Showing posts with label كرستفر نولن. Show all posts
Showing posts with label كرستفر نولن. Show all posts

Thursday, September 14, 2023

أوپنهايمر يلعب بالنّرد

تحتوي المراجعةُ على مقطعيْن:
 
1. اِندماج
 ---------------
 
فلمُ أوبنهايمر Oppenheimer آخرُ أعمال البريطانيِّ كرستوفر نُولَن. تجربةٌ بصريّةٌ أخاذةٌ لا يجبُ التفويتُ فيها بالمشاهدةِ المنزليّةِ عوضَ الذهاب إلى السينما. ليس فقط للتمتّع بتقنية IMAX الّتي صوّر بها كاملُ الفلمِ بما في ذلك الأبيض والأسود منه، وليس أيضا للغيابِ المُطلق للصّورِ الحوسبيّة CGI حتى في مشهد الانفجارِ النوويِّ الرّهيب. ولكن، لأنّ كثافة المادّة التي يقدمها نولن خلال ثلاثِ ساعاتٍ، تتطلّبُ تركيزا قد لا يسمح وضعُ جلوسِك المنزليُّ بتحقيقِه!
لم يعد أسلوب نولن يخفى على أحدٍ. فليس مفاجئا أن يلعب لعبتَه المفضّلة مع السّردِ ويقسمه إلى خطّيْنِ منفصليْنِ يحكيانِ حكايةَ أوپنهايمر بسلسلةٍ من المشاهدِ الاسترجاعيّةِ Flashback.
فأمّا الخطّ الأولُ، فيحدثُ سنة 1954، ويصوّرُ تفاصيلَ محاكمةٍ إداريّةٍ غير معلنة لمدير مشروع مانهاتن لصنع القنبلة الذرية روبرت أوپنهايمر R. J. Oppenheimer (أداء كِليان مرفي Cillian Murphy)، بسبب شبهة تعاونه مع السوفييت، وما يستتبعه ذلك من خطر تجريدِه من ترخيصه الأمنيّ الذي يسمح له بمواصلة أنشطته في المجال النوويّ. بعبارة أخرى، كان يواجه خطر نهاية مسيرته وتحطيم سمعته.
وأما الخطّ الثاني، فيحدث بعد خمس سنين (1959) ويصوّر وقائع جلسة استماع الشيوخ (Senate) لمرشّح البيت الأبيض لحقيبة التجارة، لويس ستروس Lewis Straus (أداء روبرت دوني جونيورز Robert Downey Jr.) ولمّا كان مفترضا أنها جلسة شكليّة لتزكية المرشح، تحوّل الأمرُ إلى مساءلةٍ مفاجئةٍ لعلاقةِ ستروس بأوپنهايمر وبمحاكمتِه السريّةِ الّتي يرويها الخطُّ السرديُّ الأولُ.
هكذا تتقاطع روايتا أوپنهايمر وستروس لقصّةِ مشروعِ مانهاتن وتختلفان. فميّزَ المخرجُ بالأبيضِ والأسودِ الرّوايةَ من وجهةِ نظرِ الثاني، وبالألوانِ المشاهد التي تمثّل روايةَ الأوّلِ. وبين هذا وذاك، يتفادى المخرجُ تكرار الأحداثِ، فيحدثُ التقاطع في لحظتيْن رئيسيّتين (اللقاء الأوّل في پرنستون، وجلسة استماع حول تصدير النظائر الذرية Isotopes) تكشفان عن طبيعة العلاقةِ الدراميّة بين الرجليْن، وهي علاقةٌ قريبةٌ من تلك التي خلّدها ميلوس فورمان بين موتسغت Mozart وأنطونيو سالييري Salieri في رائعتِه أماديوس Amdeus.
يتفادى المخرجُ أيضا أن يشعرنا بالمللِ رغم السّاعات الثلاث والمقاطع الحِواريّةِ الطويلةِ. فهذه المرة، وعلى عكس أفلامِه الأخرى، نشعر أنّه خفّف من حجم التحدّيات التقنية لحساب الدّراما والشّخصيات، فاختزلها تقريبا في مشهد تجربة ترينيتي Trinity. وفيما عدا ذلك، نجده أكثر تركيزا على حواراتٍ دسمةٍ كاشفةٍ عن جوانب عديدةٍ من الشخصيّة الرئيسيةِ. فتعمّق في ماضيه، وجعلنا نرافقه في رحلتِه الأوروبيّةِ لتحصيل المعرفة عن الفيزياء الجديدةِ، وعرض علينا أنشطته النقابية ومغامراتِه العاطفيّة، حتّى تجسّد الرجلُ عند اللحظة التّاريخيةِ مكتملَ الأبعادِ، مع زخمٍ تعبيريّ ينبعثُ من عينيْ مؤدّيه كِليان مرفي بلا حدودٍ، ويرشح بلا شكّ لجائزة الأكاديميّةِ مرفوقا بزميلهِ روبرت داوني جونيور عن أفضل أداءٍ لشخصية ثانويّةٍ.
ولن تنسى لعبة الاحتمالاتِ في حفل الأوسكار، أن تُنصف موسيقى ڤورنسون Ludwig Göransson وإدارة التصوير الفذّة لهويت فان هويتما Hoyte Van Hoytma.
قد يعاب على الفلمِ انحيازُه لأب القنبلة إلى درجة أنّه تجاهلَ ضحاياه الّذين يفوقون المائتيْ ألف قتيل، ليهتمّ بمعاناتِه السخيفة من تلك المحاكمة الإداريّة المكارثية الّتي أقيمت له. ولكنه يبقى فلما مدهشا عن پروميثيوس العصر الحديثِ، فإذا كنت ستشاهد فلما واحدا هذا العام، فليكن أوپنهايمر.
 
