مواضيع

Showing posts with label الخروج عن الخط. Show all posts
Showing posts with label الخروج عن الخط. Show all posts

Saturday, September 6, 2014

التقديم في منزل بورقيبة

السلام عليكم،

"عصفور من الشرق."
منذ ستة عشر عاما تقريبا، دخلت إلى قاعة المكتبة العمومية بمنزل بورقيبة لأول مرة. هذا ليس حدثا فريدا طبعا، لكن كنت أحسّ و أنا أخطو خطواتي الأولى بين الرفوف المزدحمة أن كل وسائل الإعلام تتبعني في جولتي، تلتقط صوري مع توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ، و علي الدوعاجي، و جان راسين و موليير. كانت تلك البطاقة الصغيرة التي حرمتُ منها سابقا لأنني لا أزال تلميذا في المدرسة، تجعلني أشعر أنني أهمّ شخص في العالم، و أنني قاب كتابين أو أدنى من الحقيقة التي ضحى بروميثيوس من أجلها. بعد هذه السنين، أعود لأضيف كتيبا صغيرا إلى الحقيقة.

"لن تحدث حرب طروادة"
 قرأتُ كثيرا من هذه المكتبة، نهلت الكثير من صفحاتها، اشتكوت من نقائصها و هي كثيرة. طلبتُ المزيد من الكتب، انتظرت الجديد منها، رغبت أن أتصفح عناوينها رقميا، بعض النسخ مهترئ إلى حدّ التلف، و بعضها اختفت صفحاته بفعل فاعل، لكن الدخول إلى هذه القاعة فقط، كان مثل دخول المرء اليوم إلى شبكة الإنترنت، إذا ما حذفنا من الانترنت مواقع الدردشة و التنصّت الاجتماعيّ و جعلنا غوغل أكثر بدائية بكثير. كانت الدخول إلى هذه القاعة مثل الدخول إلى العالم، بل ربما كان الخروج منها خروجا من العالم..

"ثرثرة فوق النيل"
عدتُ و بيدي كتيب صغير من مائة صفحة و نصف المائة من الصفحات، أخرجتُه منذ سنة تقريبا عن دار ورشة19 للنشر، و هي دار نشر حديثة النشأة يحاول صاحبها أن يخطّ طريقا موحشا و صعبا بل مضنيا، من دون كتب مدرسية موازية، و من دون ملصقات و لا منشورات من قبيل "كيف تصبح نجما في أربعة أيام". بدأتُ في كتابة هذه المجموعة القصصية سنة 2007 و انتهيت منها في بداية السنة الماضية بكتابة الأقصوصة العاشرة "المصلحة". و مثلها مثل أخواتها التسع، حملت الأقصوصة ما حملت من هذه المدينة و من وجوه أناسها، و من وجوه مبانيها و نظامها و أحداثها، بعضها حمّلته قصدا و بعضها اتخذ له مجلسا بين السطور عنوة و أحيانا دون أن أعي. لكنني مع ذلك لا أشعر أنني كتبت ما يكفي عنها، و لعلّني فاعل ذلك غدا، فهذا المكان الذي قدّم لي ذلك الكم من القراءات و العوالم، له من العناصر و الثراء ما يكفي لأن يصبح كتابا يقرأه الآخرون في مكتبات أخرى.

"حليمة"
أعود بهذا الكتيب و أنا أعرف قيمة ان يتخذ له مكانا بين رفوف المكتبة. على هذه الأرض الطيبة، حيث يكسل الناشر عن نشر كتبه، و الموزع عن توزيعها، و حيث يفضّل الكتبيّ أن يهتمّ بأدوات التلميذ و بالكتب الموازية، و حيث لا تجد سبيلا يذهب بكتابك إلى أطرافها (أطراف هذه الأرض)، و حيث يبخل جيب المواطن بثمانية دنانير على الأدب و على الكتابة، فربما كانت المكتبات العمومية أهم وسيلة يجد فيها الكتاب له قرّاء.
هل يعرف القائمون بالشأن الثقافيّ قيمة المكتبات العمومية؟ و هل هم على وعي بطبيعة العلاقة التي تربط هذه المكتبات بالمواطنين؟ هل توجد دراسات جادة تبحث سبل دعم المطالعة العمومية، لا للأطفال، و إنما للشباب و للكهول الذين نعتبرهم للأسف "فات فيهم الفوت" ؟ لا أملك اجابات دقيقة، و لكنني أملك شيئا من الأمل، و من الرغبة في المقاومة رغم كل هذه العوائق. مثلما يقول توفيق الحكيم "أملي أكبر من جهدي، و جهدي أكبر من موهبتي، و موهبتي سجينة طبعي، و لكني أقاوم.."

"عودة الروح"
هو اسم كتاب مثله مثل غيره مما ذكرت، جادت به عليّ هذه المكتبة العمومية، و لا أزال أذكره و أذكر لحظات الانفعال الجميلة التي أهدتها إياي تلكم القراءات. اِسمحوا لي أن أشكر ختاما أناسا ما كنتُ لأجلس مجلسي هذا لولاهم، شكرا صفاء، و غادة و كامل مجموعة Key-Tab التي عملتُ معها على هذا اللقاء منذ بداية السنة، كما أشكر غيث و نادي المسرح للقراءة التي قدموها، أما سي فتحي الدريدي مدير دار الثقافة بيرم التونسي، فأنا أستحثه على مواصلة مشروعه الجدّيّ الذي يريده لهذه المدينة، مشروع عناصره ثورية تقوم على الشباب، و الأفكار الجديدة، و الاستقلالية و الجودة. يبقى جهد التطبيق و الصبر الطويل، لكنني مؤمن و متفائل.

اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله، اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله. 
فاروق الفرشيشي
منزل بورقيبة في 
6 أيلول 2014

Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

Saturday, May 10, 2014

اللغة البسيطة

تلقى هذه الكلمة خلال تقديم "الخروج عن الخط" في بنزرت الذي استضافته ودادية قدماء معاهد بنزرت .

 
أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، تحية تتجاوز جوعا سوسيولوجيا للسلام بما هو هاجس يتشكل عبره المجتمع و ينفرط، و بما هو معنى قاعديّ لا يفي بما ينتظره المرء من ودّ و شوق و حماس للقاء في عبارة مقتضبة، تحيّة تتجاوز أملا مبهما بالخير اطلاقا و تعميما، لا لتجاوز الصور النوعيّة أو النمطية للخير، حبيسة التاريخ و الجغرافيا، و لكن لقصور في رؤية الخير نفسه، و تكاسل يحول دون أن نعنيَ حقا ما نقول. أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، و أن أسوق من ورائها حديثا ـ كهذا الحديث ـ معقد التركيب، مكثّف اللغة، متداخل العبارة، يشقّ على السامع و ينهك القارئ، حتّى إذا بلغ معناه، لم يجد غير تحيّة ضمنية تعبّر عن سعادة القائل و عجزه عن ايجاد قول بليغ.

لماذا تعقيد الأمور اذا؟ لماذا نجنح إلى أن نقول في خمسين سطرا ما يمكن أن يقال في عبارتين بسيطتين؟ قد تكون اللغة أداة للتورية بقدر ماهي أداة للتواصل، لكن هذا الضرب من التعبير (أعني الذي يعتمد أساسا على التعقيد و البهرجة) ليس فيه لا تورية و لا إخفاء. و إنما ـ كما بدا لي دائما ـ لا يعمل إلا عمل البدلة الأنيقة التي قد تخفي بساطة صاحبها. و المحتوى إذا كان بسيطا فلن تفلح في انقاذه البهرجة.
و حينما بدأتُ في إعداد "الخروج عن الخطّ" في 2012، كان تساؤل "بأية لغة سأكتبُ" يتردّد في ذهني كلما ازداد الكتيبُ سطرا جديدا. إن اللغة ـ لغتنا ـ لا تكاد تتغير في كتبنا، بينما الناس يتغيرون، القراء يتغيّرون، و العالم لا يكتفي بالتغير، بل كأنه يولد من جديد في كل مرّة ظننا أننا نسايره. و بينما رمّم الكاتب في المشرق طريقه إلى القراء من جديد، لا تزال هوّة لغويّة تفصل الكاتب في المغرب العربي عن قارئ يتذكر أنه عربيّ مرة كل عشرة كتب فرنسية أو عشرين.

الكتابة باللغة العربية في تونس باتت عملية ملغومة ـ في زمن الألغام ـ من كل جانب، أما كتابة القصة فبعضهم للأسف لا يزال يعتبرها عبثا، و مسألة ليس فيها الكثير من الجدّ، و هذه قضية شائكة أخرى. أذكر أن أحد الصحفيين علق ساخرا على صدور عمل روائيّ : "بعضهم يجهد نفسه في تحليل الخارطة السياسية، بينما لا يزال هؤلاء يتسلون بالقصص". تخيلوا إذا معنى أن يكتب أحدهم قصصا، و باللغة العربية.
و بعيدا عن قيمة أدب القصة، و ما سببه افتقارنا ـ كشعب ـ إليه و إلى مادته من رداءة نراها في كل مكان من حولنا تقريبا، فإن اللغة هي خطّ المواجهة. فأغلب القراء العازفين عن الكتابات العربية، تعاني علاقتهم بلغتهم الأم من سوء فهم تاريخيّ. و لقد لمستُ ذلك من خلال اندهاش بعضهم و هو يجد يسرا في قراءة الكتاب و ربما الاستمتاع به.

في زمن ظهر فيه المنادون باستقلال اللهجة التونسية كلغة قائمة بذاتها (و أنا أحترم آراءهم لكنني أحاربها بشراسة) من الضروريّ على اللغة أن تثبت قدرتها على احتواء لهجاتها المتعددة و المتنوعة. و العامية التونسية كلهجة عربية في نهاية الأمر، تحاول بفعل هذا العصر المريض أن تنحرف عن جذورها، لذلك كان تفاعل شخصيات الكتاب في ما بينها، تذكيرا بصلة الرحم هذه، و محاولة لرأب الصدع بين أم و ابنتها، أو بين أخت و أختها. و هو ليس ابتكارا بقدر ما هو اختيار، بما أن استعمال اللهجة العامية ليس جديدا على الكتابات العربية، لعلّ أشهرها أعمال يوسف إدريس أو رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم.

