Showing posts with label عبد الحميد بوشناق. Show all posts
Showing posts with label عبد الحميد بوشناق. Show all posts

Monday, May 30, 2022

الخوفُ من الفانتازيا: رحلةٌ مع فرططو الذهب

عجبتُ ممّا حاق بفِلمِ عبد الحميد بوشناق الأخير من تهليل وإكبار لما وُصف كأوّل فلمِ فانتازيا تونسيٍّ. ليس لأنّ الفانتازيا، وعكس ما يظنّه الناسُ، أكثرُ فنونِ القصصِ في مدوّنتنا العربية منذ حربِ البسوسِ وعنترة إلى قصص ابن المقفع وألف ليلة وليلة. وليس لأنّ بوشناق جاء متأخّرا على قصص عبد العزيز العروي الخارقة ببضعة عقودٍ. ولكن لأنّ فلمَ "فرططّو الذّهب" ليس فلمًا عجائبيّا من أساسه!

ما العجائبيّ الّذي يجدُه المرءُ في هذا الفلم؟ أن يعيش أحدُهم حالةً من الهلاوس البصريّة؟ أن يعيش واقعا بديلا؟ أن ينقطعَ عن العالمِ ويبنيَ مكانه وهمًا عجائبيا؟ ربّما من الضّروريِّ أن نستذكر أحداثَ الفلمِ الكبرى بعجالةٍ حارقةٍ للأحداثِ ومفاجآتها علّنا نرشُد إلى ما كان خفيّا.

ها هنا معزّ (محمد السويسي) ابن الممثّل السابق (فتحي الهداوي) الّذي كسدت تجارتُه فانقطع للشرابِ وسوء معاملة أهلهِ حتّى انتقلت فظاظتُه لابنِه ففاقه فيها. لكنّ حدثيْن مهمّيْن يقصمان ظهر الفتى: الاعتداء حتى الموتِ على حبيبته من قبلِ مُنحرفيْنِ، وإصابتُه بمرضٍ في عينيْه قضى بفقدان بصرِه في القريب العاجلِ. هكذا يُطلقُ العنان لهلاوسِه الذهنية والبصريّة لتختلق قصّة الطّفل الوهميِّ إذ يأتيه مصحوبا بتحاليل طبيةٍ تُعلنُ اقتراب أجَلِ ضَرارتِه، فيقرّر بعد لأْيٍ أن "يُريه اللّي عمره ما شافه": يصحبُ ذاتَه الطّفلة في رحلةٍ في ذاكرتِه، يستعيدُ عوالم أبيه المسرحيِّ، يتصالح مع جرائم أبيه السكّيرِ، ويكشف لنا أنّه والطّفلَ واحدٌ. لم يكن هناك متسوّل بأجنحةٍ، ولا مومسٌ بعيونٍ في أعلى الرأس، ولا أمهق يتحوّل إلى مذؤوب مفترس. كلّها خيالاتٌ انتقلت من ذاكرة البطلِ إلى واقعِه المتوهَّمِ، كما يحدث في الكثير من حالات الذُّهانِ والاضطرابات النفسية المختلفةِ، فما العجائبيُّ في كلّ هذا؟

هناك أمثلة كثيرة مشابهة، ربّما أشهرها ـ ممّن أستحضرهم ـ الرّجل الطّائر Birdman لألخندرو إنيارّتو، وأقربُها لمثال بوشناق، فلمُ "أنا سايبورغ ولا بأس بذلك" للكوريِّ الجنوبيِّ الرّائع تشان ووك پارك Chan-wook Park. وجميعها لا تحاولُ إقناعنا بأيّة سرديّةٍ عجائبيّةٍ، بل إنّها تستعمل العجائبيَّ لتحييد البطلِ عن الحقيقةِ، وتأكيد عجزِه عن مواجهتها. وانطلاقا من هذا المعنى، ففرططّو الذّهب دراما واقعيّةٌ بسيطةٌ حاولَ عبرَها بوشناق أن يسيرَ في خطوطٍ متشابكةٍ تشكّلُ ملامِحَ شخصيّةِ معزّ.

معزّ المريض هي أوهن هذه الخطوطِ. نجدُه يعاني من داءيْنِ أبلغُ في دلالتهِما من حضورِهما. فأمّا ذهابُ بصرِه، فيدلُّ على ذهابِ بصيرتِه، وافتراقِ طباعِه عن طبيعتِه. نرى ذلك جليّا في معاملتِه لجارِه، وفي معاملتِه للطفلِ-ذاته حين أتاهُ. بل أوضحُ من ذلك، امتهانُه خدمة البوليس المشحونةِ بكلِّ معاني العنفِ وصُورِه. وأمّا إصابتُه بالذُّهانِ فليس أكثرَ من حيلةٍ روائيّةٍ لتبريرِ ما كاد يكون عجائبيّا، ولنقلِه إلى خانةِ الواقعيّةِ. وبلغة الشطرنج، فهي ذلك الخطأ الفادح Blunder الّذي يحوّل النّصر إلى اللانصر، والفانتازيا إلى اللاخيال. وكمثلِ تلكَ الحيلةِ السّخيفةِ الّتي يلجأ إليها الرّواةُ حين تتعقّد رواياتُهم فيُوقظونَ أبطالَهم من النّومِ في النّهاية، برهنَ عبد الحميد بوشناق عن خوفٍ مُبهمٍ من الفانتازيا، إنّني أكادُ أراهُ يتجوّل في قاعةِ العرضِ المظلمةِ ويهمسُ في آذانِ المشاهدين بضحكةٍ عصبيةٍ خافتةٍ: لا تأخذوها على محملِ الجدِّ، أنا نفسي لا أفعل ذلك!

يبرِّرُ الذّهانُ الفانتازيا، ولكن ما الّذي يبرّرُ الذهان؟ حادثةُ صديقتِه؟ نرجّح ذلك، ولكنّ البناء السّرديَّ لا يَفتَرُ عن حبكةٍ شديدةِ التّماسُكِ، ويكتفي بإلقاءِ الأحداثِ جزافا تاركًا للمشاهدِ عبء التّركيبِ. أليس هذا جميلا؟ يهمسُ أحدُهم، فأجيبُ، بلى، إذا كانت القِطعُ المُلقاةُ قابلةً للتّركّبِ دون تعسّفٍ…

