Showing posts with label خاطرة. Show all posts
Showing posts with label خاطرة. Show all posts

Thursday, April 30, 2015

عن لغز الحياة

لم يسمَّ "فؤاد" عبثا، فهو يتشكّل في فضاء الدنيا كقلب ضخم، و في فضاء ذاكرتنا كموجة عاتية من العاطفة. لا يملك فؤاد شيئا كثيرا من الحكمة، و لعلّه يملك حكمة لا نفهمها هنا، في ديار الخوف من الحياة. لو ولد في بلاد أخرى، لسمّوه "زوربا". فضخامة جسده قد تمنعه من الرقص، لكنّها لا تمنع روحه من الاهتزاز للحياة.
يندر أن لا يلحظ المرء فؤادا في مجلس هو فيه. فكل شيء في الرجل يعمل بعنف و اندفاع. يضحك بقوة، يعارض بشدة، يعبّر عن احتجاجه أو استحسانه بالعنف نفسه، يمازحك بعينين أغلقتهما ابتسامته العريضة النقيّة.

اِندفاع هذا الرجل نحو الحياة، يشبه اندفاع الماء في الجداول الصغيرة. يغيظ البعض أحيانا، و لكنّه يسعد البعض الآخر. في سبيل لحظات من المتعة الصافية، لا يدّخر الرجل لا جهدا و لا مالا. إنه من أولئك التونسيين الذين لا يتردّدون أمام إغراء البحر، و الرحلة، و الاحتفال. و إنّه من أولئك الذين لا يرون السعادة إلا حين يقتسمها مع أحبابه، و لحسن حظنا كنّا من بين أحبابه... لا حظّ للصدفة إذا، إذ عرفته لأول مرة خلال حفلٍ لكاظم الساهر. كنت صغيرا، و كنت أمنّي النفس بالاستماع إلى كاظم مباشرة، و لم أكن أتخيل أن فؤادا سيحقق لي ذلك، و ربما لم يتخيل هو ذلك أيضا. لا يبدي رومانسية في حديثه، لكنّني أراهن أنه مشبع بها. علاقته بكل ماهو أنثويّ تشي بذلك.

يقدّس فؤاد النساء، كما يقدّس الحياة، أو لعلّه دون وعي منه، يقدّس الحياة التي تمثّلها الأنوثة. طريقة زواجه بدت لي وسط مجتمع محافظ مرعوب من الحب و الحياة، قصة حبّ جميلة و لطيفة. أما علاقته بأمّه المرحومة، فممّا يضرب به المثل في الحب الخالص. حارب فيها الزهايمر و طارد الموت فيها قدر ما استطاع، لكن لا غالب للموت إلا الله. ينتقل كل ذلك الحبّ إلى ابنته الكبرى، تلك التي طار فرحا إذ علم بقدومها، فقد كان دوما يمنّي النفس بفتاة لتكون فاتحة عهده بالبنين. أكاد أجزم أنه كان نسويّا، يدافع عن النساء في كلّ محفل، و لقد كان بيننا سجال (عنيف كعادة الحديث معه) طويل بشأن تفضيله للنساء على الرجال في الكفاءة و العمل.. هل كان رأيه ذلك حذلقة أم تطرفا أم إيمانا؟ أعتقد أنه كان ميلا فطريا للحياة التي تمثلها تاء الأنوثة. كانت خلايا هذا الرجل تنبض بالحياة و لم يكن في ذلك من شك...

فكيف بحق الله القدير، تنقلب هذه الخلايا إلى خلايا موت و دمار؟ كيف تستحيل هذه الخلايا المعمورة بالحبّ و الخصوبة و الاقبال على الدنيا، إلى خلايا سرطانية مدمّرة في شهر و نيف؟ كيف ينقلب هذا الوجه الباسم الساخر الصاخب كأمواج البحار، إلى وادٍ غير ذي زرع؟ رحمك الله يا فؤاد، سنحبّ الحياة مثلما فعلت، و سوف نقبل عليها بنفس اندفاعك و جنونك/حكمتك لأنها السبيل الوحيد للتغلب عليها و على الموت.

Tuesday, April 8, 2014

أسلحة معاصرة

حينما التقينا في ساحة (سان ميشال) المتألّقة ليلا كالذهب، التقيتُ فيه ذكرياتنا الصاخبة، و روحينا المندفعتين بين جموع الطلبة الهادرة.. دعاني إلى مجلسه الصغير. توقف "السان" قريبا يتابع تدفّق الذاكرة من بين أعيننا. أما هو، فأشار إلى الحسناء الجالسة بجانبه، و قال :"راشيل، صديقتي." ابتسمتُ و أنا أسألها :"يهودية؟" فقالت بفرنسية أنيقة :"لم أعد كذلك. منذ غادرتُ تل أبيب تغيرت أشياء كثيرة." استدرتُ مندهشا إليه، فارتبك و لم يعرف كيف يرسم ابتسامته. و حينما سألت في استغراب "ماذا؟" استسمحها و هو يأخذني بعيدا، أو قريبا إلى النهر. قال لي في انفعال :

"ألا تتغير؟ لماذا كل هذه العداوة؟"
"هل غادرت تل أبيب نهائيا؟"
 ارتبك قليلا، لم يعرف ما يقول. نظر إلى النهر الصامت و قال "هي إسرائيلية، قد تعود ربما، أعني، قد يتوقف الأمر على علاقتنا. لكن ما لك و هذا؟ ما دخلها بالحروب؟"
"ألا تذكر تلك الشعارات التي هتفتَ بها صبيّا؟"
"صبيّا! ها قد قلتها! ألا تكبر يا رجل؟ لم تقتلنا إلا الشعارات، ماذا فعلنا بالشعارات هه؟ هل تريد أن تحاربهم؟ اذهب و احمل سلاحك، ماذا تفعل في هذا المكان الساحر؟"
ثمّ صمت و كأنّ كلامه لم يجد له صدى في قلبه الصدئ، فواصل حديثه متشنّجا "الحرب اليوم اختلفت، إذا أردتَ أن تحاربهم، فحاربهم بعلمك، بتقنيتك، بتأثيرك على المجتمع الدوليّ، أما العنتريات فلن تفيد شيئا."

