خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.
Monday, February 20, 2023
تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...
خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.
Monday, May 24, 2021
نازلة دار الأكابر: شهادة في ميلاد امرأة الحدّاد
مازالت الرّواية التّاريخيّة مصدرا للجدالِ وعرضةً لسوء الفهمِ في الأدبِ العربيِّ. إذ مازال الكثيرون يعتبرونها امتدادا طبيعيّا لكتبِ التّاريخ والسيرة، لما كان لهذه الكتبِ من استنادٍ إلى الأسلوب القصصيِّ الّذي لم يقطع معهُ تماما. ها نحن نقرأ لأولئكَ الّذين يدّعون كتابةَ التّاريخ للعامّةِ ـ مثل راغب السارجاني ـ أو الّذين يقرأُ العامّة لهم كأنّهم مؤرّخون ـ مثل طارق السويدان ـ فإذا تاريخهم قصصٌ محكيّةٌ فيها ما فيها من ألوان الدّراما والأبطال. وإذا القصّةُ والتّاريخُ جسمٌ وروحٌ لذاتٍ واحدةٍ. فليس غريبا إذا أن تُعاملَ الرّوايةُ الأدبيّةُ التّاريخيّةُ من بابِ دقّتها التاريخيّةِ، وأن يتساءل القرّاءُ أوّل ما يتساءلون: هل حدثت وقائعُ نازلةِ دار الأكابر بالفعل؟
ولئن كانت الإجابةُ عن هذا السؤالِ لا تعنينا في شيءٍ، فإنّ ذلك لا يجعلُ الرّوايةَ التّاريخيّةَ في حِلٍّ من الدّقّةِ التّاريخيّةِ. فكما أنّها ليست دراسةً علميّةً تجعلُ من الحقيقةِ التّاريخيّةِ أو تحليلِ الوقائع التاريخيّةِ مبحثها، فليست أيضا فانتازيا تاريخيّةً تستعملُ السّياقَ التّاريخيَّ مَطيَّةً استيطيقيّةً لقَصصٍ متعالٍ عن كلِّ عاملٍ زمنيٍّ.
توجدُ الرّوايةُ التاريخيّةُ في منطقةٍ وُسطى بين هذين. فهي إذ تُلقي بالأحداثِ في لجَّةِ بيئة زمنيّةٍ معلومةٍ، مُطالبَةٌ باحترامِ هذه البيئةِ وتفاصيلِها وعناصرِها. وفي الآن ذاتِه، تُطالبُها طبيعتُها الرّوائيّةُ بعدمِ التّوقّفِ عند الحقيقةِ المعلومةِ، والاندفاعِ نحو تلك الأركان المُظلمةِ الّتي تغافلت عنها الوثائقُ، أو عجز المؤرّخ عن تسجيلِها لطبيعتِها المتعاليةِ عن القياسِ: فلئن أكّد لنا التّاريخُ حقيقةَ وجودِ الطّاهر الحدّادِ، وحقيقةَ محنتِه، فهو لم يحدّثنا عن مشاعِره تجاه ما حدث معه حديثا مستفيضا، ولم يحدّثنا عمّا اعتملَ في صدره، وعمّا دفعه للكتابةِ الخ.
في مثل هذا المجالِ، يمكنُ أن يجدَ الرّوائيُّ قوتَه. ويمكن أن يمنحَ السّرديّةَ التّاريخيّةَ الحياةَ بخيالهِ، ورُبَّ خيالٍ ينسجُ لبَّ الحقيقةِ.
إنّ روايةَ نازلة دار الأكابر تاريخيّةٌ بامتيازٍ، لا تكادُ تمنحُ القارئَ المتفحّص ثغرةً تاريخيّةً واحدةً، لا في التّواريخِ (فحين تحدّثك عن حكومة الهادي الأخوة، فأنت حتما في زمن سردٍ يقابل زمن نشاط تلك الحكومة)، ولا في الأعلام، ولا في الأحداثِ السّياسيّةِ، ولا في المواقفِ، ولا في تفاصيل الحياةِ اليوميّةِ. لكنّها في المقابلِ، تصولُ بجرأةٍ وحرّيّةٍ وسط كلِّ هذا لتنسجَ أحداثا دراميّةً كثيفةً خياليّةً، كأنّها ضربٌ من "الواقعِ المُعزَّزِ" Augmented Reality.
تبنِي أميرة غنيم نازلتَها على وتديْنِ تاريخيَّين، حفل صدورِ كتاب امرأتُنا في الشريعة والمجتمع في الكازينو البلدي بحديقة البلفدير سنة 1930، ثمَّ وفاةُ صاحب الكتابِ في السابع من ديسمبر سنة 1935. فتعزّزُهما بوتديْن دراميَّين متخيّليْن يرافقُ كلُّ واحدٍ منهما وتدًا تاريخيّا في الزّمن. فالأوّلُ زواجُ زبيدة بنتُ آلِ الرّصّاعِ بمحسنِ بن آل النّيفر. والثّاني هو النّازلةُ الّتي حدثت في دار "الأكابر" إثر وفاة الحدّاد. وهي مرافقةٌ لها دلالاتُها بدون شكٍّ. فقد قابلت زبيدةُ قرارَ أبيها المتعلّم "الحداثيِّ" بتزويجِها من رجلٍ لا تعرفُه، بصمتِ المغدورِ. إنّه ذاتُ الغدر الّذي تعرّضت لهُ "امرأة الحدّادِ" في حادثةِ الكازينو من قبل رجال الحزب الدستوريِّ ومثقّفي البلادِ المضطلعين بمهمّة تنوير التّونسيّين وقيادتِهم في حربِ التّحرير والاستقلالِ. ومع موتِ الحدّادِ منفيّا ومعزولا ومكفَّرًا، قُضيَ على "امرأتِه" أن تُوصَمَ وتُشلَّ وتُعزَلَ هي الأخرى، وتتعرَّض لذات المظلمةِ من ذات الطبقةِ تقريبا.
هكذا، فقد سارتْ روايةُ نازلة دار الأكابر في توازٍ خفيٍّ مع علاقةِ الطّاهر الحدّاد المحتدَّةِ مع النُّخبة التّونسيّةِ. إذ تمَّ تمثيلُها عبر عائلتَيْنِ بَلْدِيَّتَيْن متبايِنَتيْنِ بل مُتكامِلتَيْنِ. فأمّا عائلةُ آل النّيفر فتمثّلُ الأرستقراطيّةَ الدِّينيَّةَ المحافظةَ (قاضي الإسلام عثمان النِّيفر)، وأمّا عائلةُ آل الرّصّاع فتمثّلُ أرستقراطيّةَ المخزن أو رجال الدولةِ البَيْلَكِيَّةِ (الموظَّف الكبيرُ عليّ الرّصّاع وصهره الوزير الأكبر محمد الطيب الجلولي) ونسبت إليها قِيم الحداثَة والانفتاح بما أنّ أغلب المصلحين الّذين دفعوا إلى ذلك قبيل الاحتلالِ كانوا من هذه الفئة (الجنرال حسين، خير الدين، الخ).