في خطٍّ آخرَ، يرسمُ بوشناق صورةَ معزّ الإبن. فيُناظرُ بين علاقتِه ـ رجلاً ـ بذلك الطّفل الّذي كفِله، وبين علاقتِه طفلاً بأبيهِ في الماضي. هكذا سار الفلمُ مُراوِحا بين مغامرةِ معزّ والطّفل الغامضِ، وبين ماضي معزّ مع أبيه السكّير العنيفِ عبر تكثيفٍ للقطات الاسترجاع Flashback. ولأنّ المخرج اختار حرمان المشاهدِ من تفسير العلاقةِ بين الماضي والحاضرِ، فقد كانت المراوحةُ ثقيلةً وتشي بتشتّتٍ في الأفكارِ. الكثير من التقفيز (Jump cut) والنّادرُ من الوصل (Match cut) لا يساعدان في فهم المقارنة المُقترحة. الأهمّ من هذا، هل نجح التناظر حقا؟ في مغامرةِ البطلِ والطّفلِ التّائهِ، تنجح الفانتازيا بطريقةٍ ما في ترويضِ معزّ والخروجِ بِه من مستنقع العنفِ والذّهانِ. تُصالِحُه مع ماضيه وتُعيدُه إلى واقعِه. أمّا في قصّتةِ مع أبيهِ عبد الوهاب (الهدّاوي)، فلا يحضُر المسرحُ (مقابل الفانتازيا) إلاّ في النّهايةِ (لدواعٍ سرديّةٍ)، ولكنّنا نُدركُ أنّه لم ينجح في انتشالِ عبد الوهاب من محنتِه، بل إنّه مُسبِّبُها. وبالتّالي فقد أدخلنا بوشناق في مقارناتٍ خياليّةٍ وغير مفيدةٍ بسبب تكثيف الاسترجاع، وعموما فقد كان البناءُ السّرديّ غير متوازنٍ بالمرّةِ بسبب إصرارِ بوشناق على استحداث التواءةٍ سرديّة plot twist لم تباغت أحدًا.

خلافا لصورةِ المريضِ، فإنّ صورة الإبنِ جوهرية. فما الفلمُ إلاّ محاولةٌ لتفكيكِ عناصرِ العلاقةِ المعقّدةِ بين الإبنِ وأبيهِ. فيقترحُ ظاهرًا مشحونا بالعنفِ والاستهتارِ: استهتارُ الإبنِ بحالةِ أبيهِ الحاضرةِ، مقابل استهتار الثاني بعائلتِه كلّها في الماضي. ثمّ يكشفُ رويْدا رويْدا عن باطنٍ مثقّل بالآلامِ. ومع تصاعد وتيرةِ العنفِ والألمِ (لدواعٍ غير مبرّرةٍ تقريبا)، نصلُ إلى لحظة المصالحةِ: فيتصالحُ الأبُ وابنُه حين يتصالحُ الإبنُ وذاته. يستعملُ بوشناق في هذا الخطِّ، شخصيّةً ثالثةً هي شخصيةُ الأختِ (هاجر عيّاد). إنّها أيضا ابنةُ عبد الوهاب ولكنّ علاقتَها به تختلف جذريا، فقد تقبّلت أسلوب أبيها، وربّما أبدت قوّة شكيمةٍِ لا يملكُها أخوها الغاضبُ، العاجزُ عن المواجهةِ. والحقيقةُ أنّ دورَ هاجر عيّاد رغم براعةِ الأداءِ وقوّة الحضورِ، يكادُ يرجعُ بالفلمِ إلى خانةِ الأعمال الاجتماعيّةِ البائسةِ، ولا يحقّقُ للفكرةِ/الأفكار الرّئيسيّة أيّة نقاطٍ إضافيّة.

أعتقد أنّ أيَّ وَلَدٍ ينظُر عادةً إلى أبيهِ بتعظيمٍ وإجلالٍ. سيكون قُدوتَه الأولى ومرآةَ الكمالِ في عينيْهِ ولو لزمنٍ بسيطٍ قبل أن يصابَ بخيبةِ الأملِ الّتي ستسمحُ له بالانفصالِ بشخصيّتِه بعيدًا. ثمّ إنّه سوف يحتاج إلى وقتٍ قصر أو طالَ ليتقبّل هذا الانفصالَ، ويتصالحَ مع والدِه مجدّدا وقد تدرّج من مرتبة الإله إلى الشيطانِ ثمّ الإنسانِ. ولقد عبّر بوشناق عن هذه الرّحلةِ بصدقٍ متلعثمٍ. ولئن أخذ معزّ عن أبيه حُبَّهُ للفنِّ، فقد كان انفصاله عنه انفصالا عن الفنِّ أيضا، وآثر العملَ شرطيّا يمارسُ العنفَ بإفراطٍ. أفيلعنُ بذلك أباهُ على "محنةِ" الفنّ الّتي أورثه إيّاها؟ يقولُ بوشناق إنّ ثمّة 70% منهُ في الفلمِ، ولأنّنا نستبعدُ تشابه ظاهر علاقةِ معزّ وأبيه بتلك الّتي تجمعُ المخرجَ بالفنّان لطفي بوشناق، فلا نستبعد عناصرَ من باطنها. وهو ما يحيلُ على خطّ ثالثٍ مشكّلٍ لشخصيّةِ معزّ، وهو الفنّان.

لقد دفن معزّ ذلك الفنّان الّذي كان يمكن أن يكونه، وأصبح بوليسا بكلّ العنفِ الّذي يمثّله. ومع حلولِ الطّفلِ الغامضِ في حياتِه، استنجدَ تلقائيّا بما علق في ذاكرتِه من "فنونِ" أبيهِ لينقذ نفسه. لكنّ معزّ طوال الفلمِ لم يتقمّص قميصَ الفنّانِ، بل تركَ ذلك لمختلفِ الشّخصيّاتِ الخياليّةِ الّتي قدّمَها للولدِ: الشريدُ ذو الجناحيْن، المومسُ ذات العيون الخمسة، الكائنُ الخفيُّ ذي اللسانِ الحربائيّ وأخيرا ذلك الأبهق المذؤوب. وقبل هؤلاءِ، يمثّل الأبُ عبد الوهاب صورةَ الفنّانِ أهمَّ تمثيلٍ في الفلمِ، فما الّذي يجمعُ خمستَهم، وكيف تمثّل عبد الحميد بوشناق الفنّان؟ ظهر عبد الوهاب بحُلّةِ المهرّج في ومضاتٍ استرجاعيّةٍ سريعةٍ خاطفةٍ، تحكي عن تجربةِ أداءٍ Casting خائبة. وفضلا عن افتقارها للطّرافةِ، فهي تقدّم الفنّان في حُلّةِ المتسوّل المتوسّلِ للحصولِ على فرصةٍ/عملٍ. لكنّ بوشناق لم يكتفِ بالتلميح لذلك، بل قدّمه متسوّلا بالفعلِ عبر شخصيّةِ الشّريدِ ذي الأجنحةِ. وعموما فما يجمع هؤلاء الّذين سوف يُرونا ما لم نره في عمرنا، هو بؤسُهم وانحطاطُ أوضاعهم وعيشهم على هامش العالمِ، بل في عالمٍ آخر تمامًا كما الحالُ مع الأمهقِ. ومع أنّ الفلمَ يحاولُ أن يُبرزَ أثر الفنِّ على الإنسانِ كقوّةِ خلاصٍ، فإنّه لم يسعَ لاستبدال الصورة النمطيّةِ لـ "فنّان الغلبة" الّتي نجدُها في الأعمال الدراميّة الكلاسيكيّةِ ذات البُعد الاجتماعيِّ، بصورةٍ تناسبُ قدرته على الفعلِ والتّأثيرِ. ذلك أنّ "فرططّو الذهب" مرّة أخرى، يفشلُ في استحضار شروط الفانتازيا.

