفِ حيثُ مسالكُ التهوِئةِ تنقلُه إلى مكانٍ ما. تساءلَ ما الذي يسبّبُ له أوجاعا في الصدر إن كانت الأبخرة تخرج من فوق؟

"هل ستشارُك في الإضراب؟"

كان يعرفُ الإجابة عن سؤالهِ البليدِ، مثلما كان يعرفُ الإجابة عن سؤالِ زميله. لهثَ و هو يحرّكُ الرافعةَ إلى الخلفِ قليلا. راح السائلُ ينسكبُ في وعاءٍ كبير. عاودته أوجاع صدره. لكنّه يعرفُ أنَّه لن يحتجَّ و لن يُضربَ. يعرفُ أنَّ بقاءَه مضمون بسبب توصيةٍ من السيّد المعتمَدِ. حينما ذهبَ إليه حاملاً بطاقة مناضلٍ بإسم جدِّه، و شهادةَ فقرٍ، وعدهُ في فتورٍ بالشغلِ والكرامةِ. تلك العبارةُ الّتي ما فتئَ كلُّ مسؤولٍ يردِّدها بعدَ الثورةِ المباركةِ. قتلَ جدُّه خمسةً وثلاثين عسكريّا فرنسيّا زمنَ المقاومةِ المسلّحةِ، وكسبَ هو ببطاقة نضالهِ، ثلاث مائة وخمسين دينارا شهريّا. الحسنة بعشر أمثالِها كما يقولون. والسيّئة أيضا بعشر أمثالها. لكنَّه لم يعرف السيّئة الّتي جعلت من جدِّه يكنّى "رجبْ البهيم"* وجعلت النّاسَ تناديهِ "ولد البهيم". يسمعُها همسًا هنا وهناكَ، وجهرا وقتَ الخصامِ. جرّب صغيرا أن يغيّر من عادة القوم، فتعلّمَ درسَه الأوّلَ: العادةُ لا تقاوَمُ. في هذه المدينة، كلُّ شيءٍ سيظلُّ كما هو. سيظلُّ يسكبُ هذا السائلَ ويرسلُه إلى نقطة العملِ الموالية في السلسلة. سيظلُّ ولدَ البهيم، وسيظلُّ مكتفيا بنصيبه.
ليحتجّوا، ليُضربوا، هذا حقّهم، و هو معهم بقلبِه، لكن بعيدا عن رزقه، بعيدا عن رزق جدّه العجوزِ المشارف على الموت. بعيدا عن حلوى أبناء عمّته التي يلتزم بشرائها كلّ أسبوع. العادةُ رتيبةٌ، مثل عمل هذه الرافعة الصامتة المهيبة. لكنّها مستمرّة، واثقة، لا تتزحزح. أصحاب هذه الرافعة مثلها لن يتزحزحوا. ذلك المدير الإيطاليُّ سيظلُّ هناك، مهما احتجّوا ومهما صرخوا...

"قالوا سيعلّقونَ أسماء المطرودين."

علِــق إسمُها منذ زمن بعيد بذهنه. عرفَ عنها أشياء كثيرةً. عرفَ أنها شاخصة بقلبها إلى الإدارة. لم يحبطه ذلك كثيرا، وأدهشه أنّ ذلك لم يحبطه. لم يحسَّ بالغيرة، لأنّ من حقّها أن تتطلّع إلى شخص ليس مثلَه. إلى شخص لا ينظر إلى الأرض، ولا يكتفي بأجرٍ بخسٍ، ولا ينادونه "ولد البهيم". ظلَّ مكتفيا بوجبة الصباح، من وجهها الكريم، ومن زينتها التي تعدُّها لغيره. رأى نفسه واقفا في الساحة بعد الغداء. رآها تشرئبّ بعنقها بحثا عن غيره. بريق عينيها يذبل شيئا فشيئا، وقدماها تعودان بها القهقهرى. سوف تمرّ من أمامه دون أن تشعر بوجوده، تماما كما لا يشعر ذلك الإداريُّ بوجودها. ربما يلقي إليها تحية متلعثمة حذرة، وربّما تجيبه دون أن تلتفت إليه... اِنتابته شهوة عنيفة وهو يتخيّل المشهد. تساءل: أليس عبثا هذا الذي يراه، كمثل العبث الذي تصرّ هي عليه؟ هو كذلك لا يملك حيلة لحبه ولا سلطانا... لقد قدّر لأهل هذا الفضاء من العمل إلاّ حوادثَه، ومن الأجر إلا مهانته، ومن الحبّ إلا عذاباته.

"يجبُ أن نتحرّك! يجب أن نتضامن!"

لكن لا أحد يتحرّك من أجله ولا يتضامن معه، وكذلك هو لن يفعل. إنّ النضال كذبة كبيرة يخترعها أصحاب الحاجة لاستدراج من لا حاجة لهم. اليوم يتضامن معهم، وغدا ينادونه "ولد البهيم"... وجهه في المرآة يوحي بالتوتّر. تحامل على نفسه والتقط نفسا عميقا. لا توجد بقع على القميص. لا يبدو بهذا السوء. أين الباب؟

خرج من قسم الكيميائيات. الصخب يملأ فضاء المنطقة الصناعية. بدأ العمّالُ بالتجمهر حول القائمات. بعضهم رفض الاطلاع عليها والمشاركةَ في المسخرة. أغلبهم يعرفُ مسبّقا مصيره. ولم تكن هي من بين هؤلاء. لكنّها لم تبدِ انشغالا كبيرًا بما قد يحدث. نظرت إلى مشاريع الأحذية المتكوّمة أمام آلة عملها، وراح ذهنُها يحسبُ رغما عنها. بعشرة دنانير في اليوم تخيط نحو ستين حذاءً. يبيعونه للناس في "الخارج" بعشرات اليوروات. هذا الصنف مثلا، أخبروها أنّ ثمنه في السوق الأجنبية مائة وخمسون من عملتهم أو يزيد. هذا يفوق أجرتها الشهرية بالفعل. يربحون منها الذهب، فماذا تربح منهم؟

"عندي ديون برشة. إذا طردوني، سيُقضى عليّ"

أمّا هي، فلا ديون لديها تقريبا. تهب كلَّ مالها فعلا لأدوات الزينة والملابس. كلّفها هذا الثوب أكثر من نصف أجرتها. لم يقلقها ذلك قطّ. أجرتُها لا تصلحُ لشيء آخر بالفعل. تجد متعةً حين تقول بكلّ صدق لأمها أو أخيها "مفلسةٌ، قلّبوني!" وحين تصرخُ فيها أمُّها في حنق "لماذا تعملين إذا؟" تجيبها بحدّة أكبر "لأتخلّص من وجوهكم، وأوامركم، وخدمتكم!". لم تعمَل يومًا لجمع المال، بل لجمع الأمل. تلملمه بعينيها الكحيلتين، وابتسامتها الحنون. تحاول افتكاكَه من الرجل المناسب. منذ فترة ليست بقصيرة، صارت تعرف من هو الرجلُ المناسبُ. تحدّثها بدلتُه الأنيقةُ عن تفاصيل حياتِها بجواره. عقدتْ آمالَها على طرف المنديل النابع من جهة قلبه. لم يتزوّج لأنّه لم يعثر على بنت الحلالِ. ما أندرَ بناتِ الحلالِ!