إن تبسيط اللغة لا يعني تبسيط الشكل، فالمبنى و ان ارتبط بالمفردات المعتمدة، و العبارات المشكّلة، يتجاوز ذلك إلى بنية النصّ، أو ربما إلى النص نفسه. تتحول القصة إلى فضاء تتشكل فيه الأفكار، أو الأسئلة أو المعاني. لذلك لاحظتُ أن الخروج عن الخط كان أحيانا مراوغا قد يدّعي بساطة ليست فيه دائما. ممّا ينتج عنه سوء فهم كان يمكن تفاديه منذ البداية. إنني لا أدعي هنا إن هذا النص عميق موغل في العمق أو ثري بالغ الثراء، فقد يكون سوء الفهم منبعه قصور في التعبير أو خلل في التبليغ، لكن ملاحظتي المستمرّة لتفاعلات القراء مع النصّ، تدفعني إلى الاعتقاد أن بساطة اللغة تفهم أحيانا على أنها بساطة في النصّ نفسه، فيتهاون القارئ في قراءته و الحال أن الكاتب، شابّ، يافع، صغير، مبتدئ، قاصّ، يخطو خطوات الأولى في عالم الكتابة، إلى غير ذلك من الأوصاف.

الخروج عن الخط تجريب في اللغة، مثلما هو تجريب في القصّ، فالأقصوصات العشر التي ستواعدونها واحدة واحدة هنا، تختلف كلّ منها عن الأخرى تماما في نمط السرد و في أسلوب الكتابة، لذلك لا تقنطوا إن خاب أحد المواعيد، فلعلّ الموعد التالي هو ما كنتم تنتظرون.


Tuesday, October 29, 2013

تقديم الخروج عن الخطّ بمعرض تونس الدولي للكتاب 2013


في لقاء قصير، جمع الكاتب بأحباء الكتاب (و رفاقه القدامى) في معرض تونس الدولي للكتاب، تفضل الأستاذ يوسف عبد العاطي ـ مشكورا ـ بتقديم كتاب الخروج عن الخطّ. و قد نظّم اللقاء نادي مصطفى الفارسي للابداع الفنّي.

و قد قدّم الأستاذ جملة من الملاحظات بخصوص الكتاب، لم يجد الكاتب وقتا للاجابة عليها، فضلا عن أنها لم تأخذ قالب الأسئلة بقدر ما أخذت قالب الدرس الذي يعطيه الأستاذ إلى تلميذه. و هو بالفعل أستاذ، و أنا بالفعل تلميذ، و ما أكثر أن يخطئ أستاذ من حيث يصيب التلميذ. على أن الردّ هنا لا يأخذ صفة قطعية و لا حاسمة. و إنّما يقدّم الكاتب ما رآه و للقارئ أن يبحث و يفكّر بنفسه و يتقصّى عن الحقيقة بين الموقفين.

فبداية، لاحظ الأستاذ أن تقديم الكاتب في خلفيّة الكتاب، فيه انتقاص الكاتب لنفسه، و لمؤلَّفه، و أنّ ذلك لا يستقيم و لو لكاتب "شاب" يخطو خطواته الأولى. فالقول "يزعم أنه يجيد الكتابة" بحسب
استنتاج الأستاذ تعني أنه لا يجيدها حقا. و هذا ينافي معنى "الزعم" في اللغة. ففي لسان العرب نجد ما يلي :

زَعَمَ زَعْماً وزُعْماً وزِعْماً أي قال، وقيل: هو القول يكون حقّاً ويكون باطلاً، وأَنشد ابن الأَعرابي لأُمَيّةَ في الزَّعْم الذي هو حق: وإِني أَذينٌ لكم أَنه سَيُنجِزُكم ربُّكم ما زَعَمْ.

فالزعم هنا، يحتمل الحق و الكذب، و الكتاب بذلك يتنصّل من رأي الكاتب، أي أن الكاتب يعتقد أنه يجيد الكتابة، لكنّ الحكم لا يكون الا للقارئ، إذا ما أمسك بالكتاب و قرأه و حكم عليه بنفسه. و بذلك فالراجح هنا، أن لا نقص في الثقة بالنفس كما ذهب إلى ذلك الأستاذ يوسف عبد العاطي، و إنّما قد يكون العكس تماما، أي أنه حاول إخفاء ثقة قد يبدو مبالغا فيها.

الملاحظة الثانية التي أبداها الأستاذ، و أيضا رئيس النادي، الدكتور المختار بن إسماعيل، في قول الكاتب "ينظم القصص". و قد رأى كلاهما أن النظم لا يكون إلاّ في الشعر، لا في النثر. و هنا أتساءل إن كانا بالفعل يعتقدان أن الكاتب تفوته مثل هذه المعلومة البديهيّة التي لا يجهلها طالب في التعليم الثانويّ، أم أنّ تجربتيهما الطويلة في عالم الأدب، علّمتهما أن لا يستغربا جهل البعض بمثل ذلك. على أنّ هذه الملاحظة تحديدا، تبدو دليلا إضافيّا على ما قد يذهب إليه الكاتب من استنتاج أن القارئ عموما، و القارئ المتمكّن خصوصا، لا يأخذ الكتابات الشابّة مأخذ الجدّ، بل و ربما بشيء من الاستهانة، و هو أمر قد يستفيض الكاتب في شرحه، في تدوينة منفصلة.
المهمّ أنّ النظم يكون في الشعر، لا يكون في النثر، و لكنّه قد يكون في القصص ذلك أنها (القصص) قد تكون في شكل قصائد كما فعل أحمد شوقي مثلا. فلا تلازم إذا، بين النثر و القصص. بل و يمكن الذهاب إلى ماهو أبعد من ذلك، فنظم القصص هنا قد يكون استعارة. و هو ما ذكره الكاتبُ للأستاذين (في لقاء سابق)، غير أنّهما اعترضا بقول بدا له غريبا "النظم لا يكون في النثر، هذا غير منطقيّ، و المجاز فيه منطق، لا يستعمل كيف ما جاء."
تخيّلوا أن نطبّق هذا القول على قوله تعالى :"و آية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون". (يس 37) إذ يمكن هنا أن نقول الشيء نفسه : الليل لا يُسلخ، و النهار لا ينسلخ، و هذا غير منطقيّ ألخ.. هل العيب في القرآن أم في تناولنا للاستعارة؟
فالاستعارة تبنى هنا باعتبار الجامع، و هو جامع عقليّ، فمن خاصيات النظم، حسن انتقاء الألفاظ، و حسن توزيعها، و هو ما "يزعم" أن قصص الكتاب تقدّمها. و هذا المعنى تؤكّده العبارة التي تليها "بصرامة المهندس". ذلك أن المهندس (أو المفترض من المهندس) دقيق في عمله، لا يختار أدواته عبثا.

