Showing posts with label تونس. Show all posts
Showing posts with label تونس. Show all posts

Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Monday, May 24, 2021

نازلة دار الأكابر: شهادة في ميلاد امرأة الحدّاد

مازالت الرّواية التّاريخيّة مصدرا للجدالِ وعرضةً لسوء الفهمِ في الأدبِ العربيِّ. إذ مازال الكثيرون يعتبرونها امتدادا طبيعيّا لكتبِ التّاريخ والسيرة، لما كان لهذه الكتبِ من استنادٍ إلى الأسلوب القصصيِّ الّذي لم يقطع معهُ تماما. ها نحن نقرأ لأولئكَ الّذين يدّعون كتابةَ التّاريخ للعامّةِ ـ مثل راغب السارجاني ـ أو الّذين يقرأُ العامّة لهم كأنّهم مؤرّخون ـ مثل طارق السويدان ـ فإذا تاريخهم قصصٌ محكيّةٌ فيها ما فيها من ألوان الدّراما والأبطال. وإذا القصّةُ والتّاريخُ جسمٌ وروحٌ لذاتٍ واحدةٍ. فليس غريبا إذا أن تُعاملَ الرّوايةُ الأدبيّةُ التّاريخيّةُ من بابِ دقّتها التاريخيّةِ، وأن يتساءل القرّاءُ أوّل ما يتساءلون: هل حدثت وقائعُ نازلةِ دار الأكابر بالفعل؟

ولئن كانت الإجابةُ عن هذا السؤالِ لا تعنينا في شيءٍ، فإنّ ذلك لا يجعلُ الرّوايةَ التّاريخيّةَ في حِلٍّ من الدّقّةِ التّاريخيّةِ. فكما أنّها ليست دراسةً علميّةً تجعلُ من الحقيقةِ التّاريخيّةِ أو تحليلِ الوقائع التاريخيّةِ مبحثها، فليست أيضا فانتازيا تاريخيّةً تستعملُ السّياقَ التّاريخيَّ مَطيَّةً استيطيقيّةً لقَصصٍ متعالٍ عن كلِّ عاملٍ زمنيٍّ.

 توجدُ الرّوايةُ التاريخيّةُ في منطقةٍ وُسطى بين هذين. فهي إذ تُلقي بالأحداثِ في لجَّةِ بيئة زمنيّةٍ معلومةٍ، مُطالبَةٌ باحترامِ هذه البيئةِ وتفاصيلِها وعناصرِها. وفي الآن ذاتِه، تُطالبُها طبيعتُها الرّوائيّةُ بعدمِ التّوقّفِ عند الحقيقةِ المعلومةِ، والاندفاعِ نحو تلك الأركان المُظلمةِ الّتي تغافلت عنها الوثائقُ، أو عجز المؤرّخ عن تسجيلِها لطبيعتِها المتعاليةِ عن القياسِ: فلئن أكّد لنا التّاريخُ حقيقةَ وجودِ الطّاهر الحدّادِ، وحقيقةَ محنتِه، فهو لم يحدّثنا عن مشاعِره تجاه ما حدث معه حديثا مستفيضا، ولم يحدّثنا عمّا اعتملَ في صدره، وعمّا دفعه للكتابةِ الخ.

في مثل هذا المجالِ، يمكنُ أن يجدَ الرّوائيُّ قوتَه. ويمكن أن يمنحَ السّرديّةَ التّاريخيّةَ الحياةَ بخيالهِ، ورُبَّ خيالٍ ينسجُ لبَّ الحقيقةِ.

إنّ روايةَ نازلة دار الأكابر تاريخيّةٌ بامتيازٍ، لا تكادُ تمنحُ القارئَ المتفحّص ثغرةً تاريخيّةً واحدةً، لا في التّواريخِ (فحين تحدّثك عن حكومة الهادي الأخوة، فأنت حتما في زمن سردٍ يقابل زمن نشاط تلك الحكومة)، ولا في الأعلام، ولا في الأحداثِ السّياسيّةِ، ولا في المواقفِ، ولا في تفاصيل الحياةِ اليوميّةِ. لكنّها في المقابلِ، تصولُ بجرأةٍ وحرّيّةٍ وسط كلِّ هذا لتنسجَ أحداثا دراميّةً كثيفةً خياليّةً، كأنّها ضربٌ من "الواقعِ المُعزَّزِ" Augmented Reality.

تبنِي أميرة غنيم نازلتَها على وتديْنِ تاريخيَّين، حفل صدورِ كتاب امرأتُنا في الشريعة والمجتمع في الكازينو البلدي بحديقة البلفدير سنة 1930، ثمَّ وفاةُ صاحب الكتابِ في السابع من ديسمبر سنة 1935. فتعزّزُهما بوتديْن دراميَّين متخيّليْن يرافقُ كلُّ واحدٍ منهما وتدًا تاريخيّا في الزّمن. فالأوّلُ زواجُ زبيدة بنتُ آلِ الرّصّاعِ بمحسنِ بن آل النّيفر. والثّاني هو النّازلةُ الّتي حدثت في دار "الأكابر" إثر وفاة الحدّاد. وهي مرافقةٌ لها دلالاتُها بدون شكٍّ. فقد قابلت زبيدةُ قرارَ أبيها المتعلّم "الحداثيِّ" بتزويجِها من رجلٍ لا تعرفُه، بصمتِ المغدورِ. إنّه ذاتُ الغدر الّذي تعرّضت لهُ "امرأة الحدّادِ" في حادثةِ الكازينو من قبل رجال الحزب الدستوريِّ ومثقّفي البلادِ المضطلعين بمهمّة تنوير التّونسيّين وقيادتِهم في حربِ التّحرير والاستقلالِ. ومع موتِ الحدّادِ منفيّا ومعزولا ومكفَّرًا، قُضيَ على "امرأتِه" أن تُوصَمَ وتُشلَّ وتُعزَلَ هي الأخرى، وتتعرَّض لذات المظلمةِ من ذات الطبقةِ تقريبا.

هكذا، فقد سارتْ روايةُ نازلة دار الأكابر في توازٍ خفيٍّ مع علاقةِ الطّاهر الحدّاد المحتدَّةِ مع النُّخبة التّونسيّةِ. إذ تمَّ تمثيلُها عبر عائلتَيْنِ بَلْدِيَّتَيْن متبايِنَتيْنِ بل مُتكامِلتَيْنِ. فأمّا عائلةُ آل النّيفر فتمثّلُ الأرستقراطيّةَ الدِّينيَّةَ المحافظةَ (قاضي الإسلام عثمان النِّيفر)، وأمّا عائلةُ آل الرّصّاع فتمثّلُ أرستقراطيّةَ المخزن أو رجال الدولةِ البَيْلَكِيَّةِ (الموظَّف الكبيرُ عليّ الرّصّاع وصهره الوزير الأكبر محمد الطيب الجلولي) ونسبت إليها قِيم الحداثَة والانفتاح بما أنّ أغلب المصلحين الّذين دفعوا إلى ذلك قبيل الاحتلالِ كانوا من هذه الفئة (الجنرال حسين، خير الدين، الخ).

لم تكن أميرة غنيم إذا تبحث من خلالِ العائلتَيْن عن الاكتفاءِ بنقل تفاصيلِ الحياةِ الارستقراطيّة البَلْدِيَّةِ، وإنّما سعت إلى تفكيكِ بِنيَتِها الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ. كان من المُدهشِ أن تكشف الكاتبةُ عن تقاربِ هذيْن الشقّيْن رغم تنافُرِهما الظَّاهر. فهاهو عليّ الرّصّاع على ما كان يُبديه من تحرّر واندفاع نحو قِيمِ الحداثةِ والعقلانيّةِ، لم يكن قادرا على التَّملُّصِ من عنصريّتِه الاجتماعيّةِ، وهاهو في عدائِه الجِهويّ والاجتماعيِّ يُنشدُ السّندَ والحلَّ عند من يبدو نقيضَه، عثمان النّيفر المحافظ "الرّجعيَّ". وهاهي زُبيدةُ على ما تُبديه من تعلّقٍ بصفيّتِها "لويزة" ورفضٍ لمعاملتِها معاملةً دونيّةً، تعودُ في أوّل تشنّج يخرجُ بها عن طورِها لتصِمَ خدّوج الخادمة السّوداء بكلِّ ما يمكن أن تصمَ بِه امرأةٌ بَلْدِيّةٌ امرأةً سوداءَ فقيرةً.

صحيحٌ أنّنا إزاءَ رُؤيتيْنِ مختلفتيْنِ للعالمِ، رؤيةٌ كلاسيكيّةٌ محافظةٌ وأخرى حداثيّةٌ متحرّرةٌ، لكنّهما في النّهاية رؤيتان متكاملتانِ، تؤلّفان في جدليّتِهما غلافا اديولوجيّا مزركشا لطبقة اجتماعيّةٍ واحدةٍ ذهبَ الحدّادُ ضحيّتَها.

إنّ مشروعَ الطّاهر الحدّاد على ما أبداهُ عليّ الرصّاع ومحسن النّيفر من حماسٍ تجاهه، هو مشروعٌ مغايرٌ لرؤيتِهما، هو مشروعٌ أكثر اتّصالا بمحمّد عليّ الحامّي (الثوريِّ) وعبد العزيز الثعالبي (الإصلاحيِّ المحافظ) على السواءِ (وهي قراءةٌ أختلفُ فيها مع الكاتبةِ فلئن كان الطّاهر الحداد تلميذ الثعالبي، فإنّ الثاني ربّما لم يكن موقفه ليختلف كثيرا مع من خلفوه في الحزب الدستوريِّ وله مواقفُ طبقيّةٌ موثّقة).