"حتّى جماعة الإدارة، ستشملهم الغربلة." 

اِلتقطت أذناها العبارة كما تفعل الأرنب المتحفزة. نهضت وهي تحملق في الباب البعيد. ضاق المكانُ من حولها، امتدّت حشود العمّالِ بعيدا عن المعلّقات، لم يأتِ الدَوْر على قسم الخياطة بعدُ، لكنّ قلبها صار يخفق بعنف ضربات آلتها. كيف تصل إلى الأوراق؟ هتافات العمّال من حولها أكثر زحمة من احتشادِهم.

"سياسةُ الدولة هي السبب!"

"من أين يأتون بهؤلاء المستثمرين؟"

"طليانيٌّ كلبٌ! كلّ الإيطاليين كلاب! لصوصٌ!"

"الأزمة العالمية هي السبب. لا حول و لا قوة إلا بالله."

"تزوجتُ منذ شهر، و الآن سأطلّق وأواصل تسديد الديون! أيُّ دنيا هذه؟!"

تمنّت لو تظلُّ تقرأ الأسماء حتى نهاية القائمة. أن تتحمل التّدافع لساعاتٍ. لكنّها توقّفت عند الورقة الثالثة. كان إسمهُ الأنيقُ يتصدّرها. اِرتخت عضلاتُها. تركت تَدَافُعَ الحشود يعود بها إلى الخلف، إلى الخلف، حتّى لفظها خارجًا. تأمّلت المكان من حولها في صمت. بدا لها المكان غريبا وموحشا. توقفت عيناها عند البوابة الضخمة. بدت أكبر حجما، كأنّها تدعوها إليها. مضت نحوها ساهمة، وقد عرفت أنّها لن تعودَ.

حتّى بعد مرورِ يومين لم تعدْ. اِنشغل باله بها. لم يعدْ قادرا على العمل. لحسن حظّه لم يكن هناك من عملٍ يُذكر. اِنخفض نشاطُ المصنع بسبب الفوضى. لا أحد يهتمُّ بمردودية العمال وهم يُطرَدون.

"قد يغلقون وحدات الإنتاج خلال اليومين القادمين."

"المحتجُّون لا يعرفون ما يفعلون. يطلبون العون من الاتّحاد وهؤلاء يحرّضون على التصعيد لأغراضٍ سياسية."
"أنت إخونجيٌّ حقير." 
" وأنت يساريٌّ اِبن كلب!" 

المصنعُ مهدّدٌ بالغلقِ. قلبُه مهدّدٌ بالخواءِ. وهذا الحوض لا يزال ممتلئا. ماذا لو طلب من السيّد المعتمَد إرجاعها؟ لكنّ بطاقة النضال لا تطال شخصين. ودّ لو يمنحها مكانه، لكنّها ليست من العائلة. لو كانت زوجته مثلا... سيقول لهم إنها ... كتم ضحكة كادت تلفت إليه الأنظار. النضال لا يحمي المغرمين. المصنع أيضا لا يحميهم. بل إنه يكرههم. الحبُّ يعني الزواج. والزواج يعني أطفالا، ومنحا خاصا، وإجازات استثنائية لا تطيقها الإدارة...
صخب المتظاهرين في الخارج بات يملأ الفضاء. مرّ أحدُهم من أمامه تاركا بعضا من حزنه وغضبه وحسده. إنّه مذنبٌ لأنّه لم يُطرد. إنّه مذنب لأنّه "ولد البهيم" ولو كان ابن سي "الباردي" لما لامه أحدٌ. تذكّر تعلُّق "بنت الباردي" به في صباه. تذكّر كيف تجاهل كل محاولاتها البائسة لاستمالة قلبه، وكيف اعتبرها مقلبا سخيفا لم يقع فيه. ضحك في مرارة وعاودَ شدّ الرافعة الثقيلة...

"حتّى ل.م طردوه! تخيّل! ذلك المتعجرف صاحب المعارف والصِّلات!"

توقفت يداه عن عملهما. سقط الصندوق في الحوض. تعالت صفارة من مكان ما منذرة. صرخ زميله محذّرا. لكنّه غادر المكان دون أن يأبه.أهذا ما تركه له جدُّه؟ أهذا ما أراده له من الحياة؟ نظر إلى البطاقة المغلّفة. نظر إلى المتظاهرين الغاضبين، وإلى دموع الفتيات المطرودات، وإلى الأحذية الجلدية الرفيعة وهي تشقّ مسلكها الواثق إلى ماوراء البحر. تحسّس رقبته. تحسس الوجع الممتدّ من صدره إلى أسفل معدته. اشتمّ عطرها في خياله. سمع صوت رفاقه قادمين. سمع وقع حذائها في رأسه، سمع وقع الهتاف المتوالد من قلب المظاهرة.

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق! المحبّة استحقاق يا عصابة السرّاق!"

اِختلط الكلام في ذهنه. لم يعد يميّز أيها هتف به المتظاهرون، وأيها هتف به هاتف في أعماقه. حشدُ العمّال متكوّم أمام مبنى الإدارة المغلقة. عند الباب، كانت محامية يساريّةٌ شهيرة تخطبُ دون توقف. ضاع كلامها وسط الهتاف. 

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق!"


ضاعت أفكاره وسط الهتاف. نظر إليه بعضهم في اندهاش. لماذا يهتف معهم؟ ألم يحفظوا له عمله؟ تسلّق كتف أحدَهم وصرخ، فردّد الجميع في هياج.
"لماذا يتظاهر معنا؟"
أجاب إداري ساخرا :"لأنه ولد البهيم!"

15 آذار 2015

------------------------------
* البهيم في العامّيّة التونسية تعني الحمار.

Thursday, October 23, 2014

حيرة ناخب

أنظر إلى الساعة، تشير إلى يومين قبل الانتخابات، تذكرتُ أنني لا أعرفُ شيئا، أو أنني أعرف أكثر ممّا ينبغي، لماذا عليّ أن أنتخب أصلا؟ اللحظة تقترب، أنا لا أعرف شيئا، بل ربما أعرف أكثر ممّا ينبغي، أحزاب صغيرة، وجوه واعدة، الكتل الحزبية الكثيرة تشبه فقاقيه الصابون، و الخوف ممّا سيحدث مستقبلا، الكل يقرّر لنا، ماذا تخبئُ لنا أمريكا؟ هل أنا موبوء بمرض المؤامرات؟ ماذا عند صندوق النقد؟ و الإملاءات التي تزداد اجحاف كلما أضفتَ قرضا؟ من يطلب القروض؟ ماذا نريد؟ هل يجب أن ننتخب؟ على أساس سأنتخب؟ قائمات، أحزاب، رؤوس أموال، إيديولوجيات، قوى خارجية، رؤوس قائمات، تحالفات خفية و معلنة، 18 اكتوبر، 9 جانفي، 23 أكتوبر، هذه بلاد تقرر مصيرها في أول الخريف أو في أول الشتاء. يومان، كيف سأفكر؟ سأحاول أن أفكر..