نتبيّن خطّا رابعا في صورةِ معزّ، وهو خطّ البوليس. وأستعمل لفظة "البوليس" بدالَ رجل الأمن هنا لأن لا أحد يشعر بالأمن في حضرةِ أناسٍ كهؤلاء. وأعتقد أنّ بوشناق اعتنى بهذا الخطّ وبالغ في الاهتمامِ بمُنحنياتِه. وإنّي أرجّح اختياره لمحمّد السّويسي لهذا الغرضِ بالأساس: طويلٌ، ذو ملامحَ غليظةٍ ونظرات ثاقبة مليئة بالعنفِ. لا يملك قواما رشيقا، ولكنّه يملك كتلة ضخمةً كأنّها الحضورُ المادّيّ لروحٍ همجيّةٍ. ثمّ، كنارٍِ على علمٍ، يمنحُه حذاءً يضاهيهِ ثِقلاً وضخامة وعُنفا. نتحصّل في النّهايةِ على تمثّلٍ قويٍّ لرجلِ البوليس، كسالبٍ Negative لصورة الفنّانِ. ولأنّ بوشناق لا يريدُ لأفكارِه أن تحافظ على جمالِ بساطتِها، فقد فضّل أن يتجاوز هذا المعنى، ويستطرد أكثر في مسألةِ الأمنِ والعنفِ. لم يعد لنا مثالٌ واحدٌ بل مثالان متقابلان: معزّ الانفجاريِّ، والمنذرُ رئيسه الهادئُ الأنيق (إبراهيم زرّوق). يقدَّم المنذر من خلالِ فضاءاتِه: مكتبه ومنزلِه، وأيضا من خلالِ عائلتِه (تقوم بدور زوجته رباب السّرايري). وعلى طريقةِ أغنية لَبِنَةٌ في الجدار A brick in the wall، يُشحَن ظاهرُ المنذرِ الهادئُ بعنفٍ أكبر بكثيرٍ من ظاهرِ معزّ. سوف نلحظ هنا كيف تتميّزُ فضاءاتُ حضورِ المنذر بضوءٍ أكثرَ، وألوانٍ أقربَ للبياضِ والانفتاحِ في مقابلِ الظُّلمةِ وألوان النّيون الّتي تميّزُ عوالمَ معزّ. علاقتُه بزوجتِه تتلخّص في الكدماتِ على وجهها، وعلاقتُه بابنته تقفُ عند طاولةِ الطعامِ، وكلّ هذا صورةٌ معاكسةٌ لعالمِ معزّ وعلاقتِه بحبيبتِه وبالولدِ الّذي اصطحبه. ما الّذي يرسمُه بوشناق عبر كلّ هذا؟ ربّما مقابلةً بين عون البوليس الميدانيِّ البسيطِ، وأصحاب السّلطةِ الحقيقيّين، وأرباب العنف الهيكليّ. وهي لعمري مقابلةٌ ـ على رجاحتِها ـ لا تضيف شيئا إلى فكرةِ/أفكار الفلمِ الرئيسيّةِ. وقد يمكن أيضا ترجيحُ استعمالِ شخصيّة المنذر للتأكيد على أنّ عنف معزّ طارئ وليس متأصّلا فيه. نراهُ يمارسُ العنفَ، مثل أبيه، تعبيرا عن ألمه الّذي شقّ عليه. وهي فكرةٌ جميلةٌ لولا أنّنا في النهاية نتحصّل على عنفٍ أصليّ يتركُ كدماتٍ بسيطةً وعنفٍ مؤقّت يفقأ العيون ويقتل… وعلى كلّ حالٍ، فكلّ الجزء الخاصّ بالمنذر استطرادٌ طويلٌ ومملٌّ.


آخرُ الخطوطِ المكوّنةِ لملامحِ البطلِ، هو خطّ الحبيبِ، ويظهرُ في لقطاتٍ عابرةٍ غير ذاتِ بالٍ سوى للبناءِ السّرديّ المرتبك. فبعد أن "يصدم" المخرجُ المشاهدين بمشهد الفَقْءِ، يعودُ ليبرّر ذلك باغتصاب حبيبتِه بأيدي ضحيّتيْهِ. "هما إذا مذنبان، وربّما يستحقّان ما حاق بهما"، كأنّما يصبح الانتقامُ مشروعا خصوصا إذا ما كان المرءُ صاحب سلطةٍ (بوليس)... طبعا لن ندخل في مهاتراتٍ أخلاقيّةٍِ، ولا تحملُ كلُّ هذه المشاهدِ أية تفاصيل يعبّر من خلالِها المخرجُ عن موقفِه من سلوكات بطلِه. ولكنّ تقديمَ الاعتداءِ ثمّ تفسيرَه فيما بعد (بحثا عن التواءة أخرى)، يخلق نَفَسًا تبريريّا. وربّما هذا ما حدث بالفعلِ، فبعد أن يصدم المخرجُ المتفرّجين بمشهد الفقءِ منذ البدايةِ، كان عليْه أن يبرّره ليصنع بعض الانسجام الدّراميِّ، من هم هؤلاءِ، ولماذا قتلهم. وقد يفسّر ذلك اختلاف مشاهد معزّ مع حبيبتِه عن باقي لقطات الفلمِ أيضا. والمؤكّد أنّ معزّ الحبيب كان كقِطع الفراولة في فنجان قهوةٍ: لم ينجح في الانسجام مع باقي خطوط الشخصية فحسب، وإنّما شتّت مذاقاتِها، وهلهل الحبكة الدّرامية بشكل كبيرٍ.

إنّه ذات الخطإ الّذي اقترفه عبد الحميد بوشناق في "دشرة"، العجز عن لملمة خطوط السّردِ بعد الإفراطِ في تشبيكِها. هو نوع من الهوس الّذي يستبدّ بالكثير من المؤلّفين في بداياتهم، يدفعهم لخلقِ شيءٍ عبقريٍّ معقّد التفاصيل، ثمّ تكشف لهم التجاربُ عن قيمةِ البساطةِ وعبقريّتها. البلاغةُ في الإيجاز يقول الأقدمون، والجمالُ في البساطةِ، وكلّما أضافُ المرءُ كلماتٍ للجملةِ، كلّما زاد احتمالُ اللّحن (الخطإ).

