Showing posts with label ثورة. Show all posts
Showing posts with label ثورة. Show all posts

Monday, February 20, 2023

تونس بقمرة يوسف الشّابي: مسألة "شكلية"...


 خلافا لكلّ الياسمينِ وكلِّ نُوّارِ الرّبيع الّذي أُغدق عليها، ستظلّ الثّورة التّونسية أبدا مقترنةً بالنّار، تلك الزهرة الجذّابة القاتلة. إذ لم يكن في شرارتِها شيءٌ من المجازِ. أضحت النّارُ منذ السابع عشر من كانون الثّاني/ديسمبر 2010 رمزًا للرّفضِ في أعنفِ درجاتِهِ، وأضحى الاحتراقُ غايةَ الفعلِ الثّوريِّ أو أقصاهُ. ولمّا يمرّ وقتٌ طويلٌ على صدورِ فلمِ "حرقة" للطفي نثان، وقد جعلَ فيه الاحتراق غايةَ المعنى. فأن يحرق المرءُ نفسَه، فهو أن يكسِر ميزةَ الدّولةِ الوحيدةَ، أي احتكارَها للعنفِ، وأن يشاركها فيهِ ولو على نفسِه، وفي ذلك إنكارٌ ضمنيٌّ لها. لكن، ماذا لو تخلّصت الصّورةُ من مجازِها؟ ماذا يبقى من النّارِ إذا تخلّت عن دلالة الرّفضِ؟ أيُّ معنى يحيلُ إليه المحترقُ الّذي لا يقف أمام مبنى الولايةِ، ولا يتركُ رسالةً أو كلمةً، بل لا يتركُ صرخةً واحدةً في آذانِ شهودِه؟ ألا تعودُ بنا النّارُ آنذاك إلى البدءِ حين لا يملكُ المحترقُ إلاّ صفة الضحيّةِ؟ ثمّ، أليس غريبًا أن تتّخذ القراءةُ المباشرةُ شكلاً تحريفيّا revisionist؟ بلى. هو ذاك، وهو واحدٌ من أشكالٍ تحريفيّةٍ أخرى جادَ بها فلمُ أشكال.

 
صدر العملُ الروائيُّ الطويلُ الأوّلُ للمخرجِ يوسف الشّابّي في الثامن من هذا الشّهرِ في تونس بعد أسبوعيْن تقريبا من صدورِه في فرنسا وتحقيقِه لنجاحٍ جيّدٍ نسبيّا. ربّما لأنّ صنف الفلم نوار Noir (أو فلم الجريمة) يملك جاذبيّة سينمائية خاصّة، تغري المشاهد. وربّما لأنّ نجاح "اللي حصل في الهلتون" (فلم نوار سويدي تدور أحداثُه في مصر بلغة عربية) قد تركَ آثارَه في شباك التذاكر الفرنسيِّ. والغالبُ على الظّنِّ أنّ تفاصيل الفلمِ نفسِه قد حدَّثَتْ عنهُ وأثارت الجدلَ والخيالَ.
 
يأخذنا يوسف الشابي إلى حدائق قرطاج، هذا الحيّ الفخم الذي شُرع في إنجازِه زمن بن علي، قبل أن تأتيَ الثّورةُ فيتعطّل إلى حينٍ. فمنذ سنتيْن تقريبا، عادت الرّافعات الضخمة إلى العملِ، ومعها ظهرت حوادث الحرق المريبة. تظهرُ الشخصيّةُ الرّئيسيّةُ فاطمة (فاطمة الوصايفي) ورفيقِها للتّحقيق في الواقعةِ. جثّة متفحّمة أولى لأحد العمّالِ تكشف عن جثّة ثانيةٍ لعاملةٍ منزليّة. ثمّ تزدادُ الحالاتُ، ويزداد قلق الشرطةِ، وحيرة المشاهد، وغرابة ما يحصل. تقول الطبيبة الشرعية لا عنف ولا مقاومة. ويشير الشهود إلى حضور شخص غامض في كل مرة. وتفشل المعطيات في العثور على المشترك بين الضحايا. ونحن إذ نُسحب بهدوءٍ إلى وهم العثور على الحقيقة عبر عينيْ فاطمة، نتعرف عليها وعلى زميلِها، ونجول في فضاءاتهما الثرية العامرة بالتساؤلات الاجتماعية والثقافية والسياسية. ربما إلى حدّ يعيدنا إلى سؤال البداية: ماهو سرّ الحرائقِ ومن هو المتسبِّبُ فيها؟
 
اِسمهُ أشكال وقد حافظ على هذا الاسم باختلاف لغات العرضِ كأنّما يُقدِّمُ شكلَ اللّفظِ على معناهُ، وشكلَ الصّورةِ على مضمونِها. اسمهُ أشكال، وهو بحثٌ في الشّكلِ على مستوياتٍ عدّةٍ. في الصّنفِ مثلاً، حين جعلَ منهُ فلمًا نيو-نْوار neo-noir تونسيّا لعلّه الأوّل من نوعِه. نجدُ فيه أشكالَ الفلمِ نوار الكلاسيكيّةِ (المحقّق، الجريمة، الإثارة، تماهي القمرة مع مجال رؤيةِ البطلِ محيلا إلى التطابقِ بين ما يعرفُه المشاهدُ وما يعرفهُ بطلُه، الخ). ثم نجد بعض أشكالِ النيو-نوار، مثل البيئةِ الحَضريّةِ وارتفاع المباني، والمقابلةِ الحادّةِ بين الضوء والظّلمةِ في بعض المشاهدِ، وزوايا التصوير الاستثنائيّةِ. أضف إلى ذلك، التركيز على السّياق الاجتماعيِّ أكثر من الجانب النفسيِّ. و شخصيّةَ "الجاني" أو "الرّجل الثالث" دون دوافع واضحةٍ تفسّر تصرّفاتِه. والبطلَ المحقّقَ الّذي لم يعد على شاكلةِ همفري بوڤارد في الصّقر المالطيّ The maltese falcon، بل مُحقّقا مُرتشيًا يُدعى ـ ويا للسّخرية ـ "بطل" (محمد حسين قريّع). بل إنّ يوسف الشّابي يذهب إلى أبعد من ذلك في "تحريفِه" للفلم نوار. فصار السّياقُ الاجتماعيُّ محورَ الفلمِ، وحولَه ومن أجله وبسببِه يحدث كلُّ شيءٍ. وأخذت البيئةُ الحضريّةُ أشكالاً تختلفُ حتما عن ناطحات السّحاب المضيئةِ بالنيون في ليالي المدينة الكونية (مُجري الشّفرة أو بلايد رانر 1982). وغابت دوافعُ "الجاني" حتّى أضحى هو نفسُه وجها بلا ملامح. وتخلّى "بطل" عن منزلتِه كشخصيّةٍ محوريّةٍ وقَبِل بفاطمة كشريكٍ له في البطولةِ. بل كانت البطل الرّئيسيَّ في سابقةٍ ربّما في صنفِ أفلام الجريمة العربيّةِ.
 
الفضاءُ هو المستوى الثّاني في بحث المُخرجِ في الشَّكلِ. الفضاءُ كحاضنةٍ للأحداثِ، وكموضوعٍ لنظرةِ المتفرّجِ، وكأداةٍ لتفريغ المعنى. ليس مُصادفةً أن يستهلَّ الشّابّي فِلمَهُ بمشهد جوّيّ للحيّ السكني، يتمعن في عناصره، يحوم حول مبانيه، يقترب من أحدها، يقتحم ظلمته، ويطلعنا على أغواره، حتى ينتهي عند النّار المشتعلة في طابقه العلويِّ ويُعلن عن نفسِه مسرحًَا للجريمةِ. فمجموعة الوصلات (Match Cuts) البطيئة هذه، تذكّرُنا بافتتاحيّات أفلام شهيرة من صنف النّوار أو الجريمة، مثل سايكو هتشكوك وخصوصا Blade Runner ردلي سكوتّ، بالإضافة إلى الفلمِ التعبيريِّ الألمانيِّ (الصنف الذي انبثق منه الفلم نوار)، رائعة فريتس لانغ: متروپوليس (1927). وإذ تحتفي افتتاحيّتا الفلميْنِ اللّاحقيْنِ ببناءٍ ضخمٍ في قلب مدينةٍ كَونيّةٍ مستقبليّةٍ رهيبةٍ، فإنّ يوسف الشّابي يستعير ذاتَ الشَّكلِ المِعماريِّ وذات النَّفَسِ الدستوپيِّ ليعبّر عن حاضرٍ تونسيٍّ لا يقلُّ قتامةً: قذارةٌ، بنايات غير آهلةٍ، بل غيرُ مكتملةٍ، ونقوشٌ في الجدرانِ كأنّما نحن في كهوفِ تاسيلي. فإذا كانت مدينةُ ردلي سكوتّ تأخذُنا إلى تخومِ المستقبلِ، فمدينةُ يوسف الشّابي تعودُ بنا إلى غياهب التّاريخ!
 
