Showing posts with label سينما عربية. Show all posts
Showing posts with label سينما عربية. Show all posts

Monday, May 30, 2022

الخوفُ من الفانتازيا: رحلةٌ مع فرططو الذهب

عجبتُ ممّا حاق بفِلمِ عبد الحميد بوشناق الأخير من تهليل وإكبار لما وُصف كأوّل فلمِ فانتازيا تونسيٍّ. ليس لأنّ الفانتازيا، وعكس ما يظنّه الناسُ، أكثرُ فنونِ القصصِ في مدوّنتنا العربية منذ حربِ البسوسِ وعنترة إلى قصص ابن المقفع وألف ليلة وليلة. وليس لأنّ بوشناق جاء متأخّرا على قصص عبد العزيز العروي الخارقة ببضعة عقودٍ. ولكن لأنّ فلمَ "فرططّو الذّهب" ليس فلمًا عجائبيّا من أساسه!

ما العجائبيّ الّذي يجدُه المرءُ في هذا الفلم؟ أن يعيش أحدُهم حالةً من الهلاوس البصريّة؟ أن يعيش واقعا بديلا؟ أن ينقطعَ عن العالمِ ويبنيَ مكانه وهمًا عجائبيا؟ ربّما من الضّروريِّ أن نستذكر أحداثَ الفلمِ الكبرى بعجالةٍ حارقةٍ للأحداثِ ومفاجآتها علّنا نرشُد إلى ما كان خفيّا.

ها هنا معزّ (محمد السويسي) ابن الممثّل السابق (فتحي الهداوي) الّذي كسدت تجارتُه فانقطع للشرابِ وسوء معاملة أهلهِ حتّى انتقلت فظاظتُه لابنِه ففاقه فيها. لكنّ حدثيْن مهمّيْن يقصمان ظهر الفتى: الاعتداء حتى الموتِ على حبيبته من قبلِ مُنحرفيْنِ، وإصابتُه بمرضٍ في عينيْه قضى بفقدان بصرِه في القريب العاجلِ. هكذا يُطلقُ العنان لهلاوسِه الذهنية والبصريّة لتختلق قصّة الطّفل الوهميِّ إذ يأتيه مصحوبا بتحاليل طبيةٍ تُعلنُ اقتراب أجَلِ ضَرارتِه، فيقرّر بعد لأْيٍ أن "يُريه اللّي عمره ما شافه": يصحبُ ذاتَه الطّفلة في رحلةٍ في ذاكرتِه، يستعيدُ عوالم أبيه المسرحيِّ، يتصالح مع جرائم أبيه السكّيرِ، ويكشف لنا أنّه والطّفلَ واحدٌ. لم يكن هناك متسوّل بأجنحةٍ، ولا مومسٌ بعيونٍ في أعلى الرأس، ولا أمهق يتحوّل إلى مذؤوب مفترس. كلّها خيالاتٌ انتقلت من ذاكرة البطلِ إلى واقعِه المتوهَّمِ، كما يحدث في الكثير من حالات الذُّهانِ والاضطرابات النفسية المختلفةِ، فما العجائبيُّ في كلّ هذا؟

هناك أمثلة كثيرة مشابهة، ربّما أشهرها ـ ممّن أستحضرهم ـ الرّجل الطّائر Birdman لألخندرو إنيارّتو، وأقربُها لمثال بوشناق، فلمُ "أنا سايبورغ ولا بأس بذلك" للكوريِّ الجنوبيِّ الرّائع تشان ووك پارك Chan-wook Park. وجميعها لا تحاولُ إقناعنا بأيّة سرديّةٍ عجائبيّةٍ، بل إنّها تستعمل العجائبيَّ لتحييد البطلِ عن الحقيقةِ، وتأكيد عجزِه عن مواجهتها. وانطلاقا من هذا المعنى، ففرططّو الذّهب دراما واقعيّةٌ بسيطةٌ حاولَ عبرَها بوشناق أن يسيرَ في خطوطٍ متشابكةٍ تشكّلُ ملامِحَ شخصيّةِ معزّ.

معزّ المريض هي أوهن هذه الخطوطِ. نجدُه يعاني من داءيْنِ أبلغُ في دلالتهِما من حضورِهما. فأمّا ذهابُ بصرِه، فيدلُّ على ذهابِ بصيرتِه، وافتراقِ طباعِه عن طبيعتِه. نرى ذلك جليّا في معاملتِه لجارِه، وفي معاملتِه للطفلِ-ذاته حين أتاهُ. بل أوضحُ من ذلك، امتهانُه خدمة البوليس المشحونةِ بكلِّ معاني العنفِ وصُورِه. وأمّا إصابتُه بالذُّهانِ فليس أكثرَ من حيلةٍ روائيّةٍ لتبريرِ ما كاد يكون عجائبيّا، ولنقلِه إلى خانةِ الواقعيّةِ. وبلغة الشطرنج، فهي ذلك الخطأ الفادح Blunder الّذي يحوّل النّصر إلى اللانصر، والفانتازيا إلى اللاخيال. وكمثلِ تلكَ الحيلةِ السّخيفةِ الّتي يلجأ إليها الرّواةُ حين تتعقّد رواياتُهم فيُوقظونَ أبطالَهم من النّومِ في النّهاية، برهنَ عبد الحميد بوشناق عن خوفٍ مُبهمٍ من الفانتازيا، إنّني أكادُ أراهُ يتجوّل في قاعةِ العرضِ المظلمةِ ويهمسُ في آذانِ المشاهدين بضحكةٍ عصبيةٍ خافتةٍ: لا تأخذوها على محملِ الجدِّ، أنا نفسي لا أفعل ذلك!

يبرِّرُ الذّهانُ الفانتازيا، ولكن ما الّذي يبرّرُ الذهان؟ حادثةُ صديقتِه؟ نرجّح ذلك، ولكنّ البناء السّرديَّ لا يَفتَرُ عن حبكةٍ شديدةِ التّماسُكِ، ويكتفي بإلقاءِ الأحداثِ جزافا تاركًا للمشاهدِ عبء التّركيبِ. أليس هذا جميلا؟ يهمسُ أحدُهم، فأجيبُ، بلى، إذا كانت القِطعُ المُلقاةُ قابلةً للتّركّبِ دون تعسّفٍ…

في خطٍّ آخرَ، يرسمُ بوشناق صورةَ معزّ الإبن. فيُناظرُ بين علاقتِه ـ رجلاً ـ بذلك الطّفل الّذي كفِله، وبين علاقتِه طفلاً بأبيهِ في الماضي. هكذا سار الفلمُ مُراوِحا بين مغامرةِ معزّ والطّفل الغامضِ، وبين ماضي معزّ مع أبيه السكّير العنيفِ عبر تكثيفٍ للقطات الاسترجاع Flashback. ولأنّ المخرج اختار حرمان المشاهدِ من تفسير العلاقةِ بين الماضي والحاضرِ، فقد كانت المراوحةُ ثقيلةً وتشي بتشتّتٍ في الأفكارِ. الكثير من التقفيز (Jump cut) والنّادرُ من الوصل (Match cut) لا يساعدان في فهم المقارنة المُقترحة. الأهمّ من هذا، هل نجح التناظر حقا؟ في مغامرةِ البطلِ والطّفلِ التّائهِ، تنجح الفانتازيا بطريقةٍ ما في ترويضِ معزّ والخروجِ بِه من مستنقع العنفِ والذّهانِ. تُصالِحُه مع ماضيه وتُعيدُه إلى واقعِه. أمّا في قصّتةِ مع أبيهِ عبد الوهاب (الهدّاوي)، فلا يحضُر المسرحُ (مقابل الفانتازيا) إلاّ في النّهايةِ (لدواعٍ سرديّةٍ)، ولكنّنا نُدركُ أنّه لم ينجح في انتشالِ عبد الوهاب من محنتِه، بل إنّه مُسبِّبُها. وبالتّالي فقد أدخلنا بوشناق في مقارناتٍ خياليّةٍ وغير مفيدةٍ بسبب تكثيف الاسترجاع، وعموما فقد كان البناءُ السّرديّ غير متوازنٍ بالمرّةِ بسبب إصرارِ بوشناق على استحداث التواءةٍ سرديّة plot twist لم تباغت أحدًا.

خلافا لصورةِ المريضِ، فإنّ صورة الإبنِ جوهرية. فما الفلمُ إلاّ محاولةٌ لتفكيكِ عناصرِ العلاقةِ المعقّدةِ بين الإبنِ وأبيهِ. فيقترحُ ظاهرًا مشحونا بالعنفِ والاستهتارِ: استهتارُ الإبنِ بحالةِ أبيهِ الحاضرةِ، مقابل استهتار الثاني بعائلتِه كلّها في الماضي. ثمّ يكشفُ رويْدا رويْدا عن باطنٍ مثقّل بالآلامِ. ومع تصاعد وتيرةِ العنفِ والألمِ (لدواعٍ غير مبرّرةٍ تقريبا)، نصلُ إلى لحظة المصالحةِ: فيتصالحُ الأبُ وابنُه حين يتصالحُ الإبنُ وذاته. يستعملُ بوشناق في هذا الخطِّ، شخصيّةً ثالثةً هي شخصيةُ الأختِ (هاجر عيّاد). إنّها أيضا ابنةُ عبد الوهاب ولكنّ علاقتَها به تختلف جذريا، فقد تقبّلت أسلوب أبيها، وربّما أبدت قوّة شكيمةٍِ لا يملكُها أخوها الغاضبُ، العاجزُ عن المواجهةِ. والحقيقةُ أنّ دورَ هاجر عيّاد رغم براعةِ الأداءِ وقوّة الحضورِ، يكادُ يرجعُ بالفلمِ إلى خانةِ الأعمال الاجتماعيّةِ البائسةِ، ولا يحقّقُ للفكرةِ/الأفكار الرّئيسيّة أيّة نقاطٍ إضافيّة.

أعتقد أنّ أيَّ وَلَدٍ ينظُر عادةً إلى أبيهِ بتعظيمٍ وإجلالٍ. سيكون قُدوتَه الأولى ومرآةَ الكمالِ في عينيْهِ ولو لزمنٍ بسيطٍ قبل أن يصابَ بخيبةِ الأملِ الّتي ستسمحُ له بالانفصالِ بشخصيّتِه بعيدًا. ثمّ إنّه سوف يحتاج إلى وقتٍ قصر أو طالَ ليتقبّل هذا الانفصالَ، ويتصالحَ مع والدِه مجدّدا وقد تدرّج من مرتبة الإله إلى الشيطانِ ثمّ الإنسانِ. ولقد عبّر بوشناق عن هذه الرّحلةِ بصدقٍ متلعثمٍ. ولئن أخذ معزّ عن أبيه حُبَّهُ للفنِّ، فقد كان انفصاله عنه انفصالا عن الفنِّ أيضا، وآثر العملَ شرطيّا يمارسُ العنفَ بإفراطٍ. أفيلعنُ بذلك أباهُ على "محنةِ" الفنّ الّتي أورثه إيّاها؟ يقولُ بوشناق إنّ ثمّة 70% منهُ في الفلمِ، ولأنّنا نستبعدُ تشابه ظاهر علاقةِ معزّ وأبيه بتلك الّتي تجمعُ المخرجَ بالفنّان لطفي بوشناق، فلا نستبعد عناصرَ من باطنها. وهو ما يحيلُ على خطّ ثالثٍ مشكّلٍ لشخصيّةِ معزّ، وهو الفنّان.

لقد دفن معزّ ذلك الفنّان الّذي كان يمكن أن يكونه، وأصبح بوليسا بكلّ العنفِ الّذي يمثّله. ومع حلولِ الطّفلِ الغامضِ في حياتِه، استنجدَ تلقائيّا بما علق في ذاكرتِه من "فنونِ" أبيهِ لينقذ نفسه. لكنّ معزّ طوال الفلمِ لم يتقمّص قميصَ الفنّانِ، بل تركَ ذلك لمختلفِ الشّخصيّاتِ الخياليّةِ الّتي قدّمَها للولدِ: الشريدُ ذو الجناحيْن، المومسُ ذات العيون الخمسة، الكائنُ الخفيُّ ذي اللسانِ الحربائيّ وأخيرا ذلك الأبهق المذؤوب. وقبل هؤلاءِ، يمثّل الأبُ عبد الوهاب صورةَ الفنّانِ أهمَّ تمثيلٍ في الفلمِ، فما الّذي يجمعُ خمستَهم، وكيف تمثّل عبد الحميد بوشناق الفنّان؟ ظهر عبد الوهاب بحُلّةِ المهرّج في ومضاتٍ استرجاعيّةٍ سريعةٍ خاطفةٍ، تحكي عن تجربةِ أداءٍ Casting خائبة. وفضلا عن افتقارها للطّرافةِ، فهي تقدّم الفنّان في حُلّةِ المتسوّل المتوسّلِ للحصولِ على فرصةٍ/عملٍ. لكنّ بوشناق لم يكتفِ بالتلميح لذلك، بل قدّمه متسوّلا بالفعلِ عبر شخصيّةِ الشّريدِ ذي الأجنحةِ. وعموما فما يجمع هؤلاء الّذين سوف يُرونا ما لم نره في عمرنا، هو بؤسُهم وانحطاطُ أوضاعهم وعيشهم على هامش العالمِ، بل في عالمٍ آخر تمامًا كما الحالُ مع الأمهقِ. ومع أنّ الفلمَ يحاولُ أن يُبرزَ أثر الفنِّ على الإنسانِ كقوّةِ خلاصٍ، فإنّه لم يسعَ لاستبدال الصورة النمطيّةِ لـ "فنّان الغلبة" الّتي نجدُها في الأعمال الدراميّة الكلاسيكيّةِ ذات البُعد الاجتماعيِّ، بصورةٍ تناسبُ قدرته على الفعلِ والتّأثيرِ. ذلك أنّ "فرططّو الذهب" مرّة أخرى، يفشلُ في استحضار شروط الفانتازيا.