تنتصرُ أميرة غنيم لرؤية الطاهر الحداد، رؤية التحرّر الحقيقيِّ العابر للطبقات، رابطةً بينها وبين الرؤيةِ البورڤيبيّةِ الّتي تبنّتها منذ بداية الاستقلالِ. فالخصمُ واحدٌ لكليهما: نخبة الزيتونة، ونخبة الحزب الدستوريّ القديمِ. فهل كانت الرؤيةُ البورڤيبيّةُ امتدادا حقيقيّا لمشروع الطاهر الحداد؟ وهل كان المدُّ التحريريُّ الّذي أراده الزعيمُ التّونسيُّ، عابرا للطبقات والجهاتِ؟ لا أتّفق مع المؤلّفةِ في ذلك ـ وإن لم تذكر ذلك صراحةً. وعلى كلِّ حالٍ فليس في ذلك ما يعيبُ الرّواية في فنّها.

كتبت أميرة غنيم نازلة دار الأكابر بأسلوب جديدٍ على المدوّنة التّونسيّةِ ومألوفٍ في المدوّنة العربية، فنحن نجده عند جبرا إبراهيم جبرا في رائعته "البحث عن وليد مسعود"، وفي "افراح القبّة" لنجيب محفوظ، وكثيرا ما استخدمه أحمد خالد توفيق في رواياتِه القصيرة. فتنقلُ كلَّ فصلٍ على لسانِ إحدى الشخصيات، تخاطبُ بهِ شخصيّة أخرى أو تناجي به وليّا صالحا كما في فصل فوزيّة. وعلى عكس ما تتميّز به حكاياتُ أحمد خالد توفيق مثلا من حِرفيّةٍ في انتقاء الشخصيّة صاحبةِ الخطابِ وانسجامِها مع نمطِ الخطابِ والمخاطَبِ وطبيعةِ الخطابِ، لا تكادُ كاتبتُنا التّونسيّةُ تُلقي بالا لكلِّ هذا، فكثيرا ما لا نعلمُ محمل الخطابِ هل هو مكتوب أم شفويٌّ، مسجَّلٌ أم مباشرٌ، وكيف انتقل إلى هندٍ حديثُ فوزيّة الأميّة الّتي ناجت سيدي محرز في ليلةٍ مخيفةٍ. كما لم تنشغل كثيرا بمقام الخطابِ، فاختيارُ المخاطَبِ يبدو عشوائيّا، اللهمّ إن تجاوزني منطقُ اختيارِه. وكأنّ ذلك تسبّب في فتور في انسجامِه. فهلاّ رأيتَ كيف يُسرُّ العجوزُ امحمّد النّيفر المحافظُ لابن أخيه، الشخص الوحيد الّذي يُبدي له شيئا من التّقدير، بكلِّ يسرٍ وسلاسةٍ قصصا يراها تُشينُه فدأب على إخفائها؟ وحتى إن لم يرَها كذلك، ففيها الكثيرُ من الحميميِّ الّذي يجد المتحرّرُ صعوبة في حكايتِها لابنه، فما بالكَ بالمتزمّتِ؟

على أنّ الروائيّة سعت في أسلوبِها السّرديِّ أن تحترمَ منظورَ الشخصيّةِ المخاطِبة على الأقلَّ، بل كان ذلك دافعا رئيسيّا لاختيار هذا الشّكل السرّديِّ. فنتجت عنه فسيفساءٌ سرديّة بديعةٌ متشابكةٌ ثريّةُ الألوانِ، كثيرة التفاصيلِ، متنوّعة الآراءِ، تنقلُ الحقيقةَ في اختلافِ أوجهها ونسبيّتِها. يكتب التاريخَ عادةً المنتصرون، وتستثني روايةُ نازلة دار الأكابر نفسها من القاعدةِ، فتعطي صوتا للجميع تقريبا، ابتداء بأصحاب الأصوات الضخمة من رجالٍ مثقفين (محسن، المهدي، عثمان، عليّ)، إلى بناتِ الطبقة الارستقراطية (بشيرة، جنينة، فوزية ربما) انتهاء ببناتِ الطبقة الدنيا (لويزة وخدّوج). وذهب شكري المبخوت في تقديمِه إلى أنّ التاريخ في النّازلة، تحفظه النساء. وهذا ليس صحيحا، فمن بين الناقلين الإحدى عشر للأحداث، نجدُ خمسة رجال. وإذا ما اسثنينا هندا وهي النّاقلةُ الّتي لا دخل لها في الأحداث بأيِّ شكلٍ، فسنجد مساواةً تامّة بين الجنسيْنِ. بل إنّنا لو تمعّنّا في متحوى خطابِ كلِّ شخصيّةٍ، سنكتشفُ أنّ أبرز الأحداثِ نُقلتْ عبر الشخصيات الرجاليّةِ. استثنت الكاتبةُ مهدي الرصاع وامحمّد النيفر من سرد بعض أحداث الليلةِ، وكذلك فوزية وخدّوج. نقلت لويزة إلينا بداية الحادثة، ونقلت جنينة جزءا هامّا من خصام محسن وأخيه، ولم تنقل لنا بشيرة أكثر ممّا حدث بينها وبين جنينة بكثير. في الأثناء، يصف عليّ وعثمان حادثة لقائهما في تلك الليلة، ويسرد عثمان جزءا مهمّا متعلّقا بقتال زبيدة وامحمّد النيفر. أما محسن، فنجد عنده أهم أجزاء السرديّة، فنعلم ما آلت إليه الليلةُ، ونعلم نتائجها على زبيدة، بل نعلم أيضا نصّ الرسالة الّتي فجّرت كلَّ ذلك... 

وأكثر ما يلاحظ في اختيار الشخصيّات الرّاويةِ، أنّه لم يمنح صوتًا للحدّاد نفسِه ولا لامرأتِه. وهو خيار متعمّدٌ لسببيْن، أوّلهما أنّ الصّوتيْن سيحجبان بلا شكّ بقيّة الأصواتِ في ما يخصّ الواقعة. فإذا علمها المرءُ من مصدرها، لم يعد بحاجة إلى سماعها من غيره. أما الثانية، فهي الإلحاح على الفصل بين التاريخيِّ (الطاهر الحداد شخصيّة تاريخيّة واقعية) والمتخيّل (بقية الشخصيات الفاعلة). ليس الطاهر الحداد شخصيّة رئيسيّةً في الرواية، ولكنّه محورُها أي موضوعُها، وبالتالي فمن الأفضل أن يتمّ الحديثُ عنه كموضوع لا كشخصيّةٍ. سنرى مواقف الشخصيات منه، ونراها تقريبا أمامَ أفعاله التاريخيّة الموثقة، شاهدةً أكثر منها مشاركةً (حفل الكازينو، موقفه من الحزب القديم، الخ). هذا أسلوب مألوف في الكتابةِ، يمكن أن نجده في روايات شهيرةٍ وفي أعمال دراميّة أخرى (غاتسبي العظيم، المواطن كين، الخ). ولقد أرادت أميرة غنيم لشخصيّتها المتخيّلَة الرئيسية زبيدة أن تكون محورا وموضوعا ربّما أكثر أهمّيّة من الطاهر الحداد نفسه. تمثّل زبيدة امرأة الحدّاد، مشروعه الّذي نحته. كيف لا وقد كانت تلميذته؟ ليس موضوع الروايةِ الطاهر الحداد، وإنما امرأة الحدّاد. أما النازلة، فكانت رفض هذه المرأة ووصمها بالعارِ.

اِعتنت الكاتبةُ كثيرا بتباين شخصيّاتها لما لكلٍّ منهم من دلالةٍ، ولكنّها لم تنجح في إسقاط ذلك على مستوى الأسلوب. لا شكّ أننا نجدُ في الخطابِ النّسائيِّ حضورا أكبر للبيتِ وللفولكلورِ وللعناصر الماديّةِ (الأكل، النظافة) مع بعض المقاطع الفكريّة ذات الطابع التعليميِّ (لويزة وفوزية وخدّوج يتلقّين معارف مختلفة أو يكتشفن أفكارا جديدة، وكذلك الشأن مع جنينة في حديثها عن المرسح) أمّا الخطاب الرجاليُّ فتغلب عليه الأفكارُ السياسيّةُ والاديولوجيّةُ. في حين يشملُ الخطابُ العاطفيُّ الجميع على السواءِ. لكنّ كلّ هذا الاختلافَ يُحمَلُ على أسلوب لُغويٍّ واحدٍ لا يتغيّرُ، فلا نكاد نجدُ فروقا كبيرة في الخطابِ بين قاضي الإسلام عثمان النّيفر، وخدّوج الخادمةِ الأُمّيّةِ. ولا يملك أحدهما تشبيهاتِه الخاصّةِ ولا مرجعيّاتِه الّتي تميّزُه. ولئن حاولت أميرة غنيم أن تُثبِّتَ ذلك، في بداية نصوصها إلاّ أنها ارتكست سريعا.

لا اختلاف في جمالية لغةِ نازلة دار الأكابر، ولكنّه جمالٌ رتيبٌ لا يحيدُ عن نفسِه، لا متى اختلفت الشخصيات، بل متى اختلفت طبيعةُ الخطابِ أيضا. فلحظات التوتّر كلحظات الدّعةِ، ولحظاتُ الاكتشافِ كلحظات التأمّلِ تقريبا. وما ينوّه به في لغةِ النصّ، سلاستُه وسلامتُه وفصاحتُه المُبينةُ.