و تبيين هذا المعنى، لا يأتي في سياق "هذا هو المقصود"، فهذا يعني فشل النص في تفسير نفسه. و لكنّه يأتي في محاولة لاستدراج القارئ (من الخاصّة أو العامة) أن يكون أكثر جدّية في قراءة النص، و أقلّ تهاونا، و إن كان الكاتب حديث عهد بالنشر و الكتابة. و يضع سرّه في أضعف خلقه..

كذلك، يذكر الأستاذ يوسف مسألة الأشهر، و لا يجد ما يبرّر استعمال الكاتب لأسماء الأشهر "المستعملة في الشرق"، و يؤكد أن لأسماء الأشهر المستعملة في تونس من الرمزية ما يغنينا عن أسماء الأشهر الأخرى. و كالعادة لم ترد الملاحظة في شكل سؤال، ممّا يثير التساؤل بشأن معرفة الأستاذ بأصول تسميات الأشهر و غيرها.
فبداية، لم تُستعمل هذه الأسماء في كتابة القصص، إذ لا وجود لتحديد زمانيّ في أي من الأقصوصات الواردة بالكتاب (قد أكون مخطئا). و إنما ذكرت هذه الأسماء، في نهاية كل أقصوصة، تحديدا من الكاتب لزمن كتابتها. فهي إذا خارجة عن النص و لا علاقة لها به. ثانيا، هذه الأسماء، ليست "المستعملة في الشرق"، كما عرّفها الأستاذ، بل هي الأشهر السريانية، التي يستعملها أهل الشام، و العراق (تستعمل دول سوريا، فلسطين، لبنان، الأردنّ و العراق). و هي أشهر ذات أصول أراميّة، دخلت اللغة العربية من خلال اللغة السريانية، ثم تم تعريبها حيث أصبحت ترد بكثرة في الكتب العربية القديمة. و هي بذلك الأسماء المستعملة في اللغة العربية للدلالة على الاشهر الشمسية، من قبل أن يدخل العرب إلى المغرب العربيّ. و هي كما تلاحظون، معرّبة تتناغم مع اللفظ العربيّ، عكس الاشهر المستعملة اليوم في المغرب العربيّ، و مصر و دول الخليج. حيث قاموا بتعريب الأشهر من الانكليزية و الفرنسية (بينما استعملت المغرب الاشهر المعتمدة عند البربر و التي استقوها من اللاتينية، و تستعمل أيضا في تونس منذ القديم لاغراض فلاحية، و نسميها الاشهر العجمية و هي كما قلت، ذات أصول لاتينية.)
إذا، ما الرمزيّة في استعمال لفظة "فيفري" بينما لا أحد في تونس ينطقها بفاءين، فالجميع يقول fiivri بينما يلفظ جوان كما في الفرنسية تماما..؟ ما الرمزية في استعمال اسم يوليوس قيصر لتسمية شهر تمّوز؟ و ما الرمزية في استعمال لفظة DEC اللاتينية للدلالة على الشهر العاشر ديسمبر (قبل عمليات التحويل التي جعلته الشهر الأخير) ؟ و ما الضرر في الدعوة إلى استعمال أسماء لها تاريخ عربيّ، و لها رنين عربيّ لا بأس به ؟ و ما الضرر في الدعوة الى الاتفاق على أسماء أشهر واحدة للجميع؟ أليست اللغة العربية، هي اللغة الوحيدة ربما، التي لا تملك أسماء للأشهر الشمسية؟ ألم يحن الوقت لتوحيدها؟ ألا تستقيم الدعوة إلى ذلك عبر تعويد القارئ على شكلها؟ أم لا يحق لكاتب شاب أن يقيم هذه الدعوة؟

لسان العرب :
تشر : التهذيب عن الليث. تِشْرينُ اسم شهر من شهور الخريف بالرومية، قال أَبو منصور: وهما تِشْرِينان تشرين الأَول وتشرين الثاني وهما قبل الكانونين.
انتهى...

