Friday, August 21, 2020

وفاءً يا خليلتي!


أتأمّل أصابع يديَّ الغليظة بحيرةٍ أخالُها تميّزني. أتساءل ماذا تراني أكونُ بأصابع أكثر رقّةً أو أقلَّ؟ لو اختلفَ ذلك الجينومُ العشوائيُّ المسؤولُ عن شكلِ بناني بقدرٍ تافهٍ، أكنتُ سأحتمل عصا المعلّم وأتجاوزُ فيما بعدُ مهوّنا ومنسّبا؟ أكنتُ سأبقى فاشلا في معاملةِ الفرشاةِ والألوانِ، أم أصبح مرهف الحسِّ انطوائيّا كأولئك الرّسامين العظام؟ كأنّ أصابعَك تكتبُ حياتَك قبل أن تعلِّمها الكتابة. وكأنّها من قبل أن تكونَ لك، أذعنت وفيّةً لذلك الكائنِ السّرمديّ الّذي تجلّى حضورُه وتعذّرت ملامِحُه ونسمّيه من جملة ما نسمّيه، قومًا. إنّها لحقيقةٌ مثيرةٌ تلك الجدليّة الواقعةُ بين الذاتِ المفردة والذات الجماعيّة، وإنّها في إثارتِها تستنهضُ خيالات الفنّانين وحواسَّهم، فيعبّروا عن هذه عبر تلكَ وعن تلك عبر هذه، فلا تلتئم تعبيراتهم إلا في قالب ملاحمٍ تاريخيّةٍ فارقةٍ سواء في الأدبِ أم في السينما. وليس فلمُنا، وداعا يا خليلتي Farewell My Concubine، إلاّ إحداها.

لا أعرف متى بدأ استعمالُ هذه العادةِ-التقنيةِ، وأعترفُ أنّني في بحثي لم أجد أيّ تأصيلٍ لها. لكنّها تتكرّر في الفنونِ الروائيّةِ بشكلٍ عامٍّ. ربّما منذ روايةِ الأمّ لمكسيم غوركي Макси́м Го́рький أو حتّى قبلها. وفيها يُختصرُ الوطنُ/القومُ في بطلٍ واحدٍ، وتأخذُ الأحداث التّاريخيّةُ الكبرى للوطنِ نفسًا شخصيّا فتصبح أحداثا فارقة في حياةِ بطلِ القصّةِ. وفي أغلب هذه القصصِ، يحضرُ كلاهما بتزامنٍ محبوكٍ، فكلُّ حدثٍ على مستوى الوطنِ يقابلُه حدثٌ مهمٌّ في حياةِ الشخصية البطلةِ. أتحدّث هنا عن أعمالٍ سينمائيّةٍ مثلَ دكتور جيفاغو Dr Zhivago أهمّ أدوارِ عمر الشّريف في مسيرته، أو طبل الصّفيح Die Blechtrommel أو الفلمِ الأكثر شهرةً من هذا النّوع، فورست ڤامپ Forrest Gump.
 
 
في كلِّ هذه الأعمال نتابع قصّة شيّقة عن شخصيّة استثنائية، تقع أحداثُها أمام خلفيّةٍ تاريخيّة عامرةٍ بالأحداثِ والتقلّباتِ في بلدٍ بعينهِ. فنعيدُ اكتشاف هذه الأحداث والتعرّف عليها من منظور بطلنا، الّذي وإن أبدى حيادا فهو لا يستطيع أن يخفي مواقفَ المخرجِ المؤلّفِ الّتي مرّرها عبره. هكذا يتيحُ هذا القالبُ فُرصتيْن: الأولى هي التعليق على الأحداث التّاريخيّة بشكل ضمنيٍّ أنيقٍ، والثانيةُ هي البحثُ في العلاقةِ بين الفردِ والجماعةِ. بل دفعُ المشاهدِ إلى العثورِ على الجزء الّذي يمثّله من بين الأجزاء المكوّنة للجماعةِ، وإسقاطِ ذاته عليهِ (الجزء) وتحقيق التّماهي Identification. لا شكّ أنّ أغلبَ هذه الأعمال لا يخلو من الدعاية السّياسيّة أو الشوفينيّةِ. هل حدث ذلك مع الفلمِ الصّينيِّ الشهيرِ "وداعا يا خليلتي
 