أمّا على مستوى القصِّ، فقد عبّر اختيارُ نمط السّرد عن تمكّن كبيرٍ افضى إلى بناءٍ قصصيٍّ شديد التماسك والانسجامِ رغم تفرّعه إلى قصص جانبيّةٍ كثيرةٍ، وإلى تشظّ على مستوى زمن السّرد عبر نحو أكثر من نصف قرن (بين 1949 و2013) بدون أيّ ترتيب. نلحظ بسبب ذلك بعض فتورٍ في السيناريو لا مناص من ذكرِه لقيمته. فقد تردّت علاقةُ محسن وزبيدة بُعيدَ الحادثةِ، وعرفنا ذلك منذ البداية تقريبا. لكنّنا لم نعرف عن شلل زبيدة إلا في منتصف النصّ، (بل الأقرب في نهايته). ورغم أهميّة الحادثة، فلم تبدُر أيّة إشارةٍ إلى إمكانيّةِ تأثيرها على العلاقةِ بينهما. وإن كان يمكنُ تفسير ذلك بالنّسبة إلى محسن الرّاوي، على أنّه يملك سببا آخر لاعتزال زوجته، فلا يمكن أن نفسّر جنوح زبيدة إلى تفسيره بانصراف الرّجلِ إلى خدّوج، ولم يدر بخُلدِها مثلا أنّ الأمر عائدٌ إلى شللِها. لقد بدا شللُ زُبيدة طارئا على النّصّ ليس أصيلا فيه، لم يُقرأ له حساب في البدايةِ، فخلت الإشارةُ إليه وجنينة تروي لنا تفاصيل زيارتهم إلى دار الرّصاع سنة 1949، فكانت زبيدة تسلم على أمّها قبل أن تهرع إلى أبيها رفقة محسن وأمّيْهما، كأنّ ليس بها علّةً أو مرضا. ولم يهتمَّ أحدٌ من عائلتِها بشللها هذا حتّى إنّهم لم يزوروها وواصلوا مقاطعتها طوال السنين الثلاثة عشر. أمّا زبيدة، فيبدو أنّ الشلل لم يُثنها عن إعدادِ نفسها لزوجها وإغرائه باللبس والحرقوس والشموع، وقد تكون لويزة مساعدتها في ذلك، ولكنّ من الغريب أن تُشرك زبيدة صديقتَها في هذه المسألة الحميميّة لرِفعة النّفس والكتمان الّتي تميّز شخصيّتها. بل من الغريب أن لا تشعر منذ شللها بالعجز والحاجة إلى العزلة وربما عقدة الذنب إزاء فكرة كونها لم تعد امرأة مكتملة الصحّة ممّا يغري الرّجالَ… وحتى امحمّد النيفر الّذي تحدّث قبل فوزيّة أي قبل الكشف عن شلل زبيدة، فلم يبادر إلى تبرئة نفسِه أمام ابن أخيه وابن زبيدة من تهمةِ إيذائها. ممّا يعزّز نظريّة إضافتِها في ما بعدُ للنصّ. ربّما لدلالةٍ ما على وضعيّة المرأة التونسيّةِ الّتي مع إيذاء الحداد وبتر مشروعِه، ورغم انتصار بورڤيبة له، ظلّت مُقعدةً لا تطالُ كلَّ حقوقِها. وربما لدلالة أخرى لم ترد ببالي، على أنّها في كلّ حالٍ وردت في النص مهلهلةً فأقضّت تمساكه وانسجامه.

روايةُ نازلة دار الأكابر، عملٌ ضخمٌ جادٌّ ومسلٍّ يذهب بالقارئ إلى ثلاثينات القرن الماضي في تونس، فيجيد الرّحلةَ، ويعود به بتساؤلات متنوّعة. ويربط بشكل ذكيٍّ بين قضيّة المساواة وقضيّة الطبقيّةِ الاجتماعيّةِ. إنّه خطوة مهمّة للأدب في تونس، ينبغي أن تُدعمَ حتّى يرتفع المستوى الأدنى المقبول، وتقاطَع النّصوصُ الّتي لا ينحتُها أصحابُها بمثل هذه الجدّيّة والتفاني.


 


Sunday, November 17, 2019

عن الذي ينقص



تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، وتململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، وراح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية ورطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، ولكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟ لماذا تعيش هنا إذا؟
فتح التلفاز وراح يحملق في الصور المضيئة وقد أخذته نفسه عن ما حوله... كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ والقهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان...

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، ولزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، إذ يجهل إحداثيّاته، وعليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت... في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات والغرف والعنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، وكذلك العيون والنفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك. كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء وشحّ الضوء والهواء. لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق والانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، ودهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، وربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، وقد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما كان زبائني يتهاوون.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، ولكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن وهذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه وحركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، ولا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاهل ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا... وحينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها وتقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها... ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي والدعابات القديمة... في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، وكثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة... أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، ومن يد البقال المتشققة الممدودة إليه، فرمى بالكيس أمامه وغادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأن البائع تعرّف عليه، وربما لأنه لم يفق من المفاجأة. وربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه... هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، ولكنه يصدّق الهاتف الذي بداخله. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يعبث بالأجساد، وأن يكِلَ للطبيب إيجاد على طبيعية لتفسير العبث خارج الأقبية. مرض قديم عاود الظهور، هبوط مفاجئ في الدورة الدموية تطلب تدخلا عاجلا، محاولة انتحار سببا تعفنا وتطلبت قطع شيء ما... لذلك لم يثق قطّ بالأطباء... لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم وينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة... رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة عليها حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى...

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة وما تفرضه من هراء. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى حينما كان نجم الأقبية، واليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه... قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان وكل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. وهاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة والمرناڨ، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم وينام...

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه. فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة... أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه قادما لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم لهم شيئا من الحكمة... من الخلف...
عاوده القرف وهو يتأمل القارورة. وخيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا واستدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب. إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل. هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، ولكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، وربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ وجماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، وكما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته. ويمكن بيسر وثقة أن يميّز بين ندبته وغيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة. تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع. اِرتعاش الأنامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، والعرق البارد. حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا... علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته وقد جُرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ متهوّر واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكّروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى...
قرأ على الوجوه نفورا واضحا. اِنزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة وحياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، وبدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل وقد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، ونبرة البلطجة... لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده... فلينزعجوا إذا. فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة... أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا ولا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

بص جانبا ثم نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا. وغادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهدات والنكات السخيفة... إن البشر لمقرفون. لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، وخيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ وكيف يتوب وقد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظلّ في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكلّ ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها... بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. ولئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، وله أن يحدثه قدر ما يشاء.

سُرَّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. وعاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، ولعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا واعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، وسيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون...
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. وتذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، وهذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة... وتساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح ضمور قدمه اليمنى وهو يقدّمها للمياه، كأنما ذبلت ولم تعد تصلح لشيء. اِنتابته موجة غثيان رهيبة، فغادر مهرولا... إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، وما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا وازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، وأشعل لفافة تبغ ودخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. والأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، وابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز وطلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة... حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم...

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ وإنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف فيها جسدَه. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها لا ليعبدها.

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده واستسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. وحينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة وحسم، وسألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة ولا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه ودواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، وإن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، ولا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك وتحضيرك.
وبسرعة وضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، وبدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، وحينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم وقد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، وأردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، ولطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا. كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، وإحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا وكأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Wednesday, June 10, 2015

وينو البترول؟

عندما ذهب أحمد صباحا إلى المدرسة كعادته، لم يكن يعرف أين هو البترول. اتّخذ مقعده بجانب صديقه أيّوب ليواصلا لعبة بدآها خلسة يوم أمس. أحمد يكره حصّة القراءة، لأنه.. يكره ذلك. يشعر بضجر عاصف، و يتمنّى يوما لو يصرخ في المعلّمة أن تعفيَه من قراءة قصة مريم التي تنتظر الصباح الجديد، مرارا و تكرارا، لكنّه يغتال أمانيه حينما يتذكر عصا المعلّمة.
فجأة دخل المدير، جمّد ظلّه الدماء في العروق، و انتشر الصمت كالهشيم، بينما هتفت المعلمة في حماس : وقوف!
لم يبد المدير أي اهتمام بكلّ ذلك، شأن من تعوّد على تأثير سلطته في الآخر. تقدم نحو المدرّسة و أشار إلى ما يحمل، ففهمت قصده، و جلست في مكتبها، لتفسح له مجال الحديث. قال المدير في لهجة صارمة : هذم اليوميات متاع الشبيبة المدرسية، مائة فرنك، حتّى شيء، حكاية فارغة، ما غير ما تقولوا لي ما عنديش، و الا بابا ما عطانيش. عندكم من هنا لآخر الجمعة تشروهم. مفهوم؟
ثم استدار إلى المعلمة سائلا : هاك المجلاّت، كملوا خلصوهم؟
اِنتفض أحمد في وجل و المعلمة تشير إليه في ضجر، و تقول : مازال أحمد كالعادة.
أمعن المدير النظر في رأسه المطأطئ، ثم قال بهدوء : أحمد، غدوة ما تجيبش 700 فرنك، ما تدخل إلاّ ببوك. تسمع فيّ؟
أومأ برأسه في استسلام، و راح يفكّر في وسيلة لطلب المال من والده دون أن ينال صفعة على وجهه. أما السباب فلم يعد يهمّ، لقد ألفه بأكثر ممّا ألف كلام كتب القراءة المنمّق. عاد أحمد إلى المنزل، دون أن يعرف أنّه تلقّى أولى دروس التنقيب على البترول...