2. اِنشطار
-----------------------
تحدّث الفلم عن ضحايا القنبلة في أحد المشاهدِ بالفعلِ، وعدّدهم وأبرز هول الكارثة دون أن يغامر بصور قد تستفزّ. وهذا ليس غريبا عن نولن الذي تفادى تصوير الألمان في فلم دنكرك Dunkerk. على أنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا، لماذا عليه أن يهتمّ بالضحايا إذا لم تكن القنبلةُ ولا الحرب النوويّة ولا حتى أوپنهايمر نفسُه جوهر الفلم؟ إننا ولا جدال، إزاءَ قصّةِ أوپنهايمر المفصّلةِ مع القنبلة، ولكنّها تفاصيل منتقاةٌ بعنايةٍ شديدةٍ حتّى تكون القصّةُ العيّنةَ التي تجسّد الجوهر وتبيّنُه. والجوهر الذي بحث عنه نولن هنا، كان أوپنهايمر كإعادةٍ لتشكيل إدراكِنا للواقعِ والحقيقةِ من منظور فيزياء الكمّ.
وبهذا مثلا، نفسّر إغراق نولن في وصف تفاصيل رحلة بطلِه الأوروبيّةِ، وفي تعديدِ أسماءِ العلماءِ الكبارِ الذين وضعوا أسس الفيزياءِ الجديدةِ، من نيلز بور Niels Bohr إلى هايزنبرڨ Heisenberg. حتّى إنّه لم ينسَ أن يشير عَرضا إلى دور أينشتاين في فتح الباب لهذا العالمِ بنظريّة المفعول الكهروضوئيّ Photoelectric Effect (وبفضلها حصل على جائزة نوبل، لا بالنسبية).
وعندما عاد البطلُ إلى بلدِه لتدريس الفيزياء الجديدةِ، انطلق من هذه المسألة، عارضا على تلميذِه الأوّلِ لومنتس Giovani Rossi Lomanitz معضلة طبيعة الضوء المتناقضة: هو موجةٌ وجُسيْمٌ في الوقت نفسِه.
ولّدت حالات التناقضِ في فيزياء الكمّ نوعيْن من ردودِ الفعل: فإما التعامل معها بشكلٍ براغماتيّ أفرزَ قوانينَ ميكانيكا الكمّ القائمة على علم الاحتمال كما فعل بور Bohr. وإما البحث عن تفسير أعمق وأدقّ يعيدُ إلى الفيزياءِ حتميّتها، وهذا رأي ألبرت أينشتين، فالله لا يلعب بالنرد كما يقول. وبين هذا وذاك، نعلم يقينا خيار بطل نولن.
لم تكن طبيعة الأشياء من منظورِ فيزياء الكمّ سوى تأسيسٍ نظريّ لما سيهتمُّ بهِ نولن فعلا. وكما قال بطلُه لرئيسِه في جامعة بركلي الدكتور إرنست لورنس Ernest Lawrence (أداء جوش هارتنت Josh Hartnet) حين وجد على السبورة دعما صريحا للثورة الإسبانيّةِ: لقد احتضنتَ الثورةَ في الفيزياءِ، فهلاّ رأيتَها في كلِّ شيء آخر؟
لقد عاش أوپنهايمر ثورة مفاهيمٍ أفرزها اتصالُه بفيزياء الكم، فلم يعد يسمعُ موسيقاها فحسب، بل بات يشعر بها، كما دعاه إلى ذلك نيلز بور، وكما عبّر عن ذلك نولن بلقطاتِ النجومِ والمطر المتتابعة، ولقطة تأمّل بطلِه في لوحة پيكاسو "امرأة جالسةٌ عاقدة ذراعيها" Femme assise aux bras croisés (في الحقيقة، أنجز پيكاسو اللوحة سنواتٍ بعد عودة أوبنهايمر إلى الولايات المتحدة)، قراءته لقصائد توماس إليوت T. S. Eliot في ديوان الأرض الضائعة The Waste Land. وتشير كلُّ هذه العناصرِ إلى انبثاق عالمٍ جديدٍ أمام أعين أوپنهايمر، عالمٍ لا تكادُ حقيقتُه تطالُ وإنّما تُلتمسُ من خلالِ أوجهها العديدةِ والمتناقضة. وكان أوپنهايمر عبر فهمه العميق لأبعادِ ميكانيكا الكمّ، أقدر النّاس على إسقاطِ منطقِها على تجربتِه الوجوديّةِ ذاتها. فكانت حياتُه، كما أبرز ذلك نولن، اِنعكاسا لهذا الإدراكِ.
على ضوء هذه العناصر، يمكن أن نفهم سبب تركيز نولن على علاقاتِ بطلِه الغراميّةِ. لا يتعلق الأمرُ بصيغة درامية جمالية، ولا مجرد استدراك بسيط حيال الانتقادات الّتي طالما حاصرته بسبب عزل أبطالِه بعيدا عن أية معالجة درامية تؤسس لرابط عاطفيّ مع المشاهد. صحيح أن مشهد الجنس الداعم بسخافةٍ لمفهوم الانجذاب للأذكياء Sapiosexuality كان مسقطا ومتكلّفا إلى حدّ يقوّي احتمال انصياع نولن لمنتقديه، لكنّ علاقة البطلِ بحبيبتِه في عمومِها قائمة على التناقض المنطقيّ (لكنها تعمل Yet it works) وعلى عالم من الاحتمالات الكمية. متناقضان إديولوجيا، منجذبان جنسيا، تقبل زهوره، وتلقي بها في المهملات، ترفض علاقتها به، وترفض التخلي عنه، يحبها ويتزوّج أخرى… حين يقف أوپنهايمر أمام باب جين تاتلوك Jane Tatlock (أداء فلورنس پيو Florence Pugh) يتحوّل إلى إروين شرودنڤر Erwin Schrödinger حيث لا سبيل إلى معرفة النتيجةِ إلا لحظة فتح البابِ.
يعمّم نولن هذه الصورة على مختلف شخصيات الفلمِ. جميعهم أشبهُ بإلكترونات نيلز بور Niels Bohr الّتي لا يمكن التنبّؤ بحالتِها في أي وقت، وإنما نكتفي بحساب احتمال حالتها في لحظة ما. أما بعيدا عن تلك اللحظة نفسها، فالنتيجة سوف تبدو مفاجئة أو غير معقولة. سوف تفاجئنا زوجتُه كيتي (أداء إملي بلنت Emily Blunt) اللامباليةُ بالقيمِ أو بالأعرافِ أو بابنها نفسه، بثباتِها أمام المحقّقين وتلاعبها بهم. وسوف تفاجئنا أكثر وهي التي تغير الرجال كما تغير الثياب، بثباتِها أمام إهاناتِ زوجِها، وتشبّثها به. سيفاجئنا الدكتور لورنس بشهادتِه ضدّ صديقه الذي دافع عنه طيلة أحداث الفلمِ ودعمه. وسيفاجئنا الدكتور هيل Hill (أداء رامي مالك) بوقوفِه إلى جانب أوپنهايمر الّذي أهانه في كلّ مرة يلتقيه فيها).
وحدهم السياسيون يمكن التنبؤ بأفعالِهم وخياراتِهم كأنهم كائناتٌ مسطحةٌ من عالمٍ أقل تعقيدا لا تنطبق عليه فيزياء الكمّ. تراهم، على تقلّب خياراتِهم، ثابتون بشكل مدهش، وموجهون كبوصلةٍ نحو ذواتهم المتضخّمة. وإذا كان لويس ستروس هو المثال الأهمّ الذي قدّمهُ نولن، فإنّ الرئيس الأمريكي ترومان Harry Truman (أداء ڤاري أولدمان Gary Oldman) هو المثال الأعنف والأكثر تطرفا، أو لعلّني لا أنسى ذلك الوغد الذي سحب كيوتو من قائمة المدن المرشّحة للاضمحلال، لأنّه قضى فيها شهر العسل، ولأن زوجته تحبها! مركزية ذاتية مريعة تنتصب بديلا مضحكا لفلسفة أقلّ وثوقية بكثير. والصراع بين أوپنهايمر وستروس كما أراده نولن، هو هذا. هو صراع بين نمطين للإدراك. أحدُهما ثوريٌّ والآخر بدائيٌّ تماما.
دعك من خرافة ساليري. ربما أرادها المخرج حقا، لكنّه فشل فيها تماما، وحسنا فعل. فشخصية ستروس تقف على طرف النقيض من شخصية الموسيقي الإيطاليّ. لقد أثبت الأوّل حتى آخر لحظات الفلمِ عجزهُ عن فهم العلماء وطريقة تفكيرهم، حتّى قال له مساعدُه: ربما لم يتحدّثا عنك، ربما كانا يتحدّثان عن أمر أكثر أهميّة! أمّا سالييري، فقد كان السبّاق إلى استيعاب عبقرية غريمهِ وموهبتِه الفذة، وكان فهمُه هو سبب مأساتِه وليس العكس.
كان فلمُ أماديوس عن سالييري بالأساس. هو من يروي الحكاية كلَّها، وهو من يحرّك الأحداث فيها. أما عند نولن، فنصيب ستروس من الأحداث جزؤها الأخير، وحسبُه من المشاهد أقل من سدسها كأي شخصية ثانوية. لا تثير شخصية ستروس أي تعاطف، كأي شرير كلاسيكيّ. أما شخصية سالييري فتعرض مأساة إنسانيّة عظيمة وتطرح تساؤلات مؤلمة.