لم تكن أميرة غنيم إذا تبحث من خلالِ العائلتَيْن عن الاكتفاءِ بنقل تفاصيلِ الحياةِ الارستقراطيّة البَلْدِيَّةِ، وإنّما سعت إلى تفكيكِ بِنيَتِها الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ. كان من المُدهشِ أن تكشف الكاتبةُ عن تقاربِ هذيْن الشقّيْن رغم تنافُرِهما الظَّاهر. فهاهو عليّ الرّصّاع على ما كان يُبديه من تحرّر واندفاع نحو قِيمِ الحداثةِ والعقلانيّةِ، لم يكن قادرا على التَّملُّصِ من عنصريّتِه الاجتماعيّةِ، وهاهو في عدائِه الجِهويّ والاجتماعيِّ يُنشدُ السّندَ والحلَّ عند من يبدو نقيضَه، عثمان النّيفر المحافظ "الرّجعيَّ". وهاهي زُبيدةُ على ما تُبديه من تعلّقٍ بصفيّتِها "لويزة" ورفضٍ لمعاملتِها معاملةً دونيّةً، تعودُ في أوّل تشنّج يخرجُ بها عن طورِها لتصِمَ خدّوج الخادمة السّوداء بكلِّ ما يمكن أن تصمَ بِه امرأةٌ بَلْدِيّةٌ امرأةً سوداءَ فقيرةً.
صحيحٌ أنّنا إزاءَ رُؤيتيْنِ مختلفتيْنِ للعالمِ، رؤيةٌ كلاسيكيّةٌ محافظةٌ وأخرى حداثيّةٌ متحرّرةٌ، لكنّهما في النّهاية رؤيتان متكاملتانِ، تؤلّفان في جدليّتِهما غلافا اديولوجيّا مزركشا لطبقة اجتماعيّةٍ واحدةٍ ذهبَ الحدّادُ ضحيّتَها.
إنّ مشروعَ الطّاهر الحدّاد على ما أبداهُ عليّ الرصّاع ومحسن النّيفر من حماسٍ تجاهه، هو مشروعٌ مغايرٌ لرؤيتِهما، هو مشروعٌ أكثر اتّصالا بمحمّد عليّ الحامّي (الثوريِّ) وعبد العزيز الثعالبي (الإصلاحيِّ المحافظ) على السواءِ (وهي قراءةٌ أختلفُ فيها مع الكاتبةِ فلئن كان الطّاهر الحداد تلميذ الثعالبي، فإنّ الثاني ربّما لم يكن موقفه ليختلف كثيرا مع من خلفوه في الحزب الدستوريِّ وله مواقفُ طبقيّةٌ موثّقة).
تنتصرُ أميرة غنيم لرؤية الطاهر الحداد، رؤية التحرّر الحقيقيِّ العابر للطبقات، رابطةً بينها وبين الرؤيةِ البورڤيبيّةِ الّتي تبنّتها منذ بداية الاستقلالِ. فالخصمُ واحدٌ لكليهما: نخبة الزيتونة، ونخبة الحزب الدستوريّ القديمِ. فهل كانت الرؤيةُ البورڤيبيّةُ امتدادا حقيقيّا لمشروع الطاهر الحداد؟ وهل كان المدُّ التحريريُّ الّذي أراده الزعيمُ التّونسيُّ، عابرا للطبقات والجهاتِ؟ لا أتّفق مع المؤلّفةِ في ذلك ـ وإن لم تذكر ذلك صراحةً. وعلى كلِّ حالٍ فليس في ذلك ما يعيبُ الرّواية في فنّها.
كتبت أميرة غنيم نازلة دار الأكابر بأسلوب جديدٍ على المدوّنة التّونسيّةِ ومألوفٍ في المدوّنة العربية، فنحن نجده عند جبرا إبراهيم جبرا في رائعته "البحث عن وليد مسعود"، وفي "افراح القبّة" لنجيب محفوظ، وكثيرا ما استخدمه أحمد خالد توفيق في رواياتِه القصيرة. فتنقلُ كلَّ فصلٍ على لسانِ إحدى الشخصيات، تخاطبُ بهِ شخصيّة أخرى أو تناجي به وليّا صالحا كما في فصل فوزيّة. وعلى عكس ما تتميّز به حكاياتُ أحمد خالد توفيق مثلا من حِرفيّةٍ في انتقاء الشخصيّة صاحبةِ الخطابِ وانسجامِها مع نمطِ الخطابِ والمخاطَبِ وطبيعةِ الخطابِ، لا تكادُ كاتبتُنا التّونسيّةُ تُلقي بالا لكلِّ هذا، فكثيرا ما لا نعلمُ محمل الخطابِ هل هو مكتوب أم شفويٌّ، مسجَّلٌ أم مباشرٌ، وكيف انتقل إلى هندٍ حديثُ فوزيّة الأميّة الّتي ناجت سيدي محرز في ليلةٍ مخيفةٍ. كما لم تنشغل كثيرا بمقام الخطابِ، فاختيارُ المخاطَبِ يبدو عشوائيّا، اللهمّ إن تجاوزني منطقُ اختيارِه. وكأنّ ذلك تسبّب في فتور في انسجامِه. فهلاّ رأيتَ كيف يُسرُّ العجوزُ امحمّد النّيفر المحافظُ لابن أخيه، الشخص الوحيد الّذي يُبدي له شيئا من التّقدير، بكلِّ يسرٍ وسلاسةٍ قصصا يراها تُشينُه فدأب على إخفائها؟ وحتى إن لم يرَها كذلك، ففيها الكثيرُ من الحميميِّ الّذي يجد المتحرّرُ صعوبة في حكايتِها لابنه، فما بالكَ بالمتزمّتِ؟
على أنّ الروائيّة سعت في أسلوبِها السّرديِّ أن تحترمَ منظورَ الشخصيّةِ المخاطِبة على الأقلَّ، بل كان ذلك دافعا رئيسيّا لاختيار هذا الشّكل السرّديِّ. فنتجت عنه فسيفساءٌ سرديّة بديعةٌ متشابكةٌ ثريّةُ الألوانِ، كثيرة التفاصيلِ، متنوّعة الآراءِ، تنقلُ الحقيقةَ في اختلافِ أوجهها ونسبيّتِها. يكتب التاريخَ عادةً المنتصرون، وتستثني روايةُ نازلة دار الأكابر نفسها من القاعدةِ، فتعطي صوتا للجميع تقريبا، ابتداء بأصحاب الأصوات الضخمة من رجالٍ مثقفين (محسن، المهدي، عثمان، عليّ)، إلى بناتِ الطبقة الارستقراطية (بشيرة، جنينة، فوزية ربما) انتهاء ببناتِ الطبقة الدنيا (لويزة وخدّوج). وذهب شكري المبخوت في تقديمِه إلى أنّ التاريخ في النّازلة، تحفظه النساء. وهذا ليس صحيحا، فمن بين الناقلين الإحدى عشر للأحداث، نجدُ خمسة رجال. وإذا ما اسثنينا هندا وهي النّاقلةُ الّتي لا دخل لها في الأحداث بأيِّ شكلٍ، فسنجد مساواةً تامّة بين الجنسيْنِ. بل إنّنا لو تمعّنّا في متحوى خطابِ كلِّ شخصيّةٍ، سنكتشفُ أنّ أبرز الأحداثِ نُقلتْ عبر الشخصيات الرجاليّةِ. استثنت الكاتبةُ مهدي الرصاع وامحمّد النيفر من سرد بعض أحداث الليلةِ، وكذلك فوزية وخدّوج. نقلت لويزة إلينا بداية الحادثة، ونقلت جنينة جزءا هامّا من خصام محسن وأخيه، ولم تنقل لنا بشيرة أكثر ممّا حدث بينها وبين جنينة بكثير. في الأثناء، يصف عليّ وعثمان حادثة لقائهما في تلك الليلة، ويسرد عثمان جزءا مهمّا متعلّقا بقتال زبيدة وامحمّد النيفر. أما محسن، فنجد عنده أهم أجزاء السرديّة، فنعلم ما آلت إليه الليلةُ، ونعلم نتائجها على زبيدة، بل نعلم أيضا نصّ الرسالة الّتي فجّرت كلَّ ذلك...
