Showing posts with label خيال علمي. Show all posts
Showing posts with label خيال علمي. Show all posts

Tuesday, July 13, 2021

البطلُ ضدّ خالقه

وهكذا فإنّ فِِلمَ تينيت ليس بهذا السّوء الّذي يريد أن يقنعنا بهِ المنكوبون في كبريائهم والعاجزون عن المشاهدات المتعدّدة. إذ أراه ساحة صراعٍ طريفةٍ يواجهُ فيها البطلُ كاتبَهُ. هل تحرِّرُ الدّراما أبطالَها من أقلامِ كاتبيها، فيمرقون على ما كان مخطّطا مسبقا، أم يظلّون بيادق بين أصابع الخالق، يقدّر لها الأدوار كيفما يشاء، ويُخضعها لحتميّته الخاصّةِ؟
 
يَفترِضُ البدءُ بهذا السؤالِ، أن أعود بأفكاري إلى الوراءِ تسلسلاً مقلوبا حتّى أنتهيَ بالبداياتِ، أُسوةً بأحداثِ الفلمِ وبساحةِ الصّراعِ الّتي وضعَها نولَنْ لبطلِه ها هنا. لكنّني أشفق على نفسي من مشقّةِ كذا كتابةٍ، وعلى القارئِ من تكبّد عناء قراءتها. فلنعد للبداياتِ.
 
تينيت Tenet، هو آخر أفلام البريطانيِّ كريستُفر نولَنْ، وهو طريقتُه الكلاسيكيّةُ في استقبالِ العقدِ الجديدِ. فقد سبق أن استقبل العقد الأوّل من الألفيّة بفلمِ Memento. وبعد عشر سنين، ملأَ الدنيا وشغل النّاس بفلمِ Inception. تينيت إذا، ليس أوّل فلمٍ-أحجيةٍ ينجزُه ولكنّه بلا شكّ أعقدُها. ورأيي أنّه يحتلّ مرتبة متقدّمة في قائمةِ أعقد قصص الأفلام على الإطلاق. وليس يزيدُ ذلك من قيمتِه أو ينقصُ. فلا هو راجعٌ إلى ضُعفٍ في الكتابةِ أو الشّرحِ، ولا هو علامةٌ على ثراءِ الصّورة أو عُمقِ معانيها. إنّه تجربةٌ أسلوبيّةٌ في ذاتِها يمكن أن تنجح أو أن تفشل انطلاقا من الأدواتِ السينمائيّة الّتي ترافِقُها.
 
لا أفضّل الأفلام الّتي ترتهنُها قصصُها، فلا تقومُ إلاّ على الإخبارِ بأحداثِها. إنّها أفلامٌ لا تُشاهدُ وإنّما يُستمعُ إليها أو تُقرأ. وليس غريبا أن يكون أغلبها تراجمَ سينمائيّةً لرواياتٍ معروفةٍ، وأن توصمَ بتلك العبارةِ الشّهيرةِ: الكتاب خير من الفلمِ. يأخذ الحدثُ القصصيُّ فيها وأداءُ الممثّلين جوهرَ المشهدِ وتتراجعُ عناصرُ الصّورةِ وسيميائيّتُها إلى خلفيّةٍ باهتةٍ تُسهّل التغافلَ عنها. هنا حين يأكلُ أحدُهم فهو فقط ينقل إليك خبرَ الأكلِ. أمّا حين تعود السينما إلى جوهرِها كوسيط بصريٍّ، ينقلُ الأكلُ حالةَ الآكلِ النفسيّةَ (مشهد الأكل في فلمِ قصّة شبح A ghost story)، أو غرائزه الجنسية (مشهد المطبخ في فلم تسعة أسابيع ونصف

9½ Weeks)، أو طبيعة العلاقة العموديّة بين شخصيْن (مشهد البرغر في Pulp Fiction)...


والأكلُ في تينيت، ساحةُ حربٍ وخديعةٍ. حين جلست كاثرين بارتُن إلى مائدةِ الفطور، كانت تظنُّ أنّها قد نجحت في خداعِ زوجها، أندري ساتور تاجر الأسلحة الّذي تظنُّ، لكنُّه فاجأها بطبقِ طعامٍ خاصٍّ أعلن لها به كشفَه لخطَطِها.
 
قبل ذلك، اِحتاجَ البطلُ إلى الجلوس إلى ثلاثِ موائد عشاءٍ مختلفةٍ ليتمكّن من جمعِ المعلومات اللازمةِ والتّوصّلِ إلى استدراجِ أندري ساتور إلى ما كان يظنُّ أنّها خطَّتُه: مائدةُ السِّير كروسبي في بريطانيا، ثمّ مائدةُ كاثرين بارتُن وأخيرا العشاءُ في يختِ زوجِها. وبينما كان البطلُ يرتقي الدّرجاتِ إلى عدوِّه، مرَّ كلُّ شيءٍ بخفّةٍ وسرعةٍ مريبتيْن، كأنّما كان يُستدرجُ إلى الفخّ الّذي يُعدُّه. يتحوّلُ الأكلُ في تينيت إلى طُعمٍ، ويأخذُ التشبيهُ معناه أكثر من أيّ وقتٍ مضى على حافَّةِ اليختِ في المرحلةِ الأخيرةِ. فهل سيقع البطلُ فريسةَ الخديعةِ؟ تجيبُنا مشاهدُ الأكلِ البسيطةُ بحقيقةِ أنّه لم يأكل في أيٍّ منها!
 