1 ـ في أن المقاطعة ليست أفضل من الإنتخاب
أعتقد أنه يمكن حصر أسباب المقاطعة، فأوّلها عطن رائحة الطبقة السياسية كلها. الكثير من التونسيون باتوا يشمئزّون من السياسة، من كل ماهو سياسيّ، و ذلك بالنظر إلى رداءة المشهد السياسيّ عموما. حسن، الكلّ رديء فعلا، الكلّ منشغل في الصراع لأن أغلب السياسيين أمضوا حياتهم في الصراع ضد الأنظمة السابقة، هم أناس تعودوا على أن العمل السياسيّ هو صراع قبل كل شيء، و لعلّهم أناس جبلوا أصلا على الصراع و لا يجيدون البناء. الكلّ رديء لكنّ الرداءة أنواع، هذه الإنتخابات تخيّرك بأي الرداءة ستقبل، هل ستقبل بمنوال اقتصاديّ رديء؟ أم بتعامل رديء مع الحريات العامة؟ هل ستقبل برداءة المناخ الاجتماعيّ و اشتداد التفاوت بين الطبقات؟ أم ستقبل بوضاعة الحالة الأمنية و العيش في خوف دائم؟ في هذه أجدُني مضطرّا للاختيار، و هو اختيار أرحم قليلا من اختيار المدان طريقةَ موته، لو كنتَ مدانا، أسيان عندك الموتُ الرحيم و الموتُ حرقا؟
ثاني الأسباب هو عدم الدراية، أنا أيضا عزفتُ عن متابعة السياسيين منذ فترة، لا يمكنني معرفة كلّ كبيرة و صغيرة عن كل شخص و حزب، و لكن لو فكّرنا بمنطق اقصائيّ، فهناك الكثير من المرشّحين ممّن لا يحتجون إلى علم و دراية لاقصائهم. لا أحبّ أن أذكر أسماءً هنا، و لكن من ذا الذي يقبل بانتخاب شخص لا يكاد يجيد التعبير عن أفكاره؟ من ذا الذي يقبل بانتخاب شخص يعدكم ببيع الخبز بنصف ثمنه؟ هذه مسائل لا تحتاج إلى دراية كبيرة، و حينما تقصي الذي يستحيل أن تنتخبهم، ستبقى أمامك سبعة قائمات على الأكثر مهما كان توجهّك الفكريّ.
ثالث الأسباب هو أن النتيجة معروفة مسبقا، و أن هناك قوتان ستقتسمان الكعكة بفضل اتفاق قوى خارجية إلى غير ذلك، و أعتقد أن هذه أوهن الأسباب، فالغالب على الظنّ أن التزييف لن يحصل (إلا بمقدار ما سيحدث من انتهاكات معزولة هنا و هناك) و أن الدعم إن وجد (و أنا أؤمن بوجوده) فقد وجد قبل يوم الأحد، أموال، طرق عمل و مناهج لكسب الرأي العام، إعلام، حروب نفسية، تجييش المشاعر، الخ الخ.. ترسخت بالفعل فكرة أن الانتخابات بين شقين كبيرين و هل أنت معنا أم علينا التي هي ليست غريبة عن الذهنية التونسية، باتت الشعار الأكثر تداولا في صدور الناس. فهل المقاطعة هي من سيغير هذه المعادلة؟ أم المشاركة و انتخاب شق ثالث يفسد هذه المعادلة؟ أعتقد أن الأمر واضح.
السبب الرابع الذي عاينته، هو رفض المشاركة في المهزلة القادمة. في الواقع، المهزلة حاصلة شاركتَ أم لم تشارك، الفرق هنا، أن مشاركتك قد تعني تقليص حجم المهزلة، أما عدم مشاركتك فلن يعنيَ أنك لم تكون مسؤولا عنها. ثمّ ألا ترى من الأنانية أن تتجنب المشاركة فقط لتشعر أنك "على حق" ؟ أنك البطل الذي من حقّه أن ينتقد نتائج الانتخابات لأنه لم يكن موافقا عليها منذ البداية؟
يجب أن نفهم شيئا هنا، هذه الانتخابات، لن تكون الوحيدة التي ستحصل بهذا الشكل، كل ما سيأتي بعدها، انتخابات بالطريقة نفسها، و بالدستور نفسه، و بالقوى السياسية نفسها (تقريبا) و لو لم تشارك اليوم لهذه الأسباب، فأنت لن تشارك في غيرها لنفس الأسباب، و هذا يعني أنك ترفض هذه المحاولة الديمقراطية من أساسها. الانسان لا يولد كهلا.
سأفترض أيضا أن الجميع قرر المقاطعة، ماذا سيحصل حينئذ؟ تعاد الانتخابات؟ كيف تعاد؟ لماذا؟ كيف سيغير القانون الانتخابي؟ متى؟ ما وضعية المجلس التأسيسي الذي يفترض أن ينتهي بنهاية هذا الشهر؟ ما وضعية الدستور و ما شرعيته؟ من سيمسك البلاد و من يملك أصلا الشرعية لمسك البلاد حينئذ؟ حرب؟ سلاح؟ ليبيا؟ هل المقاطعة حقا أفضل من الانتخاب؟
تريد أن تعلن رفضك؟ تريد أن تظهر غضبك؟ ماذا عن الورقة البيضاء مثلا؟

2 ـ في طبيعة الانتخابات
أتحدث طبعا عن التشريعية، لأنها الأكثر تعقيدا. بالنسبة للانتخابات الرئيسية فهي تبدو سهلة، و مهما فعلت لتقنع الناس، فالمسألة لن تحيد عن فكرة : من هو (هي) الأفضل، من هو(هي) الأكثر مروءة (رجلة) لا غير. أما الانتخابات التشريعية، فنحن نتحدث عن قوائم انتخابية و قوائم مستقلة، و رؤوس أعمال، و أحزاب كثيرة كثيرة. كيف يكون الاختيار وسط هذه الفوضى؟ ربما وجب التأكد أولا من طبيعة الانتخابات.
الانتخابات التشريعية اليوم، تأتي لإنهاء المرحلة الانتقالية الثانية. الدستور موجود اليوم، و المسألة السياسية شبه محسومة، الحديث عن السياسة سيتقلّص شيئا فشيئا، خصوصا مع الحاجة الملحة للتونسيين، للانتقال بالخطاب إلى جوانب أخرى مهمة. مسائل مهمّة كثيرة في المرحلة السياسية لم تأخذ حقّها، مثل الهوية، و الحريات العامة، و حقوق الإنسان، و حتى العدالة الانتقالية غابت تماما عن المرحلة التي يفترض أن تهتم بها أساسا، لكنّ هذا اليوم لم يعد أولوية.
مهمة المجلس التشريعيّ القادم تتعلق بأمرين : تكوين حكومة مهمتها الرئيسية إطعامنا من جوع و تأميننا من الخوف، فنحن لا نزال نطلب هذين العنصرين البدائيين. و الأمر الثاني هو تشريع القوانين الإصلاحية طوال السنوات الخمس القادمة. إعادة هيكلة البلاد تقريبا.
أنت أيها الناخب، ستختار من يقرّر عنك هذين المسألين. ستختار من يصنع حكومة تركز على الأمن و الاقتصاد، و تختار من يكتب القوانين الاصلاحية الملائمة للبلاد.