وأيّا كان اتّجاه الزّمانِ، فإنّ الافتتاحيّة تشيرُ بأصابعِ الاتّهامِ إلى البنايةِ الغامضةِ. ولم يقتصد المخرجُ في الوسائلِ الفنّيّةِ للإشارةِ إلى ذلك. أحيانا بالإعداد المسرحيّ mise-en-scene، مثل مشهد اكتشاف الجثة الثانية أمامها، وقد اصطفت بقايا أعمدة على خطين متوازيين، كأننا في حضرة محراب هيكل دينيّ. وأحيانا بتركيبٍ إيقاعيٍّ (Rythmic Montage) على طريقة أيزنشتين في "خطوات الأوديسا"، كأنّما يحاول بثّ الحركةِ والحياةِ في المبنى. وأحيانا بزوايا التّصويرِ غير المعتادةِ، من أسفل البناية إلى أعلاها أو العكس، وبلقطات من داخل المبنى إلى خارجِه كأنما المشهدُ منظورُه الخاصُّ (POV)، أو جوّا، مرتفعا بالقمرة إلى مستوى تقابل به البناية، فتكاد بتحديقها البطيء في الكيان اﻹسمنتيّ العملاق بفتحات نوافذه المظلمة، كشخص رماديّ غامض لا نستشفّ ملامحه ولكنّه يتطلّع إلينا. يؤكّد يوسف الشّابّي في حواراتِه الصحافيّة هذه الفكرةَ ويكرّرُها، مستندًا إلى ما قلتُه عن عملِ القمرة. ولكن، إذا ما أخذنا بقول مخرجنا، فأيُّ دورٍ لشخصيّتِه الفريدةِ؟ هل يمكن الحديثُ عن شخصيّةٍ فعليّةٍ لا دورَ لها سوى مراقبة ما يحدثُ في أرجائها؟
 
هاهو يقدّم لنا إجابة فذّةً باستعمال الأشكالِ، وتدقيقا من خلالِ الرسم الجنائيِّ الّذي أُنجِزَ للمشبوه فيهِ. لا شكّ أنّ أغلب المتفرّجين اندهشوا، ربّما مثل الخبيرةِ، لذلك الوجه الرّماديّ الخالي من الملامحِ إلاّ من فراغيْنِ عِوض العينينِ. لكنّ المُخرجَ أكّد هذا الشّكلَ بإصرارِه في كلّ المَشاهدِ على إبقاءِ شخصيّة المشبوه به إسمنتيّةَ اللّونِ بلا ملامحَ… أجل. تماما مثلَ بناياتِ حدائق قرطاج! وبهذا المعنى تتحقّقُ رؤيةُ المخرجِ: لم يتمَّ "تشخيص" المبنى في حدّ ذاتِه، إذ ظلَّ فضاءً يحتضنُ الأحداثَ. ولكن تمّ تجسيدُه وتحويلِه إلى شخصٍ حقيقيٍّ فاعلٍ. بل إلى المصدرِ الرّئيسيِّ للأحداثِ. فكيف يمكن أن نقرأ ذلك؟ 
 
تحتاج الإجابة عن السّؤال إلى مزيد من التأمُّل في أشكالِ يوسف الشّابّي وفي فضاءاتِه. وإلى التّطلُّعِ خارجَ حدائقِ قرطاج. إذ تكشفُ المشاهدُ عن عملٍ كبيرٍ على مستوى الديكور واختيار الأطر المكانيّةِ. ربّما أحدثت فيلاّ المقاولِ في نفسي بعض التّملمُلِ (والفيلا داخل الحيِّ وليست خارجه)، إذ لم تبدُ لي مناسبةً لصاحب مشاريع عقّاريّةٍ مهمّةٍ. لكنّني رجّحتُ أنّ كلّ تلك الكتلة الحجريّةِ الفاخرةِ القبيحةِ شكلٌ ـ مقصودٌ ـ من أشكالِ الشّابّي. فضاءٌ لرأس المالِ (الفيلا)، فضاءٌ للعُمّالِ (أكواخُ الحظائرِ)، فضاءٌ للسّلطةِ (مركزُ الشّرطةِ)، فضاءُ التقاءِ الشعبِ والسّلطةِ (المستشفى)، فضاءُ الشّعبِ (المنازلُ الشخصيّةُ)، فضاء الفنِّ (الملهى أو المقهى الفاخر)، فضاء الإعلام (ندوةُ لجنة المصالحة)، وفضاء الدّين (المساجد)... يرسمُ الشّابّي أشكالَه فيها جميعا، فيحدثُ الروابط بينها وبين الفضاءِ الأصليِّ (أعني حيّ الحدائق). لاحظوا التّركيز على المساجدِ، وتهيُّؤَ ساحة الجريمةِ الثانيةِ كمحرابِ دينيٍّ. لاحظوا التقاطع بين رخام جامع العابدين (حيث يلتقي "بطل" بسي الجيلاني) وبين رخام فيلاّ المقاول. ثمّ لاحظوا التقاطع بين إسمنتِ بناياتِ الحيِّ "البائسِ"، وبين مسجد الحيّ الشّعبيِّ حيث التقى بطل دون أن يدريَ بالرجل الغامضِ. ألم نقل إنّه تجسيدٌ للمكانِ؟ فماذا إذا كان هذا المكانُ أشمل من حدائق قرطاجَ وأكثر امتدادا؟ إنّ استعمالَ عناصر من الحيّ في تشكيل الفضاء الواسعِ الذي تدور فيه الأحداثُ ليس يعني سوى رغبة المُخرجِ في استعارة الجزء عن الكلِّ، وفي مدِّ الفضاءِ الذي يجسّدُه الرّجلُ الغامضُ ليصبحَ صورةً للوطنِ نفسِه. وبهذا المعنى، يمكن أن نفهم حقيقة ما يحدثُ. ويمكن أن نقترح للحرائقِ أفكارًا أوضحَ انطلاقا من الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ للبلادِ. استعادت النّارُ معنى الهلاكِ والخطرِ، فرتّبت ضحاياها ترتيبا اجتماعيّا واضحا: امرأةٌ عاملةٌ، ثمّ رجلٌ عاملٌ، ثمّ رجلُ شرطةٍ نزيهٌ، ثمّ أستاذُ انكليزيّةٍ… لقد كان صعبا على شهود العيانِ فهم طبيعة الظّاهرة الّتي تحدث أمامهم، فعجزوا عن تحديد الفعلِ. يقول أحدُهم: "رأيتُ رجلا يمرّر النار للفتاةِ"، وتساءلت فاطمة، لماذا قال "يمرّر" ولم يقل "يحرق الفتاة". فالوطنُ لا يحرق أبناءَهُ ولكنّ حريقَه يمرُّ إليهم، لأنّهم جزءٌ منهُ، ينتشرُ فيهم، كما تنتشرُ فيديوهات الشبكات الاجتماعية الّتي لم ينسَ المُخرجُ الإشارة إليها وإلى دورِها في هذه المرحلة من تاريخ البلادِ. لا شكّ أنّ النّارَ هي أجملُ أشكالِ الفلمِ، وأكثرها طرافةً. فهي واضحةٌ مثلَ الشّمسِ ومُبهمةٌ مثل الظّلمةِ. إنّها خير تجسيدٍ للظّاهرةِ الغامضةِ، كنهٌ يُرى ولا يُفهمُ، وتلك هي الفكرةُ الأبرزُ لأشكال.
 