 
لمن لم يسمع عن الفلمِ Farewell My Concubine 霸王別姬، فهو دراما تاريخية شهيرة، أخرجه "تشن كَيكه" Chen Kaige سنة 1993 من جملة ما أخرج روّادُ الجيل الخامس منذ منتصف الثمانينات. ورغم الترحيب الّذي قوبلت به أعمالٌ أخرى سابقة في العالمِ الغربيّ، إلّا أنّ "وداعا يا خليلتي" هو أوّل فلم صينيّّ يظفر بسعفة كانّ Cannes الذهبيّة (والوحيد) وهو الأول في الترشّح إلى أوسكار الفلم الأجنبيِّ. لا شكّ أنّ احتفاء الغرب بفلمٍ قادم من بلاد يحكمها نظام شموليٌّ يثيرُ العجبَ والفضولَ، ولا يُفهم إلاّ انطلاقا من السّياق الّذي أنتج فيه. فقد انتهجت الصّينُ سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ نهاية السّبعينات وسمحت بدخول المال الأجنبيِّ في قطاعات محدَّدة وتخرج الجيل الخامس من السّينمائيين مع بداية هذه السّياسة. إنّه أيضا جيلُ انفتاحٍ ثقافيٍّ لا يعادي الغربَ وإنّما يمدّ يدَه إليه (وأشياء أخرى). ولئن بقيت الصيّنُ دولةً مركزيّة مراقِبةً مشرِفةً بشكلٍ مباشر على الإنتاج الثقافيِّ، إلاّ أنّ حاجتها لمنح نزق من الحرية لمبدعيها بشكل غير رسميٍّ أفرز علاقة سينمائيّة ثلاثية فريدة بين الصّينِ الوطن الأمّ وبين هونغ كونغ وتايوان. لا ننسى أنّ هونغ كونغ كانت تحت إشراف بريطانيٍّ حتى 1997، وأنّ صناعتها السينمائية كانت بالفعل رائجة في أنحاء العالم. فكانت تتبنى مشاريع الأفلام الفنية Art Films الصينيّة وتوزّعُها، خصوصا في تايوان حيث تلقى رواجا كبيرا1. وعبرها يتخلّص الفنانون الصينيّون إلى حدّ ما من الرقابة. أو لنقل، تتخلّص الدولةُ إلى حدّ ما من الحرج. وُلدَ "وداعا يا خليلتي" في هذا السياقِ ومن الضروريّ أن يُقرأ انطلاقا منهُ.
 
وكما ذكرتُ في البدايةِ، فالفلمُ قصّتان متطابقتان لذاتيْن، ذاتٍ فردية في شخص البطلِ الظاهر تشنغ ديَيْ Cheng Dieyi، وذاتٍ جماعيّة هي الصينُ نفسُها. فعبرَ قصّةِ ديَيْ منذُ دخولِه طفلا إلى مسرح بيكين حتّى وفاته، نتعرّف أيضا على قصّة الصّين في القرن العشرين. هكذا بدأت حكايتُه، سنة 1924 حين تخلّت عنهُ أمُّه المومسُ عند مدرسةٍ لتعليمِ أوبرا بيكين (وهو صنفٌ مسرحيٌّ تقليديٌّ). إنّها نفسُ السّنةِ الّتي تخلّت فيها الصّينُ عن آخرِ اباطرَتِها، بويِي Puyi وطردته من المدينةِ المحرّمة في بيكين (紫禁城). شبَّ دييْ داخل أسوارِ مدينة محرّمةٍ أخرى هي مدرسةُ الأوبرا إذ يحرُم عليه تجاوزُ أسوارِها. ومثله مثلَ رفاقِه الأطفال، تعلّم أسرارَ مهنة التّمثيل بكثيرٍ من القسوةِ الأصيلةِ الّتي تبدو كأنّما تميّزُ الطّابع الكونفوشيوسيَّ للبلاد. في مرحلةٍ لاحقَةٍ من طفولتِه، يتعرّضُ ديي إلى خيانةٍ جديدةٍ، هذه المرّةَ من معلّمه الّذي أشاح بوجهه حين دعاهُ ثريٌّ مسنّ إلى غرفته ليعتديَ عليه (وهو خصيّ). ناداه المعلّمُ باسم السيّد جانغ Zhang وهو الاسمُ المقترنُ بآخر أمراء الحربِ في بيكين قبل أن يتغلّب القوميّون الجمهوريّون ويسودون العاصمة. وبعد نحو عشر سنين، حين أصبح ديي ورفيقه شياولو Xiaolu نجميْ أوبرا ذائعيْ الصّيتِ، يفاجأُ الأوّلُ بظهورِ مومسٍ جديدةٍ في حياتِه. هذه المرّة لا تنفيه بعيدا، وإنّما تختطفُ قلبَ خليلِه ورفيق دربِه شياولو. وفي ليلةِ الزّفافِ، تدخل القوّاتُ اليابانيّةُ إلغازيَةُ مدينةَ بيكين. كان ذلك سنة 1937 تقريبا، واحتاج الأمرُ إلى انتظارِ استسلامِ اليابانِ سنة 1945 حتّى يعودَ القوميّون إلى استلامِ المدينةِ. وتزامن هذا الحدثُ التّاريخيُّ مع فراقٍ جديدٍ هو فراقُ المعلّمِ الّذي أسلم الروح. فكان تهليلُ الصّينيّين باستقبال القوميّين، أشبه بسير في جنازة المعلّم. لم تدم فترة القوميّين إلاّ ثلاثَ سنين، وعندما دخل الجيشُ الأحمرُ إلى المدينةِ وانتصب الحكم الشيوعيُّ فيها، كانت العبقريّةُ الفنيّةُ قد تخلّت عن ديي بسبب الأفيون، واحتاج لذلك وقتا لاستعادةِ نفسه. أما التّخلّي الأكبرُ، فبدأ بوشايةِ تلميذه شياوسر Xiao Si به للجان الحزب فجرَ الثّورة الثقافيّة، سنة 1966. وفي مشهد محاكمةٍ جليلٍ هو ذروة الفلمِ، يتخلّى الخِلّانُ بعضهم عن بعضٍ. أما التخلّي الأخيرُ، فكان عقب الثورة الثقافية، سنة 1977، حين تخلّى ديي عن جسدِه في حركة دراميّة مفاجئةٍ. ليس التّزامنُ بين الحلقات الدراميّةِ الكبرى في حياةِ ديَيْ وتاريخ الصّينِ لعبة مصادفاتٍ، وإنّما هي غُرزُ الخياطة الّتي تقود إلى موقفِ المخرجِ من تاريخِ بلاده الحديثِ أو ربّما موقفه من حاضرها... 
 