شاءت الأحزاب و المجلس التأسيسي و خبراء الانتخابات و أصحاب السوابق و الخبرات، و السادة العظام أن يعتمدوا نظام انتخابات القوائم، مع احتساب أفضل البواقي بالنسبة للقوائم الخمسة الأولى. لا، لن نناقش النظام و مساوئه لأنه من الماضي، و لأننا لن نغيره قبل اربعة أيام من الانتخابات، لكن ربما علينا أن نفهم ماذا يعنيه هذا النظام، و ماذا يترتب عنه.
نظام القوائم يعني أن النتائج ستسيطر عليها الأحزاب، فالمستقلون لا يمكن أن يواجهوا الآلة الحزبية الضخمة. كم من مستقل وجد له مقعدا في المجلس التأسيسي ؟ نفر قليل، و أقلّ منهم أولئك الذين سينتخبهم الناس في هذه المرة. يصعب على المستقلين أيضا أن يقدموا مشاريع قوانين تستند إلى دراسات معمقة، ذلك أنهم لا يملكون الموارد البشرية الكافية لإعداد هذه الدراسات. المسألة دوما متعلقة بالموارد البشرية، العمل الجماعيّ أكثر نجاعة. ربما تجد من بين المستقلين صوتا نورانيا صادقا الخ الخ لكن هل النقاء وحده ينفع في مناقشة شروط القروض الدولية؟
نظام أكبر البواقي أيضا مهمّ، فهو يعطي شيئا من التفضيل لفكرة اقتسام المقعد بين عدد أكبر من القوائم، لكنّه ـ عكس انتخابات المجلس التأسيسي ـ عدد محدود أيضا، لأن المستفيد من أكبر البواقي في كل دائرة انتخابية لن يتجاوز الأحزاب الخمسة الاولى. لذلك، أعتقد أننا لن نجد أكثر من 10 أحزاب في المجلس التشريعي القائم، ربما خمسة من هذه الأحزاب لا يحصل مجموع مقاعدهم ال10% من العدد الجملي. لذلك نظام الانتخاب، يدعوك أن تفكر بالأحزاب العشرة الأكثر حضورا و شعبية (حتى لو كان أغلبها قذرا، اتفقنا على هذا) حتى لا يذهب صوتك سدى.

أخيرا، و هذا الأهم، فالانتخابات أيضا تقوم على الدوائر الانتخابية و هي دوائر جهوية، لذلك فالمرشحون لا يمثلون في البرلمان أحزابهم فقط، بل أيضا جهاتهم. لذلك يجب التفكير في كل هذه العوامل قبل الاختيار. الحزب أم الشخص؟ الجهة أم الوطن؟ التصويت المفيد أم التصويت العاطفيّ؟ التصويت على أساس البرامج أم على أساس الإيديولوجيا؟ الأسئلة لا تزال كثيرة!

3 ـ في التصويت للأحزاب أم للأشخاص
كما ذكرتُ سابقا، فإن العمل الفرديّ لا يمكنه أن يقدم أو يؤخر. شخص واحد لا يمكنه أن يقدم مشروع قانون متاكل ضافي الجودة. و شخص واحد لا يمكنه أن يضمن تمرير قانون بمفرده. العمل التشريعيّ ليس فرديا و لا يمكن أن يكون فرديا لذلك فالشخص الذي ستختاره سينضوي حتما تحت كتلة برلمانية لم تتكوّن قبل اختيارك و بذلك لن تعرف خياراتها و أفكارها و أهدافها. أما الحزب، فأنت تعرف مسبقا مبادئه و أفكاره و الشخص الذي ستنتخبه سيلتزم بتلك الأفكار و يمضي فيها خلال تصويته.
يلتزم؟ مهلا، هنا يجب أن نسترجع التجارب التي عرفناها في المجلس التأسيسي، العواصف الهوجاء التي تقتلع أعضاء الأحزاب و تلقي بهم في أحزاب أخرى. نواب كثر تسكعوا بين أحزاب كثيرة، و منهم من باع نفسه لمن يدفع أكثر، بعض الأحزاب لم تحصل على مقعد واحد، و لكنّها مع ذلك تضمّ أكثر من عضو في المجلس التأسيسي. هذه التجربة لا يجب أن تُنسى حينما نفكّر في الانتخاب. اختيار الحزب لا يجب أن يلغي قيمة من يمثّل ذلك الحزب. حينما تريد التصويت لحزب ما، فاُنظر أيضا إلى رئيس قائمته، أتراه يصلح أن يمثلك في المجلس؟ (أجل كلهم لا يصلحون، لكن أتراه أقلهم سوءا حقا؟) ما نسبة تأكدك من أنه لن يهجر الأفكار التي نادى بها حينما اخترته؟
النظر إلى رئيس القائمة مهمّ لسبب آخر، فالحزب الذي يعيّن رؤساء قوائمه، يفترض منه أن يقدّم أناسا من ذوي الكفاءة، أن يقدّم أفضل ما عنده من رصيد بشريّ لتلك الدائرة، و حينما تجد أن رئيس قائمة تلك الدائرة ليس مهمّا جدا داخل الحزب، فاعلم أن الحزب لا يركز كثيرا على دائرتك، ربما لا يرصد لها اهتماما تشريعيا في ما بعد، و ربما لا يملك عنها المعلومات الكافية ليهتم بها أصلا. بمعنى آخر، قيمة رئيسة القائمة داخل الحزب، تعكس جدّية هذا الحزب في دائرتك الانتخابية. لذلك فبالنسبة لي، الاختيار حزبيّ، و المعيار فرديّ.

4 - في التصويت للجهة أم للوطن
هناك من يختار الحزب الذي يقدم أفضل الخيارات الوطنية، و هناك من يحكم على الحزب الذي يقدم برنامجا جهويا واعدا. في الواقع المفارقة صعبة جدا هنا. أعتقد أن الخيارات الوطنية اليوم، محدودة بعض الشيء، الجميع يعرفها، و الجميع يتفق على عناوينها. أما التفاصيل فالواضح أنها غائبة عن خطابات الأحزاب. ناهيك أن انتخابات هذه المرحلة كما ذكرت، تتركز أساسا على التنمية الاقتصادية و توفير الاستقرار الأمني و السياسي. منوال التنمية الوطني لن يتغير على ما يبدو مهما كانت الجهة الحزبية الفائزة، لكن الاختلاف سيظهر في الجهات، في مشاريع الجهات و الأفكار المرصودة قبل الأموال. الوطن هو ما تكوّنه الجهات، لذلك فأنا أفضل نوابا يعرف كل منهم جهته فقط تمام المعرفة، على نواب يعرفون وطنهم معرفة عامة لا تغرق في التفاصيل. المسألة لن تكون صراع جهات أيضا، لأن الانتخابات سيكون بين أبناء الجهة الواحدة، من أفضل من يمثلها، من أفضل من يدافع عن المشاريع التي تليق بها؟ تلك هي المسألة.