نتبيّن خطّا رابعا في صورةِ معزّ، وهو خطّ البوليس. وأستعمل لفظة "البوليس" بدالَ رجل الأمن هنا لأن لا أحد يشعر بالأمن في حضرةِ أناسٍ كهؤلاء. وأعتقد أنّ بوشناق اعتنى بهذا الخطّ وبالغ في الاهتمامِ بمُنحنياتِه. وإنّي أرجّح اختياره لمحمّد السّويسي لهذا الغرضِ بالأساس: طويلٌ، ذو ملامحَ غليظةٍ ونظرات ثاقبة مليئة بالعنفِ. لا يملك قواما رشيقا، ولكنّه يملك كتلة ضخمةً كأنّها الحضورُ المادّيّ لروحٍ همجيّةٍ. ثمّ، كنارٍِ على علمٍ، يمنحُه حذاءً يضاهيهِ ثِقلاً وضخامة وعُنفا. نتحصّل في النّهايةِ على تمثّلٍ قويٍّ لرجلِ البوليس، كسالبٍ Negative لصورة الفنّانِ. ولأنّ بوشناق لا يريدُ لأفكارِه أن تحافظ على جمالِ بساطتِها، فقد فضّل أن يتجاوز هذا المعنى، ويستطرد أكثر في مسألةِ الأمنِ والعنفِ. لم يعد لنا مثالٌ واحدٌ بل مثالان متقابلان: معزّ الانفجاريِّ، والمنذرُ رئيسه الهادئُ الأنيق (إبراهيم زرّوق). يقدَّم المنذر من خلالِ فضاءاتِه: مكتبه ومنزلِه، وأيضا من خلالِ عائلتِه (تقوم بدور زوجته رباب السّرايري). وعلى طريقةِ أغنية لَبِنَةٌ في الجدار A brick in the wall، يُشحَن ظاهرُ المنذرِ الهادئُ بعنفٍ أكبر بكثيرٍ من ظاهرِ معزّ. سوف نلحظ هنا كيف تتميّزُ فضاءاتُ حضورِ المنذر بضوءٍ أكثرَ، وألوانٍ أقربَ للبياضِ والانفتاحِ في مقابلِ الظُّلمةِ وألوان النّيون الّتي تميّزُ عوالمَ معزّ. علاقتُه بزوجتِه تتلخّص في الكدماتِ على وجهها، وعلاقتُه بابنته تقفُ عند طاولةِ الطعامِ، وكلّ هذا صورةٌ معاكسةٌ لعالمِ معزّ وعلاقتِه بحبيبتِه وبالولدِ الّذي اصطحبه. ما الّذي يرسمُه بوشناق عبر كلّ هذا؟ ربّما مقابلةً بين عون البوليس الميدانيِّ البسيطِ، وأصحاب السّلطةِ الحقيقيّين، وأرباب العنف الهيكليّ. وهي لعمري مقابلةٌ ـ على رجاحتِها ـ لا تضيف شيئا إلى فكرةِ/أفكار الفلمِ الرئيسيّةِ. وقد يمكن أيضا ترجيحُ استعمالِ شخصيّة المنذر للتأكيد على أنّ عنف معزّ طارئ وليس متأصّلا فيه. نراهُ يمارسُ العنفَ، مثل أبيه، تعبيرا عن ألمه الّذي شقّ عليه. وهي فكرةٌ جميلةٌ لولا أنّنا في النهاية نتحصّل على عنفٍ أصليّ يتركُ كدماتٍ بسيطةً وعنفٍ مؤقّت يفقأ العيون ويقتل… وعلى كلّ حالٍ، فكلّ الجزء الخاصّ بالمنذر استطرادٌ طويلٌ ومملٌّ.


آخرُ الخطوطِ المكوّنةِ لملامحِ البطلِ، هو خطّ الحبيبِ، ويظهرُ في لقطاتٍ عابرةٍ غير ذاتِ بالٍ سوى للبناءِ السّرديّ المرتبك. فبعد أن "يصدم" المخرجُ المشاهدين بمشهد الفَقْءِ، يعودُ ليبرّر ذلك باغتصاب حبيبتِه بأيدي ضحيّتيْهِ. "هما إذا مذنبان، وربّما يستحقّان ما حاق بهما"، كأنّما يصبح الانتقامُ مشروعا خصوصا إذا ما كان المرءُ صاحب سلطةٍ (بوليس)... طبعا لن ندخل في مهاتراتٍ أخلاقيّةٍِ، ولا تحملُ كلُّ هذه المشاهدِ أية تفاصيل يعبّر من خلالِها المخرجُ عن موقفِه من سلوكات بطلِه. ولكنّ تقديمَ الاعتداءِ ثمّ تفسيرَه فيما بعد (بحثا عن التواءة أخرى)، يخلق نَفَسًا تبريريّا. وربّما هذا ما حدث بالفعلِ، فبعد أن يصدم المخرجُ المتفرّجين بمشهد الفقءِ منذ البدايةِ، كان عليْه أن يبرّره ليصنع بعض الانسجام الدّراميِّ، من هم هؤلاءِ، ولماذا قتلهم. وقد يفسّر ذلك اختلاف مشاهد معزّ مع حبيبتِه عن باقي لقطات الفلمِ أيضا. والمؤكّد أنّ معزّ الحبيب كان كقِطع الفراولة في فنجان قهوةٍ: لم ينجح في الانسجام مع باقي خطوط الشخصية فحسب، وإنّما شتّت مذاقاتِها، وهلهل الحبكة الدّرامية بشكل كبيرٍ.

إنّه ذات الخطإ الّذي اقترفه عبد الحميد بوشناق في "دشرة"، العجز عن لملمة خطوط السّردِ بعد الإفراطِ في تشبيكِها. هو نوع من الهوس الّذي يستبدّ بالكثير من المؤلّفين في بداياتهم، يدفعهم لخلقِ شيءٍ عبقريٍّ معقّد التفاصيل، ثمّ تكشف لهم التجاربُ عن قيمةِ البساطةِ وعبقريّتها. البلاغةُ في الإيجاز يقول الأقدمون، والجمالُ في البساطةِ، وكلّما أضافُ المرءُ كلماتٍ للجملةِ، كلّما زاد احتمالُ اللّحن (الخطإ).

الفانتازيا هو آخر شيءٍ يمكن أن نصف بهِ فلمَ فرططّو الذّهب لعبد الحميد بوشناق. ليس لأنّ الفلمَ لا يقدّم أيّ عنصرٍ فانتازيٍّ، فكما قلنا، لم تكن المشاهد العجيبة هنا سوى هلوساتِ ذُهانٍ دونكيخوتيّةٍ. وليس لأنّ تلكم المشاهد كانت معزولةً وسط الفلمِ، لا تُشبِهُه ولا تؤثّر على شيء من أحداثِه، وتكتفي بمدلولاتِها الذّاتيّةِ (هذه التّجارب العجيبة الّتي لم يرَ مثلها الولدُ من قبل، هي ما يقدّمُه الفنُّ للناسِ، هي شيءٌ أجملُ من الحقيقةِ، وأكثرُ جمالا) كأنّها فاصلٌ وسط الحكايةِ. بل أكثر من ذلك، فالفلمُ يستعملُ لغةً واقعيةً لا تمتُّ بصلةٍ للفانتازيا. ونجدُ مشاهدَه مغمورةً أغلب الوقت في مياهِ الواقعية الاجتماعيّةِ، حتّى في تعبيرِه عن قضيّته الأساسيّةِ أي قضيّة الفنّانِ، وأثر العملِ الفنّيِّ. تحاول بعض الأقلام أن تجدَ حلاّ توفيقيّا باستعمال مصطلح الواقعيّة السحريّةِ. حيث تمتزج سيميائيّةُ الواقعيّةِ Realism بعناصر الفانتازيا. ولكن حتّى في هذه الحالةِ، فالعجائبيُّ لا يُنكرُ ويجد اعترافا وقبولا حسنًا. قططُ موريكامي تتحدّث في واقعِه لا في أحلامِ أبطالِه. لقد حاولَ بوشناق أن يكسر محرّمات السينما العربية بتجاوزِ نظرتِها الكلاسيكيّةِ للفلمِ كوِحدةِ رصدٍ للواقعِ وللمجتمعِ بالأساسِ، ولكنّه عِوضَ أن يفعلَ، فقد رسّخ لتلك النّظرةِ وبرهنَ ربّما أنّ الحواجز بين السينما العربية والفانتازيا لا تعودُ للجمهور وإنّما للفنّان نفسِه.



 

Wednesday, November 21, 2018

كفرناحوم: اِنتصارا لفنّيّةِ الفنِّ


حينما ابتسمَ زين لعدسةِ القُمرةِ في نهايةِ الفيلمِ، فوجئتُ بموجةِ تصفيق متحمّسةٍ في القاعةِ، كأنّما خرجَ الولدُ إلى الرّكحِ أمامَنا، وكأنّما وقفتْ بجانبهِ نادين لبكي تحيّي الحاضرين. أعتقدُ أنّني مع فيلم كفرناحوم أشهدُ لأوّل مرّةٍ موقفا كهذا في قاعة سينما فرنسيّة. فلماذا أفاجأ بالهجوم عليه وعلى صاحبته؟

تُوّج كفرناحوم بجائزتين في مهرجان كانّ لهذه السنة. الأولى جائزة لجنة التحكيم الّتي أقرّت بحرفيّةِ المنجَز، والثانية تصفيق الجمهور إثر العرض الأوّل لزمن قيل إنّه ربع ساعة تقريبا. وبعد غيابٍ طويلٍ، هاهي نادين لبكي تعيدُ لبنان إلى سجلِّ تتويجات المهرجان. مع ذلك، حظيَ الفيلمُ بسخط الكثيرين في لبنان، وربّما في باقي الوطن العربي، لأسبابٍ كثيرة ومتنوّعة. وكيلت لصاحبته تهمٌ كثيرةٌ قليلٌ منها يستحقُّ الانتباه والنقاش.


أكثر التّهمِ حظّا اقترنتْ بالجانب الدّراميِّ. فلئن أثّرت الدراما بشكل قويٍّ على أغلب المشاهدين، شعُر الآخرون بالكثير من التّكلّف فيها، واعتبروا أنّ نادين لبكي أعدّت قصّتها لتستدرَّ الدَّمع وتغتصبه من الأعين.

الحقيقةُ أنّني تفاجأت من هذه الفكرةِ لأنّني أعاني من حساسيّةٍ تُجاه التّكلّفِ في الحزن عادةً، وأكرهُ مشاهد العويل والنّديب. المشكل هنا، أنّ المشاهدَ من الاتقان، بحيث لا يكادُ النّاظر يلحظ شيئا من التّصنّع. إنّ كفرناحوم عبارةٌ تصفُ مكانا سيطر عليه الجحيمُ والخراب، أو هذا ما أرادتْ منهُ المخرجةُ. فكان الافتتاح لقطةً من علٍ لحيٍّ سكنيٍّ بيروتيٍّ فوضويٍّ، سرعانما راحتْ القُمرةُ تجوبُ أرجاءه، وترينا تفاصيله المتداعيةَ. خرابٌ ترافقُه الموسيقى، وموتٌ تشقُّ هيبتَه (أو تدعمها) مجموعةُ أطفالٍ يلعبون بدمى البنادق والمسدّسات. لقطاتٌ تتقاطع في الذّاكرة مع مشاهد مدينة الله Cidade de deus الشهير.

لكنّ بطلَنا زينْ ليس دزي بيكينيو Zé Pequeno، بل هو صبيٌّ لبنانيٌّ لم يتجاوز الثالثة عشر، ويعمل عند صاحبِ محلٍّ حتّى لا يطردَه وعائلتَه من البيت الّذي أجره لهم. أبوه لا يفعل شيئا سوى الاندهاش من حاله والسخط على حياته، وأمُّه تحاول عبثا السيطرةَ على كلِّ من خرج من رحمها، وتحاول بجهدٍ أقلَّ أن تمنع قدوم أشخاصٍ آخرين.