يقول المخرجُ كَيكه، أنّ الفلمَ قصّةٌ عن الخيانةِ. ولئن لم يحدّد طبيعة الخيانةِ، فإنّنا نجدها في مختلف أشكالها وصفاتها. فبعد أن تخلّى عنه والدُه قبل أن يولد، تخلّت عنه أمّه لعجزها عن التكفّل به وهي نزيلة الماخورِ. ليس سهلا على الطفلِ أن تتحقّق أكبرُ مخاوفِه النّفسيةِ وهي هجرانُ الوالديْنِ، ولكنّ الطفلَ الصغيرَ وجد في شياولو حاميًا وراعيا. من المثير هنا أن نتفطّن إلى تلك المقابلة الخفيّة الّتي حدثت بين الأمّ والصّديقِ. فقد مُثِّلت علاقةُ ديَيْ بأمّه عبر الدفءِ: إنّها تحميهِ وترعاهُ إذ تغطّي جسده وتغمره دفئا في المشهدِ الأوّلِ، وحين تخلّت عنه، أخرجته من ملاءتها وجمّدت يدَه حتّى تقطع إصبعه الزّائدَ. أمّا صديقُه، فقد تعرّض للتجمّد بردا من أجله، فما كان منه إلاّ أن غمرَه بدفئه الطفلِ، كأنّما يمنحه ما افتقده.
 