5 - في التصويت المفيد
فكرة التصويت المفيد تحيلنا على حزب بعينه. و رغم أنني لا أحب الخوض في الأسماء حتى لا أؤثر على أحد، فإنّ هذه الفكرة تقترح منهجية للتصويت، لذلك لا يمكنني أن لا أفكر فيها و أنا أبحث عن حلّ لمن سأصوّت. ما جال ببالي أمران رئيسيان، و هنا سأفترض أنني شخص أريد أن أصوّت ضدّ حركة النهضة، سأتساءل مالفرق هنا بين أن يحصل حزب "ألف" على 30 مقعدا، و حزب "باء" على 20، و كلاهما خصمٌ للنهضة، و بين أن يحصل حزب "ألف" على 45 مقعدا و حزب "باء" على 5 مقاعد؟ الفرق في رأيي، أن الناخب سيخسر خصوصيات حزب "باء" التي هو فعلا مقتنع بها، في صالح الحزب "ألف" التي قد يتقاطع فيها مع حركة النهضة. بمعنى آخر، فتصويته كان مضرّا. الأمر الثاني يتعلق بالحسابات التي تثبت أن الأحزاب الكبيرة تستفيد أكثر من نظام أكبر البواقي. و أعتقد هنا أن المسألة لا تتعلق حقا بأكبر البواقي، فنظام القوائم يشجع على تعدد الاحزاب، و يقلص من هيمنة حزب واحد، و هنا يمكن أن نذكر أن الكثير من المقتنعين بحزب النهضة، صوّتوا للمؤتمر، ما جعله صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات، بهذا المنطق، يمكن أن يفيد هؤلاء من وجود حزبين أو ثلاثة، مثلما يمكن أن يتضرروا من تشتت أصواتهم على أحزاب كثيرة. باختصار، التصويت المفيد ليس مفيدا لأن وجود حزب واحد، يشبه كثيرا وجود أحزاب كثيرة. بمعنى آخر، يمكن أن يكون التصويت مفيد، حينما يقتسم التصويت على حزبين أو ثلاثة.

6 - في التصويت على البرامج أم الإيديولوجيا
في هذه حسمتُ أمري منذ فترة، فالإيديولوجيا لا يمكن أن تناقش وسط التعصب، و نحن منذ ثلاث سنين، نعاني افراطا شديدا في التعصب و الشيطنة يجعل من الحوار أمرا مستحيلا، لذلك ألقيت بإيديولوجيتي جانبا و أنا أفكر فيمن سأصوت. سواء نجح الإخوان، أم اليساريون، أو التجمعيون أو حتى يسار الوسط، فالنمط الاقتصادي و الاجتماعي لا يمكن أن يتغيرا كثيرا في السنوات القادمة. مهما كانت الجهة الفائزة، فالنمط الاقتصادي سيظل شبه رأسماليّ، يعتمد على المؤسسات الصغرى و المتوسطة، و يعتمد على الاستثمار الاجنبي و السياحة، مع بعض الدعم للفئات المتوسطة، و المنوال المجتمعي، سيظل ذلك الذي اتفق عليه القوم في الدستور. حتما كل سيحاول الجذب قليلا إلى جهته، لكنّ هذه التفاصيل على أهميتها لن تكون بقدر قيمة أن يجد المرء أناسا قادرين على التنفيذ، قادرين على الانجاز. أنا مستعدّ لأن أختار من يحمل كل الايديولوجيات التي اكره، لو كان هذا الشخص يحمل من الأفكار و المهارة ما يمكنه أن يوفر للوطن استحقاقاته القادمة. و أن يعدّ البرامج التي تليق.

7 - في البحث عن المصطفى
و لا أتحدث هنا عن سيد الخلق صلى الله عليه و سلم، و إنما أتحدث عن الحزب / الشخص الذي سأسطفيه ليمثلني، عن القائمة المناسبة. إنني أعرف خياراتي، لكن كيف أعرف أي المرشحين أنسب لها؟
عليّ أن أكون بسيطا و مختصرا للطرق و المسافات، طريقة الاقصاء جيّدة جدا، حينما تقصي القوائم التي لا تصلح في حدّ ذاتها أن تمثّل في المجلس (بعيدا عن خياراتك) فلن تبقى لك إلا القوائم الممكنة، و سيكون عددها محدودا جدا. و كما قال دُويْل على لسان هولمز : لو استبعدنا المستحيلات، فستبقى الحقيقة مهما كانت غريبة. و أعتقد أنك ستجد نفسك في النهاية أمام شيء غريب فعلا.
أهمّ عنصر أعتمده في الإقصاء هو الجديّة، قائمة ليست جادة، لا تعنيني، يمكن أن تلمس الجدية في أشياء عديدة، بداية باسم القائمة (قائمة البؤساء)، مرورا بمعلّقة القائمة (صور رديئة، تصميم سوقيّ أو بدائي أو يفتقر للذوق). أحقا يمكن أن يحكم المرء على "تفاصيل ثانوية" كهذه؟ في الواقع هذه ليست تفاصيل ثانوية. إن تواصل القائمات مع المواطن يتمّ في الأساس عبر أداتين رئيسيّتين، الأولى هذه المعلقات و الثانية هي الدقائق الثلاث التي تقدم كل قائمة فيها نفسها على شاشة التلفاز. و لأن أصحاب القوائم يعرفون أن هذين الآليتين هما أهم ما يتاح لهم للتواصل، فهم يدركون قيمتهما و يدركون قيمة الإعداد الجيّد لهما. بمعنى آخر، غدا في مجلس نواب الشعب، سوف ينتقي نائبك كلماتك مثلما انتقى تصميم معلقته، و سوف يقترف في خطاباته لاقناع زملائه ما يقترف أمامك اليوم على شاشة التلفاز من أخطاء، و سوف يستنبط الأفكار و المشاريع بنفس الروح التي استنبط بها خطابه القصير، و سوف يتعامل مع خبراء في الاقتصاد و الاجتماع و غير ذلك، في قيمة الخبراء الذي استعملهم لاعداد معلقاته و نشرياته.. لذلك كلّه اُنظر جيّدا إلى المعلقات، و استمع جيدا إلى كلمة الدقائق الثلاث.

8 - في الوعود الانتخابية
الجميع يعد، ما يجعل من الوعود الانتخابية أمرا مضحكا، و تهريجا سخيفا. كيف يمكن الاستفادة مع ذلك من الوعود الانتخابية؟ الوعود أيضا تعكس جدّية المترشحين. حينما يعدك أحدهم بخبز بنصف ثمنه، فمكانه الأنسب مشفى المجانين لا مجلس الشعب. و حينما لا يتقدم أحدهم بوعود للجهة التي يترشح عنها، فهو شخص لا يملك أفكارا، حتى لو قدم لك جردا كاملا بكل مشاكل جهتك، فلا تهتم له. لأن النائب مطالب بايجاد حلول لا بجرد المشاكل [فقط]. أما عرض الحلول، فتكمن جديتها في منطقيتها أولا، و ثانيا و خصوصا، في تميزها عن الآخرين، في اقتراحه لما لم يقترحه الآخرون، فهو في ذلك يعكس بحثا ذاتيا جادا حول مشاكل منطقتك، عوض الاكتفاء بتقليد الآخرين و عرض نفس مقترحاتهم.