"إذا أردتَ أن تحارب عدوّا، فعليك أن تذكرَ أولا أنه عدوّك. أهي باريس التي سلبت روح المقاتل فيك، أم هو أنت اتخذت شكلك النهائيّ؟ اِسمح لي، لكن السلاح سواء كان سيفا، أم قلما، لا يحمله إلا محارب. أما أنت فتثغو. حينما تمنحك الحياة عدوّا قويا، فالأجدى أن تشكر السماء، و أن تحارب. لكنّك تحبّ أن تحيا قطيعا، أن تأكل في سلام، و ترقد في سلام. علم؟ تقنية؟ تقدّم؟ تحضر؟ هذه تفاصيل ثانوية. أما ما يهمّ، فماذا ستفعل بالعلم و التقنية؟ هل ستحارب عدوّك؟ أم ستذعن له؟ أم ستقبّله في فمه، و تترشّف دم أخيك من شفتيْ سفّاحه؟
هل تسخر من أولئك الذين حملوا سلاحا رخيصا أمام أعدائهم؟ ربما كانوا حمقى، ربما كانوا يجهلون أن العوزيّ يصنعه أعداؤهم، و أنه لن يغير شيئا أمام ترسانة نووية. لكنّهم محاربون. إنهم يدافعون عن حقّ جيناتهم في البقاء، أما أنتَ فلا تملك شيئا من هذه الأنانية النبيلة. أنت وليمة تتلذّذ بما يقدّم إليها من كلإ في موائد السلام.
المحارب الحقيقيّ لا يتوقف عن القتال، حتى و إن بات عاجزا عن حمل سيفه، و حتى إن علا سيفه الصدأ، و حتّى إن صار زمن الليزر و الكمبيوتر. المحارب الحقيقيّ، لا ينسى، و سيكتب على جيناته حكاية معركته، و يرسم فيها صور المجازر، و أسماء الضحايا، و تواريخ المحارق، و خرائط الأرض.. المحارب الحقيقي و إن أقعده الزمن عن القتال، سيحارب الزمنَ في عيون أبنائه.


أنت تدعوني إلى أمر آخر. أنت تدعوني أن أنسى، أن لا أرى الدماء على وجه هذه الفتاة حتّى يمكنني تقبيلها. أنت تريدني أن أنسى، و ها إني سأحاول. من أجلك."
ثم صمتت قليلا، قبل أن أقول مندهشا :"عذرا من أنت؟ لا يبدو لي وجهك الغضّ مألوفا."

و حينما غادر المكان حانقا، استدرتُ إلى النهر المتوقّف عندنا، لكنّه لم يكن هناك أيضا..

مجزرة جنين نيسان ـ أفريل 2002

Thursday, October 24, 2013

لماذا الأدب؟

قبيل انتهاء هذا اليوم الكئيب، تعود ذاكرتي إلى سنوات الدراسة الثانوية.. كنت في مكتبة المعهد النّموذجي، و هي قياسا، مكتبة "نموذجية" فيها ما لذّ و طاب من كتب الأدب و التاريخ و العلوم.. نادرا ما يستهلك تلاميذ المعهد هذه الكتب، فأغلبها لا يُعتمد في البرامج الرسميّة.. و أنتم تعلمون طبعا علاقة الحبّ التي تجمع تلميذا نموذجيا بما أراد له النظام أن يعلم.. 

في ذلك المكان الضيّق، عثرتُ على كنز اسمه "معجزُ أحمد"، و على "مسرح المجتمع" لتوفيق الحكيم. هناك جلستُ إلى "ستاندال" لأول مرة، و أقمتُ صداقة مع المدعوّ "فلوبير".. و أناس ظرفاء آخرين.. هناك بحثتُ أكثر في أسباب سقوط الأندلس، و انغمستُ أكثر مع تجربة المأمون السياسية.. و انتقل تفكيري إلى مستويات أعقد لم أكن أعرفها..

في ذلك المكان الضيق أيضا، توجّهت إليّ "س" بسؤال لن أنساه ما حييت.. قد أنسى اجاباتي الكثيرة و انفعالاتي الحادّة، و لكنني لا أنسى السؤال .. 
"لماذا الأدب؟ غدا تصبح أنت مهندسا، و أصبح أنا طبيبة. سيقدم كلانا خدمة للمجتمع، و سيرقى به، فلم الأدب؟ ما نفع كلمات رقيقة حالمة نتبادلها حينما نملك ترف الوقت لذلك؟ ما الذي ستضيفه ثلاثية نجيب محفوظ إلى قائمة الاكتشافات البشرية؟ و هل سيتحسّن وضع الدينار بمجرّد أن يقرأ الناس أغاني الحياة؟ أم إنّ شبكة المواصلات لن تتطوّر إذا لم نقرأ أعمال تشيكوف و غوغول؟"

أنا لا أعرف أين هي "س" اليوم، و لا ماذا تفعل، و لكنّني أعرف جيدا ماذا يحصل لذلك الشعب الذي لا تـُلقي كفاءاته بالا لنجيب محفوظ و أغاني الحياة و تشيكوف و غوغول.. أنا لا أعرف أين هي "س" اليوم، لكن من المؤكد أن هناك آلافا مثلها، اِجتازوا درجات التكوين الأكاديميّ دون أن يلمسوا كتابا أدبيا واحدا.. آلاف مثلها، يلبسون ميدعات أطباء، و جراحين، أو يحملون قبعات قضاة أو محامين، أو يحملون حقائب أساتذة أو معماريين.. أفكارهم جافة مكرّرة، خيالهم مريض بالهزال المزمن، لا يقدرون على التجديد، و لا عن التعبير عن أفكارهم... و لا يقدرون على التواصل مع الآخرين بشكل سليم.. 
هؤلاء هم الذين تجدونهم اليوم في الإدارة، ينظرون إلى آلاف العيوب التي تخترق جسد النظام و ينخر ما بقي من هيكله، و لا يقدرون على تغيير شيء، فأذهانهم نفسها لا تتغيّر.. و لا تفهم أن الحياة فعل تغيّر مستمرّ.. 

بالأمس رأيتُ على شبكة "فايسبوك" سيلا من الشّباب، يكبّرون في سعادة و رضا عن استشهاد أمنيّ وكـَّـله الشعب للذود عنه.. لم أفاجأ كثيرا، حينما اكتشفتُ أنّ أغلبهم من طلبة الهندسة، أو معاهد التقنية، أو حتى الطبّ..
إنّها القصة التي تتكرّر كلّ جيل، منذ سنوات ليست بقليلة : علوم تقنيّة، معلومات دونما معرفة، قطع مع كل أشكال الفكر و الفنّ و التفكّر و التفكير، فراغ روحيّ، و بساطة ذهنيّة، تأتي مسكّنات روحيّة فقيرة هشّة، بساطته الذهنية، تجعله لا يستوعب غيرها، يتعلّق بالمسكنات فيعلق.. 


لا أريد أن أختصر التطرّف في هذا المنوال، هناك أوجه عديدة، يجتمع بعضها فيخلق عقيدة الخراب هذه، لكنّ المؤكد أن للرداءة سببا واحدا.. و الرداءة لا تقتصر على تصوّراتنا الميتافيزيقية و الايتيقيّة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى.. كلّ شيء تقريبا.. "و فيمَ يفيدُنا الأدب؟" ينقذنا من الرداءة مثلا.. يراودني السؤال بينما يتوالى التكبير من حولي..