ملحوظة أخيرة، ذكرها الأستاذ عبد العاطي، تتعلّق بالنصّ نفسه (أخيرا!) و هي مسألة استعمال اللهجة العامية. و قد ذكر أن اللهجة العاميّة يمكن أن تستعمل مثلا في المقاطع الحواريّة. لا أن تتجاوز ذلك إلى النصّ نفسه. و الملحوظة الأخيرة هي ما يثير الحيرة، فلا يذكر كاتب القصص ـ و هو يعاني أعراض بداية الزهايمر على ما يبدو ـ أنه فعل ذلك. عموما يُرجى من القارئ ـ الايجابيّ (تيمّنا بالإخوة جماعة التنمية البشرية) ـ أن يدلّنا إن وجد شيئا من ذلك، هنا، فقد يحصل ذلك سهوا، أو قد يحدث تغيير في حرف يجعل من اللفظ العربيّ عاميّا (كما في الخطإ الوارد في قصة سندريلا : عربية بدل عربة و هي من اللهجة المصرية)..
ما يدعم هذه الحيرة، تلفّظ الأستاذ في سياق تعديده لعناصر اللوحة في أقصوصة الخروج عن الخطّ (و هي لوحة واحدة و ليست لوحات عديدة كما ذهب الأستاذ في قراءته)  بلفظتي : سطح، و زيتونة، كما تٌلفظان باللهجة العامّيّة، كأنّما ليس لهما وجود في اللغة العربية، مما أثار شكوك الكاتب و جعله يراجع قواميس اللغة علّه يكون مخطئا (و لم يكن)...
إنّ تقريب لغة القصّ إلى القارئ التونسيّ البسيط كان من بين الأهداف المهمّة التي رسمها الكاتب خلال خروجه عن الخطّ. فالتباين الذي يشتدّ بين الفصحى و العامّية لا مبرر له، و الأحقّ أن تطعِم العامّية الفصحى بالعبارة الحيّة، ابنة العصر، و الأحق أن تطعم الفصحى ابنتها العامّية باللفظ القويم، الفصيح، عوض استحضاره من اللغات الأخرى.. هكذا فقط تبقى العلاقة بين الفصحى و العامية علاقة أبويّة لا انفصال لها.
على أن تقريب المسافة بينهما، لا يعني أن تحلّ العاميّة محلّ الفصحى في اللفظ، و لا يعني أن يعبّر الكاتب عن المعنى باستعمال أدوات عامّيّة. و هذا لا ينطبق على المقاطع الحواريّة التي يعتبرها الكاتب ملكا للشخصيات لا ملكه.

ختاما، لا بدّ من شكر الأستاذ يوسف عبد العاطي، على نصائحه، و ملاحظاته، و ما من شكّ أنّ تجربته الطويلة مفيدة للشباب، و أن نصائحه مهمّة. على أنّ ذلك، لا يلغي، حقّ الكاتب في أن يقدّم مادة مختلفة، ربّما لم يتعوّد أهل الأدب في تونس على مثلها. كما لا بدّ من شكر نادي مصطفى الفارسي على مجهوداته التي لا يلحظها العامة مثلما لا تلحظها الدولة، و لا تمنحها حقها من الاعتراف، و من المساعدة (المعنوية خصوصا) .. كما لا بدّ من شكر الإعلام أيضا على اهتمامه الكبير بالندوات الادبية، و كل ما يتصلّ بالادب .. لا في هذه كنتُ أمزح طبعا -_-


Friday, September 27, 2013

قصّة عائلية

تلقى هذه القصة غدا السبت، في حفل تقديم كتاب الخروج عن الخط

اليوم أروي لكم قصة عائلية. لا أعرف إن كنتم قد سمعتم بمثل هذا الصنف الأدبي من قبل، لكن اِسمحوا لي أن أؤكّد لكم أنّ كل شيء في هذا العصر إمّا شخصيّ، و إما مهنيّ. إما رفيع وإما شعبيّ أو عائليّ لتلطيف العبارة. ليست الكتابة استثناء، إنّما هي منتوج كغيرها.
قصّتنا إذا عائلية، ليست مدعومة لكنّها لن تكلّفكم شيئا من المال أو الجهد العقليّ. وهي بسيطة، ممتعة، موجزة، كما نحبّ لسهراتنا العائلية أن تكون. وهي محافظة، لا يجد الأب والأم حرجا من وجودها بالمنزل، ولا يحتقننّ وجه أحدكم وهو يستمع إليها رفقة زوجته أو بنيه.

تدور أحداث القصة في زمننا الحاضر. قد يبدو هذا مملاّ ولكن أؤكّد لكم أنه الخيار الأنسب. إنّ الماضي يستدعي الذاكرة الجماعية، وهو ما يعني الالتزام بمراجعة آلاف الكتب التاريخية والمخطوطات النادرة، بما لا يناسب كاتبا تونسيا كسولا مثلي. أعلم أن القارئ أكثر كسلا منّي وأن لا أحد يدقّق في التفاصيل اليوم. بمقدورك مثلا أن تقصّ على الناس كيف كان الحفصيّون يستعملون الكحول في صنع عطورهم من دون أن يتفطن أحد إلى الخطإ التاريخيّ. لكنني لستُ مستعدا للمخاطرة. إن قاعدة "يحدث للآخرين فقط" توقّفت عن العمل معي منذ أمد بعيد، وستجد حتما ذلك الشخص رائق المزاج الذي سيقلب كتابتك بحثا عن خطإ كهذا. 
المستقبل؟ لا أحد يكتب قصصا عن المستقبل في هذه البلاد. ولا أحد يعير الخيال العلميّ برمّته اهتماما. قصص المستقبل، للأطفال والفتية الحالمين. أما الكبارُ البالغون الناضجون العاقلون الجادّون، الذين خبروا الدنيا فيتحاشون النظر إلى المستقبل كما يبدو...