ستروس هو سطحية نظرة السياسيِّ في مقابل عمق نظرة العالِم وثرائها. كأنّ الأول يرى العالم إما معه أو ضدّه، في حين يرى الثاني العالم بكلّ أطيافه اللونية. ألذلك غابت الألوان عن المشاهد التي من منظور ستروس؟
ربّما ينبغي تنسيب هذه المسلَّمة قليلا. صحيح أنّ مشاهد الأبيض والأسود توافق منظور ستروس وروايته للأحداث. لكن لا يمكن تحقيق الشيء نفسه بإطلاق مع مشاهد رواية أوپنهايمر الملونة. ففي بعضها نلحظ غياب منظور أوپنهايمر (مشهد جين العارية في التحقيق كان من منظور كيتي، ولقطة مرور لورنس للشهادة كان فيها أوپنهايمر مطأطأ الرأس، وفي بداية الفلم نرى محاضرة للبطل بالهولندية من منظور إيزيدور رابي Isidor Rabi).
إن مخرجا بخبرة نولن، لا يحتاج إلى تغيير الألوان ليعبّر عن منظور ما للقطاتِه. والفلم مليء بالفعل تلك الآليات التي تحقّق ذلك كالوصلات (Match cut) ولقطات منظور الغائب 3rd Person P-o-V… وبعبارة أخرى، ما كان غياب التمييز اللونيّ ليربك تجربة المشاهدة، أو يمنعنا من إدراك وجهة النظر التي يروي المشهدُ من خلالِها.
ثمّ هناك العنونة التي تتصدّر مشاهد كلّ خطّ سردي: إندماج Fusion للأبيض والأسود، وانشطار Fission للخطّ الملون. كأنّه يعمد إلى التذكير بأن أوپنهايمر عاش تجربتين مع القنبلة الذرية: كانت الأولى طويلة الأمد، وهدفه خلالها صنع القنبلة، أما الثانية فبدأت مع التفجير تقريبا، وكان هدفه فيها، التصدي لصنع قنبلة هدروجينية. وبهذا المعنى فنولن يحاول أن يذكر بأن أوپنهايمر ليس أب القنبلة النووية فحسب، بل هو أحد المناضلين ضد حرب التسليح النووية وإن كان العالم يتناسى ذلك ويتجاهله.
ولا شكّ عندي أن نولن يدافع عن بطلِه وينتصر له رغم معارضته الصريحة (كما يرد في الحوارات الصحافية) لصنع القنبلة. ويستند في انتصاره له، إلى حسن نيّته وحسرتِه الصادقة على ما اقترفه. يمرّر لنا ذلك ضمنيا حين سلّم أوپنهايمر ابنه إلى صديقه واصما نفسه بالأنانيّ البشع، فأجابه إن الأنانيين البشعين لا يدركون بأنهم كذلك. ولكنني أجده يفشل رغم جدية مشروعه.
يطغى الحوار على الفلم حتى الإرهاقِ، وهو مع ذلك عاجز أن يمدّ بطله بقولٍ مقنع واحد يخلّصه من هول وضوح الجريمة. بل إنه يكرّر الاتهامات المعروفة دون أن يردّ عليها بشيء يعلق بالذهن. هتلر مات واليابانيون على مشارف الاستسلام. ولا يأتي عزاءُ أوپنهايمر إلا من خلال الصّورةِ، مثل مشهد خطابِه البليغ إثر حدوث الجريمة، وسحنة كليان مرفي العبقريّةِ حين تلقّت شخصيّته خبر التفجير.
إضافة إلى الصورةِ، يحضر الدفاع عن أوپنهايمر من خلال الفكرةِ الرئيسية التي سبق تفصيل القول فيها. إذ لم تكن القنبلةُ قرارا شخصيا اتّخذ في لحظة واضحة السياق والعناصر والحيثيات. بل هو مسار طويل متشابك التناقضات والصدف واللقاءات والتفاعلات. زوجتُه تدفعه إلى القتالِ من أجلِ إدارة المشروع الذي لم يدرك أبعاده بعدُ، رئيسُه في العمل (إيرنست لورنس) يدفعه دفعا بعيدا عن النشاط النقابيّ ليتسنى له العمل في المشروع، وجيش العلماء الذي يعمل تحت إشرافه بجدية يستحيل أمامها التراجع والتفكير في العواقب، فهناك أجل، وهناك هوس علميٌّ يشلُّ مَلَكة التأمّل. تصبح القنبلة في كل هذا السياق مجرد حتمية تاريخية قادمة لا محالة، وكان أوپنهايمر فقط وجه النرد الذي كشف عنه السقوط.
لقد كان أوپنهايمر مخطئا بلا شك، يؤكد نولن، لا لإرادة أصيلة فيه، ولكن لأنه كان هناك، في تلك اللحظة ليس أكثر. ولو أعيد كل شيء فقد لا يكون هو وجه النرد الطالع، ولم يكن ربما ليقترف جريمته. الحياة لعبة احتمالات كما تقول قوانين فيزياء الكم، وكما يقول لنا نولن. وهو مذهب كنت سأبدي نحوه تفهّما أكثر لو عرض عليّ بشكل أقل تشنّجا، وعلى امتداد مساحة تأملية أكثر امتدادا داخل الفلم، وبحوار أقصر بكثير مما تعرّضت له. إنّ ثلاث ساعات من الحوارات المكثفة واللقطات القصيرة المتتالية شيء مرهق جدا، ولا أظنه يزيد من جمالية العمل بأي قدر. ففلم طويل لا يكون مرتفع النسق بالكامل إلا لخلل فيه.
فهل كان هناك داعٍ للالتواءة السردية ونحن أمام قصة تاريخية؟ وهل لويس ستروس بتلك الأهمية التاريخية التي كانت ستجعلنا نقفز من مقاعدنا صارخين في ذهول: لقد كان ستروس إذا!
حتّى كيتي زوجة أوپنهايمر لم تكن مُقنعة وهي تصرخ بهذا. لماذا لم تقولي ذلك منذ البداية يا كيتي؟ أنت لم تحصلي على أية معلومة إضافية، فلماذا تقولين ذلك الآن؟ مجرّد محاولة متكلفة للإيحاء بقيمة مفاجأة لا تهمنا كثيرا. إذ لم يشرَّك المشاهد في عملية البحث عن الفاعل طوال الفلم. قدّم لنا المخرج دوافع الفاعل، ولم يمنحنا الأدلّة.
ثمّ، ذلك السر الرهيب الذي تقاسمه العالمان في النهاية. كان أينشتاين يلهو هانئ البال أمام البركة في پرنستن Princeton سنة 1947 أي سنتين بعد الجريمة الكبيرة، وجاءه أوپنهايمر ليخبره أنّ سلسلة التفاعلات النووية التي قد تدمر الكوكب قد انطلقت بالفعل. يعلم جميعنا أن العبارة مجازية، إلا أذكى رجل في العالم الحديث، فقد اغتمّ قلبه فجأة كأنما أدرك لتوّه معنى إلقاء قنبلة نووية…
لا يختلف فلم أوپنهايمر عن باقي أفلام نولن في سياسته وفي غرضه الفنيّ: محاولة خلق تجربة بصرية لمفهوم ملتبس الإدراك (الزمن، الواقع، الذاكرة، الجاذبية…) ولئن حاول هذه المرة تلافي تقصيره الدراميّ الذي طالما اتّهم به، فقد سقط في إفراط أفسد التجربة إلى حدّ مؤسف. ولم يساعد الموضوع المستفزّ، ولا تذبذب الفلمِ بين غرضيْه الفني والترفيهيِّ في إعادة بعض التوازن. لقد كان نولن أقدر المخرجين على الإتيان بأفلام فنية ذات ميزانية عالية Blockbuster Art film، فمن العجيب أن يخيب في ذلك حين يكون موضوع الفلم، عن تقبّل التناقض في الأشياء.
إنّ ما ورد في مقطع الاندماج ليس إلا أبرز الملاحظات التي تكررت عن الفلم وأحببتُ الإجابة عنها في مقطع يمثل منظوري الشخصيّ كما فعل نولن في فلمِه. لذلك، فلست أتبنى الحماس الكبير تجاه الصّوت في أوپنهايمر. مازالت الموسيقى تطغى على الحوار بشكل يعيق تجربة المشاهدة، وهو خلل في تقنية IMAX باعتراف نولن نفسه، ولا يحاسب إلا هو على خياره. فهل كان ضروريا استعمال IMAX في فلم يقوم كلّه على الحوار؟ وهل كانت تجربة ترينيتي تستحق كلّ ذلك؟ صحيح أن نولن لم يستعمل الصورة الحوسبيّة، ولكنّه استعمل مؤثرات بصرية، وراكم لقطات التفجيرات لصنع شكل يقرب من عش الغراب.
وختاما، فلو كنت ستشاهد فلما واحدا في السنة، فليكن فلم أوپنهايمر. ليس لأنه الأفضل، بل لأنك لست من هواة السينما كما هو واضح، ولست إلا باحثا عن شيء تعمّر به حياتك الاجتماعية، وأعتقد أن فلما شاهده الجميع تقريبا، أنسب خيار لذلك. أما إن كنت تشاهد أفلاما كثيرة، وفاتك أوپنهايمر، فلابأس من ذلك، فهناك أعمال عظيمة أخرى جادت بها السنة، وتستحق وقتك.
 