و حينما أرى هؤلاء المهلّلين المكبرين من المهندسين و الأطباء، يراودني سؤال ثان، ترى هل تراه يقول الشيء نفسه لو قرأ "أشواك السلام"؟ أو "لن تحدث حرب طروادة"؟ هل كان سيعتقد الشيء نفسه لو غمرته صغيرا لذة قراءة "هو الكون حيٌّ يحبّ الحياة.." ؟ و أيّة متعة روحية سيلقاها في هذا الأنموذج الرديء، لو أنه حاك عبر آلاف الاستعارات و المجازات و الأساطير و القصص انموذجا أكثر "رقيّا" و تعقيدا و عناية؟

مشكلتنا مع الخيال باتت أشبه بالعقدة، فنحن نرفض الخيال و نهرب إليه.. نشمّه كما الأفيون سرّا، ثمّ نذمّه جهرا.. لذلك ظلّ خيالنا الشعبيّ ركيكا، مبتذلا، نراه في مسلسلاتنا الرمضانية، و في أغانينا، و ربما في كتبنا. فماذا عسى واقعنا أن يكون، إذا ما كان خيالنا مبتذلا؟
يقولون إنّ أدب القصة، يهرب بنا من الواقع، و يهرب بنا من مشاكلنا الحقيقيّة، و لعلّ ذلك ما أملاه علينا خيالُنا المبتذل. إنّ عيوننا قاصرة، لا تقدر أن ترى الأشعة ما فوق البنفسجية، و لا تقدر أن ترى جوانب كثيرة من الحياة، و هنا يمارس أدب القصة دوره في اعادة قولبة الواقع، اعادة تشكيله حتى يمكن لعين القارئ أن يرى ما لم يره من قبل.. و في أشدّ القصص انغماسا في الخيال و الأسطورة، سوبرمان على سبيل المثال، سنجد انعكاسا كبيرا للنفسية الأمريكية خلال أزمة الثلاثينات.. 

يقولون إن أدب القصة، ترف فكريّ لا يعني بلادا تعاني كي تنتشل نفسها من انهيار ممكن. أقول إنّ ما لا نملكه من خيال، يجعلنا عاجزين على الحلم بشكل سليم.. أحلامنا نفسها ركيكة، نحاول أن نتوكأ على أحلام الآخرين، لأننا عاجزون عن صناعتها.. 
أدب القصة هو حاجة أكيدة لشعب مثلنا، يعاني من فقر رهيب في الذوق الجماعيّ.. أدب القصة هو ما قد يقدّم المثال، النموذج الأرقى، لما نريد و ما نحلم.. أدب القصة، يخاطب فينا اللاشعور قبل الشعور، و يغيّر فينا ما لا نعلم، و يرتقي بالأذواق من حيث لا نشعر. هكذا حصل مع الأمم السابقة. فلا مصادفة هنا إن تزامن ميلاد ميلاد كليلة و دمنة، و مقامات الهمذانيّ، بفترة هي الأعظم في تاريخنا، و لا مصادفة إن عرفت مصر تطوّرا لا بأس به في زمن توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ.. 

في الختام، أحب أن أذكر الطلبة من مهندسين و أطباء و خبراء قانون و صحفيين و أساتذة، و تقنيين، بمقولة أينشتاين الخالدة :"إن الخيال أهمّ بكثير من المعرفة. ذلك أن المعرفة محدودة بما نعرفه الآن في لحظتنا هذه، أما الخيال فيضمّ الكون كلّه، و كلّ ما يمكننا أن نعرفه أو نفهمه."



Sunday, June 24, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الثاني


لا يوجد تلخيص لما سبق هنا، لأن ما سبق هو بالفعل مختصر جدا، فتخلصوا من الكسل يا سادة. و تذكروا أن أي تطابق في الأسماء هو محض صدفة ليس إلا، فخذوا بما فهمتم، و لا تتهموا غير أنفسكم.

هل صدقت فعلا أنني المتسبب في موت مبارك؟ و لِم لا أكون أنا؟ الرجل قد نجا من فرص كثيرة ليتخلص من الحياة، و آخرها حينما أُعلن الحكم عليه بالسجن المؤبد. فلِم يسقط الآن حينما كتبت اسمه في المفكرة؟ هل أملك سلطة الموت فعلا؟ أي قدرة رهيبة تلك التي بين يديّ؟! أي هول هذا الذي أحمله؟ كيف تتحول الكتابة من وسيلة للحياة إلى آلة دمار؟! آمنت دوما أن الكاتب امرؤ علم من الدنيا ما لم نعلم، و نقل للناس حيوات أخرى عاشها كما عاش حياته. كنت أؤمن أن المداد هو اكسير الحياة الذي تحدثت عنه الاساطير و الخرافات.. و أنه بجرة قلم تخلق عالما جديدا و أناسا جددا و تاريخا آخر! فكيف يتحول الورق اليوم إلى ساحة حرب، و يتخذ المداد لون الدماء؟

كانت الفكرة مرعبة جدا، و أنا اتأمل التلفاز، الذي يعلن وفاة الخرتيت المصري. و ارتعشت يداي لهول الفكرة. لقد قتلتُ شخصا! هل أنا قاتل؟ أم ملك الموت؟! متى كان ملك الموت مجرما؟ انه يقضي أمر ربه، و أنا اليوم أقوم بذات المهمة! اللعنة! ما الذي يحدث لي؟! لا بد و أنها صدفة. انها صدفة مثيرة لا أكثر، لوثة عقلية تصيب كل من يبلغ السادسة و العشرين بأفكار مبعثرة ثورية و محبطة. لا يمكن أن يكون الأمر صحيحا. لا يمكن...

 لكن ما علق بذهني من السلسلة اليابانية الشهيرة ما انفك يحوم حول رأسي.. كان هناك صور كثيرة من "Yagami Light" الشخصية الرئيسية، التي كنت اطلق عليها "ولد عمي" لاسباب قد يتفطن لها سريعو البديهة.. أعترف أنني كنت أوافقه الرأي يخصوص المجرمين، و ضرورة العقاب القاسي حتى يكون الردع فعّالا. صحيح أنني مبدئيا ضد فكرة الإعدام، لكننا هنا لا نتحدث عن الدولة، بل نتحدث عن القضاء و القدر. إن الموت قدر الانسان، فما بالك لو كان مجرما! سيكون ذلك الانتقاء الطبيعي الأكثر دقة و جودة على مرّ التاريخ! تخيلوا شعبا بدون جريمة أو فساد! تخيلوا شعبا يعيش في سلام تام  و أية حضارة يمكن أن ينتجها! 

عادت الأحلام تعبث بمخيلتي و تنير الظلام الذي يملأ غرفتي.. هل من الشوفينية أن أبدأ بوطني؟ كلا، هو نوع من اعادة التوازن ليس الا. بن العم أيضا بدأ بوطنه، و كانت النتائج رائعة جدا. الوطن ينادي يا فتى، الوطن يدعوك أن تكتب!
تأملتُ المفكرة و قد عادت الكتابة تتخذ صورتها الاولى في مخيلتي.. الكتابة ثورة، الكتابة عمل انقلابي، هكذا تعلمتُ، و هذا ما سأفعله هذه الليلة حرفيّا! سأحارب بقلمي كما حلمتُ دوما أن أفعل، و لكن هذه المرة، لن أنتظر طويلا لأرى النتائج. لا أعتقد أن أعظم القصاصين العرب قد حلموا بفرصة كهذه! لقد اختارتني الأقدار لأكون و إياها واحدا! فلأقض بأمر الله إذا!