وأكثر ما يلاحظ في اختيار الشخصيّات الرّاويةِ، أنّه لم يمنح صوتًا للحدّاد نفسِه ولا لامرأتِه. وهو خيار متعمّدٌ لسببيْن، أوّلهما أنّ الصّوتيْن سيحجبان بلا شكّ بقيّة الأصواتِ في ما يخصّ الواقعة. فإذا علمها المرءُ من مصدرها، لم يعد بحاجة إلى سماعها من غيره. أما الثانية، فهي الإلحاح على الفصل بين التاريخيِّ (الطاهر الحداد شخصيّة تاريخيّة واقعية) والمتخيّل (بقية الشخصيات الفاعلة). ليس الطاهر الحداد شخصيّة رئيسيّةً في الرواية، ولكنّه محورُها أي موضوعُها، وبالتالي فمن الأفضل أن يتمّ الحديثُ عنه كموضوع لا كشخصيّةٍ. سنرى مواقف الشخصيات منه، ونراها تقريبا أمامَ أفعاله التاريخيّة الموثقة، شاهدةً أكثر منها مشاركةً (حفل الكازينو، موقفه من الحزب القديم، الخ). هذا أسلوب مألوف في الكتابةِ، يمكن أن نجده في روايات شهيرةٍ وفي أعمال دراميّة أخرى (غاتسبي العظيم، المواطن كين، الخ). ولقد أرادت أميرة غنيم لشخصيّتها المتخيّلَة الرئيسية زبيدة أن تكون محورا وموضوعا ربّما أكثر أهمّيّة من الطاهر الحداد نفسه. تمثّل زبيدة امرأة الحدّاد، مشروعه الّذي نحته. كيف لا وقد كانت تلميذته؟ ليس موضوع الروايةِ الطاهر الحداد، وإنما امرأة الحدّاد. أما النازلة، فكانت رفض هذه المرأة ووصمها بالعارِ.
اِعتنت الكاتبةُ كثيرا بتباين شخصيّاتها لما لكلٍّ منهم من دلالةٍ، ولكنّها لم تنجح في إسقاط ذلك على مستوى الأسلوب. لا شكّ أننا نجدُ في الخطابِ النّسائيِّ حضورا أكبر للبيتِ وللفولكلورِ وللعناصر الماديّةِ (الأكل، النظافة) مع بعض المقاطع الفكريّة ذات الطابع التعليميِّ (لويزة وفوزية وخدّوج يتلقّين معارف مختلفة أو يكتشفن أفكارا جديدة، وكذلك الشأن مع جنينة في حديثها عن المرسح) أمّا الخطاب الرجاليُّ فتغلب عليه الأفكارُ السياسيّةُ والاديولوجيّةُ. في حين يشملُ الخطابُ العاطفيُّ الجميع على السواءِ. لكنّ كلّ هذا الاختلافَ يُحمَلُ على أسلوب لُغويٍّ واحدٍ لا يتغيّرُ، فلا نكاد نجدُ فروقا كبيرة في الخطابِ بين قاضي الإسلام عثمان النّيفر، وخدّوج الخادمةِ الأُمّيّةِ. ولا يملك أحدهما تشبيهاتِه الخاصّةِ ولا مرجعيّاتِه الّتي تميّزُه. ولئن حاولت أميرة غنيم أن تُثبِّتَ ذلك، في بداية نصوصها إلاّ أنها ارتكست سريعا.
لا اختلاف في جمالية لغةِ نازلة دار الأكابر، ولكنّه جمالٌ رتيبٌ لا يحيدُ عن نفسِه، لا متى اختلفت الشخصيات، بل متى اختلفت طبيعةُ الخطابِ أيضا. فلحظات التوتّر كلحظات الدّعةِ، ولحظاتُ الاكتشافِ كلحظات التأمّلِ تقريبا. وما ينوّه به في لغةِ النصّ، سلاستُه وسلامتُه وفصاحتُه المُبينةُ.
أمّا على مستوى القصِّ، فقد عبّر اختيارُ نمط السّرد عن تمكّن كبيرٍ افضى إلى بناءٍ قصصيٍّ شديد التماسك والانسجامِ رغم تفرّعه إلى قصص جانبيّةٍ كثيرةٍ، وإلى تشظّ على مستوى زمن السّرد عبر نحو أكثر من نصف قرن (بين 1949 و2013) بدون أيّ ترتيب. نلحظ بسبب ذلك بعض فتورٍ في السيناريو لا مناص من ذكرِه لقيمته. فقد تردّت علاقةُ محسن وزبيدة بُعيدَ الحادثةِ، وعرفنا ذلك منذ البداية تقريبا. لكنّنا لم نعرف عن شلل زبيدة إلا في منتصف النصّ، (بل الأقرب في نهايته). ورغم أهميّة الحادثة، فلم تبدُر أيّة إشارةٍ إلى إمكانيّةِ تأثيرها على العلاقةِ بينهما. وإن كان يمكنُ تفسير ذلك بالنّسبة إلى محسن الرّاوي، على أنّه يملك سببا آخر لاعتزال زوجته، فلا يمكن أن نفسّر جنوح زبيدة إلى تفسيره بانصراف الرّجلِ إلى خدّوج، ولم يدر بخُلدِها مثلا أنّ الأمر عائدٌ إلى شللِها. لقد بدا شللُ زُبيدة طارئا على النّصّ ليس أصيلا فيه، لم يُقرأ له حساب في البدايةِ، فخلت الإشارةُ إليه وجنينة تروي لنا تفاصيل زيارتهم إلى دار الرّصاع سنة 1949، فكانت زبيدة تسلم على أمّها قبل أن تهرع إلى أبيها رفقة محسن وأمّيْهما، كأنّ ليس بها علّةً أو مرضا. ولم يهتمَّ أحدٌ من عائلتِها بشللها هذا حتّى إنّهم لم يزوروها وواصلوا مقاطعتها طوال السنين الثلاثة عشر. أمّا زبيدة، فيبدو أنّ الشلل لم يُثنها عن إعدادِ نفسها لزوجها وإغرائه باللبس والحرقوس والشموع، وقد تكون لويزة مساعدتها في ذلك، ولكنّ من الغريب أن تُشرك زبيدة صديقتَها في هذه المسألة الحميميّة لرِفعة النّفس والكتمان الّتي تميّز شخصيّتها. بل من الغريب أن لا تشعر منذ شللها بالعجز والحاجة إلى العزلة وربما عقدة الذنب إزاء فكرة كونها لم تعد امرأة مكتملة الصحّة ممّا يغري الرّجالَ… وحتى امحمّد النيفر الّذي تحدّث قبل فوزيّة أي قبل الكشف عن شلل زبيدة، فلم يبادر إلى تبرئة نفسِه أمام ابن أخيه وابن زبيدة من تهمةِ إيذائها. ممّا يعزّز نظريّة إضافتِها في ما بعدُ للنصّ. ربّما لدلالةٍ ما على وضعيّة المرأة التونسيّةِ الّتي مع إيذاء الحداد وبتر مشروعِه، ورغم انتصار بورڤيبة له، ظلّت مُقعدةً لا تطالُ كلَّ حقوقِها. وربما لدلالة أخرى لم ترد ببالي، على أنّها في كلّ حالٍ وردت في النص مهلهلةً فأقضّت تمساكه وانسجامه.