الدّفتر الأزرق
كتب في 6 آب 2023


Tuesday, July 13, 2021

البطلُ ضدّ خالقه

وهكذا فإنّ فِِلمَ تينيت ليس بهذا السّوء الّذي يريد أن يقنعنا بهِ المنكوبون في كبريائهم والعاجزون عن المشاهدات المتعدّدة. إذ أراه ساحة صراعٍ طريفةٍ يواجهُ فيها البطلُ كاتبَهُ. هل تحرِّرُ الدّراما أبطالَها من أقلامِ كاتبيها، فيمرقون على ما كان مخطّطا مسبقا، أم يظلّون بيادق بين أصابع الخالق، يقدّر لها الأدوار كيفما يشاء، ويُخضعها لحتميّته الخاصّةِ؟
 
يَفترِضُ البدءُ بهذا السؤالِ، أن أعود بأفكاري إلى الوراءِ تسلسلاً مقلوبا حتّى أنتهيَ بالبداياتِ، أُسوةً بأحداثِ الفلمِ وبساحةِ الصّراعِ الّتي وضعَها نولَنْ لبطلِه ها هنا. لكنّني أشفق على نفسي من مشقّةِ كذا كتابةٍ، وعلى القارئِ من تكبّد عناء قراءتها. فلنعد للبداياتِ.
 
تينيت Tenet، هو آخر أفلام البريطانيِّ كريستُفر نولَنْ، وهو طريقتُه الكلاسيكيّةُ في استقبالِ العقدِ الجديدِ. فقد سبق أن استقبل العقد الأوّل من الألفيّة بفلمِ Memento. وبعد عشر سنين، ملأَ الدنيا وشغل النّاس بفلمِ Inception. تينيت إذا، ليس أوّل فلمٍ-أحجيةٍ ينجزُه ولكنّه بلا شكّ أعقدُها. ورأيي أنّه يحتلّ مرتبة متقدّمة في قائمةِ أعقد قصص الأفلام على الإطلاق. وليس يزيدُ ذلك من قيمتِه أو ينقصُ. فلا هو راجعٌ إلى ضُعفٍ في الكتابةِ أو الشّرحِ، ولا هو علامةٌ على ثراءِ الصّورة أو عُمقِ معانيها. إنّه تجربةٌ أسلوبيّةٌ في ذاتِها يمكن أن تنجح أو أن تفشل انطلاقا من الأدواتِ السينمائيّة الّتي ترافِقُها.
 
لا أفضّل الأفلام الّتي ترتهنُها قصصُها، فلا تقومُ إلاّ على الإخبارِ بأحداثِها. إنّها أفلامٌ لا تُشاهدُ وإنّما يُستمعُ إليها أو تُقرأ. وليس غريبا أن يكون أغلبها تراجمَ سينمائيّةً لرواياتٍ معروفةٍ، وأن توصمَ بتلك العبارةِ الشّهيرةِ: الكتاب خير من الفلمِ. يأخذ الحدثُ القصصيُّ فيها وأداءُ الممثّلين جوهرَ المشهدِ وتتراجعُ عناصرُ الصّورةِ وسيميائيّتُها إلى خلفيّةٍ باهتةٍ تُسهّل التغافلَ عنها. هنا حين يأكلُ أحدُهم فهو فقط ينقل إليك خبرَ الأكلِ. أمّا حين تعود السينما إلى جوهرِها كوسيط بصريٍّ، ينقلُ الأكلُ حالةَ الآكلِ النفسيّةَ (مشهد الأكل في فلمِ قصّة شبح A ghost story)، أو غرائزه الجنسية (مشهد المطبخ في فلم تسعة أسابيع ونصف

9½ Weeks)، أو طبيعة العلاقة العموديّة بين شخصيْن (مشهد البرغر في Pulp Fiction)...


والأكلُ في تينيت، ساحةُ حربٍ وخديعةٍ. حين جلست كاثرين بارتُن إلى مائدةِ الفطور، كانت تظنُّ أنّها قد نجحت في خداعِ زوجها، أندري ساتور تاجر الأسلحة الّذي تظنُّ، لكنُّه فاجأها بطبقِ طعامٍ خاصٍّ أعلن لها به كشفَه لخطَطِها.
 
قبل ذلك، اِحتاجَ البطلُ إلى الجلوس إلى ثلاثِ موائد عشاءٍ مختلفةٍ ليتمكّن من جمعِ المعلومات اللازمةِ والتّوصّلِ إلى استدراجِ أندري ساتور إلى ما كان يظنُّ أنّها خطَّتُه: مائدةُ السِّير كروسبي في بريطانيا، ثمّ مائدةُ كاثرين بارتُن وأخيرا العشاءُ في يختِ زوجِها. وبينما كان البطلُ يرتقي الدّرجاتِ إلى عدوِّه، مرَّ كلُّ شيءٍ بخفّةٍ وسرعةٍ مريبتيْن، كأنّما كان يُستدرجُ إلى الفخّ الّذي يُعدُّه. يتحوّلُ الأكلُ في تينيت إلى طُعمٍ، ويأخذُ التشبيهُ معناه أكثر من أيّ وقتٍ مضى على حافَّةِ اليختِ في المرحلةِ الأخيرةِ. فهل سيقع البطلُ فريسةَ الخديعةِ؟ تجيبُنا مشاهدُ الأكلِ البسيطةُ بحقيقةِ أنّه لم يأكل في أيٍّ منها!
 
ليس هذا إلاّ مثالا بسيطا. والأهمُّ أنّ تينيت، على تمحوُرِه حول الحدثِ القصصيِّ على عادةِ أفلامِ نولَنْ، لا يغفلُ قطُّ عن حقيقةِ أنّ السينما وسيط بصريٌّ قبل أيّ شيءٍ. فاستعمل مثلا تركيبة بصريّة من الأزرق والأحمر، لفكّ شفرةِ المشاهدِ المعقّدة. وأجرى ذلك على ألبسة شخصيّاتِه كفستان كاثرن الأحمرِ. وفي مشهد القطارِ، كان صريرُ السّكك الحديديّةِ يصفُ ببلاغةٍ ما كان يحدثُ داخل فمِ البطلِ المعذَّبِ. وكان اتّجاهُ حركةِ القطاريْنِ يُنبئُ بمحوريّةِ تلكَ اللحظةِ بين اتَجاهيْ الزمن المتقابليْنِ…

لا يهتمُّ الفلمُ بمناقشةِ فكرةِ السّيرِ عكس اتّجاهِ الزّمنِ، وإنّما بعرضِ التجربةِ فعليّا، بحيث يمكنُ للمشاهدِ أن يخوض غمارَها، أو على الأقلِّ أن يشعُرَ بتأثيراتِها: حياةٌ تسيرُ بشكلٍ عكسيٍّ من حولِك، ونهاياتٌ تعترِضُك لبداياتٍ لم تأتِ بعدُ، ودعوةٌ للتفكيرِ خارجَ منطقِ السّببيّةِ الطبيعيِّ. يرى بعض النّقّادِ أنّ تجربةَ السيرورةِ الزمنية المعكوسة ليس مثيرا بما يكفي ولا عميقا بما يشفي، ولا يستحقّ استثمارا فنيّا بهذا الحجم. مشكلةُ هؤلاءِ أنّهم يُقصرون التّجربةَ على تلك الفصولِ الفُرجَويَّةِ الّتي يتحرّك فيها بعضهم بشكلٍ معكوسٍ. لكنّ التجربةَ الّتي أرادَها نولَن أرحبُ وأثرى. فحين يضعُ مشاهِدَه على مسارِ رحلةِ البطلِ، يفرِضُ عليهِ أن يفكّر طبقا لقوانين اللعبة الجديدةِ، وبالتّالي يجعلُه يعيش تجربةً افتراضيّةً مكتملةَ الأركانِ.