ليس هذا إلاّ مثالا بسيطا. والأهمُّ أنّ تينيت، على تمحوُرِه حول الحدثِ القصصيِّ على عادةِ أفلامِ نولَنْ، لا يغفلُ قطُّ عن حقيقةِ أنّ السينما وسيط بصريٌّ قبل أيّ شيءٍ. فاستعمل مثلا تركيبة بصريّة من الأزرق والأحمر، لفكّ شفرةِ المشاهدِ المعقّدة. وأجرى ذلك على ألبسة شخصيّاتِه كفستان كاثرن الأحمرِ. وفي مشهد القطارِ، كان صريرُ السّكك الحديديّةِ يصفُ ببلاغةٍ ما كان يحدثُ داخل فمِ البطلِ المعذَّبِ. وكان اتّجاهُ حركةِ القطاريْنِ يُنبئُ بمحوريّةِ تلكَ اللحظةِ بين اتَجاهيْ الزمن المتقابليْنِ…

لا يهتمُّ الفلمُ بمناقشةِ فكرةِ السّيرِ عكس اتّجاهِ الزّمنِ، وإنّما بعرضِ التجربةِ فعليّا، بحيث يمكنُ للمشاهدِ أن يخوض غمارَها، أو على الأقلِّ أن يشعُرَ بتأثيراتِها: حياةٌ تسيرُ بشكلٍ عكسيٍّ من حولِك، ونهاياتٌ تعترِضُك لبداياتٍ لم تأتِ بعدُ، ودعوةٌ للتفكيرِ خارجَ منطقِ السّببيّةِ الطبيعيِّ. يرى بعض النّقّادِ أنّ تجربةَ السيرورةِ الزمنية المعكوسة ليس مثيرا بما يكفي ولا عميقا بما يشفي، ولا يستحقّ استثمارا فنيّا بهذا الحجم. مشكلةُ هؤلاءِ أنّهم يُقصرون التّجربةَ على تلك الفصولِ الفُرجَويَّةِ الّتي يتحرّك فيها بعضهم بشكلٍ معكوسٍ. لكنّ التجربةَ الّتي أرادَها نولَن أرحبُ وأثرى. فحين يضعُ مشاهِدَه على مسارِ رحلةِ البطلِ، يفرِضُ عليهِ أن يفكّر طبقا لقوانين اللعبة الجديدةِ، وبالتّالي يجعلُه يعيش تجربةً افتراضيّةً مكتملةَ الأركانِ.

ولئن كانت السينما عند نولَن تجربةً بالأساسِ، فإنّها لا تقصُر عن أبعادٍ فكريّة تتجاوزُ التّجربةَ وجماليّاتِها، لتتساءل عن السّينما نفسِها كآلةٍ لتشذيب الزّمنِ وإعادةِ تحديد ماهيّتِه. لعلّكم تذكرون مشهدَ التقاطِ الرّصاصةِ المعكوسةِ من على الطّاولةِ، وكيف أنّ عميلةَ المخابراتِ الشّقراءِ عرضت عليهِ تسجيلَ فيديو لعملية الالتقاطِ، فعكست سيرَ الفيديو فأصبحَ عمليّةَ إسقاطٍ. ألا تروْن في قلب المفاهيمِ هذا آفاقا مثيرةً وخطيرةً؟ ألا يخبّرُ عن سعةَ قُدُراتِ السينما، وأدواتِها؟ ثمَّ، ماهي طبيعةُ القَلبِ Inversion؟ هل هي تقويضٌ للحقيقةِ أم إنّها إثراءٌ لها؟ وبعبارةٍ أخرى، ألا تسمحُ لنا السّينما من خلالِ ما يبدو أنّهُ تقويضٌ للطبيعةِ، بالتّركيب، والخِدع، والتلاعب بخطّ السّردِ، بفهمٍ أدقَّ لهذه الطبيعةِ؟ ألا تسمحُ بتجاوزِ حدودِ حواسِّنا القَاصرةِ وطرقِ تفكيرِنا الاعتياديّةِ والبسيطةِ؟ ألا تسمحُ كضربٍ من الفنّ بتجلٍّ أدقَّ للحقيقةِ؟

هو ذاك التساؤل الّذي يعاودُنا كلّما شعرنا إزاء عملٍ فنيّ بلحظة كشفٍ. لكنّ التساؤلاتِ تستمرُّ مع تينيت، وتحديدا مع عنصره المحوريِّ، أي قصّته. أفلا تُرانا أمام أكثر من قصّةِ صراعٍ بين بطلٍ أمريكيٍّ ومجرمٍ روسيٍّ لإنقاذِ العالمِ؟

للتّذكيرِ، فنولنْ يعملُ هنا على صنفٍ genre سينمائيٍّ واضحِ المعالمِ، هو الخيال الجاسوسيِّ Spy-fi، وهو مزج بين الخيال العلميّ والجاسوسيّة. ولا شكّ أنّ سلسلة جيمس بوند هي أشهرُ أمثلةِ هذا الصنف: خطّةٌ لتصفية العالم أو السيطرة عليه، وبطلٌ ذكيّ، وشرير عدميّ، وتقنية متطوّرة، ومشاهدُ حركةٍ فرجوية بالجملة أبرزُها المطاردة المألوفة بالسيارات… لم يَغفل نولَن عن أهمّ عناصرِ الصّنف، مع إضافةٍ معتبرةٍ في جانب الخيال العلميّ الّذي يُهمَل عادةً ويُتركُ سخيفا. إنّني أجدُ في ذلك إجراءً تعديليّا مهمّا يُعيدُ هذا الصّنف الفرعيَّ إلى حظيرة الخيال العلميِّ.