الفانتازيا هو آخر شيءٍ يمكن أن نصف بهِ فلمَ فرططّو الذّهب لعبد الحميد بوشناق. ليس لأنّ الفلمَ لا يقدّم أيّ عنصرٍ فانتازيٍّ، فكما قلنا، لم تكن المشاهد العجيبة هنا سوى هلوساتِ ذُهانٍ دونكيخوتيّةٍ. وليس لأنّ تلكم المشاهد كانت معزولةً وسط الفلمِ، لا تُشبِهُه ولا تؤثّر على شيء من أحداثِه، وتكتفي بمدلولاتِها الذّاتيّةِ (هذه التّجارب العجيبة الّتي لم يرَ مثلها الولدُ من قبل، هي ما يقدّمُه الفنُّ للناسِ، هي شيءٌ أجملُ من الحقيقةِ، وأكثرُ جمالا) كأنّها فاصلٌ وسط الحكايةِ. بل أكثر من ذلك، فالفلمُ يستعملُ لغةً واقعيةً لا تمتُّ بصلةٍ للفانتازيا. ونجدُ مشاهدَه مغمورةً أغلب الوقت في مياهِ الواقعية الاجتماعيّةِ، حتّى في تعبيرِه عن قضيّته الأساسيّةِ أي قضيّة الفنّانِ، وأثر العملِ الفنّيِّ. تحاول بعض الأقلام أن تجدَ حلاّ توفيقيّا باستعمال مصطلح الواقعيّة السحريّةِ. حيث تمتزج سيميائيّةُ الواقعيّةِ Realism بعناصر الفانتازيا. ولكن حتّى في هذه الحالةِ، فالعجائبيُّ لا يُنكرُ ويجد اعترافا وقبولا حسنًا. قططُ موريكامي تتحدّث في واقعِه لا في أحلامِ أبطالِه. لقد حاولَ بوشناق أن يكسر محرّمات السينما العربية بتجاوزِ نظرتِها الكلاسيكيّةِ للفلمِ كوِحدةِ رصدٍ للواقعِ وللمجتمعِ بالأساسِ، ولكنّه عِوضَ أن يفعلَ، فقد رسّخ لتلك النّظرةِ وبرهنَ ربّما أنّ الحواجز بين السينما العربية والفانتازيا لا تعودُ للجمهور وإنّما للفنّان نفسِه.



 

Sunday, March 17, 2019

الهلع من الدّشرة

 

إنّ ما يجعلُ دشرة حدثا ثقافيّا مهمّا في تونس، هو ذاتُه الّذي جعل منه فلما غير ذي بالٍ. فأدبُ الرّعب بشكلٍ عامّ لم يعد غريبا في تونس إلاّ منذ أن تكوّنت الأكاديميّاتُ وأخضِعَ الأدبُ فيها للدّراسات "الجادّة". أمّا الثقافة الشّعبيةُ الأصيلةُ فنجدُها عامرةً بالحكايات المثيرةِ للخوفِ والخيالِ والمعبّرةِ عنِ الهواجس الدفينة. وفي حين لم تَحِد السينما التونسيةُ أغلب الوقت عمّا لا يرضى عنه أكاديميّو الفنون "الملتزمة" (بماذا؟)، ولم تشذّ إلاّ بكوميديا أو اثنتينِ، يختارُ عبد الحميد بوشناق لفلمِه الطّويل الأوّل أن يمضيَ بعيدا في الشّذوذ، فيقتفيَ بقُمرَتِه ذلك الشّيء المروّع المختبئَ خلف خيالاتنا…
 
لا تسمحُ طبيعةُ هذا النّصّ بالعودةِ للنّظريّات الكثيرة الّتي درست سينما الرّعب وحاولت أن تصنّفها وترتّبها وتجيب عن سؤال : لماذا نشاهدُ أفلام الرّعب؟ وعلى كلّ حالٍ فلم توفّق أيٌّ منها في تقديم إجابة متكاملة1. ذلك أنّ الدوافع تختلف باختلافِ المتفرّجِ وباختلافِ صنفِ الرّعب أو الثيمة. وإذا كانت الدّوافع تتباين عند مشاهدي الرّعب المعويّ Visceral horror أو أفلام التشريح Slasher movies، فإنّها أكثر تباينا مع الأصناف الأخرى للرّعب2. على أنّه يجب التأكيد على تأثير طبيعة العلاقةِ المُنبيةِ بين المشاهدِ والمشاهَدِ في إرساء مختلفِ الدّوافعِ الممكنة.
فالمتفرّجُ جالسًا في ركنٍ خفيٍّ في الظّلامِ يمارسُ نوعا من التّلصُّص Voyeurism على شخصيّاتِ الفلمِ، فيُحدث معها علاقاتٍ أحاديّةً تتراوح بين التّماهي (Identification) والتّوثين (Fetichism). ومن ثمّة، يسمحُ الفلمُ للمشاهدِ عبر هذه العلاقات بإسقاط رغباته على الشّاشة، وتحرير انفعالاته المكبوتة ومواجهتها3.
 
ولئن تبدو هذه العلاقةُ شخصيّةً جدّا، فإنّ كونيّةَ المخاوفِ الإنسانيّةِ تجعل التّأثيرَ جماعيّا. كما أنّ سينما الرّعب لا تتجاهل مخاوف الجماعةِ، أو التابوهات القائمةَ على مستوى المجتمع، بل إنّها من أهمّ محرّكاتها. فهي تعمل على كشف محرّماته وإظهار ما يحاول كبته وإنكاره، من مخاوفنا تجاه ثقافة الاستهلاك الحديثة واعتمادنا المتنامي على التكنولوجيا إلى فَزَعِنا من الآخر المختلف جسديا واديولوجيّا4.
 
أين يتنزّل "دشرة" من كلّ هذا؟ باعتباره الأوّل من نوعه (فلم رعب تونسيّ) فقد كان تجريبيّا بشكلٍ كبير، اختلطت فيه أصنافُ رعبٍ متنوّعة، أهمّها رعب الغيبيّات Occult horror والرّعب النفسي Psychological Horror والرعب المعويّ Visceral Horror وأيضا رعب الأرياف Rural Horror…
 
يتعلّق الرعب النفسيّ بالشخصيّة الرئيسيّة إذ يحملنا على التّماهي معها ومع لحظات فزعها. ومن أشهر أفلام هذا الصّنف مشروع السّاحرة بلير The Blair Witch Project، لذلك فليس غريبا أن يكون هذا الفلمُ حاضرًا بكثافة في مشروع عبد الحميد بوشناق. نتعرّفه منذ المشهد الثالث تقريبا، حين يجتمع أبطال الفلمِ الثلاثةُ: ياسمين وبلال وعزيز. ويعزمون لمشروع التّخرّج على إنجازِ تحقيقٍ صحفيٍّ مصوّرٍ عن القصّةِ المثيرةِ لمنجيّة، إحدى نزيلات مستشفى الرّازي (للأمراض العقلية) الغامضات. وكما نعلمُ، تقودهمُ المقابلةُ إلى الذهابِ إلى قريةٍ صغيرة (دشرة) نائيةٍ في أعماقِ غابة لا أوّل لها ولا آخر. وهناك، تتوارى الحضارة تماما ويحضرُ الفزعُ بمختلفِ أصنافه. فيتحوّل المشاهدُ إلى ضحيّةٍ رابعةٍ مستمدَّةً مخاوفها من التّماهي مع الشخصيات الرئيسيّة وأهمُّها ياسمين.
 