لم يدر بخلده، وهو يكبر عاما بعد عامٍ إلى جوارِه، متقمّصا دورَ خليلتِه، خليلةِ الملكِ في المسرحيّة العريقةِ وداعا يا خليلتي Farewell my concubine، أنّه هو الآخرُ سيخونه. ربّما لم تحدث أيّة خيانةٍ من منظور شياولو، فالرّجل لا ينظرُ إلى علاقته برفيقه بذات الشكلِ. وزواجُه من الغانيةِ جوشان Juxian لا يتعارضُ مع التزامه بعملهما الثنائيّ على المسرحِ. لكنّ ديَيْ يستعيد ذكرى أمّه في محظيّةِ رفيقه. ستحرمه جوشان من الدفء كما حدث له صغيرا. وهو ما حدث حرفيّا بعد سنوات حين كان يسترق النظر إلى منزل الزوجين. إذ كانا يوقدان النّار من أي شيء ويتدفّئان قبل أن يمارسا الجنس. تلك هي خيانة شياولو الأليمةُ. وهي حتما أقسى من خيانةِ معلّمه الّذي رعاه وكوّنه وصقل موهبته وإن بإفراط في العنف. وأقسى أيضا من خيانةِ تلميذه شياوسر الّذي لفظ تعاليمه واحتقرها، واحتضن أفكارَ الحزب الشيوعيِّ ثمَّ وشى به وبرفيقه وزوجته ليكونوا جميعا ضحايا الثورة الثقافيّة. لكنّ الخيانة لم تكن تدور حولَ ديي وحدَه. فقد تنكّر شياولو لزوجته أمام نار الثورةِ ودفعها إلى الانتحارِ. ومن قبل ذلك تنكّر أهل بيكين لأرستقراطييها الّذين كانوا يموّلون مسارحهم وحياتهم الثقافيةَ. وتنكّرت جوشان لربّة بيت الدعارة الّذي اقتات منهُ، ولحقيقتِها الماضيةِ. ولم يكن ديَيْ عفيفا عن الخيانةِ، فقد اتُّهم بها منذ أن ذهب للغناء بين يدَي الغزاةِ اليابانيّين. ولئن فعل ذلك من أجل إطلاق سراح رفيقه، فإنّه ما كان ليمانعَ دون اضطرارٍ. وهو أمرٌ لم يفهمه الآخرون وأوّلهم رفيقُه الّذي بصق في وجهه. وفي مقابلِ وفائه المطلق لـشياولو، عاملَ عاشقَه الثريَّ يُووان شيقنغ Yuan Shiqing بالجحود، متخلّيا عن هديّته الثمينةِ (سيفٌ مرصّع أصيلٌ) لفائده رفيقه إذ وعده بها منذ كانا غلاميْنِ. كما لم يلقِ بالا لشهادة يووان لصالحه في المحكمةِ وكذّبه علانيّةً. على أنّ خيانته الأكبر كانت في النهاية، حين خان نفسَه وانتحرَ بذات السيف. فهل كان انتحارُه محضَ خيانةٍ للذّات؟ أم هو على العكسِ تماما تجلٍّ للوفاءِ في ضروبه القصوى؟
 
نحن بحاجةٍ إلى الاقترابِ أكثرَ من ذاتِ ديَيْ، حتّى نتبيّن الوفاء من الخيانةِ. سيطالعُنا مستويان متداخلان: مستوى فنّيٌّ وآخر جنسيٌّ. فأمّا الفنيُّ فيتعلّق بتصوّره الخاصّ لفنّ الأوبرا. إنّها كما يشهدُ شياولو على الملإ، الشيءُ الوحيدُ الّذي يُخلِص له رفيقُه، ربّما إلى حدّ الهوسِ. فعندَ ديَيْ لا يقفُ الأداءُ على خشبةِ المسرحِ وإنّما يتواصلُ في الواقعِ. وربّما استمدَّ عبقريّته وأداءه الباهرَ من هذا التصوّرِ لأنّه… لم يكن يمثّل أصلا! لقد ظهر التباسُ الواقعِ والخيالِ عنده منذ البدايةِ حينَ عجزَ خلال أداء دور الخليلةِ أن يخبرَ أنّه بطبعه بنتٌ وليس ولدا. ولكنّه أضحى جليّا بعد سنواتٍ حينما طالب رفيقَه بأن يعاهده بأن لا يفارقه بقية حياتهما. يسأله ذلك كما تفعلُ الخليلةُ مع ملكِها في الأوبرا الّتي اشتهرا به. غير أنّ الملكَ/شياولو يحملُ فلسفةَ مغايرة. فالعهد عنده يعني الرفقة على المسرح فحسب، وهو ما أغضب ديَي إذ هتف: الحياة كلّها تعني كلّ لحظة!
 
لقد كان الملكُ في شخصِ شياولو (وهو الّذي يتعرّضُ لخيانةِ الجميعِ من حولِه إلا حصانَه وخليلته) نموذجا معاكسا لفكرةِ ديَي عن المسرحِ. فبينما كان الثاني يعيشُ دوره المسرحيَّ بجديّة الواقعِ، كان الأولُ يلعبُ في الواقعِ أدوارا مسرحيّةً. ولا أوضحَ في ذلك من حادثةِ زواجهِ بــجوشان الّتي بدأت بتمثيليّة مضحكة في الماخورِ ادّعى فيها أنّها خطيبَتُه وانتهت بها أمام غرفةِ الكواليس في الأوبرا تطالبه بأن يفيَ بوعدهِ. لقد ذكّر شياولو دائما بأنّ "وداعا يا خليلتي" مجرّد مسرحيّةٍ، وكان كثيرا ما يقدّم عليها الأمور الأخرى: إبداء معاداته للاحتلال اليابانيِّ، إيقاف العرض أمام تجاوزات المتفرّجين من القوميين، الإذعان لرؤى الشيوعيّين الثقافية. وحينما قبِل التمثيلَ مع شياو سر عوض رفيقِه في دور الخليلة، حاول أن يهوّن الأمر على ديي بقوله: إنّها مجرّد مسرحية! وما الحياة عند ديي إن لم تكن عرضا مسرحيّا؟! لقد عاش دْيَي ممتلئا