تنقلُ لنا نادين لبكي تفاصيلَ كثيرةً عن الحياةِ اليوميّةِ في هذا الجحيم. تنقلُ إلينا أفكارا عن غسيلهم، عن أكلهم، عن مشروباتهم، عن تحيّلهم على الصيدلية، عن تعوّدهم على السجون، عن بنادق صبيانهم الخشبية، عن نومهم، عن حياتهم الجنسية، عن علاقاتهم في ما بينهم، عن خضوعهم لمن يملكون المال، عن قذارة بيئتهم، وحدّة طباعهم. وفي لجّة الخراب، ترفع نادين لبكي أعمدة الدراما. فمن زواج أختِه الصغيرة القاصر، تبدأ مغامرةُ زين المثيرةُ، وتبلغُ ذروتَها مع يوناس الرضيع الاثيوبيِّ المتروك في أحضانه، هو الذي لا يجد لنفسه أكلاً. هل بكى زين؟ هل نظر إلينا عبر القُمرة صارخا متوسّلا؟ كلاّ، بل كان في كلّ مرة يبحث عن حيلة جديدةٍ ليعيش يوما إضافيّا، كان يضحكنا، ويثير شغفنا بالحياة إذ يذكّرنا بحلاوةِ الانتصار على سوءاتها. إن هي مرّتان أو ثلاث، بكى فيهما كما قد يبكي أي شخص آخر، بدون مبالغة ولا تكلّفٍ. فكيف استدرّ الدّموع؟

ثمّ إنّ التّكلّف يصبحُ صعبا مع ممثّلين مثل هؤلاء، لأنّ المخرجة أتت بهم من ذات البيئة الّتي تصوّرها في الفيلم. فمؤدّي شخصيةِ زين، هو زين الرّافعي، لاجئ سوريّ يمرّ بذات الظروف الصعبة. أمّا مؤدّية شخصيّةِ تاغست/راحيل فهي أيضا إثيوبيةٌ مهاجرة لا تملك أوراقا رسميّةً، ولسخريّة الأقدار، أوقفتْ في ذات الأيّام الّتي كان فيها تصوير مشاهد القبض على شخصيّتها، كأنّما يحاول الواقعُ أن يحاكيَ الخيالَ لا العكس. وكذلك الأمر لأبويْ زين في الفيلم، فكان آداء أمّه سعاد (كوثر حداد) شيئا لا يصدّق، شيئا حقيقيّا إلى درجة تكاد تتجاوز الواقع نفسه. كلّ شيء في تصرّفاتها يحكي قصّة حياة امرأةٍ مثل سعاد، ركام من الجهل واليأس والبراغماتية والحنوّ والحسرة وبقايا الحبّ. وحينما توجّهت بحديثها إلى نادين المحامية في المحكمة، كانت وكأنّها تقول كلامها، وتوجّهه إلى نادين المخرجة.


إن كفرناحوم انتصارٌ دراميٌّ للسينما اللبنانية والعربية، لما فيه من صنعةٍ ومتانة واهتمام بالتفاصيل. وهو أيضا انتصارٌ فنيٌّ، فعدسةُ نادين لبكي لم تقصّر هي الأخرى في إلمامها بالتفاصيل. ولقد كانتْ قُمرتُها الملتزمةُ بارتفاعٍ يحاكي قامةَ زين الصغيرة، تقتفي أثر الصبيِّ وتعكسُ ما تلتقطُه عيناهُ، وتجعلنا نرى الدنيا من حولهِ بهما. فماذا عن الجانب الأدبيّ؟

لا شكّ أنّ نادين لبكي حاولت بالفعل أن تصنع فيلما "يعالج الكثير من القضايا الاجتماعية"، وهو مقصد رديء يعودُ إلى سوء فهم عربيٍّ متواصل للفنّ. كأنّه لا يكون جدّيّا ومقبولا إلا بقدر ما "يطرح" من قضايا، وبقدر ما تكون هذه القضايا مسكوتا عنها. على أنّ ما أرادت به المخرجةُ اللبنانيّةُِ سوءا، كان ميزةً في الفيلمِ. ففي تصوير مثل هذا الحيِّ البيروتيِّ، لا يزيدُ المشهدَ بلاغةً إلّا تنوّعُ المصائب والإشكاليات: غياب التنظيم الأسريِّ، زواج القاصرات، كدح الأطفال، اِنتشار الأميّة، البناء الفوضويّ، فساد البنية التحتية، المخدرات، الانقطاع عن التّعليم، الاتجار بالبشر، اِستغلال العملة اللاشرعيّين… إنّ اجتماع كلّ هذا، هو ما صنع المشهد، وإنّ أغلبها قد مرّ عَرَضا، ولم يتجاوز الديكور الدراميَّ، لذلك أستحسنه وليس العكس. إنّ قيمة كفرناحوم تكمن أساسا في أنّه لم يتحوّل إلى برنامج وثائقيٍّ وظلَّ عملا فنّيّا. يُحمل المشاهِدُ على التّحمّس لصراع زين من أجل البقاءِ، وعلى اكتشافِ أطباع النّاس الذين يقابلهم. هذا يحنُّ عليه ويشتري له شطيرةً، وهذا يريدُ التّحرُّش به، هذه على فقرها تستضيفه في دارها، وتلكَ تحرمه من استعادةِ أغراضه. هذه تعلّمُه تقنيات الشحاذة، وهذا يعرضُ عليه بيعَ يوناس. هذه بانوراما إنسانيّةٌ ثريّةٌ ومهمّة، فلماذا نتجاوزُها نبشا في "القضايا"؟ لماذا نتجاوزُ فرادةَ زين لنزجَّ به في قالبٍ إحصائيٍّ؟ ألسنا بذلك نُعدمه مرّة ثانية بعدما أخرجته نادين لبكي إلى النّور؟

لقد ركّزت المخرجةُ على محاورَ معدودةٍ مثَّلَ الانتقالُ فيما بينها مغامرة البطل: زواج القاصرات، فالهجرة اللّاشرعية، فأطفال الشوارع. فصوّرت كلّا منها بما تأتّى، دون أن تنشغل بالمعالجة، أو طرح الحلول كما طالب البعضُ. كأنّما على السينما أن تطرح المشكل وتبحث عن العلل وتقترح الحلول. ربّما عليها أن تنفّذ أيضا وتترك السّياسيّين والمفكّرين ومنظمات المجتمع المدنيّ ينشغلون بمسائل أهمّ. أمّا أنا فحسبي من الفنِّ مهمّتُه الأساسيّةُ وهي تعبيريّتُه، ولقد عبّرتْ نادين لبكي بجدّية واحترامٍ عن أحد وجوه مجتمعها المغيّب عن الشّاشة. ورغم ذلك، فتعبيرُها لم يخلُ من نَفَسٍ برجوازيٍّ لا نستطيع إنكار وجوده.


تقول نادين لبكي إنّها حذفت الكثير من مشاهدِها في الفيلم، وأبقت فقط على النّزر القليل منه، ذلك أنّها تعتبرُ وجودها فيه، الكذبة الوحيدةَ. فهي لم تكن يوما محاميةً بينما لعب أغلب الممثّلين شخصيّاتِهم الحقيقيّة. ثمّ إنّ دورها عكس نظرةً فوقيّةً مشمئزّةً لا من بيئة زين الفقيرةِ، بل من أهله، من الفقراءِ. إنّها تلك المحامية الّتي هرعت إليه بالنّجدة، ثمّ أشارت بأصابع الاتّهام إلى هؤلاء الهمجِ الجهلة مسائلةً: لماذا تأتون بزين إلى الحياة؟ لماذا تصرّون على التّكاثر ونحن نبارك بِصَمْتنا كلَّ ما يحدثُ لانحساركم وانقراضكم؟ لماذا لا تُنهون الفقر في هذا البلدِ بإنهاء وجود الفقراء، وجودكم؟

لقد كانت واعيةً بوضعيّةِ شخصيّتها، لذلك اختزلته في لقطاتٍ عابرة، ولذلك منحت الوالديْن فرصةً للدّفاع عن نفسيهما، فكانت إجابةُ أمّ زين القاسية، أصيلةً نابعةً من خبرتها الشخصيّةِ. لقد بذلت نادين لبكي مجهودا واضحا لتُقلّص من ظهورها اتّقاء لهذه الصّورة، فأثبتت بذلك صدقا في محاولتها، لا يصحُّ ولو أخلاقيّا التّشكيك فيه.

ربّما اتّقى الفيلمُ الخوض في ما وراء الخراب، ربّما لم يشر بالأصابع إلى أولئك الّذين يملكون مفاتيح السجن، لكنّ المشهد من البلاغة، ما يُعفي المُشاهدَ فرط التّفكير. لماذا لا نعرفُ سنَّ زين؟ لأنّه لا يملك أوراقا رسمية، أبوه لا يملك أوراقا، ثمّ تتوجّه القُمرة إلى سيادة القاضي ـ وهو قاضٍ حقيقيٌّ بالمناسبة. لماذا تُركتْ فتاةُ الإحدى عشر ربيعا تتزوّج؟ لأنّ القانون يسمح بهذا. هكذا يقول الشاهدُ-المتّهم زوجُها السابق. ومرّة أخرى تعود القُمرةُ إلى حضرة القاضي. فهل يحتاج الأمرُ جهدا كثيرا لنفهم مقصد المخرجة؟


إنّ مشهدَ المحاكمةِ الأخير، حيث تجاوزت الأفكارُ الصّورةَ، وطفتْ على الحوار، يعكسُ ولا شكَّ تصوّرا سطحيا وساذجا للقضيّة، لكنّه تصوّرٌ نابعٌ من طفلٍ في نهاية الأمر، أوتيَ ما أوتيَ من ذكاءٍ وفرادةٍ، لا يكاد يعرفُ من الدّولةِ غير جهاز الشرطة، وحضرة القاضي الّذي يقف بين يديه. ولئن تتبنّى المخرجةُ هذا التصوّر على أنّه من طفلٍ استثنائيٍّ فهو لا يلغي سذاجته. وفي الآن ذاته، فالمشهدُ لا يمكن أن يلغيَ باقي الفيلم، ومختلف الصّورِ الكثيرةِ الّتي صوّرت ماهو أبعدُ من سؤال لماذا أنجبتموني؟

فهل سألت راحيل وهي تبكي داخل أسوار السّجن أن لماذا تركتموني أدخل؟ وهل أخفتْ عنّا لبكي مسؤوليّةَ طبقتِها وعنصريّتها حينما حاولت راحيل تغيير كفيلها في ذلك المشهدِ الكوميديِّ الأسود الرائع؟

كفرناحوم عملٌ فنيٌّ متميّزٌ إذ سار بنا في وريدٍ يشقُّ قلب الخراب. واستطاع أن يخرج بدراما إنسانيّةٍ جميلةٍ أفسدتها بشكل ما محاكمةٌ صرّحت بما قد عبّرت عنه المشاهد بشكلٍ أعمقَ. غير أنّ هذا الجانب لا يفسِّر الحملة الهوجاء الّتي تشنّها الأقلامُ العربيةُ على الفيلم. إنّني لا أفهم ماذا يريدون من السّينما العربية. كلّما منحهم فيلمٌ بعضَ خيالٍ قالوا إنّما نريدُ الواقعية. وإذا آتاهم الواقعيّةَ قالوا إنما تنقصُه القضايا. وإذا أمطرهم بها قرّروا أنّه سطحيٌّ إذا لم في العلل والأسباب. وإذا ما خاض فيها، طالبوا بالحلول، وأحالوا كلّ المفكّرين والمحلّلين والخبراء والإداريّين والسيّاسيّين وأهل القرارِ إلى التقاعدِ المبكّر. إذا صوّرَ لهم يوتوبيا قالوا بروباغندا امبريالية. وإذا صوّر الدّيستوبيا قالوا بورنوغرافيا البؤس. وإذا فاز فيلمٌ بجائزة قيّمة، قالوا أجاد إرضاء الغرب. وإذا لم يفز أي فيلمٍ قالوا ماتت السينما. في كلّ اتّجاه يرون النوايا السيّئة ويؤوّلون بقواعد مغروسة في رمال متحرّكة، لا تعرف معها ماذا يريدون. ماذا حقّا يريدون؟!

Tuesday, October 31, 2017

العفاريت كما تراها كوثر بن هنيّة


بين صرخة الانتفاضة وأمل الثورة، نبتت بالوعة من فراغات التهافت. ثمّ، وكأنّها ثقب أسود، راحت تسحب النور من بين أعين التونسيّين حتّى بات الظلام متهالكا على الأفق، قريبا من اليقين، وبات اليأسُ لغة التواصل، ومشتَركا حين فرّقتهم سياسات التّوافق. لا شيء يبشّر بالجمال تقريبا، ولا شيء يعد بأفضل منه، ربّما باستثناء بعض ذلك الذي يحدث في السينما. فمع كلّ سنة من الحرّيّة، يزداد تردّد الأصوات السينمائيّة التونسيّة، في المهرجانات الكبرى، وبعد أن دوّت صورة "نحبّك هادي" لمحمّد بن عطيّة في برلين السنة الماضية، جاء دورُ المخرجة كوثر بن هنيّة لتظفر بمشاركة متميّزة في مهرجان كانّ الأخير من خلال فيلمها الجديد "على كفّ عفريت".

وبعد أن تُوجّت السنة الماضية بالتّانيت الذهبي بفضل فيلمها الروائيّ الطويل الثاني "زينب تكره الثلج"، تشارك بن هنية مرّة أخرى في مهرجان قرطاج بفيلمها الذي شارك في مسابقة "نظرة ما" Un certain regard في نسخة كانّ Cannes الأخيرة.
يستعيدُ فيلم "على كفّ عفريت" جزءا من البالوعة التي تسحب الألوان من مشاهد الحياة التونسيّة، ينبش فيها، ويعيد تشكيلها بإيقاعات أكثر حدّة من حواسّنا الرّاكدة، عسى أن يوقظ ما نام فينا، أو يحرّك ما سكن. من خامات الرعب، والقبح، واليأس كما يعيشها التونسيون، رسمت كوثر بن هنية، طريقا جديدا للإبداع ربّما لم تألفه السينما التونسيّة الغارقة في وحل التقليد منذ سنوات طويلة. فإذا اليأسُ من الوطن، أملٌ في سينماه، وإذا الكفر بنظمه، إيمانٌ بشاشته الكبيرة.