يخبرُنا بوشناق منذ البدايةِ عن الشخصيّةِ الرّئيسيّةِ بدعوتِنا لزيارةِ أحلامها المتداخلة (nested). فهذه عادةٌ معروفة لدى الشخصيات الرئيسيةِ في أفلام الرّعب. ولا تسمح الأحلامُ بتقريبنا من الشخصية الرئيسية فحسب، بل تنذرنا أيضا بطبيعةِ الخطرِ الّذي سوف يتهدّدُها، وتلمّح إلى حقيقةٍ عن البطلِ لم يدركها بعدُ. نجدُ كلَّ ذلك في حلمِ ياسمين الّذي يحيلنا إلى أهم مشاهدِ أفلام الرعب النفسيّ على الإطلاق، وهو مشهدُ الحمّام في سايكو Psycho لهيتشكوك. لكنّني مع ذلك لا أجدُ تفسيرا لحكاية الحمّام والدّماء بين الفخذين… 
 
الكابوس يستعيد لقطة سايكو الشهيرة ولكن من دون موسيقاه العظيمة
 
وفي المرّة الثانية الّتي ينتابُنا فيها الفزعُ مع ياسمين، يظهرُ الصِّنفُ الثاني، وهو رعب الغيبيّات. فمنجيّة تبدو أقرب إلى الدراويش أو المجانين الّذين اقتربوا من جانب النجوم، وعرفوا أكثر ممّا ينبغي. إنّها تملك معرفةً بما وراء الطبيعة، وإلاّ كيف استطاعت أن تشير إلى مكانِ الدّشرةِ في الخريطة في تلك اللحظة العصيبة؟
 
يقوم رعب الغيبيّات على علوم التنجيم والسّحرِ والطقوس المخيفةِ الّتي تحدثُ حين ننامُ. لقد طغى هذا الصّنف بشكلٍ كبير على الفلمِ، خصوصا وأنّ موضوعه الأساسيَّ ـ ظاهريّا على الأقل ـ هو أحد أشهر الطقوس السحريّة وحشيّةً في شمال إفريقيا، أي استعمالُ الأطفال كقرابين للأعمالِ السّحريّةِ.
في هذا المستوى يتراجعُ حضورُ المرجعيّةِ السينمائيّةِ العالميةِ لصالح مدوّنة الرّعبِ التّونسيّةِ الأصيلةِ، على مستوى المضمون على الأقلِّ فقد كان مشهدُ الطّقوسِ الليليّة المرعبةِ ـ كما رأته ياسمين من وراء النافذة ـ أقربَ إلى طقوس سحرةِ أوروبا أو أشبه باجتماع كائنات لا بشريّة في إحدى المقابر.
 
مشهد التغسيل
لم يقف بوشناق عندَ ذبح الأطفالِ، فقد كانت الدّشرةُ عُشّا لشتّى الأهوالِ الّتي يمكن أن تسمع عنها قصصا في تونس: السّحرُ الأسود (الكسكسةُ - أي تحريك الكسكس - بيد الموتى، وتكميم أفواه الموتى بالطلاسم…) وأكلُ البشر والكائنات الماورائيّة الّتي لم يصرَّح عن كنهها تماما ونرجّح أنّها الغولة (المختبئة في المنزل) والعفاريت أو الكائنات الشيطانيّة (الّتي صرفها الجدُّ بقراءة القرآن فتلاشت). نضيف إلى ذلك مشهد التغسيل الّذي قُدِّم الجدُّ بواسطته، وهو مشهدٌ حاولَ المخرجُ أن يبرزَه باللّقطة القريبة جدّا Extreme Close Up ويبثَّ عبره رهبةً لا أظنّها وصلت ونحن نرى بوضوح عروق الميّت العامرة بالحياة، وضلوع جفنيه وهي تجاهد للانغلاق.
 
وعلى كلِّ حالٍ، فقد أخطأ بوشناق بالاعتقادِ في أنّ تكديس هذه العناصرِ سيعطي الفلمَ الأصالة التّونسيّة الّتي ينشدُها. لقد منحَ الحوارُ القصّةَ بالفعلِ تلك الأصالة، بإفراطهِ في العنف اللفظيّ المتبادل بين الشخصيّات حتّى بلغَ العنف المادّيّ. كما أنّ الإطار نفسه يعبقُ بالخصوصيّات التونسيّة، وكان من الأفضلِ الاكتفاءُ بمسألةِ القرابينِ البشريّةِ بما أنّ القصّة تدور حولها.
 
لقد أسهمَ التّكديس في إرباك القصّةِ وتشويشها. فنحن نعلمُ أنّ ذبحَ الأطفال يحدثُ بغرض الحصول على الكنوزِ، لكن لم يذكر ذلك صراحةً. ولا يمكن افتراضُ أنّهم نجحوا في مساعيهم. لقد أظهرت إحدى اللّقطات حصول سيّد الدّشرة (آسف لقد نسيت اسمه، ولا أجد له أثرا على الانترنت) على المال من أحد "الزبائن"، كما نعرف عبر منجيّة أنّ هناك تجارةً تحدثُ، يقدّم بموجبها أهلُ الدّشرةِ خدمات سحرٍ وشعوذةٍ للغرباء القادمين. كلّ هذا يجعلنا نتساءل عن هذه الحاجة إلى المالِ من قبلِ كائناتٍ لا تبدو بشريّةً، إذ قرأ الجدُّ البشير عليها القرآن فتلاشت (قبل أن تعودَ مرّة أخرى).
إنّه عالمٌ لا يبدي أية حاجةٍ للمال أو للعالمِ الخارجيِّ فلماذا يستدعيه (العالمَ الخارجيَّ) ويقيم معه الصفقات؟ ثمّ تأتي الغولة، ذلك الكائن المتوحّش الّذي يطلع علينا من دون أن يضيف أيّ شيء للقصّة عدا نوعٍ مختلفٍ من الرّعبِ وهو الرّعبُ المعويُّ.
 