ولا يكتفي نولَن بإعادةِ إخراج الخيال الجاسوسيِّ في ثوبٍ جديدٍ، بل يحاول أن يُخرجَه من خطابِه المألوفِ: خطاب الحربِ الباردةِ سياسيّا، وخطابِ الخوفِ الذّكوريِّ من امرأةِ ما بعدَ الحربِ العالميةِ. ففي تينيت، يُطلُّ الشريرُ الروسيُّ من نافذةٍ رأسماليّةٍ محضة: أعمال، يخوت، فنّ تشكيليّ، العملُ بشكلٍ فرديٍّ، النزعة العدمية الخ. في حين يعملُ البطلُ في إطارٍ جماعيٍّ يكادُ يكونُ أفقيّ العلائقِ.

كما غيّرت شخصيّةُ كاثرِن بارتُن من وجهِ المرأةِ في أفلام الجاسوسيّةِ. فلم نعد إزاءَ تلك الفاتنة الغامضةِ المخادِعةِ الّتي تستدرجُ البطلَ إلى الفخّ القاتلِ. ولم نعد إزاء ذلك الجسد الّذي لا يكاد البطلُ يظفر منه ببعض الوصلِ حتّى تتمَّ تصفيتُه/معاقبته بقسوةٍ. على العكس، كانت كاثرن مفتاح الوصولِ إلى العدوِّ، وكانت قد سُلبت حرّيّتها واستقلاليّتها ولم يبق منها إلا عنصرُ الأمومةِ الّذي كان مهدّدا. كانت كاثرن تحلمُ بنموذجِ المرأةِ في الأفلام الجاسوسيّةِ. ولم تدرِ أنّها ستحقّقه في النهاية. سار تينيت بالتّالي عكس أفلام الجاسوسيّة الّتي تعاقب المرأة على انفلاتِها من الطوع وتخلّص المشاهد الرّجلَ من شعور التّهديد. فانتصر للمرأةِ المستقلّةِ وانتصرَ لبطلٍ جديدٍ لا يقع تحت طائل فتنتها.

لا أحد يعرف اسم هذا البطلِ، ولا تاريخَه ولا مأساتِه الشخصيّةِ. يعرّف على أنّه البطلُ القصصيُّ Protagonist بإلحاح يدعو إلى الانتباه، ولا يملك أيّ مسارٍ دراميٍّ داخل الفلمِ كما هو بادٍ. وقد وجد النقاد في هذا التوجّه عيبا كبيرا. بل لم يجدوا من عيب حقيقيٍّ للفلمِ غير هذا. مشكلةُ أفلام نولَن أنّها تصنع مسافة بين المشاهدِ والشخصيات، بحيث لا نتعاطفُ معها. هكذا يقولون، كأنّهم لم يروا علاقة مرفي بأبيها في "بين النجوم" Interstellar، أو شخصية جوكر في فارس الظلام The Dark Knight، أو محنة دوم كوب في فلم استهلال Inception… إنّ الرّبط بين تأطير الشخصية وتعريفها وبين القدرة على التعاطف معها أو تقبّل مسارها الدّراميِّ هو أشبه بالرّبط بين صلصة الطماطم وعجين السپاغيتي Spaghetti، أي قائم على وهم التعوّدِ ليس إلا، ولنا في أفلام سرجيو ليوني العظيمةِ، وشخصيّةِ كلينت استوود Clint Eastwood الغامضة فيها خيرُ مثالٍ.

لقد كان من المهمّ تجريدُ البطلِ من كلِّ تخصيصٍ، والاكتفاء بتعريفِه بهذه الصّفةِ، لأنّنا إزاءَ صراعٍ يتجاوز لعبةَ الجاسوسيّةِ إلى لعبة الكتابة ذاتِها، حيث يقف البطلُ القصصيُّ في مواجهةٍ غير مألوفةٍ ضدَّ كاتبِه. يحاول أن يكون كلاسيكيّا قدر الإمكانِ: مخلصا ومتفانيا ومؤثِرًا وعامرا بتلك القيمِ الإنسانيّةِ المُثلى الّتي لا يكتسبُها المرءُ الطبيعيُّ بقدرما يكتسبُها الأبطالُ. لكنَّه يجدُ نفسَه في أرضٍ قصصيّةٍ متحرّكة كدوّامةِ رملٍ مخيفةٍ لا تُفهم قواعدها. يعابثه كاتبُه، فينقلُه من شخصية إلى أخرى، ويزوّدُه في كلّ محطّةٍ بالمعلومات الكافية للانتقال إلى المحطّةِ الأخرى: رجل المخابرات الأمريكيّ، سائق السيارة في الميناء، عاملةُ المخبرِ، نيل، تاجرةُ السلاح الهنديّةُ، السير كروسبي العميل البريطانيُّ، كاثرن بارتُن خبيرة الفنونِ، زوجُها الروسيّ أندري ساتور… في كلِّ مرّة، يعدّل البطلُ من منظورِه للعبةِ، ويحاولُ أن يبدأ بالتّحرّك وفقا للقواعدِ الجديدةِ، لكنّه يفاجَأ بتغييرِها. وفي كلِّ مرّةٍ يظنُّ نفسَه قد أحكمَ الخطّةَ، يجدُ أن خطّته مفضوحةٌ أو أخطأتِ الهدفَ. أحيانا بشكلٍ سخيفٍ كما حدث مع پريــا تاجرة السلاح الهنديّة الّتي هاجم البطلُ زوجها ظنّا أنّه هو المسؤولُ عن نشاطاتِها. نلمسُ في كلّ مرّة عبثا من الكاتبِ ببطلِه لأنّ الخديعةَ لا تغيّر شيئا من مسار الأحداثِ، ولا تمنحُ البطلَ إلاّ إحساسا مهينا بأنّه لا يسيطرُ على شيءٍ. هكذا، فقد أعصابه مع إصابةِ كاثرِن القاتلةِ. إنّها الفتاة الجميلةُ الّتي عليه أن يضمنَ سلامتَها كأيِّ بطلٍ قصصيٍّ محترمٍ، ولكنّ المفاهيمَ تتجاوزُه مرّة أخرى، فهاجم نيل، لأنّه كان يشعر أنّه يعرفُ أكثر ممّا يقولُ. والحقيقةُ أنّ نيل، يبدو أقرب إلى التجلّي القصصيِّ لكاتبِه. ينزل من علياءِ قلمِه كيسوعٍ داخلَ روايتِه ويتقمّص أحد شخصيّاتِه. ربما ليساعد بطلَه وربّما ليزيد من معابثتِه، وربّما ليعلن له في النّهايةِ انتصارَه عليه: اُنظروا إليه في نهاية القتالِ وهو يأتي في لحظة اليأسِ الأخيرةِ ليضحّيَ بجسدِه الفاني (جسد نيل الّذي يتقمّصه) ويُنقذَ بطلَه وينقذَ العالمَ! أيّة نرجسيّةٍ فاضت بها قمرته؟!