من المهمِّ أن نتأمَّل في تعامُلِ السّلطةِ مع الظّاهرةِ، أعني حوادث الاحتراقِ. روتين مملٌّ، وصراعٌ قذرٌ بين الأجنحة الأمنيّةِ، ورغبةٌ في إغلاقِ ملفٍّ يتطلّبُ عملاً ويجلب مشاكل. وبلغ بها الأمرُ حدّ التلفيقِ. لقد أصرّ المخرجُ على جانب انعدام الكفاءةِ وسوءِ تقدير الموقفِ، على حسابِ فكرةِ التّواطؤ أو التآمرِ. ولقد برز ذلك بمجرّد احتراق الزميلِ، إذ انطلقت الكلاب المسعورةُ في أرجاءِ الحيِّ دون أن تلقيَ بالا لأيّ مستثمرٍ، أو رأس مالٍ. ثمَّ بلغ الأمرُ منتهاهُ حينَ وقفت الشرطةُ أمام غرفة المستشفى الّتي تأوي الغامضَ المُحترقَ. "شكلٌ" لا يمكن أن ينساهُ أيُّ تونسيٍّ عاش بداياتِ شهرِ كانون الثاني/جانفي 2011، حين بثّ التلفازُ صورةَ رأس السّلطةِ آنذاك "بن عليّ" واقفا عند رأسِ محمّد البوعزيزي وقد صار كالمومياءِ. قال الرّئيس فيما بعدُ "فهمتكم" ولكنَّ وقفتَه وابتسامته البلهاءَ كانت تقول إنّه لم يفهم شيئا. ونهض الوطنُ من سريرِه، واحترق بعد "بن عليّ" مرارا، ولا تزالُ السّلطةُ عاجزةً عن الفهمِ، فهي، في أصلِ القضيّةِ، غير راغبةٍ في الفهمِ. لقد كانت منشغلةً بمسألة أخرى أكثرَ أهميّةً وهي "السلطة" Power نفسها. 
 
اِنشغل الفلمُ طويلا بتصويرِ أشكال هذا الصّراعِ من خلالِ مسارِ "بطل" السّرديِّ، وهو أمنيٌّ مخضرمٌ (عمل قبل الثورة وبعدها)، يحاول أن يتموضع بحسب موازين القوى داخل السّلطة، بين الإخوانِ (سي الجيلاني)، والدساترة أو جماعة النظام القديمِ (فاطمة الفالحي). فنقلَ بذلك شكلَ السّلطةِ في العقد الأخيرِ: تكالبٌ على النفوذِ، واستقالةٌ من المسؤوليّةِ، وحماية لرأس المالِ، وانتهاكٌ لكرامةِ النّاسِ، وعجزٌ عن إدراكِ طبيعةِ اللحظةِ، ومقدار الخطرِ الذي سوف يلتهمُ الجميع.
وفي الآن نفسِه اضطلعَ حضورُ "بطل" بمهمّةٍ ثانيةٍ، هي أن يخطَّ مسارا متوازيا لمسارِ زميلتِه فاطمة، ويكوّنُ الخطّان شكلا آخرُ يستدعي التّأمُّلَ.
 
لا ننسى أنّنا أمام فلمِ جريمةٍ أو فلمٍ "نوار"، وحين يحضر محقّقان أو شخصيّتان رئيسيّتان في قصّةٍ كهذهِ، فنحن أمامَ رؤيتيْن مختلفتيْنِ للأمورِ، أو طباعيْن مختلفيْنِ. نحن أمام مارتن وروجر، أو فنسنت وجولز، أو شيء كهذا. ولقد أعلن المخرجُ ذلك منذ البدءِ بتفرقةٍ جندريّةٍ تكادُ تكون شكليّةً (يمنع عن فاطمة كلّ صورةٍ تسمحُ بتأنيثِها، شعرُها مكبوتٌ، ولباسُها رجاليٌّ، وصوتُها جافٌّ حتّى في لحظات الانفعالِ، وحتى في لحظاتِها الحميميّةِ لا نرى جسدها، أو تراها ذاكرتي؟). ليس التباين الجندريُّ إذا سوى شكلٍ تعبيريٍّ عن اختلافٍ في الطّباعِ، يمكن تبيُّنُه بسهولةٍ: تعيشُ فاطمة لوحدِها حياةً ملؤُها الفردانيّةُ. ربّما ليس خيارا كما تبيّن مغامرتُها العاطفيّةُ الفاشلةُ، ولكنّها تعكس هذه الفردانيّةَ والعزوف عن الحياةِ العائليّةِ التقليدية: لا تتصل بوالدِها المناضلِ، مطبخها متواضعٌ لا يناسبُ شخصا اجتماعيّا يقيمُ الولائم، وحين تدعو أحدَهم إليها، تطلب منه أن يحضر البيتزا! فردانيّةٌ قاتلةٌ، حريّةٌ كبيرةٌ، ونظامُ حياةٍ يشبُه طبقة اجتماعية/أطيافا ايديولوجية، بعينِها، لا نملك تحديدَها ولكنّها على طرف النقيضِ من طبقة/طيف زميلها.
فبطل من أولئك الذين يؤمنون بأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، جاء الولدُ وتم الاحتفاء بهِ، أما المالُ فتشكّل على هيئة مشروع المقهى أو الملهى الذي همّ بشرائه. أطنان من القبح الفاخر متوزّعة على فضاء يقرأ فيه القرآن ويعكسُ مميّزاتِ الجزء الأعلى من الطبقة المتوسّطة التي تجمع بين حداثةٍ ركيكةٍ وتقليديّةٍ إجرائيّةٍ. يواظبُ على الصّلاةِ في الجامع قدرما يواظبُ على الزّجّ بنفسِه في الصراعات القذرةِ، ربّما بحثا عن فسخ ماضٍ لا يجوز تذكّره على طاولةِ الطّعامِ.
 
بهذين الصّورتَيْن، يمكن بسهولةٍ استنتاجُ موقفِهما من الظّاهرةِ. إذ يبحث بطل أن يقوم بعملهِ في حدودٍ معقولةٍ، ويحلُّ الخلافاتِ مع المصالحِ الأخرى بديبلوماسيّةِ المتنصِّلِ من كلِّ هذا الهراءِ. أمّا فاطمة، فتنوءُ بحملِ والدِها رئيسِ هيئة الحقيقةِ والمصالحة (أو أي اسم آخر يداري بسخفٍ هيئة الحقيقة والكرامة)، ونجدُها الباحث الرّئيسيَّ عن الحقيقةِ بشكلٍ مزعجٍ لكلّ من حولها. وبعيدا عن هذا التقسيمِ النّمطيِّ، فإنّ يوسف الشّابي يصنع بكلِّ هذا تركيبةً أنيقةً وطريفةً. إذ يستفيدُ من قالب الفلمِ نوار ليضفيَ على العملِ تشويقيّةً تقيهِ من المللِ الذي قد ينتاب المشاهدَ لو اكتفى المخرجُ برسم تونس الثورة عبر أشكالٍ بصريّةٍ فحسب. أمّا الوظيفةُ الأبرزُ، فهي قيادةُ مشاهديهِ بسلاسةٍ نحو إقامة علاقة تماهٍ ثانويّة Identification secondaire مع فاطمة، تدفعُه إلى المشاركةِ في عمليّةِ البحث! ينطلق الفلمُ ويضعُ كليْ الباحثيْن (فاطمة والمتفرّج) عند مدخلِ المتاهةِ، تتجوّل فاطمة في حدائق قرطاج باحثةً عن القاتلِ. ويتجوّل المتفرّج في تونس ما بعد الثورةِ باحثا عن المتسبِّب في كلّ هذه الدّستوبيا. يراهن المخرجُ على تماهي مُشاهدِه مع فاطمة، كأنّما هو واثق أنّه (المُشاهد) وقف في لحظةٍ ما من الثّورة أمام نار الكارثة مهزوما حائرا، متسائلا: ما سببُ هذه النّار الّتي تبتلعُنا؟
 
فأمّا "بطل" فلم يفهم، بل هو كأكثر التّونسيّين، لا يريدُ أن يفهم. وأمّا فاطمة، فهي تسعى بكلّ جهدٍ إلى أن تفهم. تصل قبل غيرها، وترى عشرات التونسيّين وهم يلقون بأنفسهم في مشهدٍ ختاميّ مفزعٍ (لو كان أكثر طولا). تتسع عيناها، ويرتسمُ عليهما الفزع والذهول. ولا نعرفُ، إن كانت قد فهمت. لكنّ السؤال الأبرز: هل فهمَ المشاهدُ؟
 
بالنسبة لي، فسواء فهم المشاهدُ أم لم يفهم، وسواءَ نجح الفلمُ في استبطان مصادر النّار أم لم يفعل، فإنّ الأهمّ من كلِّ ذلك التجربةُ البصريّةُ التجريبيّةُ الرّائدةُ. والعمل الجدّي وراءها. وعدم سقوط المخرج في خطايا التكبّر على المُشاهدِ، أو استسهالِ المَشاهدِ. وإقدامُه منذ عملِه الرّوائيِّ الأوَّلِ على سينما الصّنفِ، وعلى سرياليّةٍ لذيذةٍ مُحكمةٍ. ولا يعابُ على الفلمِ إلا ضعف الحوارِ أحيانا، ونزوع أغلب شخصياتِه نحو البرود والاقتضابِ، في ثقافةٍ متوسّطية حارّة الدّماء والطباعِ. وحتّى أداء الممثّلين لم يكن ممّا يمكن للمرءِ تذكُّره. خصوصا وأنّهم تعاملوا مع شخصيات شديدة التنميط والاقتضابِ ولا تسمح بالكثير (فيما عدا الشخصيتيْن الرئيسيّتين). ولكن، لا يمكن لكلّ هذه المسائلِ أن تغفل العمل الجيّد للفريقِ، والقيمة الأدبيّة العاليةَ للفلمِ. أشكال، هو برهانٌ آخرُ أنّ القصص الجيدة، والأفكار الجيدة، لا تأتي إلا عبرَ "الأشكالِ" الجيّدة.