بمن نبدأ؟ رفعت رأسي للتلفاز فطالعتني الإجابة على شريط الاخبار الأحمر المسافر بلا نهاية من يمين الشاشة إلى يسارها.. "يسافر الجنرال قائد الاركان غدا إلى قطر، للتباحث بخصوص اللاجئين في الحدود الليبية... الخ"
لماذا يصرون على اختلاق هذه الاكاذيب المضحكة؟ مرة يتخذ دور وزير التشغيل، و مرة يتخذ دور المشرف على مخيمات اللاجئين.. أي هراء هذا؟ كيف يستبيحون الاستخفاف بنا إلى هذا الحد؟ هذا الرجل يخفي حقيقة الثورة، و أسباب نجاحها، و الاهم يخفي حقيقة القتلة، لذلك سأبدأ به. و سأدبّر له ميتة درامية شبيه بتلك التي دبّرت لسلفه كي يخلفه على رأس جيش البر... الشيطان يعزف الكارمينا بورانا بين أذنيّ، و قلمي تراوده ارتعاشة الجنون!

"يسافر الجنرال عبر طائرة مدنية خاصة. و في الاجواء التونسية، يحدث عطل في الطائرة بسبب تلف بسيط لا يلبث أن يشتد و يتطور بسبب غياب التقنيّ المشرف. أين التقنيّ المشرف؟ غاب لأسباب مرضية..." 

فسخت الجزء الأخيرة و أنا أغلّب أن الرجل لو غاب فسيقع تعويضه حتما.. يجب أن يكون الغياب مفاجئا.. 

"أين التقنيّ المشرف؟ انه مغيب عن الوعي داخل الطائرة، بسبب مرضه الشديد، لكن لأنه لم يحضر شهادة طبية و لم يجد من يعوضه، اضطر بحكم المهنية ان يركب الطائرة، و اختار أن يرتاح قليلا لأنه عادة يحضر احتياطيا لا غير. لكن المرض اشتد به، و ارتفعت حرارته و سقط في غيبوبة لم تنفع معها محاولات المرافقين لافاقته."

حسنا، هناك أيضا برج مراقبة يتولى الاشراف على الطائرة مادامت داخل الاجواء التونسية. يجب أن تتخلص الطائرة من المراقبة...

"في ذات الوقت يشتعل حريق بسيط داخل البرج، لكن معدات الاطفاء كانت تحوي مواد قابلة للاشتعال فتسبب استعمالها في اثارة حريق ارعب الجميع و اخرجهم من قاعة المراقبة قسرا."

لم أقدر أن أمنع ضحكتي الجذلى و أنا أتخيل ما سيحدث غدا في المطار. الواقع أن تخلق قصة ثم تشاهدها لا في قاعة السينما بل في عالم الواقع، لأمر لم يحلم به انسيّ قط، ربما حتى Jules Verne نفسه. و لذلك يجب أن أحسن كتابة ما سيصبح بعد غد تاريخا!

"هكذا، يضطر القائد إلى الاستعانة بمهارة لانزال الطائرة من دون خسائر بشرية. لكن سقوط الطائرة وسط الغابات يجعل المهمة شبه مستحيلة، و مع سقوط الطائرة و تهشم النوافذ، يخترق جسم الجنرال جسم حديدي تملص من الطائرة، فيرديه قتيلا."

و رسمت نقطة النهاية كما يرسم المايسترو بيديه شارة ختام السينفونية، لقد أعلنت اليوم رسميا عن ميلاد كاتب جديد. كاتب قصص قاتلة! الغد القادم سيخبر عني، كما لم يفعل أي صباح آخر. فلأنتظر!

************
هذا جزء لم أشهد حدوثه طبعا، و يمكنكم أن تتخيلوا اي طريقة بلّغتُ بها بما حدث، الساحرة الشريرة، العصفور الذي يطل من الشباك، الاحلام، الشيخ الحكيم، تخيلوا ما شئتم، المهم أنكم ستعرفون ما حدث...

اسمه سعيد، و يعمل تقنيّا بالخطوط التونسية، و قد استيقظ على غير العادة مزكوما، يعاني صداعا شديدا. اللعنة، المفترض أن يسافر إلى قطر مع الجنرال، و لا يمكنه أن يتغيب هكذا. أطلق سبابا سوقيا و هو ينهض من الفراش... كان طول الطريق يفكر في وسيلة للتملص من الرحلة، لكنه لم يجد الطبيب في مبنى الإدارة. اللعنة ماذا سيفعل؟ هل يطلب من أحد الزملاء تعويضه؟ إنه يعرف أن لا أحد سيقبل. فكر في الأمر كثيرا قبل أن يطلق سبابا أكثر سوقية و يقول : "بقلة (بالقاف المشبعة) ليها، برة ينعن ز****** الخدمة و الفلوس و الجنرال متاع ز***** و تونس. نمشي نرقد و عـ*** من فوق. غدوة كان صبحت بطال توة نمشي نعتصم.. باش يذلونا على 600 دينار؟"

هكذا قدر للهادي الذي لا يعاني أي مرض يذكر من تعويض سعيد، طبعا مطلقا سبابا أكثر شاعرية. الواقع أن لا أحد يريد أن يصحب عسكريا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"هنا برج المراقبة، الحالة طبيعية، انت تتجه 34 درجة شرقا، وفق المسار 3B24 المتفق عليه. هل من مشكلة؟"
"هنا قائد الطائرة 757، لا مشكلة هناك. انتهى."

اسمها غادة، و هي الفتاة المسؤولة عن التواصل مع قائد الطائرة التي بدأت اقلاعها بالفعل. كان ذهنها شاردا في ما حدث لها بالامس، مع أحد أصدقائها. هل كانت تنتظر أن ينقلب حديثه إلى غزل صريح؟ و هل ستقبل دعوته اليوم إلى العشاء؟سيعني هذا أن تتواصل السهرية طويلا.. كان هناك شيء من الإثارة في الموضوع، و هي لا تنكر على نفسها ذلك. لكن ما تخشاه أن يكون غزله ضربا من الفذلكة، و ابتسامته شيئا من السخرية، و أن يكون الامر برمته هذيانا بين جرعتي نبيذ.. الهاتف يرن! إنه رقمه! اللعين! لماذا يهاتفها في هذه اللحظة العصيبة؟ انها تتحرق شوقا للرد عليه.. لكن الطائرة؟

تأملت بعض الشيء شاشة المراقبة، ثم شاشة الهاتف، قبل أن تحسم أمرها : المتابعة الروتينية لم تكن يوما مصيرية، لتذهب الطائرة إلى الجحيم، لكن يجب أن أعرف! هكذا، تركت الجميع و تسللت بسرعة كي لا يفتضح أمرها. و مع خروجها، دوت فرقة صغيرة في المكان، و تصاعد شيء من الدخان من الآلة ال و تصاعد شيء من الهلع وسط الفريق. 
"جيب اكة الـextincteur جيب!"
لكنّ الـ "extincteur" او قارورة الاطفاء لم تكن هناك أصلا، ان العشوائية تملأ هذه البلاد حقا!
"يا كمال! يا كمال المكينة تحرقت! تي جيب extincteur من اي بلاصة!"