يصعب الحديث عن "على كفّ عفريت" دون التطرّق إلى العفريت، وإلى كفّه، وإلى الظروف التي دفعت "البطلة" إلى الوقوع على هذا الكفّ. لحسن الحظّ، لا ينتقص حرق الأحداث شيئا من سطوة الموقف، ولا من وقع الصدمة، فخطوط القصّة العامّة معروفة عند الشارع التونسيّ منذ أربع سنوات تقريبا، حينما تفاعل مع ما حدث لمن أطلق عليها إسم "مريم"، شابّة تونسيّة تعرّضت رفقة صديقها إلى اعتداءٍ من بعض أعوان البوليس، فقط لأنهما لقمة سائغة، في وضع ضعيف يسمح بالابتزاز، أو هكذا خيّل للأعوان.

ليست هذه المرّة الأولى التي تعتمد فيها كوثر بن هنية على مادّة مستوحاة من الواقع، فقد كان فيلمها الروائيُّ الأول مبنيّا على قصّة من عرف بـ"شلاّط تونس". لكنّ التعامل مع القصص الواقعية، يبقى أمرا نادر الحدوث في السينما التونسيّة، لا لسعة الخيال وإنّما لضعفه، فالعمل على اللامتخيَّل يتطلّب اهتماما أكبر بالكيفيّة، بالأسلوب، لأنّه، حينما تكون الدراما معدَّة سلفا، يبقى هو أهمّ مواطن الإبداع. كتبت المخرجة التونسيةُ سيناريو الفيلم انطلاقا من مذكّرات مريم بن محمّد (وهو إسم مستعار) المنشورة تحت عنوان "ذنبي أنني اغتُصبت" Coupable d'avoir été violée، لذلك كان عليها أن تشتغل على الصورة لتنقل إليها القيمة المضافة للقصّة، ولقد كان هذا العملُ جليّا منذ المشهد الأول.

تؤدّي مريم الفرجاني أوّل دور لها من هذا الحجم، لكنّها منذ اللقطة الأولى، تواجه الكامرا/المرآة بثقة تبعث على البهجة، معها صديقتُها تساعدها على الاستعداد لاقتحام سهرة جامعيّة صاخبة في تونس العاصمة. تتصرّف كأيّة فتاة حديثة العهد بهذا العالم المغوي، تتقلب بين الحماس والارتباك والدهشة والرغبة، تتبع مسارا سطّرته قمرة (كامرا) المخرجة المتسلّطة على المشهد، المسيطرة بإتقان كبير لكلّ تفاصيله. تجول بنا في أركان الفضاء بفضل لقطة متتالية (long take) من عشر دقائق، هي إحدى تسعة لقطات فحسب كوّنت الفيلم كلّه. وبفضل عمق الحقل (deep focus) الذي سمح به الفضاءُ وهندسةُ المخرجة، أمكن رؤية ما هو أبعد من رؤية البطلة نفسها. هناك عند الركن، يقف ذلك الشابّ الذي لحظت اهتمامه بها، يتحدّث مع إحدى رفيقاتها، فنعرف ـ نحن المشاهدون ـ قبل البطلة نفسها، كيف ستتعرّف عليه.
هكذا بما قلّ من الكلمات وما دلّ من الصور، صرنا داخل إطار المشهد، نتحرك خلف قُمرته الحيّة النشيطة المغرية، كأنّها تتجاوز علاقة التلصّص التي تجمع ـ عادة ـ بين المشاهد وبين الشخصيّات، إلى علاقة شراكة هي مفتاح الإثارة Thriller الذي سوف يواجهنا بعد حين.

تنتقل المخرجة من التمهيد إلى جوهر الأحداث بعنف صادم. تنقلب الوجوه، وتتغيّر العبارات، ويفقد الفضاء موسيقاه المرحة. في المشهد/اللقطة المتتالية الثانية، يتمُّ تجاهل الحدث القادح، أو يتمُّ حجبه بشكل مستفزّ، ولا نفهم وقوعه إلا بشيء من التأخير. كما في رائعة كاغيموشا Kagemusha لا نحضر المعركة، ولكن تطالعنا أوجه الجرحى ورائحة الموت فنفهم كلّ شيء. رسمت مريم الفرجاني على ملامح شخصيّتها ما نحتاج إليه من رعب، وصدمة عصبية، وإحساس بالضياع لندرك ما حلّ بها، فالاغتصاب هو الاغتصاب أينما كان في بلاد الدنيا، أما ـ ما تلا الاغتصاب ـ فهو شيء تونسيٌّ فريدٌ يجب أن نعيشه من وراء الشاشة لنشعر به، ونفهمنا.

في ثمانية لقطات متتاليات يتراوح طولها بين الثمانية والثمانية عشر دقيقة، نجول مع مريم ويوسف (غانم الزرلّي) بين المستشفيات ومراكز البوليس وشوارع العاصمة، نحمل ثقل المذلّة والمهانة التي يحملان، ويعترينا شعور بالإثم عظيمٌ مع كلّ نظرة إدانة في وجه شخصٍ يُفترض منه المساعدة. وكأنّنا في محاكمة كافكا التي لم تلتئم، يضيع وسط البيروقراطية كلُّ إحساس بالتّكافل، والرحمة والإشفاق، وتسود اللامبالاة. فأمام حالة الضحيّةِ الرثّة، تجدُ موظّفة الاستقبال بالمصحّة وقتا للحديث عن الشاي والسكّر. ويُرفع شعار القانون الذي لا يلتزم به أحد منهم: لا يمكن قبول المريضة بدون هويّة رسمية. لا يمكن قبول طالبة في المبيت بعد العاشرة. لا يمكن أن تركب سيارة أجرة دون أن تدفع ثمنا كاملا… كأنّنا في زمن الاشتباك لغسان كنفاني، يبدو مشهد الناس في قسم "الاستعجالي" في المستشفى مرعبا، يشتبكُ الناس ويتهافتون كلٌّ من أجل حياته، لا أحد ينظر إلى الآخر تقريبا، كأنّنا في فيلم زومبي.

لقد استعاد يوسف هذه الاستعارة وهو يتحدّث عن حياته. يشعر أنّه البشر الوحيد الباقي وأنّ الجميع من حوله يريد أن يعضّه ويخلّصه من إنسانيّته. ربّما لذلك يبدو لوهلة أنّه البشريُّ الوحيد من حولها، الشخص الذي صمّم أن يطالب بحقّه من العدالة، فزرع فيها ذات العزيمة. لكنّنا نكتشف تباعا، أن يوسف ليس وحيدا، فهناك بعض أمارات الإنسانيّة في بعض هؤلاء الناس، ربّما مثلا تلك الممرّضة التي وكأنّها إذ تتابع قصّة مريم، تتابع مسلسلا تركيّا، وربّما الدكتور البحروني (الطبيب الشرعي) الذي ـ في ممارسته لمهنته بمثل ما يُفترض منه أن يفعل ـ بدا شخصا خارقا، ولكن خصوصا عون البوليس الذي استعاد دوره كعون أمن يحمي الضحيّة قبل أن تُطبق عليها كفُّ العفريت.

ولكنّ استعارة الزومبي تتجلّى بشكل أبرز هناك، في جبّ العفاريت، حين يطاردُ المعتدون ضحيّتهم. مرة تحتمي منهم بالكلاب (ربّما في إشارة إلى استعارة أخرى)، ومرّة بالهراوات، ومرّة بالاختباء وراء باب مغلق. لا يمكن أن نُخطئ خلوَّ هذه المطاردات من كلّ داعٍ دراميِّ حقيقيِّ، ولا يمكن أن نغفل عن حركات ثلاثتهم السخيفة والمبالغ فيها. من قال إنّ الموتى الأحياء لا يمكن أن يظهروا في دراما واقعيّة؟ بين جدران مراكز الأمن، تخطو كوثر بن هنيّة على حافّة أفلام الرعب، ورهاب الأماكن المغلقة، وحتّى عند الخروج إلى الشارع الخالي الفسيح، لا يزال الاختناق سمة المكان. كأنّ البلاد كلّها ثكنة بوليس كبيرة، مهمّة أعوانها الأساسيّة حفظ نمط ثقافيّ يقدّس الذكرَ ويختزل المرأة في أنوثتها، أو ما يُعرف اصطلاحا بثقافة النظام الأبويّ (Patriarchy).

لقد عملت كوثر بن هنيّة على النبش في مفاصل النظام الأبويّ، فكان حاضرا على حافّتيْ الدراما كسكّة تقودها. منذ البداية، تجنّبُ علاقةَ مريم بيوسف من التقاليد المألوفة. لا يهرع الشابُ إليها، ولا تتمنّعُ، بل تتوجّهُ إليه وتعرض عليه الخروج من دون أن تعرف إسمه. لكنّ خيارها لا يخيب إذ يتّضح ـ فيما بعدُ ـ أنّه "الرجلُ/المثالُ".
وخلال رحلتهما، تنثرُ المخرجةُ الكثير من الأفكار الرّائجة في مجتمعات النظام الأبويّ. فالمرأة المغتصَبة مدانة مسبقا، ربّما من قِبَل النساء قبل الرجال. لقد كانت النساءُ أكثر قسوة في تعاملهنّ مع البطلة، فموظّفة الاستقبال في المصحّة الخاصّة، اتّهمتها بمحاولة الكيدِ لشخص ما، والصحفيّةُ "المحترفة" فضّلت مواصلة النوم على أن تهتمّ لأمرها، فهي لا تعدو أن تكون قصّة للنشر، ولكنّ أقسى الأحكام، أطلقته عليها الشرطيّةُ التي أسأنا فهم هدوئها. فمع أوّل اختلاف برزت تلك الفكرةُ المخفيّةُ جانبا، قالت لها بنظرة اتّهام لا غبار عليها : عاهرة.
لقد ظلّت هذه المشاهدُ ثانويّةً لأحداث القصّة، وظلّ تأويلها مضمَّنا لا صريحا، ولم تحاول كوثر بن هنية أن تخلق أية مواجهة إيديولوجيّة، ما جعل الصورة تصل ببلاغة لم أعهد مثلها في السينما التونسيّة. لم تتوقّف كوثر بن هنيّة عند القمع الذكوريِّ للمرأة، بل ذهبت إلى القمع الذكوريِّ للرجلِ أيضا. فكان ما تعرّض إليه يوسف من ضروب الإذلال أقسى وأعنف. فأسقطت عنه "الرجولة" لأنّه عجز عن حمايتها، وفي كلّ مرة حاول فيها عون بوليس استفزازه، كانت هي الوسيلة. حتّى عند خلافه مع سائق سيارة الأجرة، كانت إهانة السائق تمرّ عبر الفتاة :"إذا كنت مفلسا، لماذا تُتعب بنت الناس معك؟".

لقد ربط "على كفّ عفريت" بخفّة عبقريّة، بين النظام الأبويّ والنظام البوليسيّ. فبالنسبة لكوثر بن هنيّة، لا يعدو الثاني إلاّ أن يكون تمظهرا للأوّل. لا ديمقراطيّة مع نظام بوليسيٍّ، هكذا بدت المواجهة بين يوسف والأسعد (المحقّق الأول)، لكن أيضا، لا يمكن التخلصّ من النظام البوليسيّ مع الإبقاء على النظام الأبويّ، وهكذا بدا بورتريه Portrait أعوان البوليس في الفيلم. يقفون متجاورين، كأنّهم يحشدون التِّسْتُسْتِيرون، يأخذ أحدهم موقع الزعامة، ربّما بفضل شاربه الطويل، ينفخ صدره قدر ما يستطيع، يمارسون الوصاية على المرأة، يسمّونها "الوليّة"، "الصبيّة"، أو ربّما بنعوت سوقيّة أخرى. لا يتبنّى العنفُ البوليسيُّ ثقافة الـPatriarchy فهو وليدُها، وتجلّيها، لذلك يمتزجان بشكل مكثّف في عبارات الترهيب والتخويف النمطية: "نكلّمو بوك"، "فضيحتك على كل لسان"، "شكون باش يرضى بيك؟"… بدون الوقوع في تمطيط مملّ، أو تكرار لما يعرفه الجميعُ، استعاد الفيلمُ أهمّ تقنيات البوليس التونسيّ، وطرقه لمغالطة المواطنين والتلاعب بهم وبأعصابهم. إنّهم عكس مريم المواطنة، يحفظون القانون جيّدا، يخفونه حين يدينهم، ويتلونه في خشوع حين يخدم مصالحهم. يسهل عليهم وضع الضحيّة في موضع الجاني، الوقت في صالحهم كما ذكر الشاذلي (أداء مميّز من الشاذلي العرفاوي)، والنظام يحميهم لأنّهم عمادُه.

وكما ربط الفيلم بين السلطة البوليسية والسلطة الأبوية، ربط أيضا بين ثورة الحرّيّة وجهاز البوليس. بين شباب القصبة وأعوان القمع، فلا ننسى أنّ كوثر بن هنيّة ابنة سيدي بوزيد. فأحدث استعمالُ عبارة "على كفّ عفريت" في خطاب الشاذلي، مقاربةً بين مريم وتونس، الأولى المعنيّة بعنوان الفيلم، والثانية المعنية بعبارة المحقّق (البلاد على كفّ عفريت وأنت تحب تشكي؟). كلاهما ضحيّة والجاني واحد يأخذ شكل بطل يحمي الحمى من الإرهاب.