Thursday, October 15, 2015

ولد البهيم

أحكمتْ تثبيتَ خمارِها تحت سترتِها. تأمّلتْ شكلَها أمام المرآةِ المرقّشةِ. لا شيءَ تغيّرَ. لا شيءَ يتغيّرُ. سمرةُ الوجهِ لم تملْ بعدُ إلى البياضِ. والوجنتان لا تزالان غائرتين داخل فمها. حاولت أن تأكلَ أكثرَ. ظهرَ ذلك على خصرها فخافت أن تخسرَ آخر ما بقيَ من الأسلحة. عادت إلى زهدها في الأكل وعادت إلى إظهار نحافة جسمها. مطّت شفتيها مرارا لعلّها تستخرجُ منهما بعضَ البريقِ. مزيدا من أحمر الشفاهِ. هذا أفضل. تكلّفَ القلمُ ثروةً صغيرةً، لكنّه يستحقّ، يثبتُ ذلك في كلِّ مرّة. بعضُ الألوان على الوجنتين. تقول المُزيّنةُ، يجب أن تتناسق الألوانُ مع الأثوابِ. هذا يجعل المهمّةَ أكثر تعقيدا. لون البشرةِ، لون الأثواب، ألوان الزينة، ألوان الرجال... حُقّةُ هذا البُنّيِّ تكادُ تنتهي. ضمور الوجنتين يكادُ يختفي. ستوصي نزيهة بجلبِ المزيدِ منهُ من تركيا. الحاجبان! لا بدَّ من إبراز الحاجبين!

"أُذِّن و إلا مازال؟"

شعرتْ بتوتّر حينما سمعت العبارة. تفضِّلُ دائما أن تخرُجَ دون أن يشعرَ بها أحدٌ. ليس بها رغبة للتواصل داخل هذه الجدران. فضّلت أن لا تجيبَ. عاودت التطلُّعَ إلى المرآةِ من مسافةٍ أبعدَ. لا بأسَ. يومٌ جديدٌ. محاولةٌ جديدةٌ. اِختارت الألوان بعناية هذه المرةَ. راقبته طويلا. عرفتْ إلى أيّ الألوان يميلُ.

حقيبةُ الأكلِ مهترئةٌ، لكنّها تنجزُ عملها بكفاءة، وتحفظُ لها كنزها الصغيرَ. أمام البابِ اصطفَّ كدسٌ من الأحذية. ألقت نظرة جانبيّةً على قدمِها اليمنى. فَرَدَتها كراقصات الباليه. اِنحت وتناولت زوجا من ذوي الكعب العالي. القدمُ جميلةٌ دوما بالكعبِ العالي. لن يمكنَه تجاهُل الصوتِ من بعيد. سيكون اليومُ شاقًّا بهذا الحذاء، لكنَّ العبرةَ بالخواتيم. فتحتْ البابَ لتُواجِهَ العالمَ.

"حيِّ على الفلاح!"

إنَّها الخامسة، حفيفُ الهواءِ يجمِّدُ الأطرافَ. القمرُ الباهتُ المعلَّقُ يتراجع خائبا. الصَّمتُ المطبقُ يبشِّرُ بولادة النهار. مرَّ شريطُ يومها أمام عينيْها قبل أن يبدأَ. أحسَّت بشيءٍ من التَّعبِ كأنَّها في آخر النهارِ. لن يكونَ الفرق كبيرا بين الموقفين. ستكون تماما هكذا بعد إحدى عشر ساعة من الآن. وسيكون القمرُ معلّقا، والهواءُ مجمَّدًا، و ربّما صوت الآذان الأخيرِ مبشِّرًا بعودة الصمتِ على المكان.

سربٌ من الأشباح يجاهدُ الريحَ وحُفَرَ الطريقِ المقابلِ. ستبدو هي أيضا على درّاجتها بعدَ قليل شبحًا صامتًا يقطعُ المدينةَ من طرَفِها إلى الآخرِ. الكلُّ هنا يذهبُ إلى هذا الطرفِ الآخرِ. يحُجُّ إليه مبتهلاً داعيا. يطوف في أرجائه. ينشُدُ خلاصَه. هي أيضا تريدُ الخلاصَ. فقط لو أنّه يلحظُها!

"يا سي عليّ، ما عندكش فكرة على قرارات اليوم؟ صباح الخير يا هادي، نهارك طيب!"

اِقتربتْ من الحشدِ عندَ المرآب. أحكمتْ غلقَ قفلِ الدرَّاجةِ. تظاهرتْ بالانهماكِ في ذلك، بينما عيناها تجولان خفية في المكان. لا ظلّ له في الأنحاء. لعلَّه باشر عمله باكرًا... سعلتْ مرّتين، نزعتْ معطفها. ربَّما تجذِبُه ألوانُ الثوبِ الجديدِ، ولو كان في الداخلِ. كادَ البردُ يذهبُ بجسمها النحيلِ، لكنّها واصلتْ طريقَها إلى قسمِ الكيميائيّاتِ. ضربتْ بقدمها على الأرض، لعلَّه يسمعُ صوتها فيظهرُ من تحتِ الأرضِ. لا بأسَ. ستراهُ وقتَ الغداءِ...

في قسم الكيميائيّاتِ، مرّتْ من أمامه، لكنَّها لمْ تلحظه. اِنتابته حرارةٌ مفاجئةٌ. لم يكنْ أحدٌ معه في موقع عمله. لحسن حظِّه لم يكن أحدٌ هناكَ. اِبتلع جفافَ حلقه. تمالكَ نفسَه. عاودَ اختلاسَ النظرِ إلى ما تبقَّى من ظلِّها في المكانِ. لقد اختفتْ تماما! أخذ نفسا عميقا وحاولَ اجترار ما غنمه من اللحظةِ العابرةِ. لم تسعفه النظرة الخاطفة بملاحظة الكثير. لم يعتدْ منها تركيبة الألوانِ هذه. ما تبقَّى من المشهد كان ما يكوّن شكلها في قلبه. وقعُ مشيتِها، نحافةُ خيالِها، حنانُ عينيها، رعشةُ جسدِه كلَّما استشعر رائحتها. لا تزالُ الرائحةُ الخفيّةُ تملأُ الفضاءَ من حوله. تمرُّ كلَّ يومٍ من قربه، تتركُ له كلَّ ذلك، و خيالاتٍ كثيرةٍ تذهبُ به عن عمله لبعض الوقتِ. صارَ في كلِّ صباح ينتظرُها كمن ينتظرُ وقتَ صلاتِه...

"جماعة الاتّحاد، قالوا يلزمنا احتجاج!"