في لحظةٍ ما، بدا أنّ البطلَ قد انتصرَ في صراعِه مع كاتبِه: فهم قواعدَ اللعبة المعقّدةِ، وبدأ يعدّ خططه. استطاع خداع عدوّه الرّوسيَّ، ثمّ استطاع أن يسبق پريـا ويقتلها قبل أن تغدر بحسنائه. لكنْ كما سبق وأن ذكرتُ، فهو لم يتمكّن تماما من التخلّص من براثن كاتبِه. ورغم تصريح نيل في النهاية بأنّ "البطل" هو مدبّر العمليّةِ بأكملِها، فإننا نعلم أنّ الأحداث تجاوزته في النهاية وأنّ كلمة الفصل كانت له (أي نيل/الكاتب).

ربّما تعج أدبيات ما بعد الحداثةِ بهذا النّوعِ من الصّراعاتِ. لكنّ نولَن منحه الكثير من الطرافةِ والذّاتيةِ. تينيت هو سؤال الكتابة عن ذاتِها، وهو سؤال السّينما الكلاسيكيّةِ عن مستقبلِها في عالمٍ لم يعد يرضى بأكثر من ساعتين من العرضِ. لقد أرسى نولن نسقا مجنونا للفلمِ حتى يوضع في إطار الساعتين ونصف، والحقيقةُ أنّه كان يمكن أن يبلغ الساعات الثلاثِ دون أن يكون النسق مملاّ للمشاهدِ العاديِّ. وقد كان سيتخلّص حينئذ من حنقِ أولئك الّذين أصيبوا في كبريائهم من تعقيد الفلم وعدم تقبّلهم لحاجتهم إلى مشاهداتٍ أخرى لفهم دقائقِ القصّةِ وتفاصيلها.

وعلى أية حال، فتينيت ليس أفضل أفلامِ نولن وليس أسوأها أيضا. إنّه تجربةٌ فريدةٌ تنتمي إلى زمنٍ قد نتحسّر عليه قريبا.
 

 

Tuesday, October 24, 2017

بلايد رنر 2049 : وصفة التكملة الناجحة


"وبدأ العدم الأسود الدموي في الدوران..
نظام من الخلايا المترابطة داخل خلايا مترابطة،
داخل خلايا مترابطة داخل جذع واحد.
رهيب تميّزها عن الظلام، تلك النافورة البيضاء العالية.."


راجت تجارة اللّواحق (sequels) والسوابق (prequels) وجعلت من سينما الميزانيات الضخمة (Blockbusters) أشياء كريهة أقرب لبرامج التسلية التلفزيونية. مشاهدٌ مؤسّسة على اللقطة الخاطفة، والتركيب الكثيف، والخلفية الخضراء الشهيرة التي تنقل العمل من أستوديو التصوير إلى شاشة الكمبيوتر. في سياق كهذا، لا يمكن النّظر إلى مشروع بلايد رنر 2049 إلا كفرصة تجارية أخرى. لكنّ المخرج الكنديَّ دنيس فيلنوف Denis Villeneuve أثبت كم هو ممكن ورائعٌ أيضا، إنجازُ التكملات، إذا ما عُرف الغرض الأساسيُّ منها. لمن شاهد منكم الفيلمين، وخصوصا الفيلمَ الأول، دعوني أحدّثكم عن الوصفة السحريّة التي أنجز بها فيلنوف، بلايد رنر 2049.

تقع أحداث الجزء الأول سنة 2019، ولئن بدا التاريخُ بعيدا جدّا لريدلي سكوتّ Ridley Scott حينما أنجزَه في بداية الثمانينات، فإنّه اليوم زمنُ الحاضرِ. وصار محتّما على دنيس فلنوف أن يأخذ مسافة زمنية من أحداثه، فقدّر أنّ 2049 يمكن أن يكون ملائما، فلا هو بالقريب بحيث يكون ظهور دكرد Deckard (بطل الجزء الأول) بملامحه العجوز (يؤدّي الدور هارسون فورد Harrison Ford) معقولا، ويكون المجال لتصوّر مستقبليّ جديد ممكنا، ولا هو بالبعيد بحيث يحافظ المشهد الدستوبيُّ المميّزُ لبلايد رنر على خصائصه، وتحافظ رواية فيلنوف على رابط عضويّ بقصّة سكوتّ.

أنجز بلايد رنر 2049 وفق حقيقتين: أنّه تكلمة لفيلم كلاسيكيّ، وأنّه فيلم قائم بذاته. ولقد عمل فيلنوف على الرقص بينهما رقصا عبقريا تجلّى في كلّ العناصر، فهو محافظ ومجدّد في آن، فأبقى بذلك على روح الفيلم القديم، وعمل على تجاوزه على مختلف المستويات.