ورغمَ أنّ بداية الفلمِ لم تخلُ من الدّماءِ (ظهور الدّماء على منضدةِ التغسيل، دماءُ ياسمين أثناء الحمّام، ودماء الإشارةِ إلى الدّشرة في الخريطة)، إلاّ أنّ الرّعب المعويَّ لم يكشّر عن أنيابه إلاّ في نهاية الفلمِ بعد تشويقٍ طويلٍ. يمتازُ التّمهيدُ في عادةِ هذه الأفلامِ بحضورٍ كثيفٍ للإباحيِّ (Hostel)، فالمجزرة الّتي يتعرّضُ لها الأبطالُ فيما بعدُ تأخذُ شكلَ العقوبةِ على السلوكات اللاأخلاقيّةِ الّتي مارسوها. لذلك يتماهى المشاهدُ الوفيُّ لهذا الصّنفِ مع القاتلِ، ولا يشعرُ بأية شفقة تجاهَ الضحيةِ (هناك أنواعٌ أخرى من المشاهدين أكثرُ تعاطفا مع الضحيّة)5. في حالةِ دشرة، وبالسّعي وراء ذات الدّوافع الجنسيّة الّتي ترتبطُ عادةً بأفلام الرّعبِ بما هيَ دوافعُ "محرّمة" نحاولُ كبتها وتحاشي الاعتراف بها، سوف نلحظُ خلفَ اللغةِ حكاية الصّراعِ المكبوت القابعِ في السيّارة بين الولديْنِ على ياسمين. من يجلسُ في المقعد الأماميّ. من يفوز في معركةِ النّكاتِ الجنسيّةِ ويثبت ولو عبر الدّعابةِ أنّه الأكثر فحولةً، أنّه الأكثر تميّزا. عزيز كان دوما صاحبَ السّبقِ، لكنّ ياسمين لا تبالي بذلك، وتصرّ على إبقاء العلاقةِ طفوليّةً. الحقيقةُ أنّها ليست مستعدّة للمرحلةِ الجنسية ولا تزال ترى في أبيها/جدّها حبيبَها المنقذ. ولعلّ هذا ما يفسّر الدّماء في كابوسها. تلك كانت خطيئتها. لقد انقاد الثلاثةُ إلى تخومِ الغابةِ (وما تعنيه في المخيالِ التّونسيّ) بفضل طفلةٍ تلبسُ الأحمرَ. تلك الطفلةُ هي انعكاسٌ لسايكولوجيا ياسمين، فهي تصرُّ رغم مرور السّنين على البقاءِ طفلةً، بقمعِ نوازعها الجنسيّة، والاشمئزازِ من اللحمِ. تحيلنا الطفلةُ الّتي تلبسُ الأحمرَ في الغابةِ على خرافةٍ شهيرةٍ جدا. ترمزُ خرافةُ ليلى والذّئب إلى اندفاع الطفلةِ نحوَ الحياةِ الجنسيّةِ قبل الوقت المناسبِ6. ليلى تذهب إلى بيت الجدّة لتصاحب الذئب في الفراش أما ياسمين فتقول إنّهم مثل الإخوةِ، وتنام في الفراش وحيدةً. وبمجرد أن حدث ذلك، عادت الكوابيسُ، وحضرت الشياطينُ. فيما بعدُ جاء الأبُ/المنقذُ فعوقبَ هو أيضا لرفضه تسريحَ ابنته. أمّا بلال فقد عوقبَ باختراقِ جسدِه بأعنف الطرقِ وأبشع الصّورِ، لأنّه لم يكن رجلا بما يكفي…
 
ياسمين تقود فريقها خلف الطفلة ذات الرداء الأحمر
 
تبقى هذه القراءةُ محدودةً بالكثير من العناصرِ المهلهلة في السيناريو مثلما تحدّثتُ في السّابقِ. ويمكنُ أن نقدّم قراءةً أخرى عن طبيعة الخطيئة الّتي اقترفها الثلاثةُ، وهي تمرّد الشبابِ.
 
منذ البدايةِ يتحرّك الثلاثةُ في عداءٍ مطلقٍ مع البنى والتنظيمات والهياكلِ. بلال يأتي متأخّرا للدّرسِ. ياسمين تعملُ من دون أن تخبر جدّها. ترفضُ الحديثَ إلى الشّيخِ وترفض أفكارَه. ثمّ إنّهم يوضعون في مقابلةٍ مع صنف آخر من الشّبابِ، صنفٍ اختارَ لبس البدلةِ الرسميةِ، والانتشاءَ بالإطراء (ولعق الأحذية)، واستعمال اللغة الخشبية. يحملون أدوات التصويرِ ويندفعون متجاوزين بيرقراطيّة الإداراتِ، والتسلّل عبر الأبواب الخلفيّةِ، لا يتراجعون أمام الغابة الكثيفة، ولا أمام المسافة الطويلةِ. إنّ خطيئتهم أنّهم لا ينضبطون لأيّ شيء، بما في ذلك اللغةَ المقبولةَ. وإذا كانت منجيّة الّتي تشبههم في اندفاعها وتمرّدها وبحثها عن الحقيقةِ، قد تحوّلت إلى مجنونة في نظرِ المجتمعِ، فإنّ مصير الثلاثةِ سيكون أسوأ لأنّهم لم يكتفوا بالكتابة، وإنما جاؤوا بغرض التصوير.
 
أعتقد أنّ هذه القراءةَ مهمّةٌ لأنّها ـ في ما أظنّ ـ تعكس جانبا من شخصيّة المخرجِ حين أصرَّ على مغامرة التصويرِ بميزانيّة خفيفةٍ جدا، متجاوزا طلب الدّعم والمسار البيروقراطيّ الاعتياديّ للسينما التونسيّةِ. ولا شكَّ أنّ روحَ الشّباب المتمرّدِ على الضوابط السينمائيّة القديمةِ حاضرةٌ بقوّةٍ في الدّشرةِ.
وبينما نجح المخرجُ، فشلَ أبطالُه (أو هكذا يبدو لنا) في النجاةِ. وأيّا كانت القراءةُ، فنحن دوما نصطدمُ بالتواءة عزيز واكتشاف حقيقته. إذ تخرجُ علينا بشكلٍ مشابهٍ لنهايةِ فيلم المنشار الأوّل Saw (سنة 2004)، لكنّها تهدمُ كلَّ بناءٍ ممكنٍ تقريبا، ولا غايةَ من ورائها إلا خلق حالةٍ جديدة من الفزع لا أخالها حدَثت. لقد كانت نوعا من الشّطط الدراميّ الّذي يصيب بالتخمةِ حين تكون قد أخذتَ كفايتَك بالفعل من المفاجأة القاصمةِ الّتي كشفتْ حقيقةَ ياسمين.
 
ولم يتوقف الفيلمُ ليعرض علينا تفسيرا مقنعا، واكتفى فقط بالاسترجاع (flashback) ليثبت أنّ المفاجأة لم تكسر السيناريو وأنّه قرئ لها حسابٌ منذ البدايةِ. لكنّ المفاجأة لا تقولُ لماذا وكيف. فهُم كما تقول ياسمين مثل الإخوة، والإخوة يعرفون كلَّ شيء عن بعضهم البعض.
وعلى المستوى التقنيِّ، يمكنُ القولُ إنّ الرّعب المعويّ كان ناجحا، وإنّ الدماء واللحم والأمعاء واللقطات المثيرةَ للغثيانِ كانت مثيرة للغثيان. ولقد ساعدت الإنارة الخافتة Low-Key Lighting والتركيز على اللقطة القريبة Close-up في تلافي نقائص الميزانيّة البسيطة. ولا شكّ أنّ بَقْر بطن بلال كان بشعا بما فيه الكفاية في عيون المتفرّجين.
 