ثمَّ يتهشَّمُ كل شيء في ذهنه كما الزجاج. يعودُ إلى عالمه و إلى الرّافعة المنتصبة أمامه. هتافاتُ الزملاء من حوله، وأوركسترا الآلات الرّخيمة الواثقة، و هذا البخارُ المتصاعدُ إلى الله. اِزداد حديثُ العمّالِ توتّرا هذه الأيامِ، و زاد حجمُ شرودِه في البخارِ المتصاعد من حوض السائل الكيميائيِّ الخانقِ. تابعَ صعودَه إلى السَّقفِ حيثُ مسالكُ التهوِئةِ تنقلُه إلى مكانٍ ما. تساءلَ ما الذي يسبّبُ له أوجاعا في الصدر إن كانت الأبخرة تخرج من فوق؟

"هل ستشارُك في الإضراب؟"

كان يعرفُ الإجابة عن سؤالهِ البليدِ، مثلما كان يعرفُ الإجابة عن سؤالِ زميله. لهثَ و هو يحرّكُ الرافعةَ إلى الخلفِ قليلا. راح السائلُ ينسكبُ في وعاءٍ كبير. عاودته أوجاع صدره. لكنّه يعرفُ أنَّه لن يحتجَّ و لن يُضربَ. يعرفُ أنَّ بقاءَه مضمون بسبب توصيةٍ من السيّد المعتمَدِ. حينما ذهبَ إليه حاملاً بطاقة مناضلٍ بإسم جدِّه، و شهادةَ فقرٍ، وعدهُ في فتورٍ بالشغلِ والكرامةِ. تلك العبارةُ الّتي ما فتئَ كلُّ مسؤولٍ يردِّدها بعدَ الثورةِ المباركةِ. قتلَ جدُّه خمسةً وثلاثين عسكريّا فرنسيّا زمنَ المقاومةِ المسلّحةِ، وكسبَ هو ببطاقة نضالهِ، ثلاث مائة وخمسين دينارا شهريّا. الحسنة بعشر أمثالِها كما يقولون. والسيّئة أيضا بعشر أمثالها. لكنَّه لم يعرف السيّئة الّتي جعلت من جدِّه يكنّى "رجبْ البهيم"* وجعلت النّاسَ تناديهِ "ولد البهيم". يسمعُها همسًا هنا وهناكَ، وجهرا وقتَ الخصامِ. جرّب صغيرا أن يغيّر من عادة القوم، فتعلّمَ درسَه الأوّلَ: العادةُ لا تقاوَمُ. في هذه المدينة، كلُّ شيءٍ سيظلُّ كما هو. سيظلُّ يسكبُ هذا السائلَ ويرسلُه إلى نقطة العملِ الموالية في السلسلة. سيظلُّ ولدَ البهيم، وسيظلُّ مكتفيا بنصيبه.
ليحتجّوا، ليُضربوا، هذا حقّهم، و هو معهم بقلبِه، لكن بعيدا عن رزقه، بعيدا عن رزق جدّه العجوزِ المشارف على الموت. بعيدا عن حلوى أبناء عمّته التي يلتزم بشرائها كلّ أسبوع. العادةُ رتيبةٌ، مثل عمل هذه الرافعة الصامتة المهيبة. لكنّها مستمرّة، واثقة، لا تتزحزح. أصحاب هذه الرافعة مثلها لن يتزحزحوا. ذلك المدير الإيطاليُّ سيظلُّ هناك، مهما احتجّوا ومهما صرخوا...

"قالوا سيعلّقونَ أسماء المطرودين."

علِــق إسمُها منذ زمن بعيد بذهنه. عرفَ عنها أشياء كثيرةً. عرفَ أنها شاخصة بقلبها إلى الإدارة. لم يحبطه ذلك كثيرا، وأدهشه أنّ ذلك لم يحبطه. لم يحسَّ بالغيرة، لأنّ من حقّها أن تتطلّع إلى شخص ليس مثلَه. إلى شخص لا ينظر إلى الأرض، ولا يكتفي بأجرٍ بخسٍ، ولا ينادونه "ولد البهيم". ظلَّ مكتفيا بوجبة الصباح، من وجهها الكريم، ومن زينتها التي تعدُّها لغيره. رأى نفسه واقفا في الساحة بعد الغداء. رآها تشرئبّ بعنقها بحثا عن غيره. بريق عينيها يذبل شيئا فشيئا، وقدماها تعودان بها القهقهرى. سوف تمرّ من أمامه دون أن تشعر بوجوده، تماما كما لا يشعر ذلك الإداريُّ بوجودها. ربما يلقي إليها تحية متلعثمة حذرة، وربّما تجيبه دون أن تلتفت إليه... اِنتابته شهوة عنيفة وهو يتخيّل المشهد. تساءل: أليس عبثا هذا الذي يراه، كمثل العبث الذي تصرّ هي عليه؟ هو كذلك لا يملك حيلة لحبه ولا سلطانا... لقد قدّر لأهل هذا الفضاء من العمل إلاّ حوادثَه، ومن الأجر إلا مهانته، ومن الحبّ إلا عذاباته.

"يجبُ أن نتحرّك! يجب أن نتضامن!"

لكن لا أحد يتحرّك من أجله ولا يتضامن معه، وكذلك هو لن يفعل. إنّ النضال كذبة كبيرة يخترعها أصحاب الحاجة لاستدراج من لا حاجة لهم. اليوم يتضامن معهم، وغدا ينادونه "ولد البهيم"... وجهه في المرآة يوحي بالتوتّر. تحامل على نفسه والتقط نفسا عميقا. لا توجد بقع على القميص. لا يبدو بهذا السوء. أين الباب؟

خرج من قسم الكيميائيات. الصخب يملأ فضاء المنطقة الصناعية. بدأ العمّالُ بالتجمهر حول القائمات. بعضهم رفض الاطلاع عليها والمشاركةَ في المسخرة. أغلبهم يعرفُ مسبّقا مصيره. ولم تكن هي من بين هؤلاء. لكنّها لم تبدِ انشغالا كبيرًا بما قد يحدث. نظرت إلى مشاريع الأحذية المتكوّمة أمام آلة عملها، وراح ذهنُها يحسبُ رغما عنها. بعشرة دنانير في اليوم تخيط نحو ستين حذاءً. يبيعونه للناس في "الخارج" بعشرات اليوروات. هذا الصنف مثلا، أخبروها أنّ ثمنه في السوق الأجنبية مائة وخمسون من عملتهم أو يزيد. هذا يفوق أجرتها الشهرية بالفعل. يربحون منها الذهب، فماذا تربح منهم؟

"عندي ديون برشة. إذا طردوني، سيُقضى عليّ"

أمّا هي، فلا ديون لديها تقريبا. تهب كلَّ مالها فعلا لأدوات الزينة والملابس. كلّفها هذا الثوب أكثر من نصف أجرتها. لم يقلقها ذلك قطّ. أجرتُها لا تصلحُ لشيء آخر بالفعل. تجد متعةً حين تقول بكلّ صدق لأمها أو أخيها "مفلسةٌ، قلّبوني!" وحين تصرخُ فيها أمُّها في حنق "لماذا تعملين إذا؟" تجيبها بحدّة أكبر "لأتخلّص من وجوهكم، وأوامركم، وخدمتكم!". لم تعمَل يومًا لجمع المال، بل لجمع الأمل. تلملمه بعينيها الكحيلتين، وابتسامتها الحنون. تحاول افتكاكَه من الرجل المناسب. منذ فترة ليست بقصيرة، صارت تعرف من هو الرجلُ المناسبُ. تحدّثها بدلتُه الأنيقةُ عن تفاصيل حياتِها بجواره. عقدتْ آمالَها على طرف المنديل النابع من جهة قلبه. لم يتزوّج لأنّه لم يعثر على بنت الحلالِ. ما أندرَ بناتِ الحلالِ!

"حتّى جماعة الإدارة، ستشملهم الغربلة." 

اِلتقطت أذناها العبارة كما تفعل الأرنب المتحفزة. نهضت وهي تحملق في الباب البعيد. ضاق المكانُ من حولها، امتدّت حشود العمّالِ بعيدا عن المعلّقات، لم يأتِ الدَوْر على قسم الخياطة بعدُ، لكنّ قلبها صار يخفق بعنف ضربات آلتها. كيف تصل إلى الأوراق؟ هتافات العمّال من حولها أكثر زحمة من احتشادِهم.

"سياسةُ الدولة هي السبب!"

"من أين يأتون بهؤلاء المستثمرين؟"

"طليانيٌّ كلبٌ! كلّ الإيطاليين كلاب! لصوصٌ!"

"الأزمة العالمية هي السبب. لا حول و لا قوة إلا بالله."

"تزوجتُ منذ شهر، و الآن سأطلّق وأواصل تسديد الديون! أيُّ دنيا هذه؟!"

تمنّت لو تظلُّ تقرأ الأسماء حتى نهاية القائمة. أن تتحمل التّدافع لساعاتٍ. لكنّها توقّفت عند الورقة الثالثة. كان إسمهُ الأنيقُ يتصدّرها. اِرتخت عضلاتُها. تركت تَدَافُعَ الحشود يعود بها إلى الخلف، إلى الخلف، حتّى لفظها خارجًا. تأمّلت المكان من حولها في صمت. بدا لها المكان غريبا وموحشا. توقفت عيناها عند البوابة الضخمة. بدت أكبر حجما، كأنّها تدعوها إليها. مضت نحوها ساهمة، وقد عرفت أنّها لن تعودَ.