***********

حينما سمع منصور طلب ابنه الوقح، همّ بصفعه في سخط، لولا أن تذكر أن الولد اللعين يقف بعيدا بالفعل، نظر إليه شزرا و قال له : مازلت تجبد لي هالحكاية نجبد لك **** عينيك! ماو قلت لك قلهم بابا ما عندوش!
أجابه الطفل و هو يستعدّ للهرب : قالوا لي غدوة ما تجيبش دينار، ما تجي كان ببوك! 
ألقى على ابنه بحذائه لكنّه لم يصبه. أرهقته مطالبه، أرهقته مطالب هذا المنزل اللعين. لعن اليوم الذي فكّر فيه أن يستقرّ، و أن يؤسس عائلة. تلك المرأة اللعينة. النساء دوما سبب المصائب. تذكر شجار الأمس حول تغيير المرحاض. تلك الفاجرة تريد مرحاضا كما في ديار الأثرياء. من اللعينة التي وسوست لها ذلك؟ إنه التلفاز حتما. إنه التلفاز الذي يفتح العين على ما لا طاقة لها به. تذكر أنه ضيّع حلقة الأمس من المسلسل اليوميّ، ففتح التلفاز الكبير الشامخ قبالته. طالعه مشهد سيارة يكاد بريق لونها يتلف عينيه. تشبه تلك التي يملكها رئيسه في العمل، و يجبره على قيادتها كلّ يوم. لكنّ صاحبها لا يشبه رئيسه في شيء. يتصنّع البؤس تصنّعا، يحاول أن يوهمنا أن المال ليس كلّ شيء، و أنه لا يجد سعادته رغم هذه السيارة التي يقودها. الملاعين! يستغفلونه، كأنه لا يراهم أمامه و لا يتابع حياتهم بتفاصيلها و هو بزيّ السائق الذليل. أي بؤس هذا الذي يعيشه أمثالهم؟

سمع صوت زوجته القادمة، فترك دينارا على الطاولة، و هو يعرف أنها ستعطيها للولد. غادر المنزل و هو ساخط. سوف يشرب أقل من المعتاد بسبب طلبات الولد الخرقاء، و هو لا يحب أن يتمادى في الاستهلاك، لكي لا يضطرّ ليبوح لتلك الشمطاء بأجره الحقيقيّ. سوف لن يطرف لها جفن إلا بجعله يصرف كلّ شيء، و يُحرم من كلّ شيء، فقط لو علمت بحقيقة أجره، فسوف تعرف أين هو البترول!

**********

وقف أمام السيارة ينتظر خروج رئيسه. فتح له الباب في احترام و قال : صباح الخير سي الهادي. فأطلق الرجل سبابا بذيئا، و هو يقول (بما معناه) : لا بورك فيه من صباح نحس. انطلقت العربة، بينما "سي الهادي" لا ينفكّ يلعن المصنع و العمّال و قوانين الاستثمار المزرية. صرخ فجأة : ما ذنبي إن زاد ثمن النفط؟ يعلمون أنني لا أستطيع أن أرفع في أسعار المنتوج، و إلا ما اشتراه أحد. ماذا أفعل؟ و غدا سيأتي العمّال مطالبين بالزيادة! أصلا يجب عليّ أن أسدد زيادة البترول من رواتبهم!

كان هذا يعني أنه لن يقدر أن يطلب من سي الهادي شيئا من الزيادة. قد يطرده لو فعل. ماذا تراه يفعل؟ فاجأه صخب يتعالى من داخل المصنع. طلب منه رئيسه أن يذهب و يشهد ما يحدث، و يعود إليه مساء ليرويَ له كلّ شيء. خجل أن يسأله أن يعطيه ثمن سيارة الأجرة على الأقل، فاكتفى بالقول : تهنّى سي فلان! بينما غابت السيارة عن ناظريه.

سيجد حتما مادّة لا بأس بها بين هؤلاء القوم. كلاما كثيرا يستحق أن يجازى عليه أفضل جزاء. الصراخ يملأ المكان. الجميع يردّد شعارات مختلفة. يريدون الزيادة أساسا، لكنّه يعرف أنهم لن يظفروا إلا بالقليل. حينما يرتفع ثمن البترول و يشحّ، تمتدّ أيدي هؤلاء بالدماء تعويضا، عن طواعية أو عن غير طواعية. ستتردّد الشائعات عن اعتزام صاحب المصنع إعلان إفلاسه، سيخاف أغلبهم من مغبة التمادي و سيحجمون عن مواصلة الاحتجاج. سيضغط على السلط للقبض على بعض أولئك الذين لا سند لهم. مخرّبون، دعاة فوضى، ربّما ارهابيون أو متآمرون. في كلّ الحالات، فإن رئيسه لن يخسر، إنه الجهة الرابحة دائما. و هو دوما مع الجهة الرابحة. أين هو البترول؟ إنه مع الجهة الرابحة!

**********

في المساء، طلب منه رئيسه أن يذهب إلى مقهى الكابتن ماجد، ليحضر له ضيفا. وقف قبالة المقهى بالسيارة السوداء اللامعة، و ظلّ هناك حتّى طرق أحدهم بابها. نظر من وراء البلوّر المعتّم، ففاجأه وجه مدير المدرسة. ذات المدير الذي دفع دينارا كي يتحاشى رؤيته! أعاد الرجل طرق الباب، فأخفى وجهه بقبعته البالية، و فتح الباب الخلفيّ للسيارة.
لم يشأ أن ينخرط معه في الحديث و حاول أن يتحاشى قوله ما أمكن، حتى بلغ به المنزل. بسرعة آلية فتح له الباب و هرع إلى جرس المنزل. يجب أن يتخلّص من هذا الموقف السخيف، يجب!
ـ مرحبا، مرحبا! وينك يا راجل؟ عندك مدّة ما طليتش!
أشاح بوجهه، و هو يتراجع ليترك المكان للرجلين، لكنّ رئيسه استوقفه قائلا : أوكة خليت لك فلوسك عند نجاة، برّة خوذهم.
عرفه المدير هذه المرة، لا بدّ أنه عرفه! أسرع إلى الداخل و هو يكاد يسمع المدير يقول : بو تلميذ عندي مهبّلني... كانت نجاة تعدّ شيئا من العصائر، للضيف و مضيّفه. حينما رأته، فبادرته بالسؤال : منيرة في الدار؟ فهم لعبتها الماكرة فقال لها في صرامة : باهي، هاتي الفلوس الساعة. و لو كان نسمع بيك قلتي لها حاجة و الله ما نتفاهم معاك! يزينا مالحوايج التركية، تهريت! تهريت! مطّت المرأة شفتيها في حنق. و دفعت له النقود و هي تغمغم : نقص بركة مالصياح!
تجاهلها و غادر المكان، فاستوقفه حديث الرجلين 
ـ و الله مازالوا ما خلصوش اليوميات اللي مديتهم لهم اليوم.
ـ هيه برمجهم اليوميات هذم. موش لازم اليوميات، نشوف لك مفكّرات؟ كتب موازية؟ يلزمني نمشي شوية دولاب. ماك تعرف، حتى من رئيس البلدية يلزمني نتصرّف معاه باش يعطيك هاك الرخصة.
ـ لا عاد سي فلان، ماو تفاهمنا فيها عاد هذيكة.
ـ هاك ترى في الاوضاع و الضغط. صدّقني الكلّه مالبترول!


Friday, March 20, 2015

ولد الدولة

خبر.
كنّا في محلّ العمّ "ساسي حلاّق الأحباب" حينما دخل علينا خليفة بن عمر ممتقع الوجه، زائغ العينينِ
 و هتف : الرئيس قادم! الرئيس قادم لزيارتنا! سأله العمّ نور الدين في دهشة حقيقية : رئيس البلدية؟ فصاح فيه : بلدية ماذا أيها الأبله؟! رئيس الجمهورية قادم إلى المدينة!

و بعد أن جلس و استغفر و شرب من الماء ما يعيل جملا، تنهّد و قال : دعاني سي الهاشمي مدير مأوى العُجَّز إلى مكتبه، و كنتُ أعلمُ أنّه كان في اجتماع بدار الولاية، قصّ عليّ خبر الاجتماع فقال : ذهبتُ إلى الولاية، فلقيتُ محفلا لم ألق مثله قطّ، و شعرتُ برهبة لم أشعر بمثلها منذ امتحان الباكالوريا. غرق بيَ المقعد بين ممثّل ثكنة الجيش بالمدينة، و رئيس منطقة الأمن بها. دعانا الوالي للترحيب بالسيد وزير الشؤون الاجتماعية. تخيّل يا خليفة! كنت أمام السيد الوزير شخصيا، أنت لا تفهم هذه الأمور، فلست ولد الدولة مثلي، لم أشعر إلا و أنا أهرع إليه مسلّما و مرحّبا، قدّمتُ له نفسي، و لولا أن حدجني السيد الوالي بنظرة صارمة، لشرحتُ له كم إنّ وجوده مهمٌّ و مفيدٌ لنا في هذا الوقت العصيب، لكنّني قررتُ أن أرجئَ الأمر إلى ما بعد الاجتماع.
قال لنا السيد الوالي : سيادةُ الرئيسِ قادمٌ إلى مدينتكم في زيارة فجئيّة لدار المسنين، و علينا أن نعدَّ لهذه الزيارة جيّدا. لقد اقترحتُ على سيادته أن يزور مستشفى بمركز الولاية، حتّى لا يشقّ عليه الذهاب إلى مدينتكم الصغيرة، لكنّه أصرَّ أن يزوركم حتّى يؤكد أنَّه ابن الشعب كلّه و أن لا فرق بين هذه المدينة و تلك. المهمُّ أن مهمتنا ستكون أكثر عسرا، فمدينتكم تعاني من نقائص كثيرة، و يجب تلافيها في أيام خمسة تقريبا.
و سأل رئيس الشعبة وسط المدينة في بلادة : و هل تندرجُ الزيارة في إطار حملة سيادته الانتخابية؟
فنظر إليه مدير المستشفى الجهويّ شزرا و كان عضوا في التنسيقيّة الجهوية للحزب : سيادته لا يحتاجُ إلى حملة انتخابية أصلا، فليس له منافسون!
و تدخّل غريمُه المندوبُ الجهويُّ لوزارة الصحة : المنافسون الحقيقيّون هم وسائل الإعلام الأجنبية الحاقدة على نجاحات بلادنا، و يجب إسكاتهم.
و قبل أن يتدخّل كان الوالي يهتف في صرامة : رجاءً يا سادة! كفّوا عن الحديث في السياسة فأنتم في دار الولاية!
ثمّ إنّه قسّم المهامَّ بين الحضور كلٌّ بحسب خطّته، و كان عليّ التكفُّل بتأهيل الدار لتليق بزيارة سيادته.
فما إن أنهى "الهاشميُّ" حديثه حتى سألتُه في جزع : و هل طلبتَ مالا لصيانة المكان و تجهيزه؟ فأجابني في جزع مماثل : و كيف تريدني أن أطلبَ و الوزير هناك؟ لقد أخرج تقريرا عن ميزانيتنا، و قال إنّه على ثقة من حسن تصرّف "ولد الدولة" في المال العموميِّ، فأخرسني تماما!
و ساد صمتٌ ثقيلٌ جثم على قلبينا، قلتُ له في توتّر : لا يمكنني أن أعيدَ المال الذي استعرته من خزانة الدار الآن، لقد اشتريتُ موادّ البناء بالفعل، و ابني على أبواب الزواج. لكنّ الهاشميّ قال و قد حسم أمره : أمّا أنا، فسأتدبّر المبلغ كيفما اتّفق، و ما عليك كرجل دولة إلاّ أن تجلب ما أخذتَ، و أنا واثق أنك لن تُعدم الوسيلة. أنتَ تعلم ما أنا قادر على فعله! فلا رفقة و لا ندامة في المسائل الرسمية!
و ابتلع خليفة بن عمر ريقه، و قال لنا : لم يبق لنا وقت كثير على الزيارة، و أنا على يقين من تضامنكم و تفهمكم. و أعدكم، أنا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، أن أسدّد ديونكم حالما نستلم أموال الميزانية القادمة!