لكن كمال كان أكثر فاعلية حقا!، لقد قطع التيار الكهربائي و سكب دلو مياه على الآلة التي أضحت خرابا! الكثير من السباب و اللعنات، بينما عادت غادة لتجد الفوضى تعم المكان. اللعنة، لقد اتلف الجهاز الذي تعمل عليه بالكامل، و هي تحتاج إلى جهاز آخر لتواصل متابعة الطائرة! قالت ذلك في توتر لزميلها فسلمها جهازه و هو يقول "لو ظللتِ في مكانك لاتلفتِ مع الجهاز!"

"هنا برج المراقبة، انقطع الاتصال لأسباب تقنية. هل من مشكلة؟"
"بالفعل هناك مشكلة، و لكن أصلحها التقنيّ هنا، نريد توجيهاتكم للنزول الاضطراري."

هنا أدرك الجميع أن شيئا ما قد حدث... 

أما الطائرة، فقد اضطرت للنزول، و طبعا لأن تونس الخضراء لا تعج بالغابات كما يتخيل الاخوة العرب، فلم يكون نزولها معقدا.. 

**************

لم يحدث شيء.. لقد كان حادث مبارك مصادفة اذا..
و لعله لم يمت.. 
ان العشوائية في ديارنا تفسد كل خطة ممكنة، و كل برنامج طموح..
تأملت الجنرال و هو يسلم على الأمير البدين، و في ذهني فكرة واحدة : هناك حالة رداءة عامة هنا.
ثم رميت بالمفكرة في القمامة..




Wednesday, June 20, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الأول

غدا عيد ميلادي،

او هكذا أخبرتني إحدى تطبيقات الانترنت التي تحاصرني من كل جانب. و هكذا أدركت ـ مرة أخرى ـ أن سنة أخرى من حياتي ضاعت هباء، أو للدقة الشاعرية، هباء منثورا.. وجهي كما ترسمه المرآة كما هو تقريبا، لولا شيء من التشاؤم و السخط ينفذ من عينيّ ليجعلني أبدو أقل بلاهة..

ماذا يفعل الانسان ليلة عيد ميلاده؟ يصعب تحديد ذلك، لكني أعرف ما يفعله تونسي أمِل يوما في الثورة ليلة عيد ميلاده : يسترجع ذكرى خيباته حتما! لكـ.. لحظة، أسمع حفيفا غريبا. هل هو أحدكم؟ أم هي مخيلتي اللعينة؟ حبست أنفاسي محاولا تبيّن ما يحدث. لكن الصمت كان بليغا.. حاولت أن أقنع نفسي أن لن يخسر العالم الكثير بفقداني، و جرؤت أخيرا أن أتقدم، و ألقي نظرة متوثبة إلى المطبخ.. هناك كتاب على الطاولة. كتاب أسود أنيق كخيباتي.. المثير أن لا أحد يقرأ هنا غيري..

اقتربت في حذر كأنني أناور أفعى ملكية، و تأملت العنوان في دهشة "Death Note" أو مفكرة الموت. أين رأيت هذا العنوان من قبل؟ تخبرني ذاكرتي الصدئة، عن مسلسل صور متحركة ياباني بذات الاسم، و ذات الطابع القوطيّ الكئيب الذي أراه أمامي الآن. هو مفكرة بالفعل، لكن، اللعنة! من أتى بها ؟

تقول الأسطورة إن المفكرة تمكن الكاتب فيها من قتل من يشاء بمجرد ذكر اسمه على المفكرة. الأكثر اثارة هنا، انه بالامكان تحديد طريقة وفاته أيضا. و هي كما تلاحظون طريقة مستفزة جدا لأكثر مخلوقات الله مسالمة، أن تجرب فكرة القتل، فما بالكم بشخص عنيف الطباع مثلي. تقليد جميل لعشاق المسلسل لكنها تظل مفكرة كغيرها. لا ميزة هناك غير ما تصنعه مخيلة شخص ملول محاصر بالخيبات مثلي.. لتعمل المفكرة و لو في مخيلتي. فهناك العشرات ممن أريد أن لا أراهم أحياء في سنتي الجديدة.. بمن نبدأ؟

لا أعرف كيف خطر ببالي اسم الرئيس المصري، ربما لاعلان الرئيس الجديد، و ربما لأنني لم أرَ شخصا أهان مصر و العرب قدر خياناته التي لا تنتهي. من المنطقيّ أن أبدأ بيهوذا العرب. أخط أنه أصيب بجلطة في المخ، و قضي الأمر. لا تطاول على الأقدار هناك، بل مجرد آمال سخيفة و يائسة.. من أيضا؟ جنرال عسكرنا الموقر؟ قضاة مرتشون؟ التجمعيون؟ رجال الاعمال الفاسدون؟ السلفيون المزيفون؟ الحمقى؟ أعتقد أنني سأرسل نصف البلاد إلى الجحيم و لا أخال المفكرة تتسع لكل هؤلاء، فضلا أنني لا أعرف أسماء الجميع.. ماذا لو اخترت اناسا بعينهم؟ موتهم يقلب الموازين و ينقذ الثورة؟