روايةُ نازلة دار الأكابر، عملٌ ضخمٌ جادٌّ ومسلٍّ يذهب بالقارئ إلى ثلاثينات القرن الماضي في تونس، فيجيد الرّحلةَ، ويعود به بتساؤلات متنوّعة. ويربط بشكل ذكيٍّ بين قضيّة المساواة وقضيّة الطبقيّةِ الاجتماعيّةِ. إنّه خطوة مهمّة للأدب في تونس، ينبغي أن تُدعمَ حتّى يرتفع المستوى الأدنى المقبول، وتقاطَع النّصوصُ الّتي لا ينحتُها أصحابُها بمثل هذه الجدّيّة والتفاني.
Sunday, November 17, 2019
عن الذي ينقص
تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، وتململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، وراح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية ورطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.
Wednesday, June 10, 2015
وينو البترول؟
أجابه الطفل و هو يستعدّ للهرب : قالوا لي غدوة ما تجيبش دينار، ما تجي كان ببوك!
Friday, March 20, 2015
ولد الدولة
كنّا في محلّ العمّ "ساسي حلاّق الأحباب" حينما دخل علينا خليفة بن عمر ممتقع الوجه، زائغ العينينِ
و هتف : الرئيس قادم! الرئيس قادم لزيارتنا! سأله العمّ نور الدين في دهشة حقيقية : رئيس البلدية؟ فصاح فيه : بلدية ماذا أيها الأبله؟! رئيس الجمهورية قادم إلى المدينة!
و بعد أن جلس و استغفر و شرب من الماء ما يعيل جملا، تنهّد و قال : دعاني سي الهاشمي مدير مأوى العُجَّز إلى مكتبه، و كنتُ أعلمُ أنّه كان في اجتماع بدار الولاية، قصّ عليّ خبر الاجتماع فقال : ذهبتُ إلى الولاية، فلقيتُ محفلا لم ألق مثله قطّ، و شعرتُ برهبة لم أشعر بمثلها منذ امتحان الباكالوريا. غرق بيَ المقعد بين ممثّل ثكنة الجيش بالمدينة، و رئيس منطقة الأمن بها. دعانا الوالي للترحيب بالسيد وزير الشؤون الاجتماعية. تخيّل يا خليفة! كنت أمام السيد الوزير شخصيا، أنت لا تفهم هذه الأمور، فلست ولد الدولة مثلي، لم أشعر إلا و أنا أهرع إليه مسلّما و مرحّبا، قدّمتُ له نفسي، و لولا أن حدجني السيد الوالي بنظرة صارمة، لشرحتُ له كم إنّ وجوده مهمٌّ و مفيدٌ لنا في هذا الوقت العصيب، لكنّني قررتُ أن أرجئَ الأمر إلى ما بعد الاجتماع.
قال لنا السيد الوالي : سيادةُ الرئيسِ قادمٌ إلى مدينتكم في زيارة فجئيّة لدار المسنين، و علينا أن نعدَّ لهذه الزيارة جيّدا. لقد اقترحتُ على سيادته أن يزور مستشفى بمركز الولاية، حتّى لا يشقّ عليه الذهاب إلى مدينتكم الصغيرة، لكنّه أصرَّ أن يزوركم حتّى يؤكد أنَّه ابن الشعب كلّه و أن لا فرق بين هذه المدينة و تلك. المهمُّ أن مهمتنا ستكون أكثر عسرا، فمدينتكم تعاني من نقائص كثيرة، و يجب تلافيها في أيام خمسة تقريبا.
و سأل رئيس الشعبة وسط المدينة في بلادة : و هل تندرجُ الزيارة في إطار حملة سيادته الانتخابية؟
فنظر إليه مدير المستشفى الجهويّ شزرا و كان عضوا في التنسيقيّة الجهوية للحزب : سيادته لا يحتاجُ إلى حملة انتخابية أصلا، فليس له منافسون!
و تدخّل غريمُه المندوبُ الجهويُّ لوزارة الصحة : المنافسون الحقيقيّون هم وسائل الإعلام الأجنبية الحاقدة على نجاحات بلادنا، و يجب إسكاتهم.
و قبل أن يتدخّل كان الوالي يهتف في صرامة : رجاءً يا سادة! كفّوا عن الحديث في السياسة فأنتم في دار الولاية!
ثمّ إنّه قسّم المهامَّ بين الحضور كلٌّ بحسب خطّته، و كان عليّ التكفُّل بتأهيل الدار لتليق بزيارة سيادته.
فما إن أنهى "الهاشميُّ" حديثه حتى سألتُه في جزع : و هل طلبتَ مالا لصيانة المكان و تجهيزه؟ فأجابني في جزع مماثل : و كيف تريدني أن أطلبَ و الوزير هناك؟ لقد أخرج تقريرا عن ميزانيتنا، و قال إنّه على ثقة من حسن تصرّف "ولد الدولة" في المال العموميِّ، فأخرسني تماما!
و ساد صمتٌ ثقيلٌ جثم على قلبينا، قلتُ له في توتّر : لا يمكنني أن أعيدَ المال الذي استعرته من خزانة الدار الآن، لقد اشتريتُ موادّ البناء بالفعل، و ابني على أبواب الزواج. لكنّ الهاشميّ قال و قد حسم أمره : أمّا أنا، فسأتدبّر المبلغ كيفما اتّفق، و ما عليك كرجل دولة إلاّ أن تجلب ما أخذتَ، و أنا واثق أنك لن تُعدم الوسيلة. أنتَ تعلم ما أنا قادر على فعله! فلا رفقة و لا ندامة في المسائل الرسمية!
و ابتلع خليفة بن عمر ريقه، و قال لنا : لم يبق لنا وقت كثير على الزيارة، و أنا على يقين من تضامنكم و تفهمكم. و أعدكم، أنا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، أن أسدّد ديونكم حالما نستلم أموال الميزانية القادمة!
خبر.