وعن المكان فلقد تردّدتُ بين أمكنة ثلاث. فأما الأول والثاني، فهما المفضّلان عند جمهور الفنانين والأدباء في تونس، وأعني بهما البادية، والمدينة العتيقة. تراهما في كل عمل تلفزيّ، وخلف كل قصيدة وصفيّة، وفي تفاصيل كل لوحة تشكيليّة... وأما المكان الثالث فلعله الأكثر شعبية، وأعني به طبعا الأحياء التي لا تمتّ إلى عموم الشعب بصلة. هناك حيث تنتفي المشاكل المادية تماما (في المخيال الشعبيّ فحسب) وحيث يملك الجميع هوسا غريبا بالبحث عن شخص ما يفهمه.

يمكننا إذا أن نبدأ قصّتنا بتقديم أبطالها، ولي منذ البدء أن أعلن راضيا أنني احترمتُ في اختياري مبدأ المناصفة، لذلك فلا أحد بين رانية وفتحي بطل أكثر من الآخر. كلاهما ولد في عائلة "مستورة و الحمد لله" وتسعى جاهدة لتوفير ما يلزم لتعليم أبنائها من قبيل السيارة، ورحلة العطلة الصيفيّة وبعض المبادرات اللطيفة الأخرى..  ولأن رانية و فتحي بطلان، فكلاهما طيبان بالضرورة. كلاهما النموذج الذي تسعى كل عائلة إليه (من خلال أبنائها طبعا). ولأنّ قصة عائلية كانت أو غير عائلية بحاجة إلى الدراما، فقد كان لزاما أن نجد مشكلة ما عند أحد البطلين أو كليهما تبدأ بها القصة.

لم تكن حياة فتحي مثالية كما قد يتبادر إلى الذهن. هو شخص ذكيّ خلوق ووسيم. يتطلّع والده أن يجعله من بعده مديرا لشركاته لكنّه يرفض هذه الحياة ويريد أن يتمرّد. هذا موجز بسيط لفكرة صراع الأجيال الذي يجب أن تقدّمه كل قصة عائلية. سوف لن تجد ابــنا يواجه تحوّلات فكرية تعصف بعقائده التي تتبناها كل العائلة. هذه أشياء مزعجة لا أحد يحبّ الخوض فيها. إنّ جرعة الدراما التي يجب أن تقدمها العائلة، لا يجب أن تتجاوز أحداث القصة نفسها، ولا يجب أن تتحول إلى أسئلة مريعة تتوالد كالبعوض في ذهن القارئ. مواجهة بسيطة بين الأب وابنه، مع الكثير من الصراخ والانتقاد الذي يرادُ به الصراخ، ثم يخرج الإبن غاضبا، بينما يرتمي الوالد على اقرب مقعد شاحب الوجه، محتارا.

إلى أين يذهب الأبناء حينما يبدون غاضبين؟ ربما إلى الحانة، وربما إلى سطح المنزل، و ربما إلى صديق عزيز، أو إلى الله.. بالنسبة إلى فتحي فهو يذهب إلى المرسيدس البيضاء، يهيم بها في شوارع المدينة الواسعة والتي لا نراها إلا في مخيلاتنا وفي مثل هذه القصص. لا بأس من أغنية حزينة تعوّض الدموع، لأنّ الرجال لا يبكون. ثم يحدث الاصطدام الذي لا مفرّ منه. لا أحد هنا يتذمّر بشأن السيارتين. كما أن رانية ظلّت فاتنة ومحتفظة بتصفيفة شعرها حتى بعد ارتجاج سيارتها الرهيب، و حتى بعدما سكبت من الدموع أنهارا. أما فتحي فقد أبدى فزعا كبيرا على الفتاة، لأنه طيب القلب طبعا، لا لأنها جميلة، ولا لأن الضرر الذي أصاب السيارة كان كبيرا. في قصص أخرى، سيبدو من المعقول أن يكون ثملا بعد شجاره مع والده، و أنّ ذلك سبّب الحادث. لكن في قصتنا العائلية، سيبدو ذلك مخجلا لبطل مثله، ناهيك أن البطلة لا يمكن أن تحب شخصا ثملا (يحدث هذا حينما يعاني البطلان من الافراط في الثقافة والبؤس، وهو ما لا ينطبق على حالتنا). 
كان الموقف عصيبا، و كان الفتى يحاول تهدئة شريكته في الحادث حينما أطلّ شرطيّ المرور من هناك. في القصص العائليّة، لا يطلب شرطي المرور بطاقات رمادية أو شخصية، ولا يسأل في غلظة عمّا يفعلانه لوحدهما ليلا في هذه المساحة الخالية من المدينة.. إنما يطلب وحدات النجدة ويسألهما في أدب إن كانا يرغبان في ايصالهما إلى مكان ما من المدينة. فيرفضان شاكرين، فيذهب باسما، راضيا عن عمله وعن العالم من حوله...