ولئن كانت السينما عند نولَن تجربةً بالأساسِ، فإنّها لا تقصُر عن أبعادٍ فكريّة تتجاوزُ التّجربةَ وجماليّاتِها، لتتساءل عن السّينما نفسِها كآلةٍ لتشذيب الزّمنِ وإعادةِ تحديد ماهيّتِه. لعلّكم تذكرون مشهدَ التقاطِ الرّصاصةِ المعكوسةِ من على الطّاولةِ، وكيف أنّ عميلةَ المخابراتِ الشّقراءِ عرضت عليهِ تسجيلَ فيديو لعملية الالتقاطِ، فعكست سيرَ الفيديو فأصبحَ عمليّةَ إسقاطٍ. ألا تروْن في قلب المفاهيمِ هذا آفاقا مثيرةً وخطيرةً؟ ألا يخبّرُ عن سعةَ قُدُراتِ السينما، وأدواتِها؟ ثمَّ، ماهي طبيعةُ القَلبِ Inversion؟ هل هي تقويضٌ للحقيقةِ أم إنّها إثراءٌ لها؟ وبعبارةٍ أخرى، ألا تسمحُ لنا السّينما من خلالِ ما يبدو أنّهُ تقويضٌ للطبيعةِ، بالتّركيب، والخِدع، والتلاعب بخطّ السّردِ، بفهمٍ أدقَّ لهذه الطبيعةِ؟ ألا تسمحُ بتجاوزِ حدودِ حواسِّنا القَاصرةِ وطرقِ تفكيرِنا الاعتياديّةِ والبسيطةِ؟ ألا تسمحُ كضربٍ من الفنّ بتجلٍّ أدقَّ للحقيقةِ؟

هو ذاك التساؤل الّذي يعاودُنا كلّما شعرنا إزاء عملٍ فنيّ بلحظة كشفٍ. لكنّ التساؤلاتِ تستمرُّ مع تينيت، وتحديدا مع عنصره المحوريِّ، أي قصّته. أفلا تُرانا أمام أكثر من قصّةِ صراعٍ بين بطلٍ أمريكيٍّ ومجرمٍ روسيٍّ لإنقاذِ العالمِ؟

للتّذكيرِ، فنولنْ يعملُ هنا على صنفٍ genre سينمائيٍّ واضحِ المعالمِ، هو الخيال الجاسوسيِّ Spy-fi، وهو مزج بين الخيال العلميّ والجاسوسيّة. ولا شكّ أنّ سلسلة جيمس بوند هي أشهرُ أمثلةِ هذا الصنف: خطّةٌ لتصفية العالم أو السيطرة عليه، وبطلٌ ذكيّ، وشرير عدميّ، وتقنية متطوّرة، ومشاهدُ حركةٍ فرجوية بالجملة أبرزُها المطاردة المألوفة بالسيارات… لم يَغفل نولَن عن أهمّ عناصرِ الصّنف، مع إضافةٍ معتبرةٍ في جانب الخيال العلميّ الّذي يُهمَل عادةً ويُتركُ سخيفا. إنّني أجدُ في ذلك إجراءً تعديليّا مهمّا يُعيدُ هذا الصّنف الفرعيَّ إلى حظيرة الخيال العلميِّ.

ولا يكتفي نولَن بإعادةِ إخراج الخيال الجاسوسيِّ في ثوبٍ جديدٍ، بل يحاول أن يُخرجَه من خطابِه المألوفِ: خطاب الحربِ الباردةِ سياسيّا، وخطابِ الخوفِ الذّكوريِّ من امرأةِ ما بعدَ الحربِ العالميةِ. ففي تينيت، يُطلُّ الشريرُ الروسيُّ من نافذةٍ رأسماليّةٍ محضة: أعمال، يخوت، فنّ تشكيليّ، العملُ بشكلٍ فرديٍّ، النزعة العدمية الخ. في حين يعملُ البطلُ في إطارٍ جماعيٍّ يكادُ يكونُ أفقيّ العلائقِ.

كما غيّرت شخصيّةُ كاثرِن بارتُن من وجهِ المرأةِ في أفلام الجاسوسيّةِ. فلم نعد إزاءَ تلك الفاتنة الغامضةِ المخادِعةِ الّتي تستدرجُ البطلَ إلى الفخّ القاتلِ. ولم نعد إزاء ذلك الجسد الّذي لا يكاد البطلُ يظفر منه ببعض الوصلِ حتّى تتمَّ تصفيتُه/معاقبته بقسوةٍ. على العكس، كانت كاثرن مفتاح الوصولِ إلى العدوِّ، وكانت قد سُلبت حرّيّتها واستقلاليّتها ولم يبق منها إلا عنصرُ الأمومةِ الّذي كان مهدّدا. كانت كاثرن تحلمُ بنموذجِ المرأةِ في الأفلام الجاسوسيّةِ. ولم تدرِ أنّها ستحقّقه في النهاية. سار تينيت بالتّالي عكس أفلام الجاسوسيّة الّتي تعاقب المرأة على انفلاتِها من الطوع وتخلّص المشاهد الرّجلَ من شعور التّهديد. فانتصر للمرأةِ المستقلّةِ وانتصرَ لبطلٍ جديدٍ لا يقع تحت طائل فتنتها.

لا أحد يعرف اسم هذا البطلِ، ولا تاريخَه ولا مأساتِه الشخصيّةِ. يعرّف على أنّه البطلُ القصصيُّ Protagonist بإلحاح يدعو إلى الانتباه، ولا يملك أيّ مسارٍ دراميٍّ داخل الفلمِ كما هو بادٍ. وقد وجد النقاد في هذا التوجّه عيبا كبيرا. بل لم يجدوا من عيب حقيقيٍّ للفلمِ غير هذا. مشكلةُ أفلام نولَن أنّها تصنع مسافة بين المشاهدِ والشخصيات، بحيث لا نتعاطفُ معها. هكذا يقولون، كأنّهم لم يروا علاقة مرفي بأبيها في "بين النجوم" Interstellar، أو شخصية جوكر في فارس الظلام The Dark Knight، أو محنة دوم كوب في فلم استهلال Inception… إنّ الرّبط بين تأطير الشخصية وتعريفها وبين القدرة على التعاطف معها أو تقبّل مسارها الدّراميِّ هو أشبه بالرّبط بين صلصة الطماطم وعجين السپاغيتي Spaghetti، أي قائم على وهم التعوّدِ ليس إلا، ولنا في أفلام سرجيو ليوني العظيمةِ، وشخصيّةِ كلينت استوود Clint Eastwood الغامضة فيها خيرُ مثالٍ.