1 - تصميم الفضاء
لا تزال لوس أنجلس Los Angeles كما تخيّلها سيد ميد Syd Mead في الجزء الأول، مظلمة وساطعة الأضواء في آن، عامرة بالبشر من مختلف الأجناس والثقافات، مكتظة قذرة. ولا يزال التباين واضحا بين عالمها السفليّ والعلويّ، وبين طبقة القمّة وطبقات القاع.
لكنّ فيلنوف لم يقف عند تلك الشوارع التي ألفناها، بل وسعت صورةُ قُمْرَتِه (كاميراه) أطراف المدينة وأقصاها. فصرنا نرى حدودها، حيث السّور الضخم الذي يقيها مياه أمواج المحيط العاتية. ثمّ صرنا نرى ما وراء المدينة، حيث حقل إنتاج الطاقة، وحيث مصبّ النفايات، ثمّ صرنا نرى مدنا أخرى مثل لاس فيغاس Las Vegas التي أصبحت مدينة مهجورة في هذا الزمان.

لقد أتاح توسّعُ فيلنوف في فضاء السرّد، مجالا مدهشا للتّصوّر الحرّ بدون أن يهدم شيئا من بناء بلايد رنر القديم، بل زاد عليها وأثراها. هناك في لوس أنجلس، ينعكس المعمار والبيئة على نمط حياة السكّان ومظهرهم، فهم لا يكتفون باصطحاب مظلات المطر والمعاطف المقاومة للماء بشكل دائم، بل يستعملون مظلات مضيئة بالنيون Neon ومعاطفَ شفافة تعكس أنوار الإعلانات الضخمة المنتشرة. وقد استمرّت هذه العلاقة العضويّة خارجها، فهناك عند مصبّ الفضلات العملاق، حيث يصبح كلُّ شيء قذرا، يطغى اللون البُنّيُّ على الألبسة، وتتحوّل الأنشطة الاقتصادية إلى قطع الطرق، والاتّجار بالأطفال، ورسكلة الخردة (recycling). لا ننسى أنّ العالم السفليّ للمدينة كان قائما على الموادّ المرسكلة، ومراكمة التعديلات، فكان توجّهُ فيلنوف نحو المصبّ ونشاط الرسكلة، إثراءً رائعا لفكرة الجزء الأول.

لقد خضع تصميم الفضاء في بلايد رنر للهاجس البيئيّ، واستمرّت العلاقة بينهما في 2049. ولئن كانت الإشارات التحذيريّة واضحة في الفيلم الأول بهذا الخصوص (الطقس الممطر باستمرار وغياب الشمس، وانقراض الحيوان) فإنّ الجزء الثاني جعلها مفتاح المشهد. لقد نوّع فيلنوف من الكوارث البيئيّة، فعوّض الأمطار في أغلب الوقت بالثلوج (وهو أمر غريب عن مدينة ربيعية كلوس أنجلس)، وأضاف أمواج تسونامي القاتلة، والزوابع الرعدية، والضباب الكثيف، وعواصف الغبار، كما أنّ غياب الحيوان بات منعكسا على ألبسة القوم الذين يحاولون التبجّح بقطع فراء اصطناعيّ (معطف كي K' وأزياء فتيات الليل الخ). لقد كانت كلّ المشاهد الخارجية محمولة على خلفيّة الكارثة البيئيّة المحدقة بإنسان هذا العصر، فأعراض السّقام تمارس تأثيرا جماليّا على الصورة، وتعوّض في كثير من الأحيان خصائص فيلم النّوار Noir التي تميّز الجزء الأول (الكياروسكورو أو ثنائية الضوء والعتمة). وما كان تلميحا مع سكوتّ صار تصريحا مع فيلنوف، فهذا العالم الديستوبيّ المريع، الخالي من النبات والحيوان، بات يعيش على تربية الديدان المصنّعة في معامل شركة والاس Wallace Corp واستخراج بروتيناتها في مزارع غير ذات نبت. وهذا العالم بات ينظر إلى جذع شجرة ميّتة، نظرة الخائف المرتاب. وما كان تحذيرا في الجزء الأول باتَ إدانة في هذا الجزء، فإنسان 2049 لا يبدو نادما على أخطائه القاتلة، بل هو مغرق في همجيّته وتوحّشه. ولو أمكن له أن يعوّض الفراء الاصطناعيّ الذي يزيّن كلّ أزيائه، بفرو حقيقيّ لفعل دون تردّد!


2 - إعادة التوزيع الديمغرافيّ
بالتوازي مع التوسّع في تصميم الفضاء، عمل فيلنوف أيضا على الجانب السوسيولوجيّ، فحاول أن يعيد ترتيب الهرم الاجتماعيّ للمدينة، مضيفا بعض الفئات الأخرى. فمنح الأطفال مساحة معتبرة، وهم طبعا أطفال الهامش، المستغلُّون بالاتّجار والعمل القسريّ والحرمان. ولا شكّ أنّ صورتهم وهم يعملون على رسكلة الخردة، لا تحتاج إلى جهدٍ لنقرأ فيها وضع الأطفال الآسيويين العاملين في مصانع الشركات العملاقة.
أمّا ذلك الجوُّ البابليُّ (نسبة إلى قصّة برج بابل في الكتاب المقدّس) المدهش الذي ملأ مشاهد الجزء الأوّل، فقد استغنى عنه فيلنوف في حركة أجدُها أسوأ خياراته. صارت شوارع لوس أنجلس خالية ونظيفة وصارت عناصرها أكثر انسجاما، ولم نرَ من أهلها إلاّ القليل، مثلَ البائع الصّوماليِّ وبائعاتِ الهوى. كان تركيز فيلنوف واضحا على العلاقة بين البشر وبين المستنسخين، فصمّم مجتمعا قائما على صراع طبقيّ بينهما.