حتّى بعد مرورِ يومين لم تعدْ. اِنشغل باله بها. لم يعدْ قادرا على العمل. لحسن حظّه لم يكن هناك من عملٍ يُذكر. اِنخفض نشاطُ المصنع بسبب الفوضى. لا أحد يهتمُّ بمردودية العمال وهم يُطرَدون.

"قد يغلقون وحدات الإنتاج خلال اليومين القادمين."

"المحتجُّون لا يعرفون ما يفعلون. يطلبون العون من الاتّحاد وهؤلاء يحرّضون على التصعيد لأغراضٍ سياسية."
"أنت إخونجيٌّ حقير." 
" وأنت يساريٌّ اِبن كلب!" 

المصنعُ مهدّدٌ بالغلقِ. قلبُه مهدّدٌ بالخواءِ. وهذا الحوض لا يزال ممتلئا. ماذا لو طلب من السيّد المعتمَد إرجاعها؟ لكنّ بطاقة النضال لا تطال شخصين. ودّ لو يمنحها مكانه، لكنّها ليست من العائلة. لو كانت زوجته مثلا... سيقول لهم إنها ... كتم ضحكة كادت تلفت إليه الأنظار. النضال لا يحمي المغرمين. المصنع أيضا لا يحميهم. بل إنه يكرههم. الحبُّ يعني الزواج. والزواج يعني أطفالا، ومنحا خاصا، وإجازات استثنائية لا تطيقها الإدارة...
صخب المتظاهرين في الخارج بات يملأ الفضاء. مرّ أحدُهم من أمامه تاركا بعضا من حزنه وغضبه وحسده. إنّه مذنبٌ لأنّه لم يُطرد. إنّه مذنب لأنّه "ولد البهيم" ولو كان ابن سي "الباردي" لما لامه أحدٌ. تذكّر تعلُّق "بنت الباردي" به في صباه. تذكّر كيف تجاهل كل محاولاتها البائسة لاستمالة قلبه، وكيف اعتبرها مقلبا سخيفا لم يقع فيه. ضحك في مرارة وعاودَ شدّ الرافعة الثقيلة...

"حتّى ل.م طردوه! تخيّل! ذلك المتعجرف صاحب المعارف والصِّلات!"

توقفت يداه عن عملهما. سقط الصندوق في الحوض. تعالت صفارة من مكان ما منذرة. صرخ زميله محذّرا. لكنّه غادر المكان دون أن يأبه.أهذا ما تركه له جدُّه؟ أهذا ما أراده له من الحياة؟ نظر إلى البطاقة المغلّفة. نظر إلى المتظاهرين الغاضبين، وإلى دموع الفتيات المطرودات، وإلى الأحذية الجلدية الرفيعة وهي تشقّ مسلكها الواثق إلى ماوراء البحر. تحسّس رقبته. تحسس الوجع الممتدّ من صدره إلى أسفل معدته. اشتمّ عطرها في خياله. سمع صوت رفاقه قادمين. سمع وقع حذائها في رأسه، سمع وقع الهتاف المتوالد من قلب المظاهرة.

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق! المحبّة استحقاق يا عصابة السرّاق!"

اِختلط الكلام في ذهنه. لم يعد يميّز أيها هتف به المتظاهرون، وأيها هتف به هاتف في أعماقه. حشدُ العمّال متكوّم أمام مبنى الإدارة المغلقة. عند الباب، كانت محامية يساريّةٌ شهيرة تخطبُ دون توقف. ضاع كلامها وسط الهتاف. 

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق!"


ضاعت أفكاره وسط الهتاف. نظر إليه بعضهم في اندهاش. لماذا يهتف معهم؟ ألم يحفظوا له عمله؟ تسلّق كتف أحدَهم وصرخ، فردّد الجميع في هياج.
"لماذا يتظاهر معنا؟"
أجاب إداري ساخرا :"لأنه ولد البهيم!"

15 آذار 2015

------------------------------
* البهيم في العامّيّة التونسية تعني الحمار.

Sunday, June 24, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الثاني


لا يوجد تلخيص لما سبق هنا، لأن ما سبق هو بالفعل مختصر جدا، فتخلصوا من الكسل يا سادة. و تذكروا أن أي تطابق في الأسماء هو محض صدفة ليس إلا، فخذوا بما فهمتم، و لا تتهموا غير أنفسكم.

هل صدقت فعلا أنني المتسبب في موت مبارك؟ و لِم لا أكون أنا؟ الرجل قد نجا من فرص كثيرة ليتخلص من الحياة، و آخرها حينما أُعلن الحكم عليه بالسجن المؤبد. فلِم يسقط الآن حينما كتبت اسمه في المفكرة؟ هل أملك سلطة الموت فعلا؟ أي قدرة رهيبة تلك التي بين يديّ؟! أي هول هذا الذي أحمله؟ كيف تتحول الكتابة من وسيلة للحياة إلى آلة دمار؟! آمنت دوما أن الكاتب امرؤ علم من الدنيا ما لم نعلم، و نقل للناس حيوات أخرى عاشها كما عاش حياته. كنت أؤمن أن المداد هو اكسير الحياة الذي تحدثت عنه الاساطير و الخرافات.. و أنه بجرة قلم تخلق عالما جديدا و أناسا جددا و تاريخا آخر! فكيف يتحول الورق اليوم إلى ساحة حرب، و يتخذ المداد لون الدماء؟

كانت الفكرة مرعبة جدا، و أنا اتأمل التلفاز، الذي يعلن وفاة الخرتيت المصري. و ارتعشت يداي لهول الفكرة. لقد قتلتُ شخصا! هل أنا قاتل؟ أم ملك الموت؟! متى كان ملك الموت مجرما؟ انه يقضي أمر ربه، و أنا اليوم أقوم بذات المهمة! اللعنة! ما الذي يحدث لي؟! لا بد و أنها صدفة. انها صدفة مثيرة لا أكثر، لوثة عقلية تصيب كل من يبلغ السادسة و العشرين بأفكار مبعثرة ثورية و محبطة. لا يمكن أن يكون الأمر صحيحا. لا يمكن...

 لكن ما علق بذهني من السلسلة اليابانية الشهيرة ما انفك يحوم حول رأسي.. كان هناك صور كثيرة من "Yagami Light" الشخصية الرئيسية، التي كنت اطلق عليها "ولد عمي" لاسباب قد يتفطن لها سريعو البديهة.. أعترف أنني كنت أوافقه الرأي يخصوص المجرمين، و ضرورة العقاب القاسي حتى يكون الردع فعّالا. صحيح أنني مبدئيا ضد فكرة الإعدام، لكننا هنا لا نتحدث عن الدولة، بل نتحدث عن القضاء و القدر. إن الموت قدر الانسان، فما بالك لو كان مجرما! سيكون ذلك الانتقاء الطبيعي الأكثر دقة و جودة على مرّ التاريخ! تخيلوا شعبا بدون جريمة أو فساد! تخيلوا شعبا يعيش في سلام تام  و أية حضارة يمكن أن ينتجها! 

عادت الأحلام تعبث بمخيلتي و تنير الظلام الذي يملأ غرفتي.. هل من الشوفينية أن أبدأ بوطني؟ كلا، هو نوع من اعادة التوازن ليس الا. بن العم أيضا بدأ بوطنه، و كانت النتائج رائعة جدا. الوطن ينادي يا فتى، الوطن يدعوك أن تكتب!
تأملتُ المفكرة و قد عادت الكتابة تتخذ صورتها الاولى في مخيلتي.. الكتابة ثورة، الكتابة عمل انقلابي، هكذا تعلمتُ، و هذا ما سأفعله هذه الليلة حرفيّا! سأحارب بقلمي كما حلمتُ دوما أن أفعل، و لكن هذه المرة، لن أنتظر طويلا لأرى النتائج. لا أعتقد أن أعظم القصاصين العرب قد حلموا بفرصة كهذه! لقد اختارتني الأقدار لأكون و إياها واحدا! فلأقض بأمر الله إذا!