حدّثني الأسعدُ عضوُ وحدات التدخل عن تلك الأيام فقال : اِنتشر خبر الزيارة الرئاسية بين الناس بفضل السوق الأسبوعية، و كنّا لا نزال نتباحث الخطّة الأمنية. و مع ذلك، فلقد كان تحرُّكنا ناجعا و محكما. لم تغرب شمس يوم الأحد حتى انتشرت فرقنا بين الأحياء الساخنة، و أخرجنا منها من أخرجنا من الصعاليك، و تجّار الحشيش و الخمر و اللصوص و الجائرين. كانت التعليمات تشدّد على تنظيف المدينة تماما، تحسّبا من أيّ انفلات أمنيّ ممكن أو غير ممكن. حتّى ذلك الفتى الهائج ولد الحمداوي، لم يفلت من قبضتنا الحديديّة. كيف عثرنا عليهم؟ هذه بسيطة، فنحن نتعامل مع أكثرهم بالفعل، نسكت عن بعض تجارتهم، و بعض أعواننا مورّطون معهم، و هذه الورطات ضرورية لمثل هذه المواقف. إن علاقة البوليس ببؤر الفسادِ معقدة و لا نكادُ نحن نفهمها، فما بالك بالمواطن البسيط؟ لم نكن نريد الزجّ بهم في قضايا حقيقيّة، فسجن هؤلاء مرّة واحدة قد يخلّ بالنظام، و يخلق لنا مشاكل لا نرغب فيها، كما أنه لن يوقف الإجرامَ، بل سيمنح الفرصة لظهور مجرمين جدد لا أكثر.
تمكّنت الحملة من إيقاف أكثر من مائتي شخص، تفرّقوا بين مراكز الإيقاف في الولاية، بتهم وهمية، و أوصينا بإخلاء سبلهم في نهاية الأسبوع، أي بعد الزيارة التاريخية. كنّا نعتبر نجاحنا سابقة تاريخية لافتة للنظر، لكنّ رئيس منطقة الأمن لم يكن راضيا، أمرنا بإجراء حملات أمنية على المقاهي و اعتقال العاطلين الهاربين من الخدمة الوطنية. فهؤلاء القومُ يحبّون استغلال هذه المناسبات لإحداث الشغبِ و إيهام أعداء الوطنِ بأزمة تشغيل لا وجودَ لها.
كان رئيس المنطقة ذا رأي سديد و حكمة لا تنفكُّ تعلّمنا الكثير. جرت الحملة الثانية كما ينبغي أن تجريَ، و داهمنا المقاهي و جلسات الخمر الجبليّة، و جلسات أخرى لا داعيَ لذكرها، و في ختام الحملة، دعانا رئيس المنطقة إلى إكمال المهمّة التاريخيّة و تنظيف الشوارع من المجانين، و السكارى، و أولاد الشوارع، و المتسوّلين، مخافة أن يظهر أحدهم في طريق سيادته، أو يمرّ من هناك عاريا، فهم كما تعرف، ممّن لا يؤمن جانبه. كما أوكل إلينا مساعدة أعوان البلدية، في القضاء على الكلاب السائبة. هكذا قبل يومين من الزيارة، صارت المدينة ليلا خلاءً مطبقا كأنّ مقبرة النصارى القابعة عند تخومها، قد امتدّت على كامل شوارعها.
خبر.
كنّا جالسين في مقهى التعارف وسط المدينة، فرأينا "سالم الشلغومي" عضو المجلس البلديِّ مارّا فدعوناه للجلوس، و سألناه عن سرِّ ما يحدثُ في المدينةِ. ارتشف من قهوة أحدنا، و أشعل سيجارة و قال مبتسما : الرئيس قادمٌ، و وجه المدينةِ هو وجهُنا نحنُ، بل رقبتنا. لم يكن بإمكاننا إعدادُ المدينة كلِّها في هذا الوقت الوجيزِ، و نحنُ كأبناء للدَّولة تعلّمنا دائما أن نتصرَّف وفق ماهو متاحٌ. قرّرنا أن نركّز عملنا على مدخل المدينة، و المسار الذي قد تمرُّ به القافلة الرئاسية، وسط المدينة، و عند شارع المستشفى حيث توجد دار المسنّين. كانت أموال البلدية كلّها مقسمة في شكل اعتمادات لمشاريع تنتظرُ دورها، تعبيد مسالك ترابية، إنارة أجزاء من أحياء في المدينة، إيصال الماء لبعض الضواحي الريفيّة، مساعدات لبعض المدارس و الجمعيات الرياضية، تظاهرات ثقافية و أنشطة للأطفال متنوعة.. كما تلاحظون أغلب هذه المسائل ثانوية و لا لزوم لها، لذلك ارتأينا أن نسحب التمويلات من هذه المشاريع، و نشرع فورا في إعادة تعبيد الطريق بين مدخل المدينة و المستشفى، الطريق جيّدة بالفعل، لكنّنا خشينا أن تخضَّ الرئيسَ و هو في السيارة، فيظنَّ بنا الظنونَ. لم ننسَ جوانب الطريق، فزرعنا المشاتل، و أزلنا الأوساخ، و أعدنا صنع تلك العلامة المضيئة المهشّمة المرحّبة بالقادمين. لقد تغيّر وجه المدينة بالكامل مع حملة النظافة المكثفة لوسط المدينة، و تعليق اللافتات المبتهجة المرحّبة. تكفّلت الشُّعَبُ الحزبية بصياغة اللافتات و تعليقها، مع أشرطة الأعلام الصغيرة، و صور الرئيس، و أشرف رئيس الشُّعبة نفسه على التجوّل وسط المدينة بالعربة ذات البوق، و هو يخطبُ و يحثُّ الناس على إنجاح الحدث العظيم. ألم يمرَّ من هنا؟ أومأنا إيجابا فواصل قائلا : لقد اكتشفتُ خلال الحملة، أنّ المدينة تؤثر على أهلها بقدر ما يؤثّرون عليها. لقد شهدتُ تغيّرا في قسمات الناس و نبراتهم، كأنّهم هم الذين تزيّنوا، و تطهّروا و لبسوا الزهورَ و الأعلام. و رغم الحملات الأمنية المكثفة، فلم نرَ من الناس إلا الحماس و الاستبشار و استعدادهم لتجاوز بعض الحوادث العرَضيّة المؤسفة. سألناه : و هل حدثت أمور مؤسفة؟ فأجاب و هو يدعس ما تبقى من السيجارة على المنفضة : الناسُ تستيقظ صباحا، تعيشُ النهارَ و من أجل ذلك النهارَ، نرتّب كلَّ سوءٍ نضطرُّ إليه ليلا. علّمتنا الدّولة أن لا نُقحمَ الشعبَ في عملنا، فلا يرى منه إلا النتيجة الرّائعة المتقنة. و ها أنتم أولاء ستلحظون اختفاء الكلابِ السّائبة تماما من الشوارع، فلا خوفَ و لا ترويعَ. بالأمس كان أعوان الفرق البلدية مع بعض الأمنيين يمشّطون طريق الجبل بالقرب من المستشفى، لقنص الكلاب السائبة. كان ذلك السكّير "عمر الزرقة" مارّا بكلبته الشهيرة التي يصرّ على تسميتها "الأسعد"، فأثار مشهده انتباه الفرقتين، فالبوليس مهتمّ أيضا بإيقاف المتسكعين من أمثاله. أطلقوا النارَ فأصابوا الرجلَ، لكنّ الكلبة ظلت هناك حتّى ألحقوها بصاحبها. سجّلت الجريمة ضدَّ مجهولٍ فلحسن الحظِّ ليس للرجل أهلٌ، و ذهابه خطأ لا يجب أن يتحمل وزره رجلٌ معيلٌ.