خبر.
حدّثني الأسعدُ عضوُ وحدات التدخل عن تلك الأيام فقال : اِنتشر خبر الزيارة الرئاسية بين الناس بفضل السوق الأسبوعية، و كنّا لا نزال نتباحث الخطّة الأمنية. و مع ذلك، فلقد كان تحرُّكنا ناجعا و محكما. لم تغرب شمس يوم الأحد حتى انتشرت فرقنا بين الأحياء الساخنة، و أخرجنا منها من أخرجنا من الصعاليك، و تجّار الحشيش و الخمر و اللصوص و الجائرين. كانت التعليمات تشدّد على تنظيف المدينة تماما، تحسّبا من أيّ انفلات أمنيّ ممكن أو غير ممكن. حتّى ذلك الفتى الهائج ولد الحمداوي، لم يفلت من قبضتنا الحديديّة. كيف عثرنا عليهم؟ هذه بسيطة، فنحن نتعامل مع أكثرهم بالفعل، نسكت عن بعض تجارتهم، و بعض أعواننا مورّطون معهم، و هذه الورطات ضرورية لمثل هذه المواقف. إن علاقة البوليس ببؤر الفسادِ معقدة و لا نكادُ نحن نفهمها، فما بالك بالمواطن البسيط؟ لم نكن نريد الزجّ بهم في قضايا حقيقيّة، فسجن هؤلاء مرّة واحدة قد يخلّ بالنظام، و يخلق لنا مشاكل لا نرغب فيها، كما أنه لن يوقف الإجرامَ، بل سيمنح الفرصة لظهور مجرمين جدد لا أكثر.
تمكّنت الحملة من إيقاف أكثر من مائتي شخص، تفرّقوا بين مراكز الإيقاف في الولاية، بتهم وهمية، و أوصينا بإخلاء سبلهم في نهاية الأسبوع، أي بعد الزيارة التاريخية. كنّا نعتبر نجاحنا سابقة تاريخية لافتة للنظر، لكنّ رئيس منطقة الأمن لم يكن راضيا، أمرنا بإجراء حملات أمنية على المقاهي و اعتقال العاطلين الهاربين من الخدمة الوطنية. فهؤلاء القومُ يحبّون استغلال هذه المناسبات لإحداث الشغبِ و إيهام أعداء الوطنِ بأزمة تشغيل لا وجودَ لها.
كان رئيس المنطقة ذا رأي سديد و حكمة لا تنفكُّ تعلّمنا الكثير. جرت الحملة الثانية كما ينبغي أن تجريَ، و داهمنا المقاهي و جلسات الخمر الجبليّة، و جلسات أخرى لا داعيَ لذكرها، و في ختام الحملة، دعانا رئيس المنطقة إلى إكمال المهمّة التاريخيّة و تنظيف الشوارع من المجانين، و السكارى، و أولاد الشوارع، و المتسوّلين، مخافة أن يظهر أحدهم في طريق سيادته، أو يمرّ من هناك عاريا، فهم كما تعرف، ممّن لا يؤمن جانبه. كما أوكل إلينا مساعدة أعوان البلدية، في القضاء على الكلاب السائبة. هكذا قبل يومين من الزيارة، صارت المدينة ليلا خلاءً مطبقا كأنّ مقبرة النصارى القابعة عند تخومها، قد امتدّت على كامل شوارعها.

خبر.
كنّا جالسين في مقهى التعارف وسط المدينة، فرأينا "سالم الشلغومي" عضو المجلس البلديِّ مارّا فدعوناه للجلوس، و سألناه عن سرِّ ما يحدثُ في المدينةِ. ارتشف من قهوة أحدنا، و أشعل سيجارة و قال مبتسما : الرئيس قادمٌ، و وجه المدينةِ هو وجهُنا نحنُ، بل رقبتنا. لم يكن بإمكاننا إعدادُ المدينة كلِّها في هذا الوقت الوجيزِ، و نحنُ كأبناء للدَّولة تعلّمنا دائما أن نتصرَّف وفق ماهو متاحٌ. قرّرنا أن نركّز عملنا على مدخل المدينة، و المسار الذي قد تمرُّ به القافلة الرئاسية، وسط المدينة، و عند شارع المستشفى حيث توجد دار المسنّين. كانت أموال البلدية كلّها مقسمة في شكل اعتمادات لمشاريع تنتظرُ دورها، تعبيد مسالك ترابية، إنارة أجزاء من أحياء في المدينة، إيصال الماء لبعض الضواحي الريفيّة، مساعدات لبعض المدارس و الجمعيات الرياضية، تظاهرات ثقافية و أنشطة للأطفال متنوعة.. كما تلاحظون أغلب هذه المسائل ثانوية و لا لزوم لها، لذلك ارتأينا أن نسحب التمويلات من هذه المشاريع، و نشرع فورا في إعادة تعبيد الطريق بين مدخل المدينة و المستشفى، الطريق جيّدة بالفعل، لكنّنا خشينا أن تخضَّ الرئيسَ و هو في السيارة، فيظنَّ بنا الظنونَ. لم ننسَ جوانب الطريق، فزرعنا المشاتل، و أزلنا الأوساخ، و أعدنا صنع تلك العلامة المضيئة المهشّمة المرحّبة بالقادمين. لقد تغيّر وجه المدينة بالكامل مع حملة النظافة المكثفة لوسط المدينة، و تعليق اللافتات المبتهجة المرحّبة. تكفّلت الشُّعَبُ الحزبية بصياغة اللافتات و تعليقها، مع أشرطة الأعلام الصغيرة، و صور الرئيس، و أشرف رئيس الشُّعبة نفسه على التجوّل وسط المدينة بالعربة ذات البوق، و هو يخطبُ و يحثُّ الناس على إنجاح الحدث العظيم. ألم يمرَّ من هنا؟ أومأنا إيجابا فواصل قائلا : لقد اكتشفتُ خلال الحملة، أنّ المدينة تؤثر على أهلها بقدر ما يؤثّرون عليها. لقد شهدتُ تغيّرا في قسمات الناس و نبراتهم، كأنّهم هم الذين تزيّنوا، و تطهّروا و لبسوا الزهورَ و الأعلام. و رغم الحملات الأمنية المكثفة، فلم نرَ من الناس إلا الحماس و الاستبشار و استعدادهم لتجاوز بعض الحوادث العرَضيّة المؤسفة. سألناه : و هل حدثت أمور مؤسفة؟ فأجاب و هو يدعس ما تبقى من السيجارة على المنفضة : الناسُ تستيقظ صباحا، تعيشُ النهارَ و من أجل ذلك النهارَ، نرتّب كلَّ سوءٍ نضطرُّ إليه ليلا. علّمتنا الدّولة أن لا نُقحمَ الشعبَ في عملنا، فلا يرى منه إلا النتيجة الرّائعة المتقنة. و ها أنتم أولاء ستلحظون اختفاء الكلابِ السّائبة تماما من الشوارع، فلا خوفَ و لا ترويعَ. بالأمس كان أعوان الفرق البلدية مع بعض الأمنيين يمشّطون طريق الجبل بالقرب من المستشفى، لقنص الكلاب السائبة. كان ذلك السكّير "عمر الزرقة" مارّا بكلبته الشهيرة التي يصرّ على تسميتها "الأسعد"، فأثار مشهده انتباه الفرقتين، فالبوليس مهتمّ أيضا بإيقاف المتسكعين من أمثاله. أطلقوا النارَ فأصابوا الرجلَ، لكنّ الكلبة ظلت هناك حتّى ألحقوها بصاحبها. سجّلت الجريمة ضدَّ مجهولٍ فلحسن الحظِّ ليس للرجل أهلٌ، و ذهابه خطأ لا يجب أن يتحمل وزره رجلٌ معيلٌ.
و سكتَ سالمٌ ثمَّ قالَ : لقد كان الأطفال يهابونَ الرجلَ و هيئته المريبة، و لن يحسَّ أحدٌ برحيله. لكنّ الجميعَ يحسُّ أنَّ فرحة المدينة هذه المرة ليست عَرَضيّةً، إنه الخلاصُ!