يدرك القارئ أو السامع دون شك، أن فتحي أحبّ الفتاة. طبعا لجمال روحها وحسن خلقها، و لطفها... كلها أشياء يمكن للمرء أن يعرفها في الآخرين بمجرد الاصطدام بهم. أما الحب على الوَسام فهو كما قال المتنبي، للجاهلين، وربما أيضا لأبطال الخرافات، أو للشواذ... لكنّ هذا ليس موضوع قصتنا. 
الحب عموما لم يكن يوما موضوع القصص العائليّة، قد يفاجئكم ذلك، لكن هذه هي الحقيقة، فالكلّ هنا يعرف ماهو الحبّ، ويعرف ماذا يريد منه. لذلك فلا يناقش مفهومه أبدا. هو دوما اِحساس نبيل رائع يكنّه شخص ما تجاه شخص آخر للاسباب التي ذكرتها آنفا. أما ما يناقش، فهو تكاليفه ونتائجه، من عذاب ومن شوق وبيْن وجهاد في سبيل الوصال. لذلك يجب أن يجلب لهما حبهما شقاء كبيرا... تخيلوا مثلا لو أن والديهما متخاصمان. ربما تسبّب أحدهما في خسارة ضخمة للآخر مثلا. لماذا نتخيل؟ ليكن الأمر كذلك!

لكنّ هذه القضية اليتيمة لا تكفي. تعرفون أنّ مقياس جودة الأعمال الأدبية عند التونسيين هو كمّية القضايا التي تتحدث عنها. لا يهمّ كيف تفعل ذلك، ولا ماهيّة "القضايا" أصلا، المهم أن تُفرغ الكثير منها بين تفاصيل عملك، حتى تجد ما تقوله للصحفيين بعد ذلك.
هناك قضايا "خطيرة" لا يمكن أن تتغافل عنها. لكنّها للأسف في أغلبها تخص طبقة اجتماعية غير طبقة البطلين، ولو كان العمل رواية لأمكن حشرُ فقير معدم في أحد الفصول وتحميله أطنانا من القضايا، بدءا بالهجرة السرية، وانتهاء بالبطالة و اعتصام الرحيل... لكنّ القصة قصيرة، والايجاز واجب.
ما القضايا التي يمكن أن تتجاوز الأرصدة البنكية؟ القضية الفلسطينية طبعا، لا أحد يحقّ له انتقادك حينما تتحدث عن فلسطين، حتى لو كان ما ذكرته ركيكا مملاّ... المخدّرات أيضا، هذه قضية أثرياء بامتياز. هناك أيضا قضايا جديدة باتت تجد لها رواجا هذه الأيام، تتعلق بالإعلام خصوصا، وبالفساد والرشوة، وأيضا بعالم السياسة الذي ألفى الجميع خبيرا بدهاليزه... دون أن ننسى القضية الأقدم على الاطلاق في عالم الأدب منذ قدّمتها ملحمة جيلقاميش : الموت.

سنتخيل إذا أنّ والدي البطلين، خصمان سياسيان، ذوا توجّهين ايديولوجيين مختلفين. هذا يجعل الموقف أقرب إلى الكوميديا، ولكنني سأحاول أن أبدو جادّا قليلا. ليكن أحدهما مريضا مرضا مزمنا. أما الثاني فيتاجر في المخدرات، مع إسرائيليين طبعا ولكي يعمل نظامه دونما مشاكل، فهو يلقى بالرشاوي على كل مكتب أو ادارة تمرّ منها مصلحته. هكذا حشونا القصة بعدد لا بأس به من القضايا. 
كما خمّنتم، فشحوب والد فتحي مردّه مرضه المزمن، وهكذا فالرجل الشرير، هو والد المسكينة رانية. وكما حبيبِها، تحاول الفتاة البائسة التخلص من عالم والدها، عبر الزج بنفسها في عالم الفن التشكيلي. ترسم أشياء كئيبة في أغلب الأحيان، لكنّها منذ التقت الفتى الوسيم، باتت لوحاتُها أكثر اشراقا. لاحظ والدها ذلك، وبشيء من التمعّن في بعض أعمالها الانطباعية، أدرك أنها تهيم عشقا بابن خصمه العنيد. كيف عرف ذلك؟ إن قراءة اللوحات التشكيلية لا يمثل عائقا أمام شخصيات القصص العائلية. الجميع هنا يحفظ مدارس الفن كما تحفظ أنت اغاني BBJ Klay. بينما يكاد المعلمون يجنّون في محاولة لفهم طلاسم تلامذتهم...

المهمّ أن الوالد أدرك أن حياة ابنته في خطر، وأنّ اقتراب فتحي منها، قد يعني نهايته، لذلك وجب أن يقتله. قتله أمر بسيط جدا، الرجل يحتاج إلى حقن دورية كي يقاوم بها أمراضه المزمنة. المال يغـيّر الحقن بطريقة يستحيل معها اثبات من فعلها. هذه أشياء بسيطة يمكن يمكن تدبير تفاصيلها، لكنها تخلق كلّ متعة القصة العائلية. تكتشف هنا أن متعة القتل لا تضاهى. القصة العائلية الناجحة هي التي لا تتفادى فرصة القتل، أو تتحاشاها. سيلقون سبابا كثيرا حينما تكون الضحية من قائمة الطيبيين، لكنّني أرى قلوبهم تضحك في جذل طفوليّ. الملاعين الصغار!