اختصارا، الطبقة السياسية سيئة، و من سننتخبهم اليوم، لن يمثلوا الحلّ، لكنّهم خطوة للأمام، لا نملك خيارا أفضل منها، فالأفضل أن نخفف من الأضرار و أن ننتخب عوض أن لا نفعل. يمكن ممارسة سياسة الاستبعاد، استبعاد المستحيل، لترك الممكن مهما بلغت مرارته. يمكن الاستفادة هنا من وضعية الاحزاب و اختيار الاحزاب الأكثر قوة لتبقى في السباق لو خفت من تفرق الأصوات، هذا ليس قط ترجمة لفكرة الانتخاب المفيد التي دعت إليها بعض الأحزاب. تخلّص من الإيديولوجيا و خمم في الركيزتين الأساسيتين اللتين تمثلان المرحلة القادمة : الأمن و الإقتصاد. ابحث عن الأطراف الأكثر جدّية في هذين المسألتين. كن جهويا هذه المرة، لأنك و ان انتخبت برامجا حزبية، فأنت أيضا تنتخب أناسا يمكن أن يتنقلوا بين الأحزاب، و أنت تنتخب برامج جهوية، فالمسألة الاقتصادية مسألة جهوية بالأساس. أنظر ممّن بقي في سباق خياراتك من هو الأكثر جدية عبر التطلع إلى مقترحاته و حلوله و عبر طريقة تقديمه لنفسه (معلقات، خطاب). غمّس اصبعك في الأزرق و لا تندم، فمهما كان اختيارك خاطئا، فقد كانت نيتك سليمة، و لسوف نتعلم يوما.



23 تِشرين 2014

Sunday, July 1, 2012

هوراس*


ـ أيها السادة! لقد فزنا بالانتخابات، و لكننا لم نظفر بنصف المقاعد. فكيف يمكننا أن نحكم و نمرر مشروعنا؟ ألم تعدونا بذلك أيها السادة؟

ـ طبعا أيها الصغير، نحن نعلم ذلك جيدا، نعلم أن كثيرا من الناس يخشونكم و يخشون ما 
تخبئون لهم.

ـ لكننا نخبئ لهم الديمقراطية و الخير الكثير، ألم تبشروا بذلك يا سادة العالم؟

ـ أجل طبعا، ههه، لا تخف، لهذا السبب طلبنا أن تدعموا شركاء لكم.

ـ و قد فعلنا و كان لهم الظَفر أيضا. لكننا نختلف في كثير من الامور. انهم مندفعون، لا يعرفون واقع الأشياء، و يريدون اصلاحات ثورية قد تقلب كل نظام هناك و تفقدكم كل سيطرة. يريدون أن يفضحوا كل الفساد و قد يكشفون عن جروح قبيحة جدا، و قد تخرج من قروحها حرب اهلية لا قِبل لنا بها! أعينونا يرحمكم الله!

ـ الرحمة من عندنا أيها الصغير، و نحن لا نريد لرجالنا أن يفتضحوا، و لذلك مكّناكم من السلطة، و ستكون لكم السلطة المطلقة، فلا تبتئس!

ـ أية سلطة هذه التي سنملكها بأقل من 40 بالمائة من الأصوات؟ خبرونا يا سادة!

ـ انتم لا تواجهون 60%، بل تواجهون قبائل متناحرة مشتتة، لا يملك الواحد منهم أكثر من 5% من الاصوات، مختلفون، متهالكون على السلطة، لم يدرسوا بعد طبيعة المرحلة، و لم يستوعبوا فكرة الثورة و لم ينسجموا معها، و لن يفعلوا و لو بعد حين. و لأنهم كذلك فلن يقدروا على مجابهة هيكلتكم التي امضيتم سنين تعدونها.

ـ هذا حق، و لكنهم سيعارضون مشاريعنا، و سيعرقلونها بتفوقهم العدديّ، انهم متعودون على قول "كلا"، و خبراء في المعارضة. 
ـ هنا عبقرية الديمقراطية! ستضمون اليكم شركاءكم، و ستعرضون عليهم التحالف، و التحالف يعني أن تأتوا الآخرين بكلمة واحدة و قول واحد تتفقون عليه في ما بينكم، و ستسمون هذا توافقا! ان التحالف مع هؤلاء سيجعلكم أغلبية صريحة و مريحة، و ستعملون ما تشاؤون بسلطة الديمقراطية!

ـ و لكن شركاءنا سيختلفون معنا في البرامج و الرؤى، و سيحاولون فرض أفكارهم!

ـ Bingo! هذا هو الجزء العبقريّ في الديمقراطية! ستمارسونها معهم، في دائرتكم الضيقة، انتم أغلبية ساحقة حينما تجتمعون بشركائكم، و سيرضون طبعا لأنهم ديمقراطيون، و سيتبنون مشاريعكم بكل ديمقراطية، و حفاظا على التوافق، و ايمانا أنهم ـ الحمقى ـ اقلية معكم، سيرضون بقراراتكم، و سيصنعون دون أن يشعروا، الاغلبية التي تنشدون، امام معارضات مشتتة طفلة تتخبط في صبيانياتها.. قاعدة ديمقراطية شهيرة، تنويعا لمبدإ "فرّق تسدّ" الشهير!

ـ يا الله! ان الديمقراطية لعجب عجاب!

ـ و أكثر يا صغيري! ستكبر و تفهم قيمة الديمقراطية، حينما يمارسها الحمقى!



---------------------------

Thursday, June 7, 2012

دروس ثورية لليابان..

الطقس حار حقا في العاصمة! لم يكن يتخيل أن العاصمة أشد حرارة من قريته خلف السباسب. انهم يكذبون، حتى في برنامج النشرة الجوية يكذبون.. انه يرى الكذب في عيونهم المتعجلة، و في خطاهم المتواثبة.. كانت العاصمة أكثر جنونا مما توقّع.. أين يجد عملا؟

-----------------------

لم يكن تاناكا يعرف الكثير عن تونس، و لعله لم يسمع بها قبل الثورة إلا حينما احتضنت بلاده كأس العالم، يذكر أنهم واجهوا فريقا من الشوارب الكثة و الوجوه السمر و الشعر الاجعد، و كانوا أقرب للاتراك من الافارقة، لكنهم وديعون على كل حال و يجيدون استعمال الفرنسية و هو أمر يعتبره ـ كغيره من اليابانيين ـ معجزة تستحق الاحترام..

طبعا تاناكا غيّر فكرته تماما حينما سمع بالثورة التونسية، هو الذي لا تستطيع روحه أن تتقبل معنى الاحتجاج و معنى التمرد، دعك من أن يفهم معنى أن يسرق حاكم شعبه. لقد كان مشدوها بانجاز التونسيين الذين لم يسبقهم اليه بشر في هذه الالفية الجديدة، و أخذ يتابع في نهم ما يحصل هناك.. دكتاتورية؟ همم.. همم.. بطالة.. مفهوم، مفهوم، مناطق مهمشة، جهات مفقرة... همم... منطقيّ جدا... 