إنّها المرة الأولى التي يخرج فيها فيلمٌ تونسيٌّ بهذه الجرأة في الشكل وهذا الاندفاع والوضوح في المضمون. لكنّه مع ذلك لم يخلُ من الهنّات خصوصا على مستوى الآداء. فرغم عمل مريم الفرجاني المميّز في شخصيّة مريم، إلا أنّها عرفت بعض لحظات الضعف خصوصا في مشهد المستشفى الأوّل (لا ما تصوّرنيش!)، كما كان الكثير من الأدوار الثانويّة هشّ الآداء، فالممرّضة في المستشفى لم تكن تنظر إلى الممثلين تقريبا، وأداء المعتدين الثلاثة كان أحيانا أقرب للهزل منه للرّعب، أمّا المحقق سي الأسعد، فلم أسمع عن محقّق ألطف منه. لقد دفعه يوسف بالفعل، ومع ذلك لم يمسّه بسوء، بل أبدى ثقافة عالية تجعلني أتساءل كيف لشخص يجيد الاستعارات الميثيقية أن يتصرّف بتلك الرّداءة؟ لقد كان مثال يوسف النجار ومريم العذراء و"ما عندناش منه في القرآن" سيّئا بقدر ما كان مثال الزومبي ناجحا.
ويبقى خطأ شاشة الهاتف السوداء حين تظاهر الشاذلي بأخذ رقم الأب منه، أسوأ الأخطاء التقنية. لكنّ هذه الأخطاء وإن أثّرت بعض الشيء على جودة العمل، فهي لم تسلب منه قوّته، ولا مساحة الإبداع فيه، ليبقى برأيي أحد أهم التعبيرات السينمائيّة التونسيّة ودليلا على أنّ رياح الحريّة قد بدأت تنحت بصماتها.

العنوان : على كفّ عفريت
السنة : 2017
المخرج: كوثر بن هنيّة
الصنف : دراما، اجتماعي، إثارة
المدّة : 100 دقيقة
البطولة : مريم الفرجاني، غانم الزّرلّي

Monday, January 9, 2017

نحبّك موش هادي

إن الهدوءَ سمة المقابر ولا يمكن للحياة أن تبزُغ وتعبّر عن نفسها من دون ضجيج. كذلك يدلّ صراخ الوليد على حياته، وكذلك تدلّ الثورة على إرادة الحياة، وكذلك كان المخرج التونسيّ محمّد بن عطيّة يحبّ لبطله الشابّ "هادي" أن يكون.
لقد كان عليّ أن أنتظر نحو سنة تقريبا حتّى يتسنّى لي مشاهدة الفيلم التونسيِّ "نحبّك هادي" وأنظر فيما يبدو أنّه أقنع لجنة تحكيم البرليناله Berlinale (مهرجان برلين السينمائي) لمنحه جائزتي أفضل ممثّل (مجد مستورة في دور هادي) وأفضل عمل أوّل لمخرج (بما أنه العمل الأول لمحمد بن عطيّة).

لقد عرف الفيلم ردود فعل متباينة جدا، ولئن كان الفتور سمَة ردود الفعل التونسيّة، فإنّ الأقلام الأجنبية عانت في تقييمها من سوء فهم لم ينج منه إلاّ قليل. إن علاقة "نحبّك هادي" بالواقع التونسيّ عميقة إلى حدّ يحتاج فيه المرء إلى اطلاع أكبر من تلك المعرفة الساذجة التي تقدّمها البطاقات البريدية والنشرات السياحيّة عن تونس. مع ذلك تبقى نظرة الآخر مهمّة إلى حدّ ما، ذلك أنّ "نحبّك هادي" كسر صورا نمطيّة كثيرة في وجه المشاهد الغربيّ عن البلاد العربية. فإذا به يفاجأ بمنظومة عادات خارج إطار التطرّف الدينيّ، وبحضور طاغ وتسلطيّ للمرأة في علاقتها بالرجال وربما أيضا بتعبيرات دينيّة ذات دلالات تحرّريّة (حفلة العيساويّة المهديّة المسمّاة الحزب).

لم يبحث الفيلمُ أن يصدم المشاهد بأيّ شكل، لقد كان هادئا في أغلب دقائقه الثماني والثمانين هدوءا مستفزّا، أو ربّما هدوءا محتقنا مثل بطله "هادي"، ذلك الشابّ التونسيّ سليل العائلة القيروانيّة رفيعة المقام، المشرف على الزواج وعلى بدء حياة نموذجية هادئة. بدا أنّ كلّ شيء يُعدُّ بشكل يحلم به كلُّ شابٍّ عربيّ تقريبا، فالدار تكاد تجهز لاستقباله، والزوجة جميلة، وسعيدة وبنت حسب وذات أخلاق. وحتى المشاكل البسيطة مثل صعوبات العمل كوكيل تجاريّ لشركة سيارات في بلد يعرف أزمة اقتصاديّة خانقة، فهناك والدة نبيهة تتكفّل بها. الحقيقة أنّ والدة هادي تكفّلت بكل شيء تقريبا، وبدا من خلال مشهد الخطوبة أنّه مستسلم لمشيئة أمّه تماما.

لكنّ العين لا تقدر على الإذعان حين يذعن كلّ شيء آخر. ولقد نقل لنا مجد مستورة بشكل بديع وصادق عنف الكبت الذي يتشكّل داخله. وبملامح جدّية تتناقض بشكل مضحك مع ما يوحي به من براءة حالمة، يحاول هادي أن ينقذ عمله بالبحث عن زبائن في مدينة المهديّة الساحليّة القريبة من القيروان، حينما يتعرّف على ريم المنشّطة السياحية بأحد النزل التي تكاد تخلو من السوّاح، ويقع في هواها قُبَيْل أيّام من زواجه. وبين خيار العودة إلى الواقع والاكتفاء بالحلم، وبين تحويل الحلم إلى مشروع واقعيّ، يحدث الصّراع الدرامي الذي ينقل بطل الفيلم بهدوء عبقريّ من حالة البداية إلى حالة الختام.

ومن الواضح أن الأخوين داردان Dardenne لم يكتفيا بإنتاج الفيلم، فالجانب الاجتماعيُّ كان طاغيا على مشاهده الصامتة والبطيئة والمعبّرة. لقد أولى محمّد بن عطيّة أهميّة لمشاهد بحث هادي عن حرفاء جدد، فعبّر عن ركود قطاعي التجارة والصناعة بصور شتّى كان أكثرها طرافة وعبقرية مشهد المصنع الخالي من كل شيء تقريبا سوى كلبين يرتعان في ربوعه. وباهتمام مشابه صوّر الأوضاع المتردّية للسياحة (ووسائلها البالية لكن ربّما عن غير قصد) ودور ذلك في إحباط الكثير من الشباب التونسيّين. ربّما ربط بين أزمة السياحة وهجرة ريم إلى أوروبا عمدا، ولكنّ ما يهمّنا من الأمر، هو أنّ كل ذلك مرّر في هدوء وبساطة في خلفيّة أحداث الفيلم الدرامية، ما يساعد المشاهدَ على التأمّل فيها بشكل حرّ وبدون تحريض خانق من المخرج. نحن لسنا أمام فيلم "تناول العديد من القضايا الهادفة"، بل أمام فيلم رومانسيّ آخر عن شخص ما أحبّ في الوقت الخطإ وحاول أن يتحدّى نفسه من أجل هذا الحبّ. ولئن كانت هذه القصّة كلاسيكيّة ومألوفة، فإنّ سياقها المتشكّل في الخلفيّة أكسبها بعدا جماليّا عميقا. فبدت بذلك مشاهد الفيلم أقرب إلى اللوحات التشكيلية التي تأخذ وقتها في مكان لا يبدو فيه الوقت عاملا حاسما.

كان مشهد المقبرة أحد هذه اللوحات، ولقد استفاد المخرج من مقبرة المهديّة الشهيرة المطلة على البحر في مشهدين، أحدهما صامت (صمت القبور)، وثانيهما كان خلفيّة لحوار هادي وريم عن الثورة. ويبدو أنّ المخرج كان مصرّا على استعمال عنصر مقبرة المهدية ذلك أنّ العارف بخريطة البلاد التونسية يدرك أنّ سوسة أقرب إلى القيروان، وأكثر رمزيّة فيما يتعلّق بالسياحة في منطقة الساحل، ولا يوجد سبب مقنع للاتجاه إلى المهديّة. إن المقبرة فضلا عن موقعها الجميل، توحي بهدوء مضاعف لإشرافها على البحر، وبسكون كاذب لأنّ الماء يجاورها. تماما مثل هذا الشابّ التونسيّ الذي يحاول أن يكون كما يرتضيه منه الكبار: عاملا مجتهدا، ومشروعا لرجل مسؤول، مهتمّ بعائلته ووضعها الاقتصاديّ والاجتماعيّ. شخصا موافقا، منفّذا، لا يعارض ولا يحتجّ مادام الكبار قد أخذوا على عاتقهم المهمّة الأكبر وهي أخذ القرار.
وحين تعرّف هادي على ريم، كسر قدسيّة الصمت، وتجرّأ على الكلام أمام المقابر عن الثورة. طبعا بنفس الأسلوب المراوغ، لم يكن هادي أو ريم من الثوريين الأفذاذ أو المناضلين القدامى، ولم تكن ريم حاضرة يوم هروب المخلوع، ولم يفعل هادي آنذاك إلا مرافقة زملائه في العمل، لكنّنا نعرف أن هادي في تلك اللحظة كان يحضّر لثورته الخاصّة، ونعرف أنّ ريم هي قلب تلك الثورة.

صنعت لعبة الهدوء والضجيج إيقاعا فنيّا وأدبيّا جميلين، ورغم أنّ الهدوء الطاغي أشعر بعض المشاهدين بالرتابة والملل، فإنّ وجوده كان ضروريّا وطبيعيا حتّى تكتسب لحظات الضجيج قيمتها. لقد عبّر بن عطيّة بالصمت عن كل ماهو مزيّف في حياة هادي، وقابله بالصوت ليعبّر عن كل ماهو حقيقيّ. ربّما لذلك مثلا كان حديثه مع خطيبته خديجة يتمّ بالرسائل النصّية القصيرة، بينما تأخذ علاقته بريم شكلا حواريّا أكبر، مع الكثير من الرقص والضحك والغناء وأصوات أخرى. كذلك كان ظهوره في جامع عقبة بن نافع (قبيل توجّه أخيه لإتمام عقد القران على الطريقة القيروانية الجميلة) صامتا، بينما قابل المخرجُ ذلك بصخب حفلة الحزب (من شعائر الزواج في المهدية حيث يتخمّر الرجال، والنساء حديثا، بالرقص على وقع أناشيد العيساويّة الصوفية). وبينما يلتقي بخديجة خطيبته في سكون الليل داخل سيارته، يمضي الوقت مع ريم على الشاطئ الصاخب بالحياة وفي المقهى الحافل بالضجيج.

ويحافظ هادي على هدوئه العصيب حتى تأتي تلك اللحظات الثلاث الحاسمة التي يحتاج فيها لأن يكسر هدوءه ويثور ويعبّر عن نفسه لا عبر الرسوم كما اعتاد أن يفعل، وإنما عبر الكلمة. يحاول أن يفتكّ مصيره من بين أيدي الكبار الذين يرسمونه له، ويجرب أن يبادر. يطلب في لجظة أولى من خديجة أن تفكر في أمر هذه العلاقة الشبيهة بالقدر، ويعد في لحظة ثانية ريم بأن يتبعها إلى آخر الدنيا وأن يترك عالمه الهادئ من أجلها، ويصرخ بألم في وجه أمّه الملتاعة ويصارحها بالحقيقة.
تمثل اللحظات الثلاث تطوّر ثورة هادي من الشكّ إلى التمرّد، وهو ما يجعل القول فيها ثقيلا ـ فنيا ـ حيث يتوجب على الكلمة فيها أن تكون بليغة ومعبّرة ودقيقة، وهو للأسف ما لم أجده فيها. لقد بدا انفعال مجد مستورة خلال هذه اللحظات متميزا وصادقا (ربما عكس النساء اللاتي كنّ قبالته في كل لحظة) لكنّه ـ اي الانفعال ـ تعرّض للتلعثم بسبب اعتماد المخرج في ما يبدو على عفويّة القول عوض أن يُعدَّ سلفا بشكل دقيق. لقد أفقد التعلثم بعضا من بلاغة المشهد، وعموما لم يكن الحوار أفضل شيء في الفيلم، ولقد ساهم أحيانا في الكشف عن سذاجة بعض الممثلين (كان آداء أمنية بن غالي في دور خديجة جيدا إلى حين لحظة الحوار مع هادي حين بدا أنها لا تستطيع إيهامنا بأنها حقا لا تملك طموحا أيّا كان). ولكن يمكن القول بأنّ الآداء العام كان ممتازا خصوصا هادي وأمّه.