بمن نبدأ؟ رفعت رأسي للتلفاز فطالعتني الإجابة على شريط الاخبار الأحمر المسافر بلا نهاية من يمين الشاشة إلى يسارها.. "يسافر الجنرال قائد الاركان غدا إلى قطر، للتباحث بخصوص اللاجئين في الحدود الليبية... الخ"
لماذا يصرون على اختلاق هذه الاكاذيب المضحكة؟ مرة يتخذ دور وزير التشغيل، و مرة يتخذ دور المشرف على مخيمات اللاجئين.. أي هراء هذا؟ كيف يستبيحون الاستخفاف بنا إلى هذا الحد؟ هذا الرجل يخفي حقيقة الثورة، و أسباب نجاحها، و الاهم يخفي حقيقة القتلة، لذلك سأبدأ به. و سأدبّر له ميتة درامية شبيه بتلك التي دبّرت لسلفه كي يخلفه على رأس جيش البر... الشيطان يعزف الكارمينا بورانا بين أذنيّ، و قلمي تراوده ارتعاشة الجنون!

"يسافر الجنرال عبر طائرة مدنية خاصة. و في الاجواء التونسية، يحدث عطل في الطائرة بسبب تلف بسيط لا يلبث أن يشتد و يتطور بسبب غياب التقنيّ المشرف. أين التقنيّ المشرف؟ غاب لأسباب مرضية..." 

فسخت الجزء الأخيرة و أنا أغلّب أن الرجل لو غاب فسيقع تعويضه حتما.. يجب أن يكون الغياب مفاجئا.. 

"أين التقنيّ المشرف؟ انه مغيب عن الوعي داخل الطائرة، بسبب مرضه الشديد، لكن لأنه لم يحضر شهادة طبية و لم يجد من يعوضه، اضطر بحكم المهنية ان يركب الطائرة، و اختار أن يرتاح قليلا لأنه عادة يحضر احتياطيا لا غير. لكن المرض اشتد به، و ارتفعت حرارته و سقط في غيبوبة لم تنفع معها محاولات المرافقين لافاقته."

حسنا، هناك أيضا برج مراقبة يتولى الاشراف على الطائرة مادامت داخل الاجواء التونسية. يجب أن تتخلص الطائرة من المراقبة...

"في ذات الوقت يشتعل حريق بسيط داخل البرج، لكن معدات الاطفاء كانت تحوي مواد قابلة للاشتعال فتسبب استعمالها في اثارة حريق ارعب الجميع و اخرجهم من قاعة المراقبة قسرا."

لم أقدر أن أمنع ضحكتي الجذلى و أنا أتخيل ما سيحدث غدا في المطار. الواقع أن تخلق قصة ثم تشاهدها لا في قاعة السينما بل في عالم الواقع، لأمر لم يحلم به انسيّ قط، ربما حتى Jules Verne نفسه. و لذلك يجب أن أحسن كتابة ما سيصبح بعد غد تاريخا!

"هكذا، يضطر القائد إلى الاستعانة بمهارة لانزال الطائرة من دون خسائر بشرية. لكن سقوط الطائرة وسط الغابات يجعل المهمة شبه مستحيلة، و مع سقوط الطائرة و تهشم النوافذ، يخترق جسم الجنرال جسم حديدي تملص من الطائرة، فيرديه قتيلا."

و رسمت نقطة النهاية كما يرسم المايسترو بيديه شارة ختام السينفونية، لقد أعلنت اليوم رسميا عن ميلاد كاتب جديد. كاتب قصص قاتلة! الغد القادم سيخبر عني، كما لم يفعل أي صباح آخر. فلأنتظر!

************
هذا جزء لم أشهد حدوثه طبعا، و يمكنكم أن تتخيلوا اي طريقة بلّغتُ بها بما حدث، الساحرة الشريرة، العصفور الذي يطل من الشباك، الاحلام، الشيخ الحكيم، تخيلوا ما شئتم، المهم أنكم ستعرفون ما حدث...

اسمه سعيد، و يعمل تقنيّا بالخطوط التونسية، و قد استيقظ على غير العادة مزكوما، يعاني صداعا شديدا. اللعنة، المفترض أن يسافر إلى قطر مع الجنرال، و لا يمكنه أن يتغيب هكذا. أطلق سبابا سوقيا و هو ينهض من الفراش... كان طول الطريق يفكر في وسيلة للتملص من الرحلة، لكنه لم يجد الطبيب في مبنى الإدارة. اللعنة ماذا سيفعل؟ هل يطلب من أحد الزملاء تعويضه؟ إنه يعرف أن لا أحد سيقبل. فكر في الأمر كثيرا قبل أن يطلق سبابا أكثر سوقية و يقول : "بقلة (بالقاف المشبعة) ليها، برة ينعن ز****** الخدمة و الفلوس و الجنرال متاع ز***** و تونس. نمشي نرقد و عـ*** من فوق. غدوة كان صبحت بطال توة نمشي نعتصم.. باش يذلونا على 600 دينار؟"

هكذا قدر للهادي الذي لا يعاني أي مرض يذكر من تعويض سعيد، طبعا مطلقا سبابا أكثر شاعرية. الواقع أن لا أحد يريد أن يصحب عسكريا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"هنا برج المراقبة، الحالة طبيعية، انت تتجه 34 درجة شرقا، وفق المسار 3B24 المتفق عليه. هل من مشكلة؟"
"هنا قائد الطائرة 757، لا مشكلة هناك. انتهى."

اسمها غادة، و هي الفتاة المسؤولة عن التواصل مع قائد الطائرة التي بدأت اقلاعها بالفعل. كان ذهنها شاردا في ما حدث لها بالامس، مع أحد أصدقائها. هل كانت تنتظر أن ينقلب حديثه إلى غزل صريح؟ و هل ستقبل دعوته اليوم إلى العشاء؟سيعني هذا أن تتواصل السهرية طويلا.. كان هناك شيء من الإثارة في الموضوع، و هي لا تنكر على نفسها ذلك. لكن ما تخشاه أن يكون غزله ضربا من الفذلكة، و ابتسامته شيئا من السخرية، و أن يكون الامر برمته هذيانا بين جرعتي نبيذ.. الهاتف يرن! إنه رقمه! اللعين! لماذا يهاتفها في هذه اللحظة العصيبة؟ انها تتحرق شوقا للرد عليه.. لكن الطائرة؟

تأملت بعض الشيء شاشة المراقبة، ثم شاشة الهاتف، قبل أن تحسم أمرها : المتابعة الروتينية لم تكن يوما مصيرية، لتذهب الطائرة إلى الجحيم، لكن يجب أن أعرف! هكذا، تركت الجميع و تسللت بسرعة كي لا يفتضح أمرها. و مع خروجها، دوت فرقة صغيرة في المكان، و تصاعد شيء من الدخان من الآلة ال و تصاعد شيء من الهلع وسط الفريق. 
"جيب اكة الـextincteur جيب!"
لكنّ الـ "extincteur" او قارورة الاطفاء لم تكن هناك أصلا، ان العشوائية تملأ هذه البلاد حقا!
"يا كمال! يا كمال المكينة تحرقت! تي جيب extincteur من اي بلاصة!"

لكن كمال كان أكثر فاعلية حقا!، لقد قطع التيار الكهربائي و سكب دلو مياه على الآلة التي أضحت خرابا! الكثير من السباب و اللعنات، بينما عادت غادة لتجد الفوضى تعم المكان. اللعنة، لقد اتلف الجهاز الذي تعمل عليه بالكامل، و هي تحتاج إلى جهاز آخر لتواصل متابعة الطائرة! قالت ذلك في توتر لزميلها فسلمها جهازه و هو يقول "لو ظللتِ في مكانك لاتلفتِ مع الجهاز!"

"هنا برج المراقبة، انقطع الاتصال لأسباب تقنية. هل من مشكلة؟"
"بالفعل هناك مشكلة، و لكن أصلحها التقنيّ هنا، نريد توجيهاتكم للنزول الاضطراري."

هنا أدرك الجميع أن شيئا ما قد حدث... 

أما الطائرة، فقد اضطرت للنزول، و طبعا لأن تونس الخضراء لا تعج بالغابات كما يتخيل الاخوة العرب، فلم يكون نزولها معقدا.. 

**************

لم يحدث شيء.. لقد كان حادث مبارك مصادفة اذا..
و لعله لم يمت.. 
ان العشوائية في ديارنا تفسد كل خطة ممكنة، و كل برنامج طموح..
تأملت الجنرال و هو يسلم على الأمير البدين، و في ذهني فكرة واحدة : هناك حالة رداءة عامة هنا.
ثم رميت بالمفكرة في القمامة..