تاناكا فاجأته كارثة المفاعل في بلاده، و أجبر على الانشغال عن تونس و ثورتها، بمشاكل حيه و هموم اهله، و لأن المشكلة هينة نسبيا لم تتجاوز الطوفان و الزلزال و الكارثة النووية، فقد انتهى و أهله منها في غضون أشهر، و عاد كل شيء للعمل و الانتاج، و استقامت الطريق المعوجة، و تركت بقية الخلافات للقانون و المحاكم، اما هو فشاءت الصدف أن تعيده إلى تونس أو تعيد تونس إليه، حينما قابل خلال عمله بعض الطلبة التونسيين، انهم قوم اذكياء لا شك في ذلك، هل كل التونسيين بهذا الذكاء؟ ما الذي اعاقهم عن الازدهار اذا؟ خمّن أن الدكتاتورية شرّ عظيم اذا. و قرر أن يساعد بما يستطيع.

---------------------

لم يجد شيئا، و الجوع يشتد، و الحرّ يضحك تحت ثوبه في شماتة، لماذا لا يمدون الماء حينما يطلبه؟ أفي بلد كفار تراه؟! كان مرهقا، و حينما اجتاز ذلك الشارع الضيق، لم يكن يعرف أن اصحاب السوء يجدون قوتهم في المرهقين أمثاله. لكن لا فائدة من المقاومة، اللعنة عليكم جميعا، انا لا أملك شيئا، كيف سأهاتف أهلي لو أخذتم هذا الجوال البائس؟ اللعنة عليكم جميعا! 

رأى من بعيد مساحة خضراء كبيرة مسيجة، فتوجه اليها، علهم يريدون حارسا او بستانيا.. لكنه أدرك أنه أمام مبنى حكومي، لعلها وزارة أو مقر ولاية، و ما همه؟ هناك أناس كثر، مجتمعون، و هناك لافتات، و سيارات رسمية، علّ أحدهم يساعده. لكن الوجوه الرمادية كانت نفسها، و الانشغال كان نفسه، وحده تجلّده كان يتآكل بسرعة النار على الورق. 

-----------------

تاناكا رجل عمليّ جدا ككل ياباني أصيل، و حينما قرر أن يساهم في الثورة التي أثارته أيما إثارة، فإنه لم ينم الا و مقعد الطائرة ينسحب بهدوء الى الخلف معلنا بداية رحلته الى حيث الثورة.. 

تاناكا سمع كثيرا عن الفوضى و الاضطرابات، و لكنه قدر ان الثورة تحتاج الى كل ذلك، و ان الامور صعبة فعلا.. و قدر أن اي مشروع يقدم للمسؤولين هناك، سيحظى بالترحيب و المساعدة، انه لا ينوي كسبا و لا شهرة، فقط يريد شغف المشاركة، و نشوة الثورة.

تاناكا خبير تحلية مياه، و قدّر أن منطقة السباسب التي تعاني من سوء المياه، قد تستفيد جدا من مشروع التحلية، ان تركيا تشرب من زبالتها ماء زلالا، فلم الاجهاد و تكليف المال بلا جدوى؟

تاناكا قام بدراسة كاملة بصرامة التقاليد اليابانية، و حماس الثورة التي تعلق بها، و كان المؤتمر الذي نظمه المعهد الوطني للفلاحة بتونس قد قدّ تماما ليعرض مشروعه للناس.

 -------------------------------

سار وسط الناس كأنه منهم، لكن عينيه كانتا تشيان بغربته، و وجد نفسه يطأطئ برأسه متحاشيا نظرات الآخرين.. سيجد شيئا من الأكل حتما، مادام ثمة اجتماع ما فهناك أكل، و الا فهو خارج تونس حتما!

لكنه لم يجد شيئا، اي وحوش هؤلاء؟! كانت اكواب الشراب قد نفدت عن آخرها، اما اصناف الحلويات فكأنها لم تكن! وحدها الاطباق ظلت شواهد على سوء حظه، و عظم جوعه، حقده.. اي قوم هؤلاء؟ و عاد بذاكرته الى قريته، فداعبت حلقه غصة خفية، و تذكر جمع خيباته الغفيرة في يومه الاول هنا، و تساءل أي شيطان رمى به في هذا المبنى. لكنه تذكر الحرّ و قرص الشمس الغاضب خارجا، فارتأى أن يقبع هنا شيئا من الوقت ثم يعاود التسكع.. 

و حانت منه التفاتة الى جنبه، فرأى حقيبة أنيقة جميلة كأنها اتخذت لوحدها مقعدها حذوه، و حينما لحظ أنها مفتوحة، أدار ناظريه حوله باحثا عمن تراه يكون صاحبها.. لا أحد.. سيغلقها هو اذا، مادام الاحمق لا يعرف في أي بلد هو، و أي رحمة يملكها هؤلاء.. غير أنه ما ان هم باغلاقها، حتى طالعه هاتف انيق يبعد عن هاتفه الراحل بأجيال قد لا يمكنه حصرها. انه لا يكاد يعقل أنه هاتف حقا! و جاء الشيطان مهرولا...

لم يكن هناك مجال للتفكير، كان عليه أن يغلق الحقيبة، و ان يفكر بعد ذلك كيفما شاء له ان يفكر. ان للحنق سطوة، و ان للقهر لمرارة، و ان للجشع لسحرا ايضا.. و لأنه لم يعتد فعل مثل ذلك، فقد سحب في جملة ما سحب جواز سفر غريب اللون، حرص على اخفائه في ذعر و رهبة.. لكن الرهبة تزداد ثقلا على انفاسه، فلم يجد بدا من أن يبتعد مذعورا... هذه بلاد كفرة حقا!

---------------------------
كان تاناكا مؤمنا بما يفعل، و ان فاجأته غرابة الناس هنا، و فاجاته عدوانيتهم المفرطة، و ودهم المفرط ايضا. كثيرا ما سمع بمزاج المتوسطيين المتقلب، و لكن ما يراه أشبه بشخصيات الصور المتحركة التي يتقنون صنعها في بلاده.. و حينما أعلموه أنه لن يبدا تقديم مشروعه على الساعة الحادية عشرة و النصف تماما، أدرك أن الثورة صعبة حقا.. "سيد تاناكا" يمكنك أن تحضر حاسبك، هذا وقت محاضرتك. انحنى في رشاقة، و اخذ حاسبه و اندفع نحو الركح في حماس ثوري.. 

لكنّ تاناكا لم يرَ ذات الحماس في الثوريين أنفسهم.. فقط بعض الشباب كانوا يستمعون اليه في اهتمام، بينما كانت الشخصيات الهامة تتحاور فيما بينها.. احدهم اخذ يقهقه كأن ما يقوله ضرب من الكوميديا السوداء... أي خطأ يوجد في تقديمه لمشروعه!؟ لِم لا يثير اهتمام المسؤولين؟ أية حماقة توجد في ما اقول؟!