لقد كان من المهمّ تجريدُ البطلِ من كلِّ تخصيصٍ، والاكتفاء بتعريفِه بهذه الصّفةِ، لأنّنا إزاءَ صراعٍ يتجاوز لعبةَ الجاسوسيّةِ إلى لعبة الكتابة ذاتِها، حيث يقف البطلُ القصصيُّ في مواجهةٍ غير مألوفةٍ ضدَّ كاتبِه. يحاول أن يكون كلاسيكيّا قدر الإمكانِ: مخلصا ومتفانيا ومؤثِرًا وعامرا بتلك القيمِ الإنسانيّةِ المُثلى الّتي لا يكتسبُها المرءُ الطبيعيُّ بقدرما يكتسبُها الأبطالُ. لكنَّه يجدُ نفسَه في أرضٍ قصصيّةٍ متحرّكة كدوّامةِ رملٍ مخيفةٍ لا تُفهم قواعدها. يعابثه كاتبُه، فينقلُه من شخصية إلى أخرى، ويزوّدُه في كلّ محطّةٍ بالمعلومات الكافية للانتقال إلى المحطّةِ الأخرى: رجل المخابرات الأمريكيّ، سائق السيارة في الميناء، عاملةُ المخبرِ، نيل، تاجرةُ السلاح الهنديّةُ، السير كروسبي العميل البريطانيُّ، كاثرن بارتُن خبيرة الفنونِ، زوجُها الروسيّ أندري ساتور… في كلِّ مرّة، يعدّل البطلُ من منظورِه للعبةِ، ويحاولُ أن يبدأ بالتّحرّك وفقا للقواعدِ الجديدةِ، لكنّه يفاجَأ بتغييرِها. وفي كلِّ مرّةٍ يظنُّ نفسَه قد أحكمَ الخطّةَ، يجدُ أن خطّته مفضوحةٌ أو أخطأتِ الهدفَ. أحيانا بشكلٍ سخيفٍ كما حدث مع پريــا تاجرة السلاح الهنديّة الّتي هاجم البطلُ زوجها ظنّا أنّه هو المسؤولُ عن نشاطاتِها. نلمسُ في كلّ مرّة عبثا من الكاتبِ ببطلِه لأنّ الخديعةَ لا تغيّر شيئا من مسار الأحداثِ، ولا تمنحُ البطلَ إلاّ إحساسا مهينا بأنّه لا يسيطرُ على شيءٍ. هكذا، فقد أعصابه مع إصابةِ كاثرِن القاتلةِ. إنّها الفتاة الجميلةُ الّتي عليه أن يضمنَ سلامتَها كأيِّ بطلٍ قصصيٍّ محترمٍ، ولكنّ المفاهيمَ تتجاوزُه مرّة أخرى، فهاجم نيل، لأنّه كان يشعر أنّه يعرفُ أكثر ممّا يقولُ. والحقيقةُ أنّ نيل، يبدو أقرب إلى التجلّي القصصيِّ لكاتبِه. ينزل من علياءِ قلمِه كيسوعٍ داخلَ روايتِه ويتقمّص أحد شخصيّاتِه. ربما ليساعد بطلَه وربّما ليزيد من معابثتِه، وربّما ليعلن له في النّهايةِ انتصارَه عليه: اُنظروا إليه في نهاية القتالِ وهو يأتي في لحظة اليأسِ الأخيرةِ ليضحّيَ بجسدِه الفاني (جسد نيل الّذي يتقمّصه) ويُنقذَ بطلَه وينقذَ العالمَ! أيّة نرجسيّةٍ فاضت بها قمرته؟!

في لحظةٍ ما، بدا أنّ البطلَ قد انتصرَ في صراعِه مع كاتبِه: فهم قواعدَ اللعبة المعقّدةِ، وبدأ يعدّ خططه. استطاع خداع عدوّه الرّوسيَّ، ثمّ استطاع أن يسبق پريـا ويقتلها قبل أن تغدر بحسنائه. لكنْ كما سبق وأن ذكرتُ، فهو لم يتمكّن تماما من التخلّص من براثن كاتبِه. ورغم تصريح نيل في النهاية بأنّ "البطل" هو مدبّر العمليّةِ بأكملِها، فإننا نعلم أنّ الأحداث تجاوزته في النهاية وأنّ كلمة الفصل كانت له (أي نيل/الكاتب).

ربّما تعج أدبيات ما بعد الحداثةِ بهذا النّوعِ من الصّراعاتِ. لكنّ نولَن منحه الكثير من الطرافةِ والذّاتيةِ. تينيت هو سؤال الكتابة عن ذاتِها، وهو سؤال السّينما الكلاسيكيّةِ عن مستقبلِها في عالمٍ لم يعد يرضى بأكثر من ساعتين من العرضِ. لقد أرسى نولن نسقا مجنونا للفلمِ حتى يوضع في إطار الساعتين ونصف، والحقيقةُ أنّه كان يمكن أن يبلغ الساعات الثلاثِ دون أن يكون النسق مملاّ للمشاهدِ العاديِّ. وقد كان سيتخلّص حينئذ من حنقِ أولئك الّذين أصيبوا في كبريائهم من تعقيد الفلم وعدم تقبّلهم لحاجتهم إلى مشاهداتٍ أخرى لفهم دقائقِ القصّةِ وتفاصيلها.

وعلى أية حال، فتينيت ليس أفضل أفلامِ نولن وليس أسوأها أيضا. إنّه تجربةٌ فريدةٌ تنتمي إلى زمنٍ قد نتحسّر عليه قريبا.
 

 

Tuesday, August 22, 2017

معركة ضدّ الزمن

تقول الناقدة الكبيرة كارلا جنين "من الممكن اختزال أعمال مخرج/مؤلّف Auteur في فيلم واحد". وهو قول نجد فيه الكثير من الوجاهة والدقّة حينما يتعلّق الأمر بالمخرج البريطانيّ الأمريكيّ كرِستُفر نولان Christopher Nolan. إنّ هذا الرجل يكتب فيلما واحدا تقريبا منذ سنة 2000 حينما أخرج تلك الأيقونة المسمّاة Memento. وإن كان لهذا الفيلم من إسم، فهو حتما "لعبة الزمن" أو "معركة الزمن" أو أيّ شيء آخر ينتهي بـ"الزمن".
طبعا لا وجود للناقدة الكبيرة كارلا جنين، ولكنّ نولان نفسه لا يهتمّ كثيرا لمثل هذا التدقيق مادام قادرا على خلق جوّ أكثر واقعيّة من الحقيقة. في فيلم دنكرك قد ترى بوارج حربيّة فرنسيّة تُجلي البريطانيّين على أساس أنها سفينة بريطانية، وقد ترى الطائرات الألمانية تجوب الفضاء بأنف أصفر في زمن لم يُتّخذ فيه هذا القرار بعد، ولكنّها تفاصيل ثانويّة جدا لم يقف عندها الجندي المتقاعد العجوز وهو يشاهد الفيلم في إحدى قاعات لندن ويقول "لقد كان الوضع كما في الفيلم تماما". ومع ذلك، لم تخلُ واقعيّة نولان من هشاشة مثيرة للإحباط...

أين كان الإحباط؟ تختلف التأويلات وتتنوّع، وتطال مختلف عناصر الفيلم. يقولون إنّ قصّته لا بداية لها ولا نهاية، لا تمهيد ولا استقرار، مشوّشة الأحداث على غير هدى أو هدف. لكنّنا نحن الذين شاهدنا الفيلم بدون حبوب هلوسة، نعرف أنّ كلّ هذا ليس صحيحا، ونحن الذين شاهدنا الفيلم أكثر من مرّة، نعرف أنّ نولان نجح مرّة أخرى في ما يميّزه عن غيره من المخرجين: الرواية.

لحظة ظهور المقاتلة النازية في أعين الجنود العالقين
تبدو الرواية ذات طابع كلاسيكيّ مألوف. جنود، حصار، الحرب العالمية الثانية، دنكرك شمال فرنسا، مئات الآلاف من الجنود البريطانيين المحاصرين في الشاطئ بانتظار معجزة لإنقاذهم. هكذا دوما قصص الحرب الملحميّة. ومنذ أقلّ من سنة طالعنا مِل جبسُن Mel Gibson بإحداها من خلال مرتفع المنشار Hacksaw Ridge. لكن ليس حينما يتعلّق الأمر بنولان.
يتميّز نولان بهوس كبير في ما يتعلّق بأسلوب السرد. ولئن بدا ذلك أوضح في فيلم Memento (سنة 2000) فهو يتردّد في كلّ أفلامه الأخرى، على أنّ دنكرك اتّخذ منحًى تجريبيّا أعمق وأشدّ. إنّ المغامرة بتقنية سرديّة معقدة في أحد أفلام الميزانيات الكبرى Blockbusters لهي جرأة تستحقّ التنويه.