Wednesday, June 20, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الأول

غدا عيد ميلادي،

او هكذا أخبرتني إحدى تطبيقات الانترنت التي تحاصرني من كل جانب. و هكذا أدركت ـ مرة أخرى ـ أن سنة أخرى من حياتي ضاعت هباء، أو للدقة الشاعرية، هباء منثورا.. وجهي كما ترسمه المرآة كما هو تقريبا، لولا شيء من التشاؤم و السخط ينفذ من عينيّ ليجعلني أبدو أقل بلاهة..

ماذا يفعل الانسان ليلة عيد ميلاده؟ يصعب تحديد ذلك، لكني أعرف ما يفعله تونسي أمِل يوما في الثورة ليلة عيد ميلاده : يسترجع ذكرى خيباته حتما! لكـ.. لحظة، أسمع حفيفا غريبا. هل هو أحدكم؟ أم هي مخيلتي اللعينة؟ حبست أنفاسي محاولا تبيّن ما يحدث. لكن الصمت كان بليغا.. حاولت أن أقنع نفسي أن لن يخسر العالم الكثير بفقداني، و جرؤت أخيرا أن أتقدم، و ألقي نظرة متوثبة إلى المطبخ.. هناك كتاب على الطاولة. كتاب أسود أنيق كخيباتي.. المثير أن لا أحد يقرأ هنا غيري..

اقتربت في حذر كأنني أناور أفعى ملكية، و تأملت العنوان في دهشة "Death Note" أو مفكرة الموت. أين رأيت هذا العنوان من قبل؟ تخبرني ذاكرتي الصدئة، عن مسلسل صور متحركة ياباني بذات الاسم، و ذات الطابع القوطيّ الكئيب الذي أراه أمامي الآن. هو مفكرة بالفعل، لكن، اللعنة! من أتى بها ؟

تقول الأسطورة إن المفكرة تمكن الكاتب فيها من قتل من يشاء بمجرد ذكر اسمه على المفكرة. الأكثر اثارة هنا، انه بالامكان تحديد طريقة وفاته أيضا. و هي كما تلاحظون طريقة مستفزة جدا لأكثر مخلوقات الله مسالمة، أن تجرب فكرة القتل، فما بالكم بشخص عنيف الطباع مثلي. تقليد جميل لعشاق المسلسل لكنها تظل مفكرة كغيرها. لا ميزة هناك غير ما تصنعه مخيلة شخص ملول محاصر بالخيبات مثلي.. لتعمل المفكرة و لو في مخيلتي. فهناك العشرات ممن أريد أن لا أراهم أحياء في سنتي الجديدة.. بمن نبدأ؟

لا أعرف كيف خطر ببالي اسم الرئيس المصري، ربما لاعلان الرئيس الجديد، و ربما لأنني لم أرَ شخصا أهان مصر و العرب قدر خياناته التي لا تنتهي. من المنطقيّ أن أبدأ بيهوذا العرب. أخط أنه أصيب بجلطة في المخ، و قضي الأمر. لا تطاول على الأقدار هناك، بل مجرد آمال سخيفة و يائسة.. من أيضا؟ جنرال عسكرنا الموقر؟ قضاة مرتشون؟ التجمعيون؟ رجال الاعمال الفاسدون؟ السلفيون المزيفون؟ الحمقى؟ أعتقد أنني سأرسل نصف البلاد إلى الجحيم و لا أخال المفكرة تتسع لكل هؤلاء، فضلا أنني لا أعرف أسماء الجميع.. ماذا لو اخترت اناسا بعينهم؟ موتهم يقلب الموازين و ينقذ الثورة؟

من يستحق الموت؟ من خان الأمانة؟ و من ينفع البلاد بموته أكثر مما يفعل بحياته؟ الرئيس ربما، فهو لا يمثل أي دعامة للتوازن، بل لعله مجرد صورة "يسارية" لليمين الحاكم، انعكاس مرآة ليس الا، و صدى أقل وضوحا للحاكم الفعلي. و أعتقد أن أي تعويض له سيكون ذا نفع حتما. الوزراء الفاشلون؟ حتما، مادام رئيسهم لا ينتوي تغييرهم، فالافضل أن ارغمه على ذلك. تخيلوا وزيرا يحل المشاكل بدل أن يثيرها، و يشتغل أكثر من أن يتكلم! أحلم؟ بالفعل أحلم، لِم نوجد الفانتازيا اذا؟! ماذا عن قتلة الشهداء؟! وجيعة الثورة الكبرى. سأقتلهم جميعا، العدالة؟ لقد قالت العدالة كلمتها بالفعل، و أثبتت عجزها و قصورها في هذا الوطن العاجز. سأقتلهم جميعا، و لأقتل معهم العدالة نفسها. سأقتل ذلك الرئيس الذي لا يزال يلاعب صورة الشهيد على صدره كلما وجهوا القمرة (الكاميرا) إلى وجهه المكفهرّ العصابيّ. سأقتل صاحب الابتسامة البلهاء الذي وعد بالقصاص و خذل، سأقتل أولئك الحمقى الذين يتبجحون بالانتصار للشهداء بعدما خذلوهم عندما كانوا في الحكم منذ عام مضى.. سأقتل أصحاب المطارق المرتشين الذين قبلوا بمسرحية المحاكمات.. سأقتل أولئك السياسيين الذين يزايدون بمصاب العائلات المنكوبة مرتين، و أولئك النواب الذين يكتفون بالخطب العصماء و الصراخ السريالي المثير للغثيان، سأقتل الدكاترة و الاكادميين الذين يبيعون الحكمة لمن يدفع أكثر، و سأقتل الصحفيين الذين ينقلون ما شاء الكلاب أن ينقلوا، و يدفنون ما لم يقدروا على الخوض فيه، سأقتل الفنانين الذين لا فن لهم غير تقليد الآخرين، و لا شعب يحدثونه غير اناهم المتضخمة المشبعة بتراب الآخرين.. سأقتل الخرفان الذين يساسون بيسر ليهلكَ بعضهم بعضا.. سأقتل صاحب البدلة الكاكية الصارمة، مخفي الأسرار و مهلك الثوّار، كاتم الحقائق و مالك الأسرار.. سأتدبر له قتلة عبقرية تنهي الأسطورة الشاعرية و تعريها. سأقتل كل من قبل الرشوة أو قدمها، كل من أمر بالقتل أو التعذيب، كل من اختلس أموالا من الشعب، سأقتل المتمعشين من كاهل الفقراء، سأقتل المعتمد الذي يسمع أنين الارملة العارية شتاء فلا يأبه، و سأقتل ضابط الشرطة الذي رأى من يُعتدى عليه و لا يتدخل، و سأقتل من شهد عمليات البيع الرمزية لأراضي البلاد و لم يقل شيئا، و من قدم أرقاما كاذبة و هو يرسم ابتسامة رضا صفراء. سأقتل المحامي الذي استبسل في الدفاع عن رجل أعمال فاسد و الناس لم تجد من يأخذ بحقوقها، سأقتل الطبيب الذي أخطأ ثم تملص من خطئه، و سأقتل المعلم الذي لا يعلم، و الصحفي الذي ينشر الاكاذيب، و المهندس الذي يوفر حلا و جملة من المشاكل، سأقتل أصحاب سيارات الأجرة الذين لا يقفون لحالة حرجة خوفا من مسافة قصيرة لا توفر مالا، و سأقتل الأئمة الذين يحرضون على القتل في حضرة الله... سأقتل الرداءة! سأقتل سوء العمل! فهو مشكلتنا الاولى. نحن سيئون، و يجب أن نوجد جيلا ينجز عملا أكثر اتقانا و أقل عارا. كم ذكرت القتل من مرة؟ ما يكفي لملء خزانة من المفكرات لا واحدة، لكن لا بأس، لا بأس، إن هي إلا مفكرة تبيع لي الاوهام، و هو ديدننا منذ أخبار هارون الرشيد، و حكايات ألف ليلة.. نعشق الأوهام، و نتنفس الأساطير و المبالغات، تاريخنا المسكين تتقاذفه الدعوات لالحاقه بالقرآن أو ذبحه على الملأ. ان هي الا جرعة فانتازيا، و كم احتاج الى الهروب الى الفانتازيا..



هنا قرأت خبرا غريبا على الانترنت.. خبرا يشير إلى موت الرئيس المصري .. و بجلطة في المخ...
عاد الصمت يعم المكان، و أنا أرمق مفكرتي السوداء في بلاهة..
مفكرة الموت...

<يتبع>


Translate