لكن يمكن أن نميّز أكثر من طبقتين اجتماعيّتين، ففي أعلى الهرم يوجد أرباب المال والأعمال، صانعو العالم بشركاتهم العابرة لكلّ شيء. ويرمز لهؤلاء السيد والاس Wallace الذي ورث كلّ متعلّقات تايرل Tyrell ورمزيّته. ثمّ يأتي كهنة النظام، حفظة الأمن، وتحتهم التقنيّون والأطبّاء، وكلّ هؤلاء هم المتمعّشون من النظام ويمثّلون بشكل ما الطبقة الوسطى.
أمّا القاعدة ففيها باقي البشر وأغلبهم من المهاجرين، ورغم نمط عيشهم الشقيّ، فهم أعلى مقاما من المستنسخين، وفي القاع نجدُ البشر المنفيين خارج المدينة وخارج الحساب، كما نجد الكائنات الرقميّة مثل جوي Joi، التي تلعب دور الجارية تقريبا.

فالمستنسخون في رؤية فيلنوف جزءٌ من المجتمع، يعيشون فيه ويتفاعلون معه، ويخلقون داخله نوعا من الاستقرار الاجتماعيّ. إذ أنّ وجودهم أشبه بالعازل بين بشر القمّة وبشر القاع، فالأوائل يستعملون المستنسخين بالصُّنع وتحقيق الثروة، وبالاستخدام وتحقيق الأمن، والآخرون يستعملونهم كواجهة للنظام، يعلّقون عليهم سخطهم عليه، وعلى وضعهم البائس. وكما يحدث في عصرنا الحاضر، فكلّ طبقة لا تواجه القمع المسلّط عليها بالاحتجاج وإنّما بقمع الطبقة الأقل منها. لقد خلنا لوهلة أنّ المستنسخين هم أراذل القوم، وضحاياه الأشدّ، حتّى رأينا موقف المومس المستنسخة، من جوي Joi الكائن الرقميّ، إذ قالت لها في اشمئزاز : اُصمتي. لقد كنتُ داخلك، ولم يكن هناك شيء تقريبا.

تفسّر هذه المقاربة، ذلك التشابه الواضح والمقصود بين وضع المستنسخين في لوس أنجلس فيلنوف، ووضع المهاجرين وأصحاب البشرة الملونة في مجتمعات البيض. فنظرة الذلّ واحدة، والشتائم واحدة، والأحكام المسبّقة والشيطنة واحدة.


3 - تمتين الحبكة الدراميّة
تواصلت سياسة فيلنوف المتبنّية والمتوسّعة في آن مع الجانب الدراميّ، فاستعمل ذات البنية القصصية للفيلم الأول: طرف خيطٍ يقود إلى آخر، يصنع رحلة البطلِ من وضعِ التابع للنظام، إلى وضع المنشقِّ عنه. لقد برع في هذه اللعبة حتّى الإمتاع، فكانت الخيوط مشدودة بعضها إلى بعض بشكل أمتن من الفيلم الأوّل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى "التواءة الأحداث" Plot twist، فقد أضحت جوهر الدراما بعدما كانت إضافة ملحقَة في فيلم سكوتّ. هل كان دكرد بشرا أم مستنسَخا؟ بقدر ما يبدو السؤال جوهريّا، فإنّ الإجابة عنه ليست كذلك. ولقد تبنّى فيلنوف جوهريّة السؤال وغموض الجواب، فلم يضف إلى ما نعرف عن طبيعة دكرد رغم أنّ أغلب المؤشرات توحي بكونه مستنسخا، وفي المقابل فقد كان واضحا تماما في ما يخصّ طبيعة بطله الجديد كي K' (ريان غوسلنغ Ryan Gosling) فاحتفاظه بالسؤال (ما معنى أن تكون إنسانا) لا يقتضي الاحتفاظ بصيغته.

جاء بطل فيلنوف شبيها بدكرد، ساخرا، ذي سحنة عدمية، لا يملك أمام أجهزة النظام إلا التّأكيد على فقدانه للخيار. لا يملك كي إسما، وإنّما تختصرُ رئيسته في العمل رقمه المتسلسل حين مناداته، لكنّه اختصار ذو دلالة، فإسم كي يذكّرنا ببطل فرانتس كافكا : يوسف كي Joseph K' الذي كان أيضا عاجزا أمام بيروقراطيّة النظام. وقد أكّد فيلنوف على هذه المقاربة حين أطلقت عليه جوي Joi رفيقته الرقميةُ إسم دجو Joe.
ولعلّ جوي هذا الكائن الرقميُّ اللامتجسّد هو ما يميّز كي فيلنوف عن كي كافكا وأيضا دكرد سكوتّ. فهي تعكس قدرته على الحلم، ورغبته الدفينة في أن يكون إنسانا، "يملك الخيار"، ويقدر لا على الحبّ فحسب، بل على تأسيس عائلة. كانت إرادة التغيير كامنة منذ البداية تحت ركام الأوامر والشتائم، وكانت بانتظار محرّك التاريخ لتبدأ به الرحلة نحو الخلاص، وهي رحلة معاكسة لرحلة دكرد، فقد بدأها مستنسخا واعيا بزيف ذاكرته، فإذا بها تصبح حقيقيّة، وإذا به يصبح مشروع معجزة استثنائية.