و سكتَ سالمٌ ثمَّ قالَ : لقد كان الأطفال يهابونَ الرجلَ و هيئته المريبة، و لن يحسَّ أحدٌ برحيله. لكنّ الجميعَ يحسُّ أنَّ فرحة المدينة هذه المرة ليست عَرَضيّةً، إنه الخلاصُ!
خبر.
لم يكن العمُّ حمد بائع العطورِ يشاركُ الناسَ حماسَهم بما يحدث، قال لي و هو يلقي بصحيفة اليوم في امتعاضِ : هذه مسرحيّة مضحكةٌ. لا أحدَ يتحدّثُ عن الزيارة في الصحف، كأنها حقا زيارة فجئية، ثمّ يبثّون في شريط الأخبار مشاهد المواطنين الهاتفين بحياته، و الحواجز الأمنية كأنّما أعدَّ كلُّ شيء ارتجالا. هذه مسخرة وطنية. و هذا الشعب الذي بلغ درجات من الوعي يصدّق أن الرجلَ قادمٌ و بيده مفاتيح الجنة؟ يظنّون أنه قادم و في يده عصا السلطة السحرية التي تصنعُ العجبَ العجاب. كيف لا و هو أرفع شيء ممكن في الدولة؟ سوف يأمر و ينهى، سوف تنبتُ المصانعُ في كلّ شبر فارغ يعترضُ طريقه، و سوف يخلع كلُّ ضرس فاسدٍ في إدارة لا تقوم بعملها، و سوفَ تنهال أموالُ المساعداتِ بجرّة قلم مباركة. هراءٌ! مسرحيّة لا يصدّقها إلا هذا الشعبُ الأحمقُ. اُنظر إليهم يتوافدون كالجوعى على الكتبة العموميّين، نساء و عجائز، و حتّى بعض الشباب الذين لم يتعلّموا من المدرسة غير التهكّم على المعلّمين، كلّ منهم يعدُّ شكايته، و يجهّز مظروفه الذي سيدسّه في اليد الرئاسية المباركة. نحن في مدينة تفتقر إلى الشعور بالانتماء، و إلا لكنّا حللنا مشاكلنا لوحدنا من دون الحاجة إلى الأب الحنون المنقذ. و كأني بالمدينة تجمع فوضوي ضخم و عارض، لا أحدٌ ينظر إلى الآخر، و لا أحدٌ يهتم بما حوله، الكل يتطلع إلى الشاحنة القادمة بالمعونة، أو إلى الزورق الذي سيعيدُه إلى وطنه الحقيقيِّ... نحنُ لسنا شعبا، بل تكدّس ضخم للاجئين!
أزعجتني كلماته، لكنّني تذكرتُها حين مررتُ ليلة الزيارة بطريق المستشفى. كانت الطريق مغلقة على المارّة، تذكّرتُ سالم الدريدي إذ قال : لن نتركَ شيئا للصدفة، سنغلق الطريق ليلة الزيارة حتى نحتفظ بنظافتها، علّقنا حاويات القمامة طبعا، و سنزيلها فيما بعدُ لنستعملها في مناسبات قادمة. لقد علّمتنا التجاربُ أنَّ الاحتفاظَ بها عندنا أفضل من تركها للتلف بيد الشباب أو للسرقة بيد المتاجرين بأي شيء. أمّا زوار المستشفى، فيمكن أن ينتظروا لليلة على الأقلّ. لقد كنّا متفهّمين و سمحنا للحالات العاجلة بالمرور. نحنُ أبناء الدولة، خير من يقدّر الأمور حقَّ قدرها!
خبر.
حدّثني فاروق ابن حيّ النّجاح قال : كنتُ فتى آنذاك فتى صغيرا أدرسُ بمعهد قريبٍ من المستشفى. جاءنا المديرُ و قال لا دروس اليومَ، فمن شاء أن يرجعَ إلى بيته فليفعل، و من شاء رؤية الرئيس فسننظّم مسيرة إلى هناك. لكنّه أكمل بقية كلامه للريح، فقد كنتُ و باقي الفتية قد غادرنا بالفعل إلى طريق المستشفى، ظننّا أنّا سنسبقُ الجميعَ، فإذا بخلق الله كلّهم هناك، و كانوا في أغلبهم من النساءِ و العجائزِ و أبناءِ الحزبِ و المناضلين القدامى، فهمتُ لماذا لم يدعُ المعتمدُ المصانع أن تخليَ سبيل العاملين، فالمكانُ لا يتّسعُ.
كانت الأسئلة كثيرةً تملأ رؤوسنا جميعا. حاول بعضنا الاحتفاظ بها لنفسه و أطلقها الآخرون في شكل إشاعات أو نكاتٍ حتّى لا يتركَ نفسه مدعاة للتندّر. سمعتُ أحدهم يقول : سمعتُ أنه سيمرّ في سيارة مصفّحة. و هتف آخر : بل سيمرّ من فوقنا بالمروحيّة. و اندفعت أخرى تقول في ثقة : أنتم لا تفهمون كيف يفعلُ الرؤساءُ. إنّ له شبيها سيبعثه مكانه، ألم تسمعوا عن الخمسين شبيها لصدام حسين؟ فأجابها أحدهم ساخرا : لا أعرف إلا أربعين فحسب.
و غرق الناسُ في نظريّات لا أوّل لها و لا آخر، حينما اندفعت فجأة في المكانِ سيارات سوداءُ رباعية الدفعِ، و خرج منها رجال كالشياطين حبسوا الأنفاس بأزيائهم السوداء المرعبة، و أسلحتهم الضخمة. أمسك كلٌّ صاحبه، و قرأ بعضهم المعوّذتين، و سرت في النفوس رهبة، و تهامس البعض بالإسم الرهيب "النمور السوداء!" و تأكد أنّ الرئيس على بعدِ أمتار. لا نعرفُ كيف ذاب هؤلاء القوم، و لا من أين نبتوا، لكنّ الأعناق اشرأبّت إلى ما وراءَ سياراتهم، التي واصلت طريقها. تعالى وقع موسيقى نحاسيّة، و ظهر في الطريق مصوّرون، و فرقة "الماجورات" بالمدينة، بأزيائها البيضاء و الحمراءِ، فامتصّت رجفة الخوف و أعادت الناس إلى الطابع الاحتفاليّ للموقف، فتعالت الزغاريد من كلّ مكان، و سرت عدوى الهتاف في قلوب الناس، فانهالوا على الحواجز ينشدون رؤية رئيس الدولة، و اختلط الهتاف بحياته، بصراخ من اختنق من الدفع و الحشر بحياته هو. لقد انقلب المكان في لحظة إلى مهرجان هستيريّ يسيل لعاب أيّ طبيب نفسانيّ. كنتُ أجاهدُ لأتنفّس و أتطلّعَ إلى ذلك الرجل الذي طالما رأيتُه في التلفازِ. كان قصيرا، يتطاير شعره بفعل الريح، فيعيد ترتيبه بأصابعه المشعرة، ثمّ يؤدّي بيده تلك الحركة المسرحية الشهيرة (أعصركم بيديَّ هكذا، و أضعكم في جيبي هذا) و لا ينفكّ يردّدها بشكل مرَضيّ.