تقوم هذه التقنية على المراوحة بين ثلاث جبهات سردية، الأولى عند حاجز الأمواج Mole أو لنقل عند الشاطئ، وتمتدّ أحداثها لأسبوع كامل. والثانية في بحر القنال الانكليزية وتمتدّ أحداثها على يوم واحد. والجبهة الثالثة جويّة فوق الجبهتين وتمتدّ على ساعة وحيدة فحسب. وتتداخل الجبهات في نقطة ما من السرد لتصبح مشهدا واحدا قبل أن تتفرّق من جديد.
قد يخيّل للمشاهد في البداية أنه أمام تركيبة روائية بسيطة بعض الشيء، ثلاث قصص متناثرة، استغلّها نولان لرسم ملامح انسحاب دنكرك الشهير. مجرّد عنصر ثانويّ لا مناص من وجوده. لكنّ من شاهد أفلاما لنولان يعرف أنّه لا يحب البساطة، أو لنقل إنّه يحبّ تبسيط الأمور بأعقد شكل ممكن، لذلك فقد كانت عملية الربط بين القصص الثلاث معقّدة فعلا، ترتكز أساسا على الصورة لأنّ الحوار غائب تقريبا. فحين يبدأ نولان سرد الجبهة الجوية مثلا، نرى الطائرات الثلاث تحلّق فوق مركب أزرق. إنّه نفس المركب الذي استعمله الجنود عند الشاطئ في محاولتهم الأخيرة للهروب من دنكرك في آخر الفيلم. ومن خلال عناصر كهذه يمكننا أن نشكل صورة ذهنيّة لمسار الأحداث وكيف أنّ ما يحدث في الجبهة الجوّيّة ليس إلا ساعة يتيمة من آخر يوم من أسبوع الأحداث التي كانت تقع عند الشاطئ.
لقد تمّ سرد أحداث الجبهة الجويّة على امتداد فيلم يقارب الساعتين بينما دامت داخل القصة أقل من ساعة واحدة، أمّا أحداث الشاطئ، فلم يكن بسيطا أن يقتنع المشاهد أنّها امتدّت على أسبوع كامل. كان تعاقبُ الليل والنهار واضحا، ولكنّ المراوحة السردية مع جبهتي البحر والجوّ، ابتلعت هذا التعاقب، ومنحت أحداث الشاطئ تعاقبا أسرع من زمن السرد بكثير، وهذه لعبة نولان المعهودة مع الزمن.


زمن السرد وزمن القصة

يصرّ نولان أن فيلم دنكرك ليس فيلما عن الحرب، وإنّما عن البقاء. لكن من قال إنّ أفلام الحرب ليست في أغلبها أفلاما عن البقاء؟
بالعودة إلى الجبهات الثلاث، يمكن القول إنّ نولان قد عرض علينا المواضيع الرئيسية الثلاثة التي نجدها في أفلام الحروب: فعند حاجز الأمواج، يحاول الشابّ الإنكليزيّ الهروب من جحيم دنكرك بأي طريقة ممكنة، إنّ البقاء هو هدفه الوحيد. أمّا في الجبهة البحريّة، فكان الممثّل مارك ريلانس Mark Rylance يؤدّي دور مدنيٍّ بريطانيّ يهرعُ بيخته إلى دنكرك لينتشل أكبر عدد من الجنود البريطانيّين ويعود بهم إلى بلادهم. لا يحمل الرجلُ سلاحا ولا يحمل أيّة نيّة للقتال، فهدفه الوحيد هو الإنقاذ (ربّما يحيلنا ذلك مرّة أخرى إلى فيلم ميل جبسون، وبشكل أقل إلى تحفة سبيلبرغ إنقاذ الجندي ريان Saving Private Ryan). وأخيرا، نجد أنّ الجبهة الجويّة، هي الجبهة الوحيدة التي تمثّل هدف الحرب الطبيعي، أي القتال. فالطائرات الثلاث تخرج من أجل إسقاط الطائرات النازيّة وتأمين نقل البارجات الحربيّة للجنود البريطانيّين.
لقد حقّق نولان أهداف هذه الجبهات في مشهد الالتقاء المتميّز، حين أسقط الطيّارُ Farrier (آداء الممثّل المتميّز Tom Hardy) المقاتلة النازيّة التي كانت تهدّد المراكب البريطانية، ومنح بذلك وقتا للجنود العالقين في مياه القنال للبحث عن سبيل للنجاة، ومنح أيضا اليخت المدنيّ البريطانيّ الفرصة لإنقاذهم.

على أنّ هاجس البقاء ظلّ مسيطرا على أحداث الفيلم. ربّما لأنّه يتعلّق أساسا بإنقاذ أربعمائة ألف جنديّ من حصار مميت. وربّما لأنّ نولان حاول من خلال الصورة، أن يعدّد ضروب الموت المحقّق التي تطارد الجنود. الرّصاص المتهافت من أزقّة مدينة دنكرك، الرصاص الذي يخترق جدران المراكب، الجوع والبرد والعطش، مياه البحر حين تقتحم مركبا يغرق، أو حين تقتحم كابينة قيادة طائرة أسقطت، النيران المشتعلة في بركة البترول على سطح الماء، وبالأخص قنابل الطائرات المدوّية. كان وجه الموت الأصفر يطلّ من مقدّمة الطائرات النازيّة التي تظهر بين الفينة والأخرى، وكان وجه القبطان عند الحاجز الصخريّ يعلن عن ظهور الموت بعينيه البليغتين، في مشاهد هي الأكثر إمتاعا في الفيلم.
ومن المهمّ التأكيد على غياب الطرف الثاني في الصراع، أي الجانب النازيّ. فلا نرى من الجنود النازيّين إلا ظلالهم في مشهد الفيلم الأخير. وهذا التعمّد من نولان، يرمز إلى إبعاد هذا الطرف من الصراع، مصرّا مرّة أخرى أنّ المعركة كانت بين شخصيّات الفيلم وبين الزمن. لقد كان الزّمن أكثر حضورا من العدوّ، بل ربّما أكثر حضورا من شخصيات الفيلم الرئيسية.

يرى البعضُ أنّ دنكرك يعاني من تملّصه المفرط من أبطاله، فهو لا يقدّم لنا أسماءهم، ولا يطلعنا على ماضيهم ولا يسمح لنا بالتالي بالتعاطف معهم. ولا أعرف من أين جاؤوا بهذه القاعدة الغريبة. ففيم يفيد ماضي الشخصيات حين يصارعون الموتَ وحده، لا همّ لهم سوى الاستمرار في البقاء، والوصول إلى ضفّة الحياة؟ ولماذا على المشاهد أن يعرف أوّلا إن كان البطلُ سارقا أم مرابيا أم رجل مبادئ أم أحمقا أم محتالا ليتعاطف معه في هذا الصراع؟ إنّ القصة لا تتعلّق بقتال من أجل إيديولوجيا معيّنة، أو من أجل فكرة ما، ولا يحتاج نولان لتبييض تاريخ أبطاله أو إدانتهم، فحسبه أنّهم بشر يفعلون ما يفعله كلّ مشاهد طيلة حياته وإن بشكل أبسط وأقل عنفا : البقاء حيّا!
كان توجّه نولان في الفيلم واضحا، فهو يحاول أن ينقل الأحداث من الداخل لا من الخارج. لا يهتمّ بأن نرى الصورة كاملة بل أن نراها كما يراها أبطاله. لا نرى طائرة الموت إلا بلقطات الزاوية المنخفضة Low angle shots كما يراها الجنود، إذ تتهاوى من حالق على الجمع العاجز الذي يرتمي أرضا في استسلام ويستقبل قنابلها المدوّية فتصمّ آذاننا قبل أن تصمّ آذانهم. ولا نرى غرق البارجة الحربيّة بشكل كامل، بل نرى ذلك من داخل البارجة، حيث يرتجّ المكان، وتقتحمه المياه، ويميل بعنف، ولا نرى من الخارج إلا ما يراه الضابط الفرنسيُّ الذي كان بالخارج فعلا. أمّا مشاهد المعارك الجويّة فكانت تحفا تقنيّة حقيقيّة تجبر المشاهد على الميلان برأسه كأنّه يقود الطائرة بدل فارييه Farrier وصاحبه كولنز Collins.
لم يكتف نولان بتحويل عدساته إلى عيون أبطاله، بل نقل إلى المشاهد أحوال أبطاله النفسية والمعرفيّة. لذلك لا نعرف أكثر ممّا يعرف الأبطال عن ما يحدث حولهم، وما يعرفونه يكاد يكون منعدما أحيانا.