خبر.
لم يكن العمُّ حمد بائع العطورِ يشاركُ الناسَ حماسَهم بما يحدث، قال لي و هو يلقي بصحيفة اليوم في امتعاضِ : هذه مسرحيّة مضحكةٌ. لا أحدَ يتحدّثُ عن الزيارة في الصحف، كأنها حقا زيارة فجئية، ثمّ يبثّون في شريط الأخبار مشاهد المواطنين الهاتفين بحياته، و الحواجز الأمنية كأنّما أعدَّ كلُّ شيء ارتجالا. هذه مسخرة وطنية. و هذا الشعب الذي بلغ درجات من الوعي يصدّق أن الرجلَ قادمٌ و بيده مفاتيح الجنة؟ يظنّون أنه قادم و في يده عصا السلطة السحرية التي تصنعُ العجبَ العجاب. كيف لا و هو أرفع شيء ممكن في الدولة؟ سوف يأمر و ينهى، سوف تنبتُ المصانعُ في كلّ شبر فارغ يعترضُ طريقه، و سوف يخلع كلُّ ضرس فاسدٍ في إدارة لا تقوم بعملها، و سوفَ تنهال أموالُ المساعداتِ بجرّة قلم مباركة. هراءٌ! مسرحيّة لا يصدّقها إلا هذا الشعبُ الأحمقُ. اُنظر إليهم يتوافدون كالجوعى على الكتبة العموميّين، نساء و عجائز، و حتّى بعض الشباب الذين لم يتعلّموا من المدرسة غير التهكّم على المعلّمين، كلّ منهم يعدُّ شكايته، و يجهّز مظروفه الذي سيدسّه في اليد الرئاسية المباركة. نحن في مدينة تفتقر إلى الشعور بالانتماء، و إلا لكنّا حللنا مشاكلنا لوحدنا من دون الحاجة إلى الأب الحنون المنقذ. و كأني بالمدينة تجمع فوضوي ضخم و عارض، لا أحدٌ ينظر إلى الآخر، و لا  أحدٌ يهتم بما حوله، الكل يتطلع إلى الشاحنة القادمة بالمعونة، أو إلى الزورق الذي سيعيدُه إلى وطنه الحقيقيِّ... نحنُ لسنا شعبا، بل تكدّس ضخم للاجئين!
أزعجتني كلماته، لكنّني تذكرتُها حين مررتُ ليلة الزيارة بطريق المستشفى. كانت الطريق مغلقة على المارّة، تذكّرتُ سالم الدريدي إذ قال : لن نتركَ شيئا للصدفة، سنغلق الطريق ليلة الزيارة حتى نحتفظ بنظافتها، علّقنا حاويات القمامة طبعا، و سنزيلها فيما بعدُ لنستعملها في مناسبات قادمة. لقد علّمتنا التجاربُ أنَّ الاحتفاظَ بها عندنا أفضل من تركها للتلف بيد الشباب أو للسرقة بيد المتاجرين بأي شيء. أمّا زوار المستشفى، فيمكن أن ينتظروا لليلة على الأقلّ. لقد كنّا متفهّمين و سمحنا للحالات العاجلة بالمرور. نحنُ أبناء الدولة، خير من يقدّر الأمور حقَّ قدرها!

خبر.
حدّثني فاروق ابن حيّ النّجاح قال : كنتُ فتى آنذاك فتى صغيرا أدرسُ بمعهد قريبٍ من المستشفى. جاءنا المديرُ و قال لا دروس اليومَ، فمن شاء أن يرجعَ إلى بيته فليفعل، و من شاء رؤية الرئيس فسننظّم مسيرة إلى هناك. لكنّه أكمل بقية كلامه للريح، فقد كنتُ و باقي الفتية قد غادرنا بالفعل إلى طريق المستشفى، ظننّا أنّا سنسبقُ الجميعَ، فإذا بخلق الله كلّهم هناك، و كانوا في أغلبهم من النساءِ و العجائزِ و أبناءِ الحزبِ و المناضلين القدامى، فهمتُ لماذا لم يدعُ المعتمدُ المصانع أن تخليَ سبيل العاملين، فالمكانُ لا يتّسعُ.
كانت الأسئلة كثيرةً تملأ رؤوسنا جميعا. حاول بعضنا الاحتفاظ بها لنفسه و أطلقها الآخرون في شكل إشاعات أو نكاتٍ حتّى لا يتركَ نفسه مدعاة للتندّر. سمعتُ أحدهم يقول : سمعتُ أنه سيمرّ في سيارة مصفّحة. و هتف آخر : بل سيمرّ من فوقنا بالمروحيّة. و اندفعت أخرى تقول في ثقة : أنتم لا تفهمون كيف يفعلُ الرؤساءُ. إنّ له شبيها سيبعثه مكانه، ألم تسمعوا عن الخمسين شبيها لصدام حسين؟ فأجابها أحدهم ساخرا : لا أعرف إلا أربعين فحسب.
و غرق الناسُ في نظريّات لا أوّل لها و لا آخر، حينما اندفعت فجأة في المكانِ سيارات سوداءُ رباعية الدفعِ، و خرج منها رجال كالشياطين حبسوا الأنفاس بأزيائهم السوداء المرعبة، و أسلحتهم الضخمة. أمسك كلٌّ صاحبه، و قرأ بعضهم المعوّذتين، و سرت في النفوس رهبة، و تهامس البعض بالإسم الرهيب "النمور السوداء!" و تأكد أنّ الرئيس على بعدِ أمتار. لا نعرفُ كيف ذاب هؤلاء القوم، و لا من أين نبتوا، لكنّ الأعناق اشرأبّت إلى ما وراءَ سياراتهم، التي واصلت طريقها. تعالى وقع موسيقى نحاسيّة، و ظهر في الطريق مصوّرون، و فرقة "الماجورات" بالمدينة، بأزيائها البيضاء و الحمراءِ، فامتصّت رجفة الخوف و أعادت الناس إلى الطابع الاحتفاليّ للموقف، فتعالت الزغاريد من كلّ مكان، و سرت عدوى الهتاف في قلوب الناس، فانهالوا على الحواجز ينشدون رؤية رئيس الدولة، و اختلط الهتاف بحياته، بصراخ من اختنق من الدفع و الحشر بحياته هو. لقد انقلب المكان في لحظة إلى مهرجان هستيريّ يسيل لعاب أيّ طبيب نفسانيّ. كنتُ أجاهدُ لأتنفّس و أتطلّعَ إلى ذلك الرجل الذي طالما رأيتُه في التلفازِ. كان قصيرا، يتطاير شعره بفعل الريح، فيعيد ترتيبه بأصابعه المشعرة، ثمّ يؤدّي بيده تلك الحركة المسرحية الشهيرة (أعصركم بيديَّ هكذا، و أضعكم في جيبي هذا) و لا ينفكّ يردّدها بشكل مرَضيّ.
رأيتُ رجلا في الجهة المقابلة يكادُ يغمى عليه من الهتافِ. أليس هذا العمّ حمد بائع العطور؟ كان الرئيسُ يقتربُ من موضعه، و الأمنُ يحاول أن يحول بينه و بين المواطنين. فجأة، قبضت يد العم حمد على اليد الرئاسيّة، فلم يجد "ابنُ الشعبِ" بدّا من أن يصافحه، و يأخذَ عنه المظروف الذي قدّمه له. زادت الهستيريا، و ارتفعت الأيدي بالمظاريف، فابتسم "سيادتُه" و هو يبتعدُ عن جانب الطريق، و أشار لأحد أعوانه، فراحَ يجمع شكايات رعاياه الشاكرين.
فيما بعد حكى لنا العمُّ منصور، كيف اقتحمت قوّاتُ الأمن منزل العمّ حمد، و أخرجته وسط صراخ زوجته، و أوسعته ضربا و شتما، لأنّه عرّض خطّتهم الأمنية للفشل، و كان يمكن أن يعرّض حياة سيادته للخطر. لكن هذه تفاصيل ثانوية...
حينما اقترب الرئيسُ عن المستشفى، حاول الناس متابعته لكنّ الأمن منعهم من التقدّم، فأجبروا على المغادرة، و كنتُ من بينهم. لم أسلّم الرئيس مظروفا، و لكنّني على الأقل، فهمتُ من أين يأتي كلُّ أولئك الناسُ الذين يرحبون بالرئيس أينما حلَّ. لقد كدتُ وسط هستيريا الجماهير أن أشاركهم الهتاف!

خبر.
كنّا كعادتنا عند حلاّق الأحباب حينما دخل علينا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، و كنّا ننتظره بعدما رأينا ما رأينا من زيارة الرئيس لهم في نشرة الأخبار. طلبنا منه أن يفصّل لنا الخبر فقال : كنتُ مع المدير أمام دار المسنين، حينما طالعنا الركبُ المباركُ. كان الهاشميُّ أشبه بعريس في كسوته الجديدة و حلاقته الأنيقة، و العطر الخانق الذي يضوع منه. أسرّ إليّ أنه دهن يديه بمرهم يمنع التعرّق فهو كما قال "ابن الدولة" و يقدّر المقامات حقّ قدرها، و يقرأ حسابا لكلّ شيء. طلب منّي أن أراقب و أتعلّم، و كذلك فعلتُ.