قامت الفنانة صباح بوزويتة بعمل رائع في دور الأم المتسلّطة، وبذات الهدوء المستفز الذي انتظم على وقعه الفيلم، مارست للّا بيّة دورها كأمّ مسؤولة عن ابنها الراشد، وعن مستقبله واختياراته وأقداره. فكانت تتحدث عنه وتحلم عنه وتخطط عنه وكان ينصاع لها من دون بوادر خوف حقيقيّة، فهي لا تكتسب سلطتها إلا من خلال حضورها المعنويّ في "الأنا الأعلى" لابنها المطيع المتخلّق. ولئن ذهب الكثير من النقاد الأوروبيين إلى الخوض في العلاقة السلطويّة بين الرجل والمرأة في العالم العربيّ التي قلب الفيلمُ معالمها بشكل صادم، فإنّ ذلك يعود أساسا إلى تعوّدهم على الصورة المعاكسة الأزليّة التي تمطرهم بها السينما المغاربيّة عادة. لقد ساهم الحكم المسبّق في إرساء نوع من سوء الفهم تجاه رمزيّة علاقة الأم بابنها، فسلطة الأم ليست طارئة في المجتمع التونسيّ، وليست استثنائيّة، وطباع هادي المطيع والمذعن ليس طباعا خارقا للعادة التونسية.
إنّ هادي ليس فقط حلم أغلب الآباء التونسيّين من الطبقة المتوسطة، بل هو أيضا تصوّر السلطة التي يملك الكبار دوما زمامها، للشباب : الطاعة، الإذعان، الرصانة، السير وفق المنهج المخطّط له في هدوء وبدون "عربدة الضوضاء". لقد كان تعامل السلطة السياسية مع الشباب يأخذ دوما شكل علاقة للاّ بيّة بابنها : تحميله مسؤولية زائفة، مسؤولية ليس فيها حريّة أو خيار. إيهامه بالمشاركة عبر منتديات حوار وهمية، وعبر مناصب سياسيّة صوريّة، ومن خلال الكلمات المنمّقة الرنّانة، بينما لا تُؤخذ آراؤه مأخذ الجدّ ولا يفهم من تعابيره الفنّيّة المحدَثة والثائرة (يعبّر عن هذا هنا من خلال قصص هادي المصوّرة) سوى شكل من الزخرفة اللطيفة الثانويّة، معلّقة ظريفة يزدان بها جدا النجاح الحقيقيّ الذي يجب على الشابّ أن يحقّقه. وبهذا المعنى كان فيلم "نحبّك هادي" أكثر الأفلام التونسيّة تعبيرا عن الثورة، وملامسة لشظاياها المتناثرة في واقع البلاد لنحو ستّ سنين. هكذا من دون أن يخوض في التفاصيل السياسية الآنيّة، ومن دون المباشرتيّة المنفعلة، وعبر مزج إيقاعيّ بين الهادئ والصاخب، وبين الشباب والكهول، وبين مدن الداخل (القيروان) ومدن الساحل (المهدية)، وبين الشباب المقيم والشباب المهاجر(هادي وأخوه أحمد)، وبين فكرة الهروب وفكرة البقاء، تتجلّى صورة عميقة وعفويّة لتونس الحاضر.

لذلك لم أرَ في نهاية الفيلم وجها للتشاؤم، بل لعلّه التفاؤل ذلك الذي غيّر قرار هادي، ودفعه للبقاء. هادي يولي ظهره للمطار ويعود ليواجه تونس وقد بدت هذه المرة صاخبة، حيّة مزدحمة، مثل تلك الأفكار التي تعتمل في عقله. إنه يعرف أن لا نهر يعود إلى الوراء، وأن عصر سلطة الكبار قد انتهى، وحان الوقت ليندفع ويفتكّ موقعه الطبيعيّ كشخص قادر على الفعل والثورة.
وبذات التفاؤل يمكن أيضا أن نعتبر عمل محمد بن عطية الأول، بداية جديدة للسينما التونسيّة، تنزع فيها عن نفسها قشرة التكلف والنمطيّة، وتهتمّ فيها أكثر بالجانب الجماليّ والقصصيّ. إنّ على السينمائيّين التونسيين أن ينظروا إلى هذا العمل بشكل جدّيّ ويهتمّوا بنقاط قوته، وأسباب نجاحه علّ ذلك يساعدهم على شقّ طريق آخر للسينما التونسية بشكل عام.


الفيلم : نحبّك هادي
السنة : 2016
النوع : دراما
المدّة : 88 دقيقة
المخرج : محمّد بن عطيّة
التمثيل : مجد مستورة، ريم بن مسعود، صباح بوزويتة، أمنية بن غالي، حكيم بومسعودي.

Sunday, December 27, 2015

على حلّة عينيّ، أغمضتهُما!

يعتبر الفيلم الروائيّ في تونس حدثا ثقافيا وطنيا لندرة مثل هذه الأعمال، وصعوبة تحقيقها. ويزداد الحدث أهمّية حينما يكون صاحب الفيلم مخرجا معروفا، أثارت أعماله السابقة مجادلات وخصوما ومؤيدين. في حالة فيلم "على حلّة عينيّ"، نجد أنّ صاحبة العمل ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي الشهير النوري بوزيد، وهو أول أعمالها الطويلة، وهو أيضا صاحب التانيت البرونزي وجوائز أخرى في أيام قرطاج الأخيرة، بل تجاوز سياقه المحلّيّ بالمشاركة في مهرجانات عالميّة كالبندقية، وحصوله على المهر الذهبيّ في مهرجان دبيّ. طبيعيٌّ إذا أن يملأ الفيلمُ المشهد السينمائيّ التونسيّ وطبيعيّ أن يرافقه ذلك التساؤل الحرج: هل يستحقّ كل ذلك؟


من الغريب أن أجيب عن السؤال منذ البداية: أجل، أي فيلم تونسيّ يستحقّ كلّ ضجة ممكنة، لا بسبب قيمته لذاته، ولكن بسبب قيمة أن يكون هناك عمل سينمائيّ في بلاد تكاد تخلو من قاعات السينما. وبقدر أهمّية أن يكون هناك أعمال سينمائيّة، من المهم أيضا التفاعل معها، بالسلب أو بالإيجاب. وهو الدافع الأساسيّ من وراء المقال. فالحقيقة أنّ الفيلم لم يثر في نفسي أيّ شيء تقريبا، ولولا أنه فيلم تونسيّ لما كتبت عنه.


أهو سيّء إلى هذا الحدّ؟ مطلقا. هو عمل على قدر لابأس به من الصنعة على مختلف المستويات. فلا تلمس خللا في الصورة، ولا في التصوير. وهو من الأفلام التونسية القليلة التي تشعرك بالعمل المضني على مستوى التركيب. ولأن الفيلم يتابع تجربة فرقة موسيقيّة، فقد كان العمل الصوتيّ من أجود ما أنتجته السينما التونسية، وقد يكون ذلك أيضا عائدا إلى تطوّر التقنيات المستعملة في الآونة الأخيرة. كما كان هناك عمل كبير على مستوى الموسيقى أشرف عليه الفنان خيام اللاميّ. أما السيناريو فهو كثيرا ما مثّل نقطة الضعف الأولى في الأعمال التونسية. لكنّه إحقاقا للحقّ، بدا في "على حلة عينيّ" واضحا متماسكا. ولو أن هناك ما يعاب على الفيلم على مستوى الإتقان والحرفيّة، فربّما بعض الهنّات في آداء الممثلين أحيانا، وفي الحوار الذي اعتمد كثيرا على الارتجال انطلاقا من نصّ أساسيّ. يجب التنويه بأنّ الفيلم يعتمد على وجوه كثيرة جديدة، لذلك فأنا أعتقد أن حضورها الأول كان إيجابيا. سأخصّ بالذكر بيّة المظفر بطلة الفيلم، فقد أثارت الدهشة والإعجاب وعبّرت عن شخصية فرح بتلقائيّة رائعة. ورغم الظهور الخجول لغالية بن عليّ (الأم) في بداية الفيلم حين استقبلت ابنتها، إلا أنها تداركت ذلك شيئا فشيئا وأقنعت في مشاهد عديدة، وكذلك الشأن بالنسبة لمنتصر عياري (برهان قائد الفرقة) وأيمن العمراني (علي). هو عمل على قدر لا بأس به من الحرفيّة، ويشي بعمل جبّار قامت به المخرجة لإنجاح فيلما الأول. لكن من قال إن الخلق الفنّيّ هو صنعة فحسب؟


تقدّم لنا ليلى بوزيد حكاية فتاة تونسية على مشارف الدخول إلى الجامعة، وكيف تحاول أن تبدأ مشوارا غنائيّا مع فرقة من الشباب الهاوي. وتدور أحداث الفيلم في صائفة 2010 والبلاد على بعد أشهر معدودات من الثورة. وعبر هذه القصة، لا يبدو أن ليلى بوزيد تناور كثيرا، فالوضوح سمة المشاهد، والأحداث، والشخصيات. لا شيء يحتمل تأويلات مربكة أو يجعل المشاهد في حيرة من مرام المخرجة. فالفرقة الموسيقيّة أنموذج لعموم الشباب التونسيّ المليء بالطاقة والإبداعات، وما حدث لهم من قمع وترهيب، هو ما يحدث لكلّ شاب تونسيّ يحاول أن يخلق شيئا جديدا، أو "يوقظ شعبه يريد صلاحه" كما قال أبو القاسم الشابي. كما أن إدانة جهاز البوليس كأداة أساسية للنظام القمعيّ لبن عليّ، مثلّت محورا أساسيّا في الفيلم، هذا عدا الكثير من الإشارات الأخرى مثل مسألة الحوض المنجميّ، والرشوة، والحرية الجنسية. نحن أمام فيلم إذا محكم الصنعة، مشبع بالقضايا "الجادّة". وهو كلّ ما يريده ويدعو إليه عموم المتكلمين في الشأن السينمائيّ والفنيّ عموما. للأسف، لا أستطيع أن ألغيَ عن الفنّ قيمته الجمالية والإبداعية وأختزله في كتلة من القضايا. لا أستطيع أن ألغي الفرق بين مشاهدة الأفلام ومشاهدة الأخبار.



أكتب هذا المقال وأنا أستمع ـ فيما أستمع ـ إلى أغنية الفيلم الرئيسية "على حلّة عيني". وهي أغنية تراوح بين اللطف والشراسة، وتشهد بعبقرية الموسيقيّ خيام اللاّمي وموهبة كاتب الكلمات غسان عمامي. للأسف لم تبد كل الأغاني التي قدّمتها الفرقة الموسيقيّة بذلك الجمال، وأحيانا شارفت على الابتذال، هذا عدا التوزيع الموسيقيّ الذي يجعلها أحيانا "تدور، تدور، تدور، تدوووور"! ولكنّني لستُ خبيرا في الموسيقى، ولا أملك حقّ إبداء رأيي في آداء بيّة المظفّر (بطلة الفيلم) الغنائيّ. أنا فقط لا أعتقد أنّ ما قُدّم خلال الفيلم يمكن أن يعبّر بدقة عن الأثر الذي تركته في النفوس آنذاك بعض أغاني بنديرمان، وفريد وغيرهما. كما لم يبدُ على أعضاء الفرقة في حياتهم اليوميّة أي تفصيل يوحي باهتمامهم بما يحدث في البلاد. هناك قصص الحبّ، وهناك البحث عن العروض، وهناك البحث عن مكان يصلح للتدريب، وهناك مشكلة إقناع الأهل بقيمة العمل الفنيّ، وهناك الجدل حول الصدام مع النظام، لكن لم يكن هناك أبدا أيّ تصوّر للنظام. لقد حمل عنوان الفيلم نفسه هذا التناقض دون أن يدري، فهو يفترض أن "فرح" كانت مغمضة العينين قبل أن يحدث لها ما حدث، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مدى وعيها بالكلمات التي تترنّم بها (أجل أعرف أنها ليست كلماتها، وهذا لا ينفي تبنيها إياها). لقد حاولت ليلى بوزيد خلال الفيلم التأمّل في صائفة 2010 وهي صائفة شبابية بامتياز شهدت خلالها العاصمة تحركا شبابيا شهيرا عرف بإسم "نهار على عمّار" (22 أيّار)، لكن يبدو أن أعضاء الفرقة الذين ينقدون القمع لم يسمعوا بهذا النهار بعد. لقد بدا كأن المواضيع التي ينبغي أن تناقشها الفرقة، قد عوّضت جميعها بقصة حبّ تحيلنا إلى "قضيّة" أخرى.