من يستحق الموت؟ من خان الأمانة؟ و من ينفع البلاد بموته أكثر مما يفعل بحياته؟ الرئيس ربما، فهو لا يمثل أي دعامة للتوازن، بل لعله مجرد صورة "يسارية" لليمين الحاكم، انعكاس مرآة ليس الا، و صدى أقل وضوحا للحاكم الفعلي. و أعتقد أن أي تعويض له سيكون ذا نفع حتما. الوزراء الفاشلون؟ حتما، مادام رئيسهم لا ينتوي تغييرهم، فالافضل أن ارغمه على ذلك. تخيلوا وزيرا يحل المشاكل بدل أن يثيرها، و يشتغل أكثر من أن يتكلم! أحلم؟ بالفعل أحلم، لِم نوجد الفانتازيا اذا؟! ماذا عن قتلة الشهداء؟! وجيعة الثورة الكبرى. سأقتلهم جميعا، العدالة؟ لقد قالت العدالة كلمتها بالفعل، و أثبتت عجزها و قصورها في هذا الوطن العاجز. سأقتلهم جميعا، و لأقتل معهم العدالة نفسها. سأقتل ذلك الرئيس الذي لا يزال يلاعب صورة الشهيد على صدره كلما وجهوا القمرة (الكاميرا) إلى وجهه المكفهرّ العصابيّ. سأقتل صاحب الابتسامة البلهاء الذي وعد بالقصاص و خذل، سأقتل أولئك الحمقى الذين يتبجحون بالانتصار للشهداء بعدما خذلوهم عندما كانوا في الحكم منذ عام مضى.. سأقتل أصحاب المطارق المرتشين الذين قبلوا بمسرحية المحاكمات.. سأقتل أولئك السياسيين الذين يزايدون بمصاب العائلات المنكوبة مرتين، و أولئك النواب الذين يكتفون بالخطب العصماء و الصراخ السريالي المثير للغثيان، سأقتل الدكاترة و الاكادميين الذين يبيعون الحكمة لمن يدفع أكثر، و سأقتل الصحفيين الذين ينقلون ما شاء الكلاب أن ينقلوا، و يدفنون ما لم يقدروا على الخوض فيه، سأقتل الفنانين الذين لا فن لهم غير تقليد الآخرين، و لا شعب يحدثونه غير اناهم المتضخمة المشبعة بتراب الآخرين.. سأقتل الخرفان الذين يساسون بيسر ليهلكَ بعضهم بعضا.. سأقتل صاحب البدلة الكاكية الصارمة، مخفي الأسرار و مهلك الثوّار، كاتم الحقائق و مالك الأسرار.. سأتدبر له قتلة عبقرية تنهي الأسطورة الشاعرية و تعريها. سأقتل كل من قبل الرشوة أو قدمها، كل من أمر بالقتل أو التعذيب، كل من اختلس أموالا من الشعب، سأقتل المتمعشين من كاهل الفقراء، سأقتل المعتمد الذي يسمع أنين الارملة العارية شتاء فلا يأبه، و سأقتل ضابط الشرطة الذي رأى من يُعتدى عليه و لا يتدخل، و سأقتل من شهد عمليات البيع الرمزية لأراضي البلاد و لم يقل شيئا، و من قدم أرقاما كاذبة و هو يرسم ابتسامة رضا صفراء. سأقتل المحامي الذي استبسل في الدفاع عن رجل أعمال فاسد و الناس لم تجد من يأخذ بحقوقها، سأقتل الطبيب الذي أخطأ ثم تملص من خطئه، و سأقتل المعلم الذي لا يعلم، و الصحفي الذي ينشر الاكاذيب، و المهندس الذي يوفر حلا و جملة من المشاكل، سأقتل أصحاب سيارات الأجرة الذين لا يقفون لحالة حرجة خوفا من مسافة قصيرة لا توفر مالا، و سأقتل الأئمة الذين يحرضون على القتل في حضرة الله... سأقتل الرداءة! سأقتل سوء العمل! فهو مشكلتنا الاولى. نحن سيئون، و يجب أن نوجد جيلا ينجز عملا أكثر اتقانا و أقل عارا. كم ذكرت القتل من مرة؟ ما يكفي لملء خزانة من المفكرات لا واحدة، لكن لا بأس، لا بأس، إن هي إلا مفكرة تبيع لي الاوهام، و هو ديدننا منذ أخبار هارون الرشيد، و حكايات ألف ليلة.. نعشق الأوهام، و نتنفس الأساطير و المبالغات، تاريخنا المسكين تتقاذفه الدعوات لالحاقه بالقرآن أو ذبحه على الملأ. ان هي الا جرعة فانتازيا، و كم احتاج الى الهروب الى الفانتازيا..



هنا قرأت خبرا غريبا على الانترنت.. خبرا يشير إلى موت الرئيس المصري .. و بجلطة في المخ...
عاد الصمت يعم المكان، و أنا أرمق مفكرتي السوداء في بلاهة..
مفكرة الموت...

<يتبع>


Monday, July 27, 2009

الجلسة السابعة

جلست في هذا المكان للمرّة الأولى منذ سبع سنين.. و منذ ذلك التاريخ و أنا أحاول إيجاد موعد دوريّ معه..

هو موعد غراميّ و لا شك، ففي مواعيد الغرام وحدها ما يجعلنا نرتجف هيبة و نتحرّق شوقا. و في مواعيد الغرام وحدها نحرصا حرصا أن نبدو في خير حال، بينما نشعر هلوسة أننا في أسوإ حال..

كنت قد هيّأت نفسي لكل نشاط ممكن، و كل نشاط على هذه الرمال ممكن، و جميل الإمكان أيضا. لم أنس أن أدّخر مجهودا طفوليا للسباحة، و مزاجا رائقا للمزاح و التندر، و استعدادا تاما للجنون، و ربّما حصة للنّوم و طبعا بطنا خاوية للأكل!

لكنني أفاجأ بي، أترك كل هذا جانبا، و أمسك القلم! إنها حاجة الكتابة. و قد تعلمت أن لا سبيل عن تلبية حاجة الكتابة. لكنني تساءلت أيّ سبب يضطرني اليوم أن أكتب عن هذا المكان بعد سبعة مواعيد بدون تعليق؟

أذكر أنّني فكرت سابقا في الحديث عن مواعيدي هذه، لكنني في كل مرة أحاول فيها ترجمة مشاعري إلى كلمات، أجدني ظالما مقصرا، فما الذي جدّ هذه المرّة؟

كنت جالسا أتأمّل الجزيرة بعين خاوية و أخرى لا شيء فيها كما يقولون، و في مبادرة غريبة منّي، تناولت القلم و الكراس، أنا أريد الكتابة إذا! أكان ذلك أمرا أمرتني به الجزيرة خفية دون أعيه؟ لن يدهشني ذلك أبدا، فلهذه الجزيرة سرّ غريب، و أمر مريب، و إنّ الناظر إليها، ليشعر بذلك أيّما شعور..

و كأنّها تخاطب فيه مكامن حسّه فتأمره بالسعادة حينا، و بالحنين إلى الذكريات حينا آخر.. هذه الجزيرة العارية من الخضرة، الحبلى بالأسرار.. لم أكن أتخيّل أوّل أيامي هنا، أن لها كل هذه السطوة على المكان..

كم تندّرنا بها حينئذ، و كم أمضينا الساعات نبحث عن تشبيه مناسب لها.. سمّاها الكثيرون الباخرة، و سمّاها آخرون الحذاء، بينما رأى أغلبنا أنها تشبه أنف أحدنا، فاستقرّ رأينا على هذا التشبيه بعدما غلبنا الضحك..

لكنني اليوم أرى فيها كبرياء يفوق ما لأنوفنا جميعا، و أن سلطتها على المكان لا جدال فيها.. أحاول عبثا تخيّل البحر بدونها، فترتسم صورتها في ذهني و يختفي البحر و الناس الذين يضم جميعا!

رأيتها و البحر هادئ مستقرّ، فإذا بها المشرف على هدوئه، المؤمّن لسكونه. و رأيتها و أمواج البحر تلتطم، فإذا بها من يرسل الأمواج في وقع مستفزّ متعمّد ! حتّى الناس كانوا في دخولهم إلى المياه الخفيفة الصافية و كأنهم يحجون إليها، و في خروجهم من الماء كأنهم عائدون من الحجة..