لكن تاناكا لن يجد الاجابة عند المسؤولين، سيجدها هناك، حيث ترك حقيبة حاسبه الانيقة، و عبثا بحث كالمجنون عن هاتفه و جواز سفره، لكن من الواضح أن نفسا ثوريا نفخ فيها ... 

-----------------------------

لم يقدر أن يظل اياما ثلاثة هناك، انه لا يكاد يغمض عينا حتى يهل صباح جديد.. و لا يكاد يستوعب طقس هذا الصباح حتى يجنّ الليل... و تتالى جوعه على عطشه، و لا يجد القدرة على بيع الهاتف الذي حصله.. كان عاجزا تماما فيما يتعلق بالهاتف.. يشعر أنه حقه المغتصب، لكن شيئا فيه يمنعه من أن يأكل منه... في النهاية، وجد نفسه عائدا الى قريته بظل خيبة و عين انكسار... سيسألونه "وين مشيت؟" لن يجد جوابا أكثر بديهية من "بدلت البورطابل." لذلك آثر القاءه من النافذة صحبة الجواز، آملا أن يجد شيئا من الماء البارد حينما يصل الى الدار..



فاروق الفرشيشي
7 حزيران 2012



Tuesday, May 29, 2012

دولة القانون...

كانت ردة فعل النهضة على المحاكمات الأخيرة (قيس بن علي، عبد الوهاب عبد الله، الخ) متوقعة جدا و مفهومة، أولا لأنها تعول كثيرا على مبدإ جس نبض الشارع و من ثم تحويل مساره او اتباعه حسب شدة الاجابة، و ثانيا لأنها من عشاق العمل "القعباجي" المبنيّ على سلامة النية و الثقة المتبادلة و "الرجلة".. و هو ما سأبينه لاحقا.. على أن قرار اعفاء الـ81 قاضيا كان مبالغا في القوة و العشوائية، إلى حد لم يمنعني من تخيل هذا المشهد بمجرد أن سمعت الخبر..

السكرتير : سيدي الوزير، أعتقد أن المال لا يكفينا لبقية السنة.
البحيري  : مممم، سنطلب من سي حمادي أن يضيف قانون مالية تكميلي كالعادة.
السكرتير : اتصلت بالوزارة الاولى و قيل لي ان هذا مستحيل، يجب ان نتصرف بالمال الذي نملك.

هنا، وقف البحيري و قد اعتراه الاضطراب، بات الأمر يسبب مشكلا حقيقيا إذا، انه لا يكاد يلمس من الحوافز شيئا، رغم عمله الشاق في الوزارة (يجلس على مكتبه منذ السادسة صباحا كما قال وزير التعليم العالي المكافح). عليه ايجاد حل للمعضلة. خصوصا في هذا الظرف السيء الذي يتذمر الكل فيه من مردود القضاء.. عليهم اللعنة، ألا يريدون القضاء مستقلا؟ لماذا يتحمل هو مسؤولية ما يجري في المحاكم؟ إنه حتى لم يشرف على اعداد ملفات القضايا التي قدمت، انهم القضاة، انهم القضاة...
و لمعت عيناه في جذل و قد هو يهتف : القضاة!

السكرتير : عفوا؟
البحيري  : القضاة! القضاة هم الحل! هم المشكل و الحل. لقد جنوا على انفسهم على كل حال.
السكرتير : ما دخل القضاة بالـ؟
البحيري  : سنعد قائمة أخرى من القضاة لاعفائهم.
السكرتير : و لكننا اعفينا 81 قاضيا في الاسبوع الماضي.
البحيري  : نضيف إليهم عددا آخر. هل تعتقد أن الفساد انتهى؟
السكرتير : و لكننا لا نملك دلائل كافية لاعفائهم.
البحيري  : و هل كنا نملك حينما أعفينا الآخرين؟ على الاقل نحن متأكدون من تورطهم. اسمع معظم القضاة متورطون لذلك نسبة الخطإ ضئيلة جدا! احضر لي النرد و قائمة القضاة.

السكرتير : نرد؟!
البحيري  : اجل الا تعرف النرد؟!

احضر الرجل ما طلب منه رئيسه و هو يتساءل أية فكرة عبقرية سيأتي بها هذا المناضل الفذ.. ففرد الوزير الورقة و قسم الاسماء فيها الى مجموعات سداسية، و تناول النرد و قال "و لا تشاؤون إلا أن يشاء الله." و رمى بالنرد في ثقة ، ثم القى نظرة على القائمة و ابتسم في ثقة و ارتياح و هتف : ألم أقل لك؟! أ رأيت هذا الشخص، انه من مرتزقة القضاء، أنا اعرفه، و أعرف ألاعيبه، لا نملك عنه شيئا لكنني واثق من تورطه! سجل سجل!

السكرتير : و لكن القضاة لا يتـ..
البحيري  : يا ولدي اكتب و يزي بلا تمعجين!

و حينما انهى القائمة، تذكر أمر الحوافز، و قال في نفسه ان اعفاء متورط آخر لن يضير شيئا، و 10 قضاة او 11 عشر، الاعفاء هو الاعفاء.. هكذا عاد الى النرد و نظر الى القائمة. كانت الاسم الخامس يحمل اسم رئيسة جمعية القضاة، فتلبد وجهه و لعن الحظ في سره و قال : لنكتف بالقضاة العشر. أعد القائمة، و قل كالعادة اننا نملك الوثائق.

السكرتير : و لكننا لا نملكها يا سيدي.
البحيري (ساخطا) : و هل سننتظر حتى نملكها؟ أكاد اضطر للتنقل بالحافلة يا رجل! حتى النواب رفضوا ذلك ! انا لم أظلم أحدا، هؤلاء خونة و يجب تطهير القضاء منهم! لم أظلم احدا!

كان لسان حال السكرتير يقول إنه ظلم القانون و حرمته، و إن العشوائية التي يمرر بها و أصحابه القرارات و يعدون بها القوانين ستجعلنا نعول على النية الصادقة و "الرجلة" عوض التعويل على صرامة القانون و عدله. كان لسانه حاله يثرثر بأفكار كثيرة عن الفرق بين الثقة في القانون و الثقة في الافراد، بين من يركبون الحافلة لالتقاط الصور و بين من يركبونها لأن القانون أجبرهم على ذلك. بين من يقيلون المفسدين بجرة قلم، و بين من يعملون لايجاد ما يروطهم و يرسلون ما يدينهم للقضاء ليحكم فيهم.. بين وزارة عدل تهتم بتوفير ما يلزم عمل القضاة و بين وزارة تهتم بعملهم و مردودهم كأنهم يعملون تحت امرتها... لكن الافكار لم تتجاوز ذهنه لأنه تذكر عياله و مطالبهم التي لا تنتهي، فابتسم في ارتباك و تناول القائمة الجديدة و مضى لشأنه..

أما أنا ففرغت من خيالاتي و شرودي، و انا اتساءل ان كان السكرتير من جماعة المؤتمر أم التكتل..


Translate