رأيتُ رجلا في الجهة المقابلة يكادُ يغمى عليه من الهتافِ. أليس هذا العمّ حمد بائع العطور؟ كان الرئيسُ يقتربُ من موضعه، و الأمنُ يحاول أن يحول بينه و بين المواطنين. فجأة، قبضت يد العم حمد على اليد الرئاسيّة، فلم يجد "ابنُ الشعبِ" بدّا من أن يصافحه، و يأخذَ عنه المظروف الذي قدّمه له. زادت الهستيريا، و ارتفعت الأيدي بالمظاريف، فابتسم "سيادتُه" و هو يبتعدُ عن جانب الطريق، و أشار لأحد أعوانه، فراحَ يجمع شكايات رعاياه الشاكرين.
فيما بعد حكى لنا العمُّ منصور، كيف اقتحمت قوّاتُ الأمن منزل العمّ حمد، و أخرجته وسط صراخ زوجته، و أوسعته ضربا و شتما، لأنّه عرّض خطّتهم الأمنية للفشل، و كان يمكن أن يعرّض حياة سيادته للخطر. لكن هذه تفاصيل ثانوية...
حينما اقترب الرئيسُ عن المستشفى، حاول الناس متابعته لكنّ الأمن منعهم من التقدّم، فأجبروا على المغادرة، و كنتُ من بينهم. لم أسلّم الرئيس مظروفا، و لكنّني على الأقل، فهمتُ من أين يأتي كلُّ أولئك الناسُ الذين يرحبون بالرئيس أينما حلَّ. لقد كدتُ وسط هستيريا الجماهير أن أشاركهم الهتاف!
خبر.
كنّا كعادتنا عند حلاّق الأحباب حينما دخل علينا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، و كنّا ننتظره بعدما رأينا ما رأينا من زيارة الرئيس لهم في نشرة الأخبار. طلبنا منه أن يفصّل لنا الخبر فقال : كنتُ مع المدير أمام دار المسنين، حينما طالعنا الركبُ المباركُ. كان الهاشميُّ أشبه بعريس في كسوته الجديدة و حلاقته الأنيقة، و العطر الخانق الذي يضوع منه. أسرّ إليّ أنه دهن يديه بمرهم يمنع التعرّق فهو كما قال "ابن الدولة" و يقدّر المقامات حقّ قدرها، و يقرأ حسابا لكلّ شيء. طلب منّي أن أراقب و أتعلّم، و كذلك فعلتُ.
سلّم على رئيس الدولة في حرارة، و دعاه إلى الدخول مبادرا : كما ترى يا سيادة الرئيس، فالحديقة متنفّسٌ هامٌّ لآبائنا، حاولنا أن نجعلها منشرحا للصدور. تأمّل الرئيس اللون البنفسجيّ الذي أغرق كلَّ شيء، و كاد يذهب بخضرة النبات، و لربّما لعن في سرّه ذلك اليوم المشؤوم الذي اعترف فيه بحبه لهذا اللون. أومأ برأسه موافقا في صمت، فواصلنا جولتنا، و الهاشميُّ لا يكفُّ عن الحديث و الشرح.
كنّا نتظاهر بالتجوّل عشوائيا، و لكنّ المسار كان مخطّطا له مسبّقا. دخلنا إلى المطبخ، كان كلُّ شيء يشعُّ ببريق لم تعرفه الدار منذ نشأتها. و الحقيقة أنه لولا نضب المالُ من الخزينة، لغيّر الرجلُ جليزَ القاعة. تناول الرئيسُ إحدى أواني الطبخ، رأى ملصق الثمن الذي نسي الطبّاخ اللعينُ انتزاعه، لكنّه تجاهل الأمر و قال مبتسما : ماعون نظيفٌ. ثمّ استدار إلى الطبّاخ المتأنّق و سأله : و ماذا ستطبخُ لهم اليوم سي الشاف؟ تهلّل وجهُ الفتى كأنه أدرك لتوّه أنه سيخاطبُ الرئيسَ و قال في حماس : سيدي الرئيس، اليوم سنعدُّ لآبائنا حساءً بالدجاج، و أرزا، و لن نبخل عليهم باليوغورط و الغلال. و الحقيقة أنّنا تباحثنا طويلا بشأن أكلة اليوم ممّا يجدر بالدار أن تقدّمه فيبدو مثاليا و غير مبالغ فيه. و لقد فوجئنا أن أكلة كهذه لا تكلّف الكثير..
دعانا المدير لزيارة الوحدة الطبية. فتح الباب في حماس، كانت القاعة خالية إلاّ من ممرّضة تبتسم عيناها كأنّما أدخلنا عليها عريسها. سأل الرئيسُ ساخرا : أليس عندكم مرضى هنا؟ و قبل أن تجيب الممرّضة، اندفع المدير يقول : هنا نضع الحالات الحرجة يا سيدي، لكنّنا نعتني بالجميع في عنابرهم. أنت تعرفُ كم يشقُّ على أبائنا أن يتحرّكوا. تأمّل الرّئيسُ الآلات الطبيّة المنتشرة في القاعة. "عندكم جهاز تخطيط للقلب؟ هذا جهاز يندر أن يوجد في المستشفيات." لم يخبره المديرُ أنّه استعاره من المستشفى الجهويِّ بالفعل، و أنّه كان مخبّأ لا يستعمل كي لا يصيبه العطبُ. فقط اكتفى بالابتسام في ثقة و قال : أنا ولد الدولة يا سيديّ و أعرف كيف أوفّر ما يلزم.
كرّر الرئيسُ همهمته التي قد لا تعني شيئا و قد تعني الكثيرَ. أضاف في خفوت و هو يخرج : يعطيكم الصحة. ثم سأل أن يرى بعض النزلاء.
اِقتدناه إلى عنبر الحاج الكفلي، دخل المدير عليه دون استئذان، لكنّه لحسن الحظّ كان مستعدّا مثلما اتّفقنا معه. الحاجُ الكفلي لسانٌ ساحرٌ يأخذك إلى زمن جميل غابر. لذلك وقع عليه اختيارُ المدير. وعده بعلبة سجائر يوميّة فقال له الحاج إنّه يعاني من أوجاع في العظام منذ وقت طويل، و أن لا أحد يريد أن يسمعه، فنظر الهاشميُّ في عينيه و قال له : تلك مشاكلٌ داخليّة يا حاج. نحلُّها في ما بيننا، أتفهم؟ لا داعي لإقحام الآخرين في مسائل عرضية كهذه. سنتدبّر أمر علاجك فيما بعدُ.
سأل الرئيسُ الحاجَ الكفلي : لا بأس عليك؟
فأجاب العجوز : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
بحث الرئيسُ عن شيء لم يسأل عنه. كان مصوّر الأخبار يوثّق لهذه اللحظة التاريخية التي ستحلّلها الصحف غدا في مقالات مطوّلة، لذلك بحث عن شيء عميق ذي دلالة. قال له : أتشعرُ أنّك غريب هنا؟ أتفتقدُ أهلك؟
فأجابهُ الكفلي بلسانه الساحر : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
و اندفع المدير محاولا تدارك الأمر : أنت أبوهم سيدي الرئيس، أنت أبونا جميعا.