سلّم على رئيس الدولة في حرارة، و دعاه إلى الدخول مبادرا : كما ترى يا سيادة الرئيس، فالحديقة متنفّسٌ هامٌّ لآبائنا، حاولنا أن نجعلها منشرحا للصدور. تأمّل الرئيس اللون البنفسجيّ الذي أغرق كلَّ شيء، و كاد يذهب بخضرة النبات، و لربّما لعن في سرّه ذلك اليوم المشؤوم الذي اعترف فيه بحبه لهذا اللون. أومأ برأسه موافقا في صمت، فواصلنا جولتنا، و الهاشميُّ لا يكفُّ عن الحديث و الشرح.
كنّا نتظاهر بالتجوّل عشوائيا، و لكنّ المسار كان مخطّطا له مسبّقا. دخلنا إلى المطبخ، كان كلُّ شيء يشعُّ ببريق لم تعرفه الدار منذ نشأتها. و الحقيقة أنه لولا نضب المالُ من الخزينة، لغيّر الرجلُ جليزَ القاعة. تناول الرئيسُ إحدى أواني الطبخ، رأى ملصق الثمن الذي نسي الطبّاخ اللعينُ انتزاعه، لكنّه تجاهل الأمر و قال مبتسما : ماعون نظيفٌ. ثمّ استدار إلى الطبّاخ المتأنّق و سأله : و ماذا ستطبخُ لهم اليوم سي الشاف؟ تهلّل وجهُ الفتى كأنه أدرك لتوّه أنه سيخاطبُ الرئيسَ و قال في حماس : سيدي الرئيس، اليوم سنعدُّ لآبائنا حساءً بالدجاج، و أرزا، و لن نبخل عليهم باليوغورط و الغلال. و الحقيقة أنّنا تباحثنا طويلا بشأن أكلة اليوم ممّا يجدر بالدار أن تقدّمه فيبدو مثاليا و غير مبالغ فيه. و لقد فوجئنا أن أكلة كهذه لا تكلّف الكثير..

دعانا المدير لزيارة الوحدة الطبية. فتح الباب في حماس، كانت القاعة خالية إلاّ من ممرّضة تبتسم عيناها كأنّما أدخلنا عليها عريسها. سأل الرئيسُ ساخرا : أليس عندكم مرضى هنا؟ و قبل أن تجيب الممرّضة، اندفع المدير يقول : هنا نضع الحالات الحرجة يا سيدي، لكنّنا نعتني بالجميع في عنابرهم. أنت تعرفُ كم يشقُّ على أبائنا أن يتحرّكوا. تأمّل الرّئيسُ الآلات الطبيّة المنتشرة في القاعة. "عندكم جهاز تخطيط للقلب؟ هذا جهاز يندر أن يوجد في المستشفيات." لم يخبره المديرُ أنّه استعاره من المستشفى الجهويِّ بالفعل، و أنّه كان مخبّأ لا يستعمل كي لا يصيبه العطبُ. فقط اكتفى بالابتسام في ثقة و قال : أنا ولد الدولة يا سيديّ و أعرف كيف أوفّر ما يلزم.
كرّر الرئيسُ همهمته التي قد لا تعني شيئا و قد تعني الكثيرَ. أضاف في خفوت و هو يخرج : يعطيكم الصحة. ثم سأل أن يرى بعض النزلاء.

اِقتدناه إلى عنبر الحاج الكفلي، دخل المدير عليه دون استئذان، لكنّه لحسن الحظّ كان مستعدّا مثلما اتّفقنا معه. الحاجُ الكفلي لسانٌ ساحرٌ يأخذك إلى زمن جميل غابر. لذلك وقع عليه اختيارُ المدير. وعده بعلبة سجائر يوميّة فقال له الحاج إنّه يعاني من أوجاع في العظام منذ وقت طويل، و أن لا أحد يريد أن يسمعه، فنظر الهاشميُّ في عينيه و قال له : تلك مشاكلٌ داخليّة يا حاج. نحلُّها في ما بيننا، أتفهم؟ لا داعي لإقحام الآخرين في مسائل عرضية كهذه. سنتدبّر أمر علاجك فيما بعدُ.
سأل الرئيسُ الحاجَ الكفلي : لا بأس عليك؟
فأجاب العجوز : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
بحث الرئيسُ عن شيء لم يسأل عنه. كان مصوّر الأخبار يوثّق لهذه اللحظة التاريخية التي ستحلّلها الصحف غدا في مقالات مطوّلة، لذلك بحث عن شيء عميق ذي دلالة. قال له : أتشعرُ أنّك غريب هنا؟ أتفتقدُ أهلك؟
فأجابهُ الكفلي بلسانه الساحر : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
و اندفع المدير محاولا تدارك الأمر : أنت أبوهم سيدي الرئيس، أنت أبونا جميعا.

تمتم الرجل "العفوَ العفوَ" و هو يجيل نظره في الغرفة النظيفة المؤثثة. لا بدَّ أنه لاحظ حداثة طلائها. لقد كلّفتنا تهيئة الغرفة و إزالة الرطوبة عنها، جهدا كثيرا و مالا أكثر دفعناه من جيوبنا. و صرنا ننتظر المنح القادمة بفارغ الصبر.

أخذنا الموكبُ إلى قاعة التلفاز حيث جلس بعضُ المسنين يشاهدون شيئا ما. أقبلوا على الرئيس يعانقونه، و يقبلونه، ممّا يبشّر بالمزيد من الصور التاريخية. لم يشتكِ أحد منهم من شيء كما اتّفقنا معهم. لكنّ إحدى النساء راحت تبكي متوسّلة إياه أن يزورهم كلّ يوم. قلنا له مفسرين : يحبوك سيدي الرئيس. و كان ذلك آخر ما قلناه له.

شكرنا للزيارة و حثّنا على العمل على خدمة آبائنا لأنّ هذا واجب الدولة تجاههم. و عندما غابَ ظلّه خلف الطريق الجانبيّة، سقطنا على الأرض كأنّنا أفرغنا من طاقتنا. رحنا نضحكُ كالمجانين، فشاركنا الجميع ضحكنا. لقد انتهت المهمّة بنجاح تامّ، و لم يسجّل علينا أيُّ شيء. كان الهاشميُّ متحمّسا، غرق في أحلام لا آخر لها، و قال لي إنه من غير المستبعد أن ألحق بديوان الرئاسة بعدما أظهرتُ من كفاءة. قلت له في شكّ : لكنّ الرئيس لاحظ حداثة التجهيزات و الصيانة. فضحك الهاشميُّ ساخرا و قال : لكنّ الناس في التلفاز لن يلاحظوا ذلك، ما يهمُّ الرئيسَ هو أن يثبتَ للشعب نجاح الدولة في مهامها، بثّ التفاؤل بمستقبل واعد. أنت لا تفهم في مثل هذه الأمور.

و تدهّج صوت خليفة بن عمر و هو يختتم حديثه : اليوم يا جماعة، ثبتَ لي أنني لا أفهم حقا في هذه الأمور. وردت علينا رسالة عاجلة من رئاسة الجمهورية، تعلن عن انتهاء مهامّنا. قال لنا المعتمد أنّ الرئاسة كانت غاضبة جدا، لأننا لم نترك لها عيبا لتصلحه. كان كلُّ شيئا كاملا إلى حدّ أعجز رئيس الدولة نفسه أن يمدَّ يد العون، ظهر أمام شعبه كأنه لا قيمة له، أنّ الدولة آلة تعمل بكفاءة سواءَ كان هناك أم لم يكن، و هذا انتقاصٌ من عمل سيادته. كما أوصت الرسالة بتسليم الرئاسة جهاز تخطيط القلب لأنه ترف لا نحتاج إليه و المستشفى الجهويُّ قريبٌ.
لقد ذهبَ عملي يا أحبابي، فاصبروا عليَّ قليلا لأتدبّر أموالكم. و لا دائم إلاّ الله!

Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

Sunday, July 6, 2014

"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)

حينما تسمع حديثا عن مسلسل تونسيّ، فكن على يقين من أنّك في رمضان. يبدو أننا ننتج المسلسلات التلفزية لسببين : لا بدّ من مسلسلات تونسية في رمضان فهكذا جرت العادة، و لا بدّ لأهل الدراما من عمل يحصلون بموجبه ما يمكنهم من العيش (عيشة النجوم طبعا، لأنه يجب أن يكون في كل بلد نجوم تلفاز).
و قد جرت العادة الكريمة أن ينجز مسلسلان قصيران في رمضان، كلٌّ لفترة أسبوعين، لحكمة لا بأس بها في نظري، فنحن لا نملك ثقافة الكتابة أصلا، و من يكتب خمسة عشر حلقة يمكن له أن يفتخر بإنجازه لسنين طوال. و لم يشذّ عن ذلك إلا كتبة قلائل، خابوا في بعض الأعمال، و نجحوا في أعمال أخرى. كما أن انجاز عملين يبقي الانتاج الدرامي في مرحلة تجريبية تجعل من كل عمل جديد أشبه بمخاطرة، خصوصا مع جمهور مزاجيّ و عسير الإرضاء كالمتفرّج التونسيّ. لذلك عوض أن ينتج عمل واحد قد يخيب، ينتج عملان قد يخيب أحدهما و ينجح الآخر.

إحدى تلك الخيبات التي أحدثت لغطا طويلا بعدها، أو ربما شرخا ظلّ هناك إلى اليوم.. عرضت في رمضان 2003، أعني بها دروب المواجهة، و هو إسم لا يوحي بشيء تقريبا، لكن شخصيات المسلسل قد يذكرها بعضهم : مصطفى العدواني صاحب المصنع الطيب، الساذج، لطفي الدزيري المحتال الطماع الذئب، فريال قراجة الصحفية اللامعة صاحبة المبادئ و الجمال و الأخلاق و كل تلك الأشياء الجميلة و زهير الرايس حبيبها و الذي لا يصلح لشيء إلا لأنه ابن مصطفى العدواني صاحب القضية.. لمن لم يذكر المسلسل فأعتقد أن ما دار بمخيلاتكم هو كل المسلسل تقريبا.
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة".. 

طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.

ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟ 
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟

إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون.. 
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.

حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟

حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..