مشهد تشابك القصص الثلاث

ويبدو أن بعض النقّاد وخصوصا أولئك الذين ما انفكّوا يدفعون هوليود إلى أدلجة خياراتها الجماليّة منذ سنوات لم يستسيغوا واقعيّة دنكرك، أو لعلّهم لم يفهموها كما لم يفهموا ـ ربما ـ معنى التعبيرة الحرّة، ومعنى الرؤية المختلفة، ومعنى السينما. ورغم عدم خلوّ الفيلم من العيوب، لم يرعهم إلاّ خلوّ الفيلم من النساء (في الواقع، دفع نولان في نهاية الفيلم ببعض النساء في مشاهد المراكب المدنيّة البريطانية التي رست عند شاطئ دنكرك)، ومن سود البشرة (في الواقع رأيت بعض الجنود سود البشرة ولكنّ ذلك لا يرضي هؤلاء). واقترح بعضهم تفضّلا أنّ الفيلم كان ليكون أفضل لو أنّه تحدث عن جنديّة عوضا عن جنود ذكور. كأنّ تجنيد النساء خلال الحرب الثانية كان فكرة رائجة وطبيعية آنذاك، أو كأنّ على نولان أن يعيد تشكيل أحداث انسحاب دنكرك التاريخيّة المدوّنة، بحسب ما يشتهون.
إنّ هؤلاء القوم يدفعون بالسينما دفعا إلى مربّع أخلاقويّ بغيض ويمارسون نوعا من الرقابة الأخلاقية أسوأ بكثير من رقابة الحكومات القمعية، لأنّها رقابة تصم المخالفين بكلّ أشكال الميز العنصريّ، وتشيطن أي قول عفويّ مخالف.

مع ذلك، يوجد باب آخر أكثر أهميّة لنقد واقعيّة نولَن وتبيان نقائصها. فالرجلُ الذي أصرّ على تصوير الفيلم عند شاطئ دنكرك في ذات المكان الذي وقعت فيه الأحداث، ورفض ما أمكن استعمال الصور المحدثة بالكمبيوتر CGI وفضّل عليها بدائل أكثر بدائية لإضفاء أكبر قدر من الواقعية على المشهد، لايزال يعاني من ذات المشاكل التي تغافل عنها في فيلمه السابق Interstellar.

مشكلة نولان برأيي أنّه خلال اهتمامه بالتفاصيل العظيمة التي تجعلنا نشهق انبهارا، تجاهل التفاصيل البديهية التي لا نلتفت إليها إلا حين غيابها. وما كنتُ لأهتمّ لهذه التفاصيل لولا تركيز نولان على الواقعية منذ اللقطات الأولى للفيلم.
بدأ نولان فيلمه بمشهد الجنود الذين يمشون على مهل في طرقات دنكرك العتيقة، توحي ملامحهم باليأس وتوحي سلوكاتهم بالعطش والارهاق. كيف عرفنا أنّها طرقات دنكرك؟ من جذاذات ورقية ألقاها "العدوّ" من الجوّ، إذ التقط جنديٌّ إحداها، ونقلت إلينا عدسة نولان/عين الجنديّ فحواها: أنتم هنا، البحر أمامكم، العدو حولكم. خريطة بسيطة تفسر كل شيء في لحظات. وحين يبدأ حفل الرصاص من ورائهم، لا نرى من يضرب، ولا نعرف وجهة الهروب، كما هو حال الجنديّ الأخير الهارب. يتسلّق باب الحديقة، يختبئ وراءه والرصاص يشتدّ ويصبح أكثر عنفا. وتشعر وكأنّك مختبئ بجانبه، وأنّ كل شيء حقيقيّ من حولك، ثمّ يبتعد البطلُ خطوات عن الباب، ويعرّجُ يمينا نحو سور جانبيّ، لكنّ الرصاص لا يزال ينطلق من ورائه كأنّ مصدره قد عرّج مثله يمينا. لكنّك تعرف أن هذا مستحيل، وإلا لكان العدوّ على بعد خطوتين من الجندي البريطانيّ، وإذا بالمشهد يتهاوى، وتعود إلى مقعدك في السينما بعد أن كنتَ في دنكرك.

ينتابك نفس الشعور حين تدكّ القنابلُ الشاطئ ويرتفع الرمل في عنان السماء ثمّ ترينا الكاميرا شاطئا لا أثر فيه للحفر التي خلّفتها القنابل، كأنها لم تحدث. وينتابك نفس الشعور وأنت ترى مباني دنكرك الجميلة كأنها ليست تحت القصف، بل هي المدينة كما هي اليوم، وينتابك نفس الشعور وأنت ترى البحر مضطربا ثم هادئا وديعا في لقطتين من نفس المشهد. ومرّة أخرى حين تلحظ رقم البارجة الحربية H36 التي تمّ قصفها في النهاية وتذكر أنّك رأيتَها تقترب من الميناء البريطانيّ في بداية الفيلم. لكنّ الضربة القاصمة للواقعيّة التي أرادها نولان كانت اختفاء العنف ومشاهد الدماء. فربّما كان من حقّ نولان وأستوديوهات وارنر بروز Warner Bros أن يفكّروا في أكبر عدد من المشاهدين بمن فيهم المراهقين وكل من سيسمح له تقييم جمعية الفيلم الأمريكية MPAA Rating بمشاهدته، ولكن ليس من حقّه إدّعاء الواقعية في فيلم ينقل جحيم عمليّة انسحاب دنكرك وليس فيه أشلاء أو قطرة دم واحدة.
منذ البداية نعرف أنّ هناك خط التقاء بين الجبهتين البحرية والجوية

لم يعد نولان صياغة نوع سينما الحرب، بل إنّه استعاد مواضيعها الرئيسية (القتال، الإنقاذ، البقاء)، ولئن فشل في عملية الإيحاء بالواقعية رغم كلّ التقنيات السردية والتصويرية المبهرة التي استعملها، فقد نجح كالعادة في كسب معركته مع الزمن، فقوّض إدراكنا له، إلى حدّ استوت معه الساعة واليوم والأسبوع، واستحالت جميعها إلى دقّات ساعة متسارعة، نبضات قلب يرتفع نسقها إلى ما لا نهاية، تماما كموسيقى هانس تسمّر Hans Zimmer العبقريّة التي غلّفت الفيلم وملأت أجواؤه ربّما بإفراط كان من الأفضل تفاديه أحيانا.

-------------------------------------------------------
الإسم : دنكرك
المخرج : كرِستُفر نولَن Christopher Nolan
البلد : الولايات المتّحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، هولندا
المدّة : 106 دقيقة
النوع : حرب، تاريخ
البطولة : فيون وايتهاد Fionn Whitehead، أنورِن بارنرد Aneurin Barnard، مارك رايلنس Mark Rylance، توم هاردي Tom Hardy

Translate