تمتم الرجل "العفوَ العفوَ" و هو يجيل نظره في الغرفة النظيفة المؤثثة. لا بدَّ أنه لاحظ حداثة طلائها. لقد كلّفتنا تهيئة الغرفة و إزالة الرطوبة عنها، جهدا كثيرا و مالا أكثر دفعناه من جيوبنا. و صرنا ننتظر المنح القادمة بفارغ الصبر.
أخذنا الموكبُ إلى قاعة التلفاز حيث جلس بعضُ المسنين يشاهدون شيئا ما. أقبلوا على الرئيس يعانقونه، و يقبلونه، ممّا يبشّر بالمزيد من الصور التاريخية. لم يشتكِ أحد منهم من شيء كما اتّفقنا معهم. لكنّ إحدى النساء راحت تبكي متوسّلة إياه أن يزورهم كلّ يوم. قلنا له مفسرين : يحبوك سيدي الرئيس. و كان ذلك آخر ما قلناه له.
شكرنا للزيارة و حثّنا على العمل على خدمة آبائنا لأنّ هذا واجب الدولة تجاههم. و عندما غابَ ظلّه خلف الطريق الجانبيّة، سقطنا على الأرض كأنّنا أفرغنا من طاقتنا. رحنا نضحكُ كالمجانين، فشاركنا الجميع ضحكنا. لقد انتهت المهمّة بنجاح تامّ، و لم يسجّل علينا أيُّ شيء. كان الهاشميُّ متحمّسا، غرق في أحلام لا آخر لها، و قال لي إنه من غير المستبعد أن ألحق بديوان الرئاسة بعدما أظهرتُ من كفاءة. قلت له في شكّ : لكنّ الرئيس لاحظ حداثة التجهيزات و الصيانة. فضحك الهاشميُّ ساخرا و قال : لكنّ الناس في التلفاز لن يلاحظوا ذلك، ما يهمُّ الرئيسَ هو أن يثبتَ للشعب نجاح الدولة في مهامها، بثّ التفاؤل بمستقبل واعد. أنت لا تفهم في مثل هذه الأمور.
و تدهّج صوت خليفة بن عمر و هو يختتم حديثه : اليوم يا جماعة، ثبتَ لي أنني لا أفهم حقا في هذه الأمور. وردت علينا رسالة عاجلة من رئاسة الجمهورية، تعلن عن انتهاء مهامّنا. قال لنا المعتمد أنّ الرئاسة كانت غاضبة جدا، لأننا لم نترك لها عيبا لتصلحه. كان كلُّ شيئا كاملا إلى حدّ أعجز رئيس الدولة نفسه أن يمدَّ يد العون، ظهر أمام شعبه كأنه لا قيمة له، أنّ الدولة آلة تعمل بكفاءة سواءَ كان هناك أم لم يكن، و هذا انتقاصٌ من عمل سيادته. كما أوصت الرسالة بتسليم الرئاسة جهاز تخطيط القلب لأنه ترف لا نحتاج إليه و المستشفى الجهويُّ قريبٌ.
لقد ذهبَ عملي يا أحبابي، فاصبروا عليَّ قليلا لأتدبّر أموالكم. و لا دائم إلاّ الله!
Thursday, August 21, 2014
سنة على الخروج عن الخط
الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.
الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..
الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.
الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.
النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..
نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.
القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..
لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟
Sunday, July 6, 2014
"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة"..
طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.
ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟
إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون..
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.
حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟
حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..
Wednesday, February 12, 2014
العقول المَـثْـنَـــوِيَّة
في الماضي كان الانسان يعتقد أن الأرض مسطحة، حينما اكتشف كروية الأرض، اعتقد أنها كرة مثالية (perfect). لم يلبث فيما بعد أن أدرك أنها يجب أن تكون مسطحة على مستوى القطبين، كبرتقالة. طبعا شكل الأرض أكثر تعقيدا و أبعد ما يكون عن الأشكال الهندسية المثالية التي نستعملها في الهندسة الاقليدية. لكن بعض الناس لا يزال يجد بعض العسر في استيعاب الشكل الكرويّ الأول. إن التفاوت في القدرة على تصوّر الأشياء و إدراك مستويات تعقيدها أمر طبيعيّ. الطبيعة قائمة على التفاضل (أمر قد لا يعجب الكثيرين و لكنه ليس موضوعنا الآن). لا يمكن لشخص مهما بلغت درجة ذكائه و معارفه و خبراته أن يتمثّل في ذهنه الأشياء كما هي بالضبط في الواقع، لكنّه يطوّر قوالبه الذهنية و يعقّدها أكثر فأكثر. و لا يمكن أن يتساوى الناس في درجة التعقيد التي يمكن لأذهانهم بلوغها. كاتب هذه السطور يجد صعوبة بالغة في استيعاب عالم خماسيّ الابعاد، بينما تجد فيزيائيي مراكز البحث الكبرى، يحاولون تقديم تصور للكون من اثني عشر بعدا! لكن، اعتقد أن هناك حدّا أدنى من التعقيد وجب توفّره عند الانسان حتى يستطيع أن يساير العالم الجديد من حوله.
| كلّ الصور تمثّل أرنبا، لكن كما تلاحظون كلما ارتفعت درجة تعقيد الصورة (عدد المثلثات التي تشكل سطح المجسم) كلما ازداد وضوحا. |
الأمر جادّ صدقوني. أنا لا أتحدث عن مجرد صور تعلق بالذاكرة. أنا أتحدث عن طريقة عمل الذهن، التي تجعلنا ما نحن عليه. حينما أتأمل الرداءة التي تحيط بي من كل جانب. أعتقد أن أحد أسبابها الأساسية، هو بدائية القوالب التي نمثّل بها الأشياء و المواضيع و الحقائق من حولنا. حينما تسود بدائية القوالب في مجتمع ما، فهو مجتمع بدائيّ، مهما امتلك من تقنية و أموال.. خطورة المسألة ترجع إلى أن غالبية أفراد هذا المجتمع، تسيطر عليهم طرق التفكير المثنوية، التي تختزل الأشياء في الأبيض و الأسود.. إن الاستقطاب الثنائي الذي يجمع على وجوده الجميع في تونس، موجود تقريبا في أغلب دول العالم. لماذا اذا يبدو لنا الاستقطاب الثنائي غير طبيعيّ في تونس؟ أعتقد أن السبب يكمن في التفكير المثنويّ. هنا، يشيطن الناس بعضهم البعض لا لتوفر المعطيات الوجيهة و لكن فقط لأنه لا يستطيع رؤية العالم من وجهة النظر المقابلة.
هل علينا أن ندرس جميعا النظريات الرياضية المعقدة حتى تتجاوز أذهاننا حاجز التفكير المثنوي؟ و هل على التلفاز أن ينقل لنا مباشرة وقائع الاعلان عن اكتشاف بوزونات هيوغز حتى نصبح قادرين على قبول الاختلاف و عدم شيطنة الآخر؟ ربما يوما ما. لكن لأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، فأعتقد أن الارتقاء بمستوى الفنّ و الأدب في هذه البلاد و لو خطوة واحدة، أمر ضروريّ أو بلغة الكمبيوتر تعليمة رقم 0.