لقصّته مع جويْ مقوّمات فيلم مستقلّ بذاته. بل لعلّه يتفوّق على فيلم "هي" Her لسبايك جونز Spike Jones الذي يقترح حالة مشابهة. وهي ليست بمعزل عن سياق البطل الاجتماعي: فهو يرفض إقامة علاقة مع امرأة طبيعيّة (رئيسته في العمل)، لأنّه قد لا يمثّل عندها سوى لعبة جنسية، هي التي ترى أنّ العالم لا يستقيم إلا بوجود حدود صارمة بين الأنواع. وكذلك الأمر مع المستنسخات (بائعات الهوى) فقد اعتدنَ اعتبار أنفسهنَّ كذلك. أما جوي، فهي مبرمَجة مسبقا لتكون ما يريد. وما يريده كي، هو تجاوز الحدود بين الأنواع، فلئن كان عاجزا عن الشعور بالمساواة مع البشر لافتقاده للروح، فهو قادر على معاملة جوي بندّية رغم افتقادها للجسد.

أما جوي، فهي خلاصة كلّ الأسئلة الأُنطولوجية. إنّها امتداد لفكرة المستنسخين، أولئك المبرمجين الذين يملكون حضورا مادّيا ولا يملكون امتيازا روحيا. فهي لا تملك أيا من هذين، وحسبُها وجودها الرقميُّ، كفكرة في فضاء سايبيريّ لا أكثر. وهي مع ذلك لا تفتأ تثبت وجودها بقرارات جريئة (طلبها الانتقال النهائي إلى المنبع الجوّال emanator بتعلّة أنّ المنبع إن تحطّم فستموت كما يموت البشر أيضا) وردود فعل مُربكة (محاولاتها إيقاظَ كي من إغماءته رغم العطب الذي أصاب منبعها أثناء سقوط السيّارة). هل تملك جوي إرادتَها؟ أم أنّها تسير وفق ما بُرمجت عليه؟ حين نشهد قراراتها المناوئة لصانعيها وتضامنها الكامل مع مالكها/حبيبها قد نذهب إلى الاحتمال الأول، لكنّنا في ما بعد، نرى ذلك الإعلان الذكيَّ العملاق الذي خاطب كي بإسم "جو" Joe كما كانت تفعل حبيبته الرّاحلة، فنعيد التفكير…
جوي شيءٌ معقّد ومحيّرٌ، صنيعة رقميةٌ وكيانٌ ذكيٌّ، نسخة من بين آلاف النسخ، وذاتٌ مدركةٌ حقّقت تجربتها الوجوديّة المستقلّة. ما الذي يميّز جوي التي يملكُها كي، عن بقية النسخ المبيعة؟ هل هي الذاكرة؟ ولكنّ الذاكرة عند كي مختلقة، مزروعة، فكيف له أن يؤمن بذاته؟

حديثُ الذاكرة مجال آخر للتوسّع ـ والتفلسف ـ عند فيلنوف، فقد ذهب بنا إلى مصدرها، وأرانا كيف يتمّ تصنيعها، فكانت آنّا Anna بديلَ سيباستيان Sebastian في الفيلم الأول، تشترك معه في عجزها عن السفر إلى العالم الخارجيّ بسبب المرض، وتشترك معه في القرب من النظام وفي العمل على المستنسخين وفي روح الفنّان الكامنة فيهما، لكنّ آنّـا تملك بُعدا دراميّا أهمّ…

أمّا شخصيّة لوف Luv فلا أظنّها تملك مقابلا في نسخة سكوتّ، فتايرل Tyrell لم يكن يملك "ذراعا يمنى"، ولا يمكن أيضا مقابلة العلاقةِ بين دكرد وباتي Batty بالعلاقة بين كي ولوف. فباتي كان متمرّدا على النظام، وكفاحُه وجوديٌّ بحت، أمّا لوف، فهي كاهنُ نظامٍ يستعبدها، لا تكتفي بإضفاء شرعية لوجوده، أو خدمته، بل تقمع كلّ محاولة لمقاومته أو الاحتجاج عليه. لقد تغذَّت بالخوف إلى حدّ لم يعد معه وقوعها في حبِّ كي، كافيا لانتشالها من تبعيّتها، فاكتفت بتركه حيّا حينما كان متاحا قتله، وهي بذلك نقيض جوي.


4 - أكثر من ضيوف شرف
لأنّ الفيلمَ تكملةٌ لأيقونة لها مريدوها، فقد كان واجبا على فيلنوف أن يستحضر بعض شخصيات الجزء الأوّل، ونعني أساسا دكرد بطل الفيلم. وفي هذا المستوى، لم يكتف المخرجُ الكنديُّ بحضور مزيّف باهت كذلك الذي رأيناه في نسخ دزني الجديدة لحرب النجوم، بل أدمج الجضور الشرفيَّ للجيل القديم بشكل رائع داخل السرّد وداخل المشهد. والمؤكّد أنّ هارسون فورد (مؤدي دور دكرد) لم يؤدِّ دورا بهذه القيمة منذ زمن لابأس به، كما كان حضور ريتشل مذهلا دون أن أبوح بتفاصيله، دعك من أنّ شخصيّتها تمثّل لبّ الفكرة الرئيسية للقصة.


5 - العمل على الرّموز البصرية والدراميّة
في مستوى أخير من سياسة التبنّي والتوسّع، لا ينبغي أن نغفل انتباه فيلنوف لأهمّ الرموز البصرية للفيلم الأول. فقد تبنّى فكرة مشكَّلات الأوريغامي Origami من خلال إطلالة صانعها غاف Gaff القصيرة، التاركة لمُشَكَّلِ خروف (تلميحا للرواية الأصلية "هل تحلم الأندرويدات بخرفان كهربائية؟") ثمّ طوّرها إلى منحوتات خشبيّة تحيل إلى حصان دكرد الذي حلُم به في الجزء الأوّل.