أما جانب الرّعب النفسيِّ، فقد تأثّر سلبا بالميزانيّة البسيطة. ذلك أنّه يحتاج إلى حركة قُمرة أكثر تعقيدا، أو استعمال وجهة نظر البطل POV كما في مشروع الساحرة بلير، وهو أمرٌ رفضه بوشناق، واكتفى بَداله باستعمال متتاليات قصيرةٍ ولقطات قريبة جدا، والعملِ المكثّف على القطع Cuts والتركيب والأصوات السّرديّة diegetic (الصراخ) واللاسردية (الموسيقى) لنقل نفسيّة الشخصيّات أوقات الخطر. وأعتقد أنّ كلّ ذلك قد استعملَ بشكل بسيطٍ خالٍ من الأناقة.
في المقابل، حضرت الأناقةُ في رعب الغيبيّات، فتمَّ تصميمُ الكائنات الخارقةِ والشيطانية بشكل بارعٍ، وكذلك كان تجلّيها رهيبا أحيانا. وبذات العناية، صُمّمت مشاهدُ الطقوس، والأعمال الخارقة. وربّما يعودُ السّبب إلى استئناسِ المخرجِ بمدوّنة الرعب السينمائيّةِ حتّى في هذا المستوى الشديد الخصوصيّة. كان الوحشُ أو الغولةُ شيئا أقرب إلى وحش أفلام الحقد The Grudge أو الحَلَق Ring، وكانت طقوس الليل أشبه بملتقى ساحرات في مقبرة أوروبيّة قديمة. واختفت ألبستهنّ التّونسيّة الريفيّةُ في التقابل الضوئيّ الحادّ الأشبه بالـ chiaroscuro، باستعمال أدوات بسيطة حاول المخرج توريتَها بتقصير اللقطة وتركيبها.
 
اجتماع المقبرة وضوء الكشافات السّيء
 
لقد امتدَّ هذا الامتزاجُ بين الأوروبيِّ والتّونسيِّ إلى رابع أصناف الرّعب الّتي تميّزُ دشرة، وهو أهمّ هذه الأصنافِ لذلك تركتُه لنهايةِ المقالِ. يرتكزُ رعب الأريافِ Rural Horror على فكرةِ الاحتباس في مكانٍ غابتْ عنه الحضارةُ، وما يمكن أن يحملَه من أخطارٍ قد تتعلّق عادةً بمسائل غيبيّةٍ (أسطورةٌ قديمةٌ، طقوسٌ سحريّة، طائفةٌ مخيفة sect). لقد وجد بوشناق في غابات الشمالِ الغربيِّ كنزا فنّيّا ثمينا. شيئا جميلا ومخيفا يشحذُ الخيالَ. شيئا يحملُ الخصوصيات الغربية لأفلام الرعب الريفيِّ، ولكنّه أيضا عامرٌ بالعناصرِ التّونسيَّة الّتي لا تخطئها العينُ.
وهذا المكانُ هو مفتاحُ خارطة الرّعب الّتي تشكّلتْ في دشرة عن غير وعيٍ غالبا، ولكنّها تعكسُ مثلما ذكرنا منذ البداية، محرّما اجتماعيّا مكبوتا.
 
لفهم ذلك يجب أن نعيد صياغة القصّة مثلما يلي: يدرسُ ثلاثةُ طلبةٍ مشروع تحقيقٍ صحفيٍّ فريد. يعيش ثلاثتهم في المدينةِ، يستعملون كلّ ما جادت به التقنيةُ من ترفٍ. من السيّارة إلى الكمبيوتر والهاتف. وحتّى دراستهم تعتمد على تقنيات تصويرٍ متطوّرةٍ لا يملكُ أيٌّ كان القدرة على استعمالها (لنذكر صراخ بلال في وجه عزيز بعدم استعمال قمرته). حين يلتقون بمنجيّة (لاحظوا المقابلةَ بين اسمِ منجيّة واسم ياسمين)، تلك المرأة الّتي وجدت في مكانٍ مقفرٍ بعيدٍ عن الحضارةِ، يختفي الكهرباءُ، ويختفي الحوار المتحضّرُ ويستبدلُ بهجومٍ شرسٍ ودماءٍ تعبّرُ، ويختفي google map وتحضر الخارطةُ التقليديّةُ الورقيّةُ.
 
يذهب الثلاثةُ إلى تخوم الغابةِ، بعيدا عن كلِّ أشكالِ الحضارةِ فماذا يجدون؟ مجتمعا بدائيّا تماما. تحدثُ مقابلةٌ حادّة بين الجماعتين. كانت ياسمين قائدة الثلاثة ولا شكّ. تقود السيّارة، تبادرُ بالحديث، تصرخ في الولدين وتفضُّ نزاعهما، وتتحدّث باسم الفريق. في المقابل، كان هناك سيّدٌ واحدٌ وجمعٌ من النّساءِ من مختلفِ الأعمارِ. يتحدّثُ السيّدُ باسمِ الجميعِ بلهجة الشمال الغربيِّ، وأسلوبٍ ريفيٍّ لطيفٍ. يُبدي لهم كلَّ الكليشيهات الّتي نعرفُها عن أهل الريف: الفقرُ والكرمُ وحسنُ الضيافةِ والشّهامةُ وعرضُ المساعدةِ بلا حدودٍ. في الأثناءِ تكتفي النساء بالصّمتِ المدقع. في هذا المجتمعِ يحرم أن تتكلّمَ النساءُ، ويجب أن يكتفين بطهوِ الطعامِ.
في المرّة الوحيدةِ الّتي نطقت فيها امرأةٌ، كانت حاملاً، وكانت توشوشُ في خوفٍ وكان جزاؤها التوبيخ الشديدَ من سيّد الدّشرةِ. لماذا صرخ فيها؟ يجيبُ ببشاشته السخيفةِ إنّها امرأةٌ تهذرُ كالمجانينِ بما لا تفهمُ.
يجلسُ الجميعُ للأكلِ. يقدّم الطعامُ. لحمٌ وفيرٌ وغيابٌ تامٌّ لأدنى مظاهر النظافةِ. تُبرزُ القمرةُ توحّش القومِ وهم يلوكون اللحومَ، وتبرز في الوقتِ ذاتِه مشاعر القرف المرتسمةِ على الفتاةِ المتحضّرةِ وصديقها بلال.
 
إنّ هؤلاء القومَ لمرعبون. إنّهم يعيشون خارجَ الحضارةِ. يمسكونَ سكاكين عوض مضخّمات الصّوت والقُمرات، ويأكلون بأيديهم بدل الشوكة والسكين، ويخفي النساءُ وجوههنّ عن الغريبِ ويمتنعنَ عن الحديثِ. إنّ الرّعبَ الحقيقيَّ هنا، هو أن تكتشفَ فجأةً أنّك جئت من هنا، من هذا المكانِ!
 