أيّة رسائل تحمّلها تلكم الأمواج، و أيّة كلمات تتبعثر بتيعثرها (الأمواج) على الرمال، و سيقان الرائحين و الغادين؟ استدرت إلى الخلف فطالعني الجبل المتدثر بالسباسب و الأعشاب. فاجأني المشهد الأخضر، و كأنني ألحظه للمرة الأولى. و عدت أتأمّل صحراوية الجزيرة. و لوهلة خيّل إليّ أن الأمواج قد ازدادت عنفا!

ترى ما الذي يحدث بين اليابسة العامرة بالناس و الحياة، و بين الجزيرة التي و كأنّها مصدر كل تلك الحياة؟ أيّ صراع يدور بينهما طوال السنة؟ لقد بات المشهد غريبا فعلا، و بتّ أتخيّل المياه حبلا يتجاذبه الطرفان. و كأنّ كليهما يبحث أن ينسب البحر إليه! هذا بما فيه من حياة و مرح، و تلك بما تحمله من سحر و غموض، و للناظر أن يحار بينهما طويلا، حيرة هذا البحر التي لا تنتهي!

لكنني أعلم أنّ هناك أمرا ما لا ريب فيه في كل هذا... و نهضت متوجّها إلى تلك المياه الطفلة أداعبها، و أنا أحمد الله على نعمة هذا الصراع!


فاروق الفرشيشي
27 ـ 07 ـ 2009

Friday, March 13, 2009

الوسام


كان التراب ثقيلا فوق المعول، و كانت يداي تعملان بحزم شديد...

*****

قلت لجدي و أنا أواريه تحت التراب:"لِم لم ترو لي قصتك مع النضال؟"
غشاوة من الدموع صمت أذني، و لعله لم يقل شيئا. أبعدني أحدهم و تناول المعول عني و شيئا من الأجر.. وحّدت مبتعدا عن المكان أو هاربا، و عيناي لا تفارقان تلك الحفرة العميقة المتحفزة.. اصطدمت قدماي بالنعش الذي كان على كتفي منذ دقائق... كان مركونا بعيدا عن القبر، و كان بجانبه العلم الأحمر الذي كان آخر ما ضمه إليه. و غير بعيد عنه، رأيت وسادة بيضاء رقيقة، عليها وسام أحمر صغير كتب عليه : الإستقلال.
لا أذكر كيف علق جدي على صدري ذلك الوسام يوما ما، و لكن الصورة التي التقطها أبي، تشهد على ذلك.. كان ذلك الوسام الذي قدمه له بورقيبة ذات احتفال، كل ما تبقى لجدي من سنواته التسعين أو نيف... مرضه أنساه كل شيء تقريبا.. القصرين، عمله بالمزارع، بالحضائر، بشركة المحولات، أرياف منزل بورقيبة، رحلاته مع الخمّار، ذكريات الصبا مع أخيه خليفة، رحلة عودته من سجن 9 أفريل (نيسان).. فقط بعض الأشباح التي لم تزل تراوده، فيحاول أن يصوغ ما شاء الله له أن يصوغ من الكلام المعقلن و الأحداث التي يمكن للسامع أن يستسيغها، لكنه لحسن حظه لم يكن يتكلم كثيرا.. جدي من المولعين بمقولة : ليس عندي ما يقال! هكذا عاش، أو هكذا عرفته..
قديما كان يحدثني عن بعض الأشباح التي لم تزل بمخيلته، "عمر البهيم" الذي ـ أعني جدي ـ أصر طوال حياته أن ينادوه "عمر الغزال"، و "الروامة" الذي حاز عنهم "دياره" و من ثم قدمها طبقا من فضة لأولاده.. لكن أكثر الأشباح مراودة له، كانت تلك التي تدعوه إلى مسقط رأسه "جومة".. لا يمكنني أن أخطئ ارتعاشة حاجبيه و شفتيه و هو يمتدح جومة.. حبه لــجومة جعلني أتخيلها في صباي جنة ضائعة.. فيما بعد، اكتشفت أنها منزلان و مقبرة على سفح جبل مهجور عند ضواحي منزل بورقيبة... ربما لم تكن كذلك بالأمس، لكنني حينما لامست نسماتها، أمكنني بشيء من الخيال أن أتفهم حب جدي لها.. لعلها كلما علق في ذاكرته المتآكلة..



" و ما الذي علق بذاكرتي أنا عن جدي؟"
تبادر السؤال إلى ذهني و أنا في طريق العودة مع والدي، فعرجت إلى ثنيّة أخرى طالبا من والدي أن يعود بمفرده... من بعيد، يلوح كتّاب بن شعبان، الذي تعلمت فيه أبجديات اللغة و القرآن و الحساب و الحياة، و بجواره تلك الضيعة الشهيرة التي تعلن بداية "طريق الكالاتوس" أو طريق مقبرة النصارى الجميل... أذكر كيف كان جدي ينتظرني عند مدخل الكتّاب باسما، يكتفي بأن يأخذ بيدي و يمضي في تلك الطريق بتؤدة...
ما ظل بذاكرتي عن تلك الأيام، يصور طقسا حزينا هادئا، مثل هذا اليوم تماما، و كان وقع المطر حينئذ كذلك الذي أسمع الآن : ثقيلا، بطيئا، كحركة جدي... يقف جدي ببرنوسه الثقيل القصريني، قبالة أشجار الضيعة و قد كسا الماء معظم أراضيها، و بعد بعض أزهار الربيع الأولى التي نسيت أو تناست أمطار آذار، كناجيات من مركب غارقة.. كان يقف صامتا. لا أخاله كان يتفكر في أمر ما، أو يتأمل.. بل لعله كان يتذكر، تماما كما أفعل أنا الآن.. هو ذا المشهد ذاته يتكرر أمامي بذات التفاصيل، و لكن من دون جدي... و هذه البقرات الناعسة؟ أكانت هناك أيضا؟ أعتقد ذلك.. في الواقع، صار من الصعب صنع حاجز بين المخيلة و الذاكرة، خصوصا مع شخص مثل هذا الرجل الذي لم يترك لفضولي غير أضغاث ذاكرة و سيلا من التخيلات...
جلست أتأمل المشهد و أحاول أن أقارنه بتلك الصورة التي اختزنتها ذاكرتي طوال أكثر من ثمانية عشر سنة كاملة.. من الغريب أن لا يتغير المشهد كثيرا، رغم تفاصيله الدقيقة، لكنني خمنت أن ذلك ليس بغريب عن مدينة مثل منزل بورقيبة.. هنا يصبح للزمن وحدات قيس جديدة، و تصبح الساعة ترفا قياسيا لا طائل منه. أ هذه هي المدينة التي ناضل جدي من أجلها؟ أكان يقف عند هذا المكان وقفة رضا أم حيرة؟ كل ما أعلمه أنه اعتزل الحياة تماما. لم يكن هناك شيء يشغله سوى الشاي و السيجارة.. لم يتابع الأخبار، و لا أحوال البلاد أو العباد. كأنما يقول : "لقد أنجزت مهمتي، و لم يعد من أمر آخر أجيد فعله. الآن بدأت مهمتكم، اصنعوا بلدا و عمروه، ابنوا جيلا طموحا لم ير مشاهد الذل و الهوان، لم يعمر عقله خرافات الجهل و تداعيات التخلف!" هل قدم جيل والدي ما دعا إليه جدي؟ هل وفروا التعليم و الصحة و الاستقرار؟ من المرجح أن نعم.. فما الذي تبقى إذا يا جدي؟ ما الذي تبقى؟

*****

قال لي جدي مجيبا : " قصتي مع النضال لم تنته حتى أرويها. قصتي مع النضال تنتظر أن تكملها أنت..."