اِشتهر النوري بوزيد بمواقفه الداعية إلى الحرية الجنسية، أو المندّدة بالقمع الجنسيّ والكبت الجنسي، وقد كان ذلك سببا في الجدل الكبير الذي يطرأ كلما أخرج فيلم. ويبدو أن ليلى بوزيد ساعية أن تقتفيَ أثر أبيها في هذا الجانب. ففكرة الفيلم أساسا تتعلق بالمشهد القمعي الطاغي على البلاد قبالة الثورة، وهو مشهد بطله الأساسيّ نظام بن عليّ، وضحيته الأساسية هي الشباب. ويأخذ القمع خلال الفيلم أشكالا أخرى غير مباشرة، كقمع الوالدين (إجباره على توجّه بعينه في الجامعة مثلا)، والقمع الطبقي (طرد الخادمة وإن كانت الرمزية عفويّة برأيي) والقمع الاجتماعيّ(عمال المناجم، النظرة الدونية للشباب الخ). على أنّ القمع الجنسيّ يبدو طاغيا في الفيلم، إلى حدّ الابتذال. إن الجنس هنا في كل مكان، وإنّ كل علاقة مختلطة هنا، تفوح منها رائحة الشهوة، فهناك علاقة البطلة وقائد الفرقة، وهناك ما حدث مع مدير أعمال الفرقة (عليّ) وهناك ما حدث مع مراقصها في الملهى، وهناك علاقة أمها بحبيب الماضي، وهناك طرق القمع الوحشية التي ينتهجها النظام، وهناك مشاهد كثيرة أخرى، لا تكاد تضيف شيئا للسيناريو، سوى أنها تثري هذا المشهد الإباحي الضخم الذي يطغى بحضوره حتّى وهو ليس المعنيّ الأساسيّ بالعمل. إنّ ما جعلني ألفت النظر إلى هذه المسألة، هو علاقة أم البطلة (غالية بن عليّ) بحبيبها السابق (يونس الفارحي). فوجود الرجل في القصة، لا تأثير له على الإطلاق، يمدّها بمعلومتين، كان يمكن أن يقوم بهما أي شخصين آخرين دون أن يغيّر ذلك من مجرى الأحداث. لكنّ ليلى بوزيد تخلق قصة كاملة من وراء ذلك، تنتهي بإقدام المرأة على إباحة نفسها من أجل ابنتها. ماذا يفترض من المشاهد أن يفهم من مشهد لا أهمية له كهذا؟ وهل من حقّنا أن نتساءل إن كانت رائحة الكبت الطاغية على الفيلم، منبعثة من المجتمع التونسيّ، بقدر ما هي منبعثة من صاحب العمل نفسه؟


إن تساؤلي ليس اتهاما، ولا أجد من المعيب أن يعانيَ المرءُ من الكبت، لكنّ العمل الفنّي يسمح باختلاجات لاواعية يجب الاستماع إليها والتأمل فيها لأنها جزء من الصورة الفنية، ولأنها أهم عناصر البناء الجماليّ. وقد يكون عدم استساغتي للعمل على صنعته، هو هذا العجز الذي لمسته من الفيلم، على خلق مشهد أكثر جمالا. أعترف أنها مسألة ذوقية بالأساس. لكن لنكن متّفقين على الجانب الواعي من العمل على الأقل. فالفيلم شأنه شأن كل عمل فنّي ذي خصائص أدبية، هو نوع من الخطاب. ولكلّ خطاب جمهور مخاطَب. ولا أعتقد أن ليلى بوزيد تجهل هذا الجمهور الذي تخاطبُه بفيلمها، ولا أعتقد أنها تجهل خصائصه الثقافية والحضارية. لذلك فقد قدّمت له صورة لطيفة عن الفنانين الشباب، والفرق الشبابية، يمكن أن يأنس إليها ويطمئن إلى أبنائه حين ينضمّون إليها. أتساءل كم شابّة سيمنعها أبواها من الغناء بعد مشاهدة العالم الذي تعيش فيه فرح؟


لأنّنا لا يمكن أن نخرج الفيلم عن سياقه، فهو فيلم جيد جدّا، ويمكن أن نهنّئ عليه أصحابه الذين يخوض أغلبهم تجربته السينمائية الأولى. ولكن لأننا نعتبر أنه من الضروريّ التطلع إلى ما نحتاج إليه، فالفيلم محبط، تذكرنا قصته بفيلم "ميكروفون" لخالد أبوالنجا، وتعيدنا أفكاره إلى ما نسمعه يوميا في وسائل الإعلام، ومشاهده أقرب إلى الوجبات السريعة التي تصلح للاستهلاك التلفزيّ لا للعمل السينمائيّ.


Saturday, December 21, 2013

الفيلم اللقيط

هناك قاعدة في عالم السينما تقول : حينما تنتظر شريطا ما لمدة طويلة، فاعلم أن الشريط سيخذلك حتما.
طبعا القاعدة من اختراعي، و لكن أعتقد أنها تعمل بشكل جيد، خصوصا مع السينما الامريكية، و التونسية. ربما لذلك كنت أعرف جيدا ما سينتظرني حينما وقفتُ امام باب دخول قاعة الـ RIO لمتابعة الفيلم التونسي Bastardo .. 

نجيب بلقاضي أثبت في السابق أنه ـ سينمائيا ـ شخص مختلف تماما، VHS كحلوشة، عمله السينمائي الأول، يعتبر بالفعل تعبيرة سينمائية نادرة الحدوث في تونس. حينما تجمع شيئا من المال لاستثماره لأول مرة في هذا العالم ـ المخاطرة، فأكثر ما تفكر فيه هو أن لا يذهب المال سدى، ستفكر في كثير من الصور التي اعتاد التونسيون على الاستمتاع بها، ستفكر في الكثير من "القضايا" التي يدمن التونسيون اجترارها، ستفكر في الكثير من الجنس المجانيّ، لأن الاخوة الفرنسيين سيدفعون المال لذلك البغاء الثقافيّ.. لكنّ نجيب بلقاضي لا يهتمّ بكل ذلك، و هو حتما ما أثبته في Bastardo ..

الصورة، العنوان، حديث بعض الأصدقاء المقتضب، و اسم المخرج، هو كل ما كنت أملكه من معلومات قبل أن ألج إلى القاعة المظلمة. الصورة الوحيدة التي يمكن أن أركّبها من هذا الخليط، تتمحور أساسا حول فكرة اللقيط، و ما قد يعانيه في احتقار و تهميش في المجتمع، و ما يجرّه عليه غياب اسم الأب في بطاقة الهوية من ظلم و تعسف.. ربما يعالج المخرج "القضية" بشيء من الكوميديا مثلا، على غرار شريط "Cinecitta" لو تذكرونه، لكن الفكرة مفهومة و واضحة.. كم كنتُ مخطئا!

في الواقع، بدت فكرة اللقيط أشبه بخيط اجتذاب لا أكثر، احيانا تجاه الفكرة الرئيسية، و احيانا بعيدا عنها.. فكرة رئيسية؟ سيبدو مشطّا الحديث عن "فكرة رئيسية" كما لو أن ذلك كان همّه الاول. كما قلت رؤية نجيب بلقاضي أعقد من هذا التمشي السطحي. هنا، يرسم المخرج عالما متكاملا، بعلاقات متشابكة و مكثفة، و يترك لها صنع الفكرة التي تتشكل رويدا، و بصورة طبيعية طوال مشاهد الفيلم. العنوان اذا قد يكون مراوغة خبيثة من المخرج، دعوة للتركيز على مسألة هامشية، حتى تتكون الصورة التي ارادها هو، امامك دونك أن توليها اهتماما.. أرى بعضكم يتململ في مجلسه و يتساءل همسا : ماذا يقول؟ أليس مالأجدى أن يحدّثنا عن قصة الفيلم حتى نفهم عمّ يتحدث؟ لا لن أفعل، لأنني أحب أن تشاهدوا الفيلم و تستمتعوا بتشكل صوره أمام أعينكم، و لكن سأذكر بسطة عنه حتى تتبيّنوا حديثي..

يروي الفيلم اذا، قصة محسن، Bastardo (عبد المنعم شويات) في حيّ عشوائيّ على هامش العاصمة ـ كما يبدو. و عشوائيته لا تتمثل في طرق البناء الفوضوية فحسب، و انما في كيفية سير الأمور هناك. يطرد محسن من عمله بسبب حبيبته الجميلة التي تجاهلته تماما و صنعت بصمته نجاحا لم يذق منه غير الاحذية.. و في الوقت الذي كان يفكر في حل لمعضلته، تأتيه عبر صديقه السائق (توفيق البحري) فكرة مشروع يجني ارباحا كبيرة من دون أي شقاء. الفكرة لم تلق نرحيبا كبيرا من زعيم الحيّ الارنوبة (الشاذلي العرفاوي) و أمه. يستمر الصراع بين الرجلين الى نهاية الفيلم. و دون الخوض في التفاصيل، فقد شكل هذا الصراع تلك الصورة التي تمثل ربما فكرة الفيلم الرئيسية. أعتقد أن مقاربة بلقاضي كانت عبقرية جدا، و تستحق تنويها خاصا، كعمل سينمائي تونسيّ يتجاوز الرداءة السينمائية التي اعتدناها من سينمائيي الأمس .. لكن السؤال، هل أحسن الرجل استغلال أدواته السينمائية لحبكة هذه الصورة؟

في الواقع أبرز الأدوات التي يجب الحديث عنها هنا، هي الموسيقى. في فيلم VHS كحلوشة، يبدو طبيعيا غياب الموسيقى في عمل وثائقيّ تقريبا. أما هنا، فغياب الموسيقى ـ تقريبا ـ يطرح سؤالا رئيسيا : لماذا؟! بحق الله لماذا؟!
حسن، غياب الخلفية الموسيقيّة في المشاهد، أو في المقاطع الانتقالية، عادة تونسية أصيلة، ربما بسبب تبعيّة التونسيين للمدرسة الفرنسية.. السينما الفرنسية تجاوزت هذه المسألة، و ستجد هذا الشكل في أشرطة بعينها، أما في تونس، فقد ظل التقليد أعمى. (سأستثني بابا عزيز لأنه أصلا يقوم على الموسيقى). غياب الموسيقى يوحي بجوّ من الجدية، و نمط شديد الالتصاق بالواقع. شيء أشبه بالأشرطة الوثائقية. و هو احدى أهم ركائز مدرسة Dogme95 الشهيرة. لا موسيقى، لنترك السينما طبيعية. لكنّ المشكلة هنا، أن لا شيء طبيعيّ في فيلم بلقاضي.
يمارس بلقاضي في كثير من المشاهد كثيرا من فنون الكوميديا : المبالغة، الكاريكاتور، الخيال، الصدمة.. هذه أمور برأيي تصطدم تماما مع غياب الموسيقى الذي يعطيها طابعا جديا غير محبب. سأذكر مثلا مشهد الأم حينما أطلقت كلابها على محلّ ممتلئ بالعباد، و أغلقت الباب. و أيضا صورة "لاعق الأحذية" (و قد أدى دوره ببراعة فائقة) و هو يتلقى لكمات أرنوبة و عضات كلابه الشرسة.. صور كثيرة تجانب المعقول بمراحل، كان يمكن هضمها بكثير من الـ yeah و الـ "بليييدة!" لو رافقتها بعض الموسيقى. لكنّك تبتسم في اعجاب بينما تشعر بشيء من الضيق في داخلك.

----- SPOILER

هذه الجدية قد تؤثر أيضا على موقفك من السيناريو. أشياء كثيرة غير معقولة في السيناريو، و كان يمكن أن تتجاوزها من قبيل : لا بأس انه مجرد عبث من المخرج.. لكن الجو الجاد يجعلك تفكر، ان كان بلقاضي مجبرا على ذلك لأنه لا يملك حلولا أفضل. مثلا فكرة عمود الاتصال هذا، كان يمكن أن يطيح به ارنوبة ثم يطلب من شركة الاتصال أن تضعه عنده، لنقل إن أفضل مكان ممكن هو سطح دار محسن، فالسلطة التي كانت لأرنوبة تمكنه من أن يبتاع منه المنزل بالقوة، أو على الاقل، يطيح بالعمود و ينتهي الفيلم من قبل أن يبدأ. سنقول أيضا إن أرنوبة بحكم الصداقة القديمة و ما شابه، كان عاجزا، كان يريد لصديقه شيئا من الربح. هذا ممكن، لكن ماذا عن ذلك المشهد المضحك : الناس ثارت على محسن، فصعد إلى السطح و بضغطة زرّ قطع الاتصال بالشبكة على الحي كله. هكذا؟ ألم يجد المخرج حلاّ أقل كوميديا من هذا الحل؟ لستُ ضد الفكرة، و لكنه كساها بطابع جديّ يستحيل تقبله. ما يجعلني أفكر أن كاتب السيناريو كان محدود الخيال بالفعل، و أنه لم يجد فكرة أفضل. طبعا ما يهمنا هو رمزية ذلك، أنا لم أستعمل القوة معكم. أنا صعدت إلى السماء و قطعت عليكم النعمة (يذكرني هذا بقصة سيدنا موسى مع بني اسرائيل، هل تراه استوحى الفكرة منها؟). لكن هذه الرمزية يمكن استخراجها بطريقة أكثر معقولية. لو شئت أن تبني موقفا كاريكاتوريا، فاستعمل الادوات المناسبة لذلك!