وحافظ على مدلوليّة العين، كواسطة للرؤية، والمعرفة والتجربة الحسيّة، وكنافذة على الروح، فكانت عينُ كي، أوّل شيء طالعنا، وكانت العين وسيلة أساسية للتحقّق من الهوية، سواء بالنسبة للمستنسخين (بواسطة الرقم المتسلسل المكتوب عليها)، أو بالنسبة للنّفاد إلى المواقع المحظورة والمقيّدة. وكما جرت المفارقة، فالمستنسخون يملكون قدرات بصرية متميّزة على عكس البشر الذين يعانون من مشاكل في البصر. وإذا كان تايرل يحتاج إلى نظارات شديدة السُّمك، فإنّ والاس أعمى تماما، ما يدلّ على ذهاب روحه بلا رجعة.
وتبقى حالة فريزا Freysa هي الأكثر جدلا في هذا المستوى، ففقدانُها لأحد عينيها لا يمكن أن يؤوَّل في ضوء هذا المدلول، سوى على أنّ روحها معطوبة، وأنّ خياراتها سيّئة رغم أهدافها النبيلة. فهي كزعيمة حركة مقاومة المستنسخين ضدّ النظام، لا تجد حرجا في قتل شخص بريء مثل دكرد من أجل أن تظلّ المقاومة مستمرّة. وهو أمر رفضه كي في النهاية. فهل هي شبه إدانة من فيلنوف لحركات المقاومة المسلّحة في العالم؟ وهل هي دعوة لانتهاج المقاومة السلمية؟ لا شكّ عندي أنّ اختيار النجمة الفلسطينية هيام عبّاس لدور فريزا لم يكن عشوائيّا…

أمّا اختبارُ فويت ـ كامبف Voight-Kampff، فقد ارتأى فيلنوف تغييرَه، وهو أمر منطقيٌّ لانقراض أجيال المستنسخين القديمة، وانتفاء الحاجة للكشف عنهم. فحلّ محلُّه الاختبار الأساسيُّ Baseline test، ومهمّته الكشفُ عن المستنسخين الذين نمت فيهم الانفعالات البشريّة، ما يجعلهم خطرا يجب إزاحته. يقوم هذا الاختبار على ترديد كلمات بعينها من خطاب يلقيه صوتٌ صارمٌ جافٌّ، ويتمّ تحليل صوت المختبَر للكشف عن أية انفعالات يحاول إخفاءها.

ـ اُتل اختباركَ الأساسيّ
ـ وبدأ العدم الأسود الدموي في الدوران.. نظام من الخلايا المترابطة داخل خلايا مترابطة،  داخل خلايا مترابطة داخل جذع واحد. رهيب تميّزها عن الظلام، تلك النافورة البيضاء العالية.."
ـ خلايا
ـ خلايا…

استوحى فيلنوف نصّ الاختبار من رواية لنابوكوف Nabokov بعنوان نار شاحبة، وهي ذات الرواية التي نراها في منزل كي. وتتحدث الرواية عن شخص قرأ عن امرأة رأت نافورة بيضاء خلال تجربة الدنوّ من الموت، فحاول مقابلتها لأنّه عاش التجربة ذاتها، لكنّه اكتشف أنّ هناك خطأ مطبعيا وأنّها رأت جبلا (mountain) لا نافورة (fountain). لم يغيّر الخطأ من طبيعة الشعور، مثلما لم تغيّر حقيقةُ كي المحبطة، من تعاظم إدراكه لذاته، ككيان "مترابط" (Interlinked) بكيانات أخرى تمثّل جذعا كاملا. لذلك لم ينجح كي في الاختبار الأساسيّ، ونجح في الوعي بذاته كفرد داخل المجموعة.


لقد نجحت سياسة فيلنوف في مختلف مستويات الفيلم، ربّما ما عدا الموسيقى التي فشل هانس تسمّر Hans Zimmer في الخروج بها من بوتقة أعماله السابقة ـ خصوصا دنكرك ـ وجَعْلِها امتدادا مقبولا لموسيقى فانجلس Vangelis العبقريّة التي رافقت الجزء الأول. ولقد أحسن فيلنوف إذ أعاد استغلال بعض هذه المقاطع، خصوصا مقطع مشهد "كدمع في المطر" الشهير. فقد ساهمت الموسيقى في إحداث مقاربة بين المشهد الشهير، وبين مشهد سقوط كي إذ أتمَّ مهمّته. فالمشهدان يتفقان على طابع النهاية الملحميِّ، ويشتركان في تتويج البطلين بتحقيق وُجوديهما. فكلاهما يعاني من إشكال في علاقته بالذاكرة، الأوّل موقن بضياعها، والثاني موقن بزيفها، لذلك يلجآن إلى الآخر، ليحتضن عنهما هويّتهما وتجربتهما. لقد أدرك كي أنّ ذكرى الحصان ليست له، ولكنّ إحساسه بالثلوج حقيقيّ، تجربته التي قادته إلى التضحية بنفسه من أجل أبٍ وابنته، حقيقيّة لا مراء فيها، وكما شاركته آنا Anna ذكراها مع الحصان، شاركها هو تجربته مع الثلوج، فتجربة الإنسان الوجودية، لا تكتمل إلاّ بالآخر، أو هكذا أرادها فيلنوف أن تكون.

عنوان الفيلم : بْلَايْد رَنَرْ 2049 Blade Runner
المدّة : 164 دقيقة
الصنف : دراما، خيال علمي
المخرج : دنيس فيلنوف Denis Villeneuve
البطولة : ريان غوسلنغ Ryan Gosling، آنا دي أرماس Ana de Armas، روبن رايت Robin Wright، جارد ليتو Jared Leto، هارسن فورد Harrison Ford

Translate