Wednesday, September 10, 2008

أكتب..

بسم الله الرحمان الرحيم

هناك من يعتبر الكتابة سبيلا للحرية، و يرى في الورق فضاء للحلم..
هناك من يكتب حتى لا يبكي..
و هناك من يكتب كي يتذكر يوما ما، أو كي يعتبر..
من الغريب أن الكتابة تحتوي كل هؤلاء و أكثر..
ربما تكون الكتابة، الوحيدة التي تقضي أكثر من حاجة على تنوعها..
هل أكتب لكل ذلك؟
حين خططت بالقلم لأول مرة رسومات مخيلتي.. كنت لا أزال في السادسة.. و لعلني بالكاد أفقه الأشياء.. و لعلني بالكاد أفقه ماهية الكتابة..
لكنني كتبت فقط لحاجتي إلى ذلك..
منذ ذلك التاريخ، و أنا أكتب باستمرار، و أجرب مختلف الألوان..
لم ألحظ كيف تطور فكري،
و لا كيف قد خطي،
و لا كيف تنظمت الألوان على مسوداتي..
كنت أكتب متى أحسست بالحاجة إلى ذلك، دون تساؤل أو دهشة..
لقد كانت الكتابة حاجة غريزية مستقلة، كالأكل و الشرب و الجنس..
و أرجو أن تظل كذلك..

لم أسع يوما لأنشر، إذ كنت أكتفي برؤية ابتسامة جذلة على فم صديق انتهى لتوه من قراءة بعض ما أكتب..
كان ذلك كل ما بعنيني، أن يقرأ الناس ما أكتب..
و اليوم، يقدم الإنترنت سبيلا أسهل لفعل ذلك..

سأحاول أن أثري هذا الفضاء الهادئ ببعض كتاباتي أو أكثرها..
هكذا يتسنى لكل الإخوة و الأصدقاء أن يطلعوا على كتاباتي، و إهدائي بعض نقدهم و تعليقاتهم..




Iori Yagami
10/9/2008

Tuesday, September 9, 2008

محاولة لرفع المعنويات..

صباحا تنهض متثاقلا، و تشعر أن العالم من حولك يجري بسرعة غريبة..
الموسيقى المتصاعدة من المذياع، السيارات المتزاحمة على الطريق القريبة من غرفتك و صوت أبيك يجلجل في البيت بحثا عن جواربه..
وجهك في المرآة لم يتغيّر، ذات التعاسة ترمقك في شرود من وراء البلّور. لقد صار هذا مألوفا، لكنّ المحيّر و المخيف هو هذه الأكمة الّتي تكبر يوما بعد يوم تحت صدرك، و تزداد إيناعا و إشراقا!!!

هل أنت خائف حقّا؟ هل تعتقد أنّها بداية النّهاية؟
الهواجس تملأ رأسك. و مع كلّ خطوة تخطوها نحو المطبخ، ينسج عقلك حكاية جديدة...
ها أنت ذا وسط الشّلّة، عيونهم تنهش جسدك.. يتهامسون حتما ساخرين من الشحوم المتراكمة في بطنك.. يصفون أكتافك بمرضى الضمور، و يتساءلون أيّة مأساة عشتًها لتفعل بك كلّ هذا؟!!!
أتشعر بهذا الضعف و هذا التثاقل؟ أتحسّ أنّك تحرّك أرجل فيل حين تمشي؟ و تظل تسعل في مرارة و تتخيّل حالتك الكارثيّة الّتي قد تؤول إليها إن تبلغ الأربعين؟

لن أبحث أن أرفع من معنويّاتك يا صديقي، لكنّ جسدك ليس على هذا القدر من السّوء. فالجميع يسعل من حولك، و الجميع ترهّل بطنه. و "السّوبرمان" الّذي كنت عليه، لم يعد مثلا يحتذى به!
تأمّل من حولك. من ذا الّذي يسعل من رفاقك؟ جميعهم يدخّن أليس كذلك؟ أيّة هالة من الهيبة تغمرهم، و أيّة نظرة واثقة مستمتعة تشعّ من ناظريهم! لقد صار كثيرون يفتعلون السّعال لو تعلم!
أرجوك، لا تدّعي الحكمة و التّعقّل، فعنوان النّجاح اليوم هو الجنون! الجميع كره الاستماع إلى الحكم اليوم، و لم يعد أحد يرى في أرسطو و الشّابي شيئا مغريا. نريد شيئا من الجنون!
هل يسعدك هذا؟ هل تريد أن ترتاح أكثر؟ ما الّذي يثير ذعرك بشأن الشّحوم؟ آه! أنت تعتقد أنّ الفتيات سيصيبهنّ الذّعر متى رأين كرشك. أنت أحمق يا صديقي! اليوم لا يجد أحدهم فرصة للخروج من سيّارته، حتّى إذا ما قابل فتاة ما. إنّها تهرع إلى داخل العربة بمجرّد أن تتوقّف بجانبها. لا يهمّ من بداخلها و لا إلى أين تمضي! لو أردت فتاة يا صديقي، فاحرص على صحّة السّيّارة الّتي تجول بها، و انس أمر صحّتك تماما!

إنّ المهتمّين بسلامة جسمهم، هم أولئك الّذين لا تزال أذهانهم مرتبطة بنجوم الثمانينات. ترى غرفهم معارض لشوارزينغر و سيلفستر ستالوني! أصحاب العقول الفارغة!! صدّقني، لقد صارت صورة العضلات المفتولة تثير الغثيان! من الصّعب اليوم أن ترى فتاة تصطحب كتلة من العضلات على شواطئ الحمّامات! أنا لا أبالغ إن قلت إنّ مدى انتفاخ البطن قد يصير مقياسا على قدر من الدقّة في اختيار الفتيان!
إنّه دليل على الرّجولة! و دليل على الثّراء! فمن ذا الّذي يتمتّع ببطن ضخمة؟ أليسوا أولئك الّذي لا يحرّكون أقدامهم إلا نادرا لكثر من يخدمونهم؟ أليسوا أولئك الّذين يمضون يومهم على مقاعد المرسيدس و الـبي أم في؟ إنّهم أناس مثيرون للإغراء!!
أليسوا أولئك الّذين لا يشربون الجعة نادرا، بل إنّ جيوبهم لا تبخل عليهم بسهرات حمراء طوال الأسبوع!!
إرفع رأسك يا أخي، و لا تخجل من سمنتك! لقد صرت قدوة للكثيرين! ألم أقل لك إنّ هذا زمن الجنون؟! 




Iori Yagami
07/03/2007

Translate