قد يقول القائلُ إنّنا لسنا أمام مقابلةٍ بين الريفِ والمدينةِ، بين الرّيف والعاصمةِ لو شئنا الدّقة في نقلِ الكليشيه الشّائعِ. والأمرُ لا يتعلّق إلا بمكانٍ محدّد دون غيرهِ. لكنّ المقابلةَ الّتي تحدثُ بين جمعِ الطلبةِ وجمعِ المتوحّشينَ واضحةٌ. أكّدها المخرجُ من خلالِ اهتمامِه برحلةِ الجدِّ لإنقاذ ابنته.
 
هناك أغنية راب RAP تونسيّة شهيرة تعكس بشكل كبيرٍ الصّورة النّمطيّة الرّائجة في تونس: 
”جاي مالريف للعاصمة 
مخلي وريا دعاوي لميمة 
من عيلة فقيرة و بو زاولي 
لا سمعنا عمدة ولا والي 
راكب في لواج سارح بافكاري 
نتذكر الفقر تشعل ناري 
في الصغرى مشينا قرينا عل الكريتا 
في صغري نستخايل مناش في الخريطة … 
حكينا عالحاضر و الماضي 
وعلى الدشرة الفقر في دشرتنا صاحب عشرة“
 
وهو مشهدٌ لو قلبنا مسارَ رحلته لاختصر الفيلمَ تقريبا. تقترنُ سيارة الأجرة المعروفة باللّوّاج بالريف بشكلٍ كبيرٍ. ورغمَ وجود الدشرةِ في الشمال الغربيِّ (الأكثر فقرا في تونس)، فإنّ المخرجَ اختار تصوير محطّة باب عليوة الّتي تذهب بالمسافرين جنوبا. ربّما لأنّها مناسبةٌ للتصويرِ أكثر من محطة باب سعدون (الّتي تنقل إلى الشمال)، وربّما أيضا لارتباطها في المخيال الشعبيّ بالانتقال من المدينة إلى الريف، كما في أغنية بلطي.
 
لا، لم يكن الأمرُ عفويّا تماما. فلا توجدُ أيّةُ حاجةٍ سرديّةٍ لتصويرِ رحلة الجدِّ بذلك الشكلِ. ما إن يصل إلى المحطّةِ حتّى تحضر الأشباح (أو الرّهبان لا أعرف). وفي داخل السيارة، لم يُخْفِ الجدُّ خوفه من هذه الكائنات الجالسة من حوله وتتصرّفُ بشكلٍ مريبٍ.
تحملُنا القُمرةُ على الخوفِ من هذا العالمِ، والتوتّر تجاه تصرّفاته. مع إنّنا طيلةَ هذا الوقتِ لا نستطيع الجزمَ بشيءٍ خطإٍ. حتّى مشاهد اللحم المقزّزة، تعكسُ في الواقعِ نظراتِ ياسمين ورفيقيها لما حولهما. ولم يحدث التّحوّلُ إلاّ بالتّزامنِ مع لحظة الكشفِ الرّهيبة: إنّ ياسمين قادمةٌ من ذات هذا المكانِ الذّي تقرفُ منه! إنّها بشكل مجازيٍّ أصيلةُ هذا المكانِ المخجل، أصيلةُ هذا العالم اللامتحضّر المتوحّش! مع اكتشاف هذه الحقيقةِ ينقلبُ العالمُ رأسا على عقبٍ، ويموت من يموتُ، ويهربُ من يهربُ، وتخرجُ الوحوشُ من مخابئها، ويحطُّ الموتُ على الرّؤوسِ.
 
إنّ الاشمئزازَ من الرّيفِ، ومن الأصولِ الرّيفيّةِ أمرٌ شائعٌ عند التونسيّين. ورغمَ كل الكلام اللطيف الذي نقوله في القنوات والصحافة والاجتماعاتِ والندوات الرسمية، فلا تزال زلاّتُ اللسانِ تفضحُ من يشمئزّون ممن وراء "البلايك"، ولا نزال نلاحظ الحضور المكثف لفوبيا الأرياف (لو وجد شيءٌ كهذا) في كلام المقاهي والشوارعِ، وفيما لا يقالُ. إنّ الخوفَ من الأرياف وأهل الأريافِ هو نوعٌ من الخوفِ من الآخر (society's fear of otherness) لما يعكسُه المجتمعُ التّونسيُّ من تقابلٍ عنيفٍ بين الرّيف والمدينةِ.
 
قد يحدثُ ما كانت تخشاه ياسمين، وتتحوّل إلى "منجيّة"، ولكنّنا على أيّة حالٍ لا نرى في حكايةِ ذبح الأطفال إلاّ تعلّة واهية. لقد حدثت أغلبُ هذه الحوادثِ في مدنٍ لا في قرًى صغيرةٍ. وما استشهاد المخرجِ بحادثة الطفل ربيع (ابن منزل بورقيبة أكثر من خمسين ألف ساكن) إلاّ دليل على ذلك. كما أنّ الفيلمَ لا يمكنُ أن يكون تحذيرا إذا ما أخذناه بجدّية، فهو يؤكّد امتلاك هؤلاءِ للقدرات الخارقةِ وينفي فكرة الهراءِ والشعوذة العقيمةِ. هو أقرب إلى التشكيل الخارجيِّ لذلك الرّعبِ الحقيقيِّ الكامن وراءه.
فيلمُ دشرة، عملٌ تونسيٌّ فاتحٌ، لأنّه اقتحم سينما النّوع Film genre وتمكّن إلى حدّ جدِّ محترمٍ من أدواته. ورغمَ بعض الحشوِ الّذي سبّبته الحماسةُ والاندفاعُ، فقد استطاع أن يصنع شيئا حافلا بالأفكارِ والصّورِ. لقد أطنبتُ في تحليلِ الفيلمِ لتبيين قيمة سينما الرّعبِ، وجدّيّتها عكس ما يظنُّ الكثيرون. فلا شيء يدفعُ بالفنِّ إلى الأمامِ أكثر من أن يكون شعبيّا.
 
-------------
1 - جون ب. هِسّ: سايكولوجيا أفلام الفزع John P. Hess The psychology of the scary movies
2/5 - د. ديردي جونسون، المراهقون، دوافع مشاهدة الرّعب المعوي ـ أبحاث في التواصل البشريJOHNSTON, Deirdre D.: (1995) Adolescents„ Motivation for Viewing Graphic Horror. IN : Human Communication Research. 1995
3/4 - سوزَن هيوَرد، دراسات في السينما Susan Hayward: Cinema Studies, Key Studies
6 - برونو بيتلهايم : استخدامات السّحر: معاني الخرافات وأهمّيتها (1977)Bruno Bettelheim: The Uses of Enchantment: The Meaning and Importance of Fairy Tales (1977)

Translate