ويعود فتحي إلى ثروة والده وقد اختفت حبيبته فجأة كأن لم يكن لها وجود. لماذا اختفت رانية؟ لأنها تعرف قاتل والده، ولأنها عاجزة عن مواجهته بالحقيقة. لكننا لن نقف طويلا عند هذا التفصيل السخيف. إن العالم ممتلئ بالعاجزين عن مواجهة مسؤولياتهم، ولعلّ قارئ هذه السطور (او المستمع الكريم) من بينهم. ما يهمنا، ليس سبب عجزها عن المواجهة، ولا العوامل النفسية التي تُقعد إنسانا على الإقدام على أمر يريده، ولا تلك التي قد تدفعه لفعل ذلك. بل ما يهمنا هو ما سببه عجزها من قطيعة وعذاب، وساعات كثيرة من التأوّه والاستماع إلى أغاني عبد الحليم حافظ. لحسن الحظ لم يكن فتحي كذلك، كان مندفعا، متهورا لا يبالي بشيء من أجل الوصول إلى مبتغاه. وحينما رأى صورة رانية في إعلان عن معرض لوحات تشكيلية، لم يتردد في اقتحام المكان. يشاء الحظّ مرة أخرى أن يتخلّف والدها عن الحضور، فكانت المواجهة التي لا مناص منها. الحظّ سلاح مهمّ لا بأس من استدعائه متى اقتضت الضرورة ذلك، ومتى ضاقت بك السبل. تماما كما يحتجّ شعراء اليوم بفكرة أن "كلّ واحد يقراها بطريقة" كلّما عجزت عن فكّ طلاسم أحد أبياتهم العبقرية.

و لأن اعترافات رانية لا تكفي، ولأن العائلة ترنو إلى العدالة المطلقة، حيث كل يأخذ جزاءه. فقد كان لزاما على الفتاة أن تجد الوثائق اللازمة لفضح والدها. ليست خيانة طبعا، اِجعل والدها غليظ المظهر، قاسيا، و لن يتّهمها أحد بخيانة والدها. ثم إن زواج الحبيبين لن يتم مباشرة بعد المحاكمة. لكنّ النهاية يجب أن تكون إما عادلة الى حد لا يطاق، و أما ظالمة كما لم يحدث من قبل. كان يمكن أن أنحو منحى وحشيا بعض الشيء، و ان أجعل فتحي ـ انتقاما ـ يغتصب حبيبته مثلا، أعتقد أن ذلك يناسب شخصيته المندفعة. لكنّ ذلك يهدم البناء الذي رتبه القارئ أو المستمع في ذهنه. لا أحد يحب أن يقوّض الكاتب بناءه الذهنيّ في خاتمة القصة. لذلك سأكون خلوقا، و أزف إليكم خبر زواجهما.

ـــــــــــــــــــــــــــ هنا تنتهي القصة و يستمرّ تقديم الكتاب..


أزفّ إليكم أيضا، أن الكتاب الذي أقدمه اليوم لكم، يحمل بين طياته عشر قصص، ليس من بينها قصّة عائلية واحدة. واعلموا أنني لا أسرف في قولي، ولعلّ من قرأ الكتاب من بين الحاضرين، سيعثر بين طيات هذا النص على تفاصيل كثيرة تخرج به عن الخط. أما أنتم، فحاولوا أن تذكروا قولي هذا و أنتم تقرأون الكتاب.


Saturday, March 2, 2013

المصلــــحة






هذه هي الأقصوصة الأخيرة من كتاب "الخروج عن الخطّ"..

المصلحة واجهة أنيقة لنظام شديد التعقيد، دوائره الميكانيكية الصغيرة، تخفي دوائرا أثقل و أعظم.. هنا نظام يقترح حلّين لا ثالث لهما، اما أن تذهب ضحية الدوائر، و إما أن تتحوّل إلى دائرة صغيرة تزيد النظام تعقيدا..

و هنا مقطع بسيط منها :

"أيّا جيب ورقتك يا ولدي و نقّص مالحس!"
الحزم فكرة جيدة، أن تكون حازما، فهو أنّك على حق! هذا عالم يصدّق من يصرخ أكثر. هكذا خمّن، لكنّه فوجئ بالفتى يعرف هذه الحقيقة هو أيضا! لقد اندفع صارخا :"ياخي كان عندك ما تعمّر شدّ شباك. أنا عمري ما رأيت موظف يخدم هالخدمة. قلت لك نعرف نعمّرها، لواش شاد صف باهيشي؟!"
تساؤل صدم جميع الحاضرين، إنه صوتهم الذي خشوه و خشوا مواجهته، إنه السؤال الذين جبنوا عن المجاهرة به.. انهم ليسوا حمقى بنهاية الأمر، هناك آخر يفكر مثلهم.. تساؤل هزّ أركان النظام الصغير، و مفاصل الكاتب..
و قالت امرأة مصدومة :"و الثلاثة آلاف؟!"
انفجرت ضحكة الفتى في وجوه الجميع، صفعة مدوّية أفاقت الحاضرين من سباتهم.. إنّ كل عاداتنا، لم يعد لها قيمة، يمكننا أن نعيش من دون هذا النظام! و لأن كل انهيار للعادة يبدأ بالقلق، فقد كان القلق يملأ وجوه الحاضرين.. "
و للقصّة بقيـــّة.. 
بانتظار آرائكم و اقتراحاتكم 
 




Iori Yagami
28 شباط 2013

Translate