Wednesday, February 12, 2014

العقول المَـثْـنَـــوِيَّة

لا أتحدث هنا عن طريقة نظم فارسية، و إنما عن نظام عدّ تستعمله كل الأجهزة الالكترونية. يسميه أحفاد شكسبير Binary number system وهو عكس النظام العشري الذي تعرفه، لا يملك الا رقمين اثنين هما صفر وواحد. ومن هذين يمكن اختراع بقية الاعداد:
0 -> 0
1 -> 1
2 -> 10
3 -> 11
4 -> 100
5 -> 101
وهكذا باستعمال رقمين فحسب، يمكن للآلة فعل المعجزات! يمكنها هذا النظام من تصوّر أشياء شديدة التعقيد و التركيب، على اعتبار أن كل شيء مركّب يتكون من أشياء أكثر بساطة. في الواقع لا أعرف إن كانت هذه القاعدة تعمل على الأنظمة الطبيعية، فطريقة عمل النظام الشمسي تبدو أبسط بكثير من طريقة عمل الشمس نفسها، و سلوك الإنسان يبدو غالبا أكثر قابلية للتوقع من سلوك الذرات التي تكون جسمه.. هل العقول مثنوية؟ أعني هل تعمل وفق نظام العدّ المثنويّ (أو الثنائيّ لمن لا يحبّ الحذلقة) أم أنها أكثر تعقيدا من ذلك؟ يقال إن المعطيات (data) تتردد في المخّ وفق شحنات كهربائية و هو ما يحيلنا بالفعل إلى منظومة مثنوية. لكنّ ما يهمني من كل ذلك، هو تلك الحقيقة التي تقول إن العقل قادر على تصور أنظمة شديدة التعقيد و التركيب، أكثر بكثير من جهاز الكمبيوتر. أقول "قادر"، لأنني أعتقد أن أغلب العقول لا تمارس ذلك بالفعل، و تسبب جرّاء ذلك، الكثير من الرداءة.. أعتقد أن تلك الرداءة هي ما يجعل الحياة عسيرة في هذه البلاد.. 

حينما نبدأ بفهم الأشياء من حولنا صغارا، نتعلم قاعدة أساسية تتمحور حولها سلوكاتنا : هذا جيّد. هذا سيء. كل ما نحاول فعله أو فهمه يمرّ عبر هذا السؤال : هل هو جيد أم سيء. فيما بعد يتخذ المفهومان أشكالا عديدة، خير و شر، الله و الشيطان، ربما سكاي وولكر و دارث فايدور، أو الكابتن ماجد و الكابتن بسام ... لا أعرف، لكن المقاربة المثنوية حاضرة هناك.. فيما بعد تتكفّل ثقافة المرء و تجاربه بتعليمه أشياء كثيرة و تعقيد المشهد من حوله.. يتعلم المرء أن الخير و الشرّ مثلا نسبيان عبر المكان و الزمان و الأحداث أيضا.. يتعلم أن الخير و الشرّ تقييم لا يناسب مواقف و أنظمة أخرى كثيرة. الانسان يدرك الواقع عبر قوالب ذهنية (models) أكثر يسرا للاستيعاب، تأخذ هذه القوالب أشكالا شديدة البساطة في البداية، و مع اكتساب المعرفة، تأخذ هذه القوالب أشكالا أكثر تعقيدا.. 

في الماضي كان الانسان يعتقد أن الأرض مسطحة، حينما اكتشف كروية الأرض، اعتقد أنها كرة مثالية (perfect). لم يلبث فيما بعد أن أدرك أنها يجب أن تكون مسطحة على مستوى القطبين، كبرتقالة. طبعا شكل الأرض أكثر تعقيدا و أبعد ما يكون عن الأشكال الهندسية المثالية التي نستعملها في الهندسة الاقليدية. لكن بعض الناس لا يزال يجد بعض العسر في استيعاب الشكل الكرويّ الأول. إن التفاوت في القدرة على تصوّر الأشياء و إدراك مستويات تعقيدها أمر طبيعيّ. الطبيعة قائمة على التفاضل (أمر قد لا يعجب الكثيرين و لكنه ليس موضوعنا الآن). لا يمكن لشخص مهما بلغت درجة ذكائه و معارفه و خبراته أن يتمثّل في ذهنه الأشياء كما هي بالضبط في الواقع، لكنّه يطوّر قوالبه الذهنية و يعقّدها أكثر فأكثر. و لا يمكن أن يتساوى الناس في درجة التعقيد التي يمكن لأذهانهم بلوغها. كاتب هذه السطور يجد صعوبة بالغة في استيعاب عالم خماسيّ الابعاد، بينما تجد فيزيائيي مراكز البحث الكبرى، يحاولون تقديم تصور للكون من اثني عشر بعدا! لكن، اعتقد أن هناك حدّا أدنى من التعقيد وجب توفّره عند الانسان حتى يستطيع أن يساير العالم الجديد من حوله.


كلّ الصور تمثّل أرنبا، لكن كما تلاحظون كلما ارتفعت درجة تعقيد الصورة (عدد المثلثات التي تشكل سطح المجسم) كلما ازداد وضوحا.

الأمر جادّ صدقوني. أنا لا أتحدث عن مجرد صور تعلق بالذاكرة. أنا أتحدث عن طريقة عمل الذهن، التي تجعلنا ما نحن عليه. حينما أتأمل الرداءة التي تحيط بي من كل جانب. أعتقد أن أحد أسبابها الأساسية، هو بدائية القوالب التي نمثّل بها الأشياء و المواضيع و الحقائق من حولنا. حينما تسود بدائية القوالب في مجتمع ما، فهو مجتمع بدائيّ، مهما امتلك من تقنية و أموال.. خطورة المسألة ترجع إلى أن غالبية أفراد هذا المجتمع، تسيطر عليهم طرق التفكير المثنوية، التي تختزل الأشياء في الأبيض و الأسود.. إن الاستقطاب الثنائي الذي يجمع على وجوده الجميع في تونس، موجود تقريبا في أغلب دول العالم. لماذا اذا يبدو لنا الاستقطاب الثنائي غير طبيعيّ في تونس؟ أعتقد أن السبب يكمن في التفكير المثنويّ. هنا، يشيطن الناس بعضهم البعض لا لتوفر المعطيات الوجيهة و لكن فقط لأنه لا يستطيع رؤية العالم من وجهة النظر المقابلة. 

ماذا؟ تقول إن ذلك لا علاقة له بالقوالب البسيطة إنما بالتعصب. و ما هو التعصب؟ أليس عدم القدرة على رؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة؟ لا أطالب الشيوعيّ بأن يؤمن بالفلسفة الليبرالية. لكن عليه أن يفهم أن الليبرالي ليس بالضرورة شخصا جشعا يريد أن يعيش على جوع الآخرين.
المتعصب هو شخص يجد صعوبة في ايجاد قوالب ذهنية مركبة و عديدة. لذلك يفضل تلك القوالب البسيطة الجاهزة. الكليشيهات التي تنشأ لتردد انموذج ما أكثر من غيره. الكثير من المبرمجين يستعملون النظارات لذلك نشأ هذا القالب الجاهز الذي يربط مباشرة بين مبرمج الكمبيوتر و النظارات. مبدأ الربط هذا مزروع في الجينات البشرية لأنه يساعد الانسان في الكثير من المواقف. لكن على الانسان أن يرتقي بوعيه إلى ما فوق هذا السلوك اللاواعي حتى لا يتحكم في نظرته الى الأمور. هذا الخطأ المنهجيّ هو تقريبا ما تقوم عليه النظرة المتعصبة تجاه الآخر. تقابل فتاة محجبة فتسقط عليها آليا قيم التقوى و الورع. . يتشكل في ذهنك ذلك القالب البسيط الجاهز الذي تجمع تحته كل المججبات. و قد تجدها تمارس سلوكا يتنافى و ذلك الذي 'يجب أن تكون عليه المحجبة' فتسقط حكمك عليها و على المحجبات جميعا. (لماذا انت بحاجة الى اطلاق حكم ما اصلا فتلك قضية اخرى) كل هذا و انت لم تسمع عنها فكرة واحدة. حاجتك الى القوالب الجاهزة سببها عدم قدرة ذهنك على تمثل قوالب أكثر تعقيدا. محجبة لكنها غير مسلمة. لها افكار خاصة ربما شاذة لكنها افكارها هي و ما يجعلها هكذا.

ايضا يميل المتعصب الى تصنيف ثنائي جامد : ما هو مثلي فهو جيد و خير و صحيح في كل شيء. الآخر هو كل تلك الصفات السلبية. المسلمون جميعهم حمقى و جهلة. الادهى ان تسمع من يقول : المسلمون جميعهم متعصبون. هذه قولة مشطة في الانفتاح!

من اين يأتي هذا العجز عن فهم القوالب المعقدة؟ ربما هناك اسباب عديدة. لاحظوا انني لست اقوم بدراسة معمقة هنا. لكن هناك شيء ما ليس على ما يرام في تربيتنا. كل شيء من حولنا يتمثل الاشياء بسذاجة. اغانينا تصور مواقف بدائية من العشق و الوحدة و حب الوطن. اشعارنا تكرر ذات الصور الساذجة. قصصنا و افلامنا و مسلسلاتنا - الا ما رحم ربي - ترنو الى الخير المطلق و الشر المطلق. تلفزاتنا الملونة تبث سموما بيضاء و سوداء منذ القرن العشرين و لم تتغير. و مواعظ شيوخنا لا تزال تحدثنا عن سابع جار و نحن نعيش في مبنى لا نعرف عدد سكانه و لا متى نغادره.. 

هل علينا أن ندرس جميعا النظريات الرياضية المعقدة حتى تتجاوز أذهاننا حاجز التفكير المثنوي؟ و هل على التلفاز أن ينقل لنا مباشرة وقائع الاعلان عن اكتشاف بوزونات هيوغز حتى نصبح قادرين على قبول الاختلاف و عدم شيطنة الآخر؟ ربما يوما ما. لكن لأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، فأعتقد أن الارتقاء بمستوى الفنّ و الأدب في هذه البلاد و لو خطوة واحدة، أمر ضروريّ أو بلغة الكمبيوتر تعليمة رقم 0.

Translate