السيناريو لم يكن ضعيفا في هذه المسألة فحسب، هناك أيضا تطور الشخصيات، و أعني خصوصا الشخصية الرئيسية. الشخصية الرئيسية تغيرت و لم تعد كما كانت، تسمع ذلك تقريبا في أغلب فترات الشريط، و لكنّك لا ترى تغييرا. فقط أمران قد يشيان بذلك : تدهور صحته، لأسباب مجهولة على ما أظن. و مشهد اغتصابه لعاشقته "بنت السنقرة". هنا يجب أن أشير إلى مشهد الاغتصاب (و لعلني نسيت تفصيلا مهما) فبنت السنقرة تحب محسن، و مع ذلك، تمضي لياليها مع الارنوبة لتحصل على المال. حينما يريدها محسن، ترفض. لماذا ترفض؟ سنقول إنها تريد الابقاء على صورة الحب الجميلة، أنقى ما تملك تقريبا. لماذا عرضت عليه نفسها منذ البداية اذا؟
بنت السنقرة من أجمل الشخصيات و أكثرها ابتكارا في الفيلم. يمكن ايجاد دلالات كثيرة لعلاقتها الأبدية بالحشرات، يمكن تقديم قراءات كثيرة مختلفة بشأن ذلك، لكننا سنجمع أن الصورة فريدة و على قدر من الجمال. و حتى تطور الشخصية لم يبدُ بهذا السوء أبدا. هناك الفتاة الحالمة بقصة حب تنتشلها من واقعها الكئيب، واقع الفتاة المنبوذة، "القذرة". ثم رضاها بما هي عليه، معاشرتها لأرنوبة بمقابل، كاكتمال لصورة "القذرة" التي يراها الناس عليها، ثم اتخاذها لموقف ايجابيّ (تجاه نفسها خصوصا) حينما اختارت قتل الأرنوبة...
أما الأرنوبة، فلا أعتقد أنها شخصية فريدة، و لكن بلقاضي أحسن التعامل معها. الزعيم الذي فشل أن يكون زعيما، لأنه "أرنوبة".. أرنوبة هو فكرة أن "الزعيم" يولد "زعيما"، و ان القاتل يولد قاتلا. حاولت الأم كثيرا تغيير طباع ابنها، حاول هو نفسه أن يتغير، لكن جيناته كانت أقوى من أن يتغيّر. أرنوبة هو المقابل التام لمحسن. هو يبحث عن السلطة فتهرب منه، بينما يتهرب محسن من السلطة فتأتيه راجية. هو يمارس السلطة بكل أنواع البطش، بينما محسن يمارس السلطة بدون أن يحتاج إلى العنف. لأن السلطة لا تتمثل في القوة الطبيعية (physical) بل في كونها سلطة في حدّ ذاتها.. هل كان اختيار بنت السنقرة لمحسن، اختيار الانثى، للاقوى طبيعيا؟ ربما لم يقصد بلقاضي هذه الصورة، لكنني أراها صورة معبرة جدا لقانون الطبيعة.
أرنوبة شخصية لم تتطور، بل اتضحت. منذ البداية كان مترددا، كان حنونا، كان أرنبا يحاول أن يأخذ شكل الأسد. لكن المخرج لم يبيّن ذلك منذ البداية لا غير. بالمثل كانت أمّه أيضا، التي رغم الصورة الجميلة التي كانت عليها، لم تبد إلا تكملة لشخصية أرنوبة.
تبقى شخصية سائق سيارة الاجرة، مساعد البطل كتصنيف كلاسيكيّ، لم أجد له في الواقع قراءة مناسبة. ربما لا توجد في النهاية. سأنتظر تعليقاتكم (لو وجدت) بشأنه. لكن لنتفق أن توفيق البحري، كان من أفضل الممثلين آداء هنا.

آداء الممثلين عموما تراوح بين الجيد جدا و الرديء. سأصم بالرديء، صاحب دور الأم خصوصا، و زوجها الذي ظهر في مشهد وحيد في البداية. و سأعتبر آداء عبد المنعم عاديا جدا. ربما لأن الدور لم يكن يتطلب أكثر من ذلك. في النهاية شخصية محسن كانت مفعولا بها أكثر مما كانت فاعلة. أيضا لم تبد لي بنت السنقرة أنها قامت بعمل مذهل. اما لاعق الاحذية، فالأغلب أن هيئته ساعدته كثيرا على التميز. عدا أن عباراته لم تكن بتلك الاهمية، فكان له هامش من الحرية في انتقاء بعضها، و هنا ـ اعتقد جازما ـ ما جعل آداءه طبيعيا جدا. عكس البقية. سبب الرداءة الأساسي اذا، هو الحوار. لقد كان نقطة ضعف رئيسية في الفيلم!
سأظل أذكر طويلا تلك الصورة الممتعة للحرب "الاهلية" الدائرة بين انصار محسن، و أعدائه في الحي، و مشهد النيران، و الكر و الفر.. كان مشهدا جميلا سرعان ما أغرقه في البشاعة صراخ أحد الانصار : ربحنا يا سي محسن! ربحنا!
ما هذه الرداءة؟!
أغلب عبارات الأمّ، مضحكة تقريبا عوض أن تكون مخيفة. و أعتقد أن الوحيد الذي أنقذ نفسه من هذه العبارات المتخشبة المهترئة، كان خليفة سائق التاكسي. كان أكثرهم طبيعية. و أعتقد هنا، أن خبرته لعبت دورها.

أعتقد أن الفيلم مبشر بثقافة سينمائية جديدة في تونس. ثقافة لا تستهين بالمشاهد، و لا تقدم له فنا ضحلا. سأذكر طويلا صورة عمود الاتصال و كيف طافت حوله القمرة (الكاميرا و اعتادوا على هذا المصطلح رجاء >_< ) في مشهد جميل ذكرني بمشهد القالب الأسود المهيب في فيلم أوديسا الفضاء. (لا تعرفونه؟ تداركوا أمركم اذا!)
السلطة عبر وسائل الاتصال، هذا ليس اختيارا بريئا طبعا. ان من يتحكم في وسائل الاتصال، هو من يقدر أن يفرض سلطته في هذا العالم. وداعا للطرق البدائية و العنف الأبله. الكلاب (و خمّنوا من هم الكلاب هنا) سيقفون عاجزين أمام سطوة الهاتف النقال. لكن السلطة أيضا لا تقف أمام منزل أي شخص يبحث عنها. للسلطة ذوق غريب في اختيار مالكها. في الواقع، يولد أشخاص سلطويون بطبعهم، قد تتهيأ لهم الظروف لممارستها و قد لا تفعل. الشخص إما سلطويّ و إما فلا. و الناس إما مطاعة، و إما مطيعة. فجأة تحول الجميع إلى عبيد للهاتف.. فجأة تحولوا إلى عبيد للزعيم الجديد. هل يحبون عبوديتهم؟ لا يبدو ذلك، و الا لما رفضوا تسديد اتاواتهم لمحسن في البداية. لكنهم على استعداد لها دائما. هل هذه صورة للواقع التونسي كما يراه نجيب بلقاضي؟ ربما، و لكنني لا أملك ما يكفي من الأدلة لاسقاط ذلك. حتى المشهد الأخير، بدا على صنعته، مبتذلا، مسقطا و مفتعلا الى حد كبير. و لكن بعيدا عن تحجبها، فشخصية مرجانة التي تتميز بثنائية الحضور و الغياب، تقدم أيضا صورا كثيرة و متنوعة. فبداية، هناك صورة الحبّ العصيّ على السلطة. يمكنك أن تملك السلطة التي تشاء و لكن الحب يتجاوز السلطة. حسن تبدو القراءة متعسفة، و لكن علاقة محسن و الارنوبة ببنت السنقرة تدعم هذه الفكرة. لا توجد علاقة حبّ سليمة هنا، في هذا الجوّ المتخم بالصراع على السلطة. لكن أيضا، مرجانة تقدم أيضا صورة ذلك الشيء الجميل الذي بحث عنه محسن فلم يجده، و وجد السلطة مكان ذلك. ما الذي أراده نجيب بلقاضي من هذه العلاقة؟ تحفيز محسن على قبول السلطة؟ تحفيز محسن على شق سيره نحو الزعامة و المال؟ ربما و لكن تبدو شخصية مرجانة موحية بأكثر من ذلك.. 

----------------- END OF SPOILER

الفيلم نفسه يبدو موحيا بأكثر مما ستشاهده، لذلك هو يستحق المشاهدة و التنويه أيضا. أعتقد أن هناك نقائص جوهرية على مستوى الشكل (الحوار و الموسيقى خصوصا)، و لكنني أعتبره فيلم ناجحا. أريد للجميع أن يشاهد باستاردو. لا لتشجيع اصحابه فحسب، و انما لأنه يشق الطريق الصحيح للسينما التي يجب أن ينتجها سينمائيونا. لأنه سيعاود تحديد مفهومنا للعمل الفني الناجح عموما و السينما خصوصا. باستاردو فيلم لقيط، لأنه ـ ربما ـ لا أب له، لا سابق لمثله في السينما التونسية. و هذا لا يعني قط أنه فيلم وضيع، بل ربما العكس تماما!

21 كانون 2013

Wednesday, October 10, 2012

شاهدتُ : مملكة النمل

مملكة النمل، حلم المخرج التونسي شوقي الماجري أخيرا في القاعات. معاناة طويلة عرفها الرجل، كي يتمكن من تصوير الفيلم، ليس أيسرها جمع المال الكافي للانتاج.

مملكة النمل، قيل عنه الكثير، و سبق اسمه كتابته، و سبق الحديث عنه، حديثه. و بات الانتظار مشوبا بشيء من الخوف من الاحباط. الاحباط ديدن الاعمال التي تنتظر منها الكثير.
خصوصا أن شوقي الماجري انطلاقا من أعماله الدرامية ( التي شاهدتها على الاقل) جدّ مؤهل لذلك (يمكن أن نذكر "هدوء نسبي" كمثال قويّ لذلك.)
لكن، مع كل ذلك، قتل الفضول القطة كما يقولون، لم أجرؤ أن أضنّ على نفسي بعمل انتظرته منذ سنوات في الواقع..

الانطباع؟
الفيلم بدا لي أشبه بومضة اشهارية عن المعاناة الفلسطينية. ومضة طويلة جدا، لكنها ومضة : اتقان في الشكل، التزام بالفكرة الواحدة، و وضوح في الرسالة. شيء أشبه بومضات : الارهاب لا دين له. لكن تجمع بينها علاقات عضوية : الشخصيات مثلا. كل ومضة تصوّر موقفا ما : مشهد العرس في المغارة. مشهد العريس في الشارع، مشهد الأطفال في المدرسة، مشهد الدفن، مشهد السجن. كلها مشاهد مستقلة بذاتها، يمكن أن تقدم بمفردها رسالة بليغة و واضحة.
ما يُلزم الومضة، ان الدراما تغيب في الشخصيات، لا تتطور الشخصية، و لا تتغير، هي صورة ثابتة، تقدم فكرة واضحة، ترمز إلى صورة ما. و هو ما يتجلى تماما في الفيلم. الجد بدأ منقبا بين الرفات، و انتهى كذلك. و الجد بدأت عبوسا تحمل مأساة فلسطين البكر، و ظلت كذلك، الزوجان بدآ بالحلم، و انتهيا به، الجندي الاسرائيلي، بدأ جنديا كل همه أن يجعل الحياة مستحيلا و انتهى كذلك. ربما صبا مبارك هي الشخصية الوحيدة التي شذت عن القاعدة و لو قليلا. و هو ما جعلها شخصية أكثر حيوية و أكثر عمقا (بقليل)..

أسلوب الومضة هذا، أضر بنظري بالعمل كثيرا. بدا، أبعد عن الدراما السينمائية، و بسّط كثيرا من الشخصيات فيها : الفلسطينيون ملائكة على وجه الأرض. بسطاء، احلامهم جميلة و بسيطة، ثقافتهم الفن و الحياة. الاسرائيليون : الاشرار، يقتلون بدم بارد، ثقافتهم الموت و الدمار. قد يعجب الأمر المشاهد العربي المتحمس، لكنّه حتما سينفّر المشاهدَ الاوروبي الفضوليّ. فنّيا هو أمر سيء جدا.

كما ذكرت، الشكل كان متقنا، لولا بعض الهنات الفنية البسيطة (المشاعل عند مدخل المغارة يمكن ان ترى على بعد أميال، اصابة الطفل في قلبه تلقي به في الحال، الجنود حينما اكتشفوا مدخلا للمغارة، لم يفكروا باقتحامها.. الخ) و تصوير مشاهد حرب الشوارع، هي عادة ماجريّة محببة، برع الرجل فيها و خبِر. لكنّ أكبر العيوب شكلا كانت الموسيقى، كانت فشلا تاما برأيي، لم تقدم للفيلم شيئا، و كان من الممكن اعتماد موسيقى فلسطينية بطريقة أكثر حرفية و مهارة وسط الفيلم.

صبا مبارك، كانت من أجمل ما ظهر في الفيلم تقريبا، و قد حاول المخرج تقديمها في صورة شاعرية تخرج عن الواقع المحيط بها، فهي جميلة في كامل زينتها دوما، متأنقة في أحلك المواقف، إلى حدود تثير الغيظ أحيانا (حينما فجرت دلال نفسها) و أشياء أخرى..

فكرة الفيلم نفسها ليست سيئة أبدا، صورة الفلسطينيّ الذي بين امواته و تاريخه تحت الارض، لايزال يناضل من أجل أن يعيش، لا يزال يمارس "الحياة" و يحتفل بها، كعنوان أعظم للجهاد و المقاومة. فكرة تحاول كل "الومضات المتفرقة" تقديمها، لكن كما ذكرت، كل ومضة كانت "كافية" جدا. بدا الفيلم و كأن الماجري، يملك فقط هذه الفكرة، و يحاول جاهدا أن يملأ منها فيلما كاملا..
بعض الومضات كانت كلاسيكية جدا (في القدس، في المدرسة)، بعضها رغم كونه كلاسيكيا، كان مؤثرا إلى حد كبير (زفة العريس في الشارع)، بعضها كان بالفعل مبتكرا و رائعا و هنا أشير خصوصا إلى قصة التفاحة، التي كانت من اجل مشاهد الفيلم. و مواطن الجمال هنا ثلاثة : المغارة (و قيل إنها في تونس)، فلسطين (عاداتها الجميلة و فن الحياة فيها)، و صبا مبارك!

عموما، فالفيلم برأيي مخيّب، ليس فيه جديد تقريبا، لكنّه خير مذكّر لمن ينسى، و هو بروباغندا لا بأس بها، فلا تبخلو على أنفسكم بمشاهدته، و لا تبخلوا على العالم بمعرفة الحقيقة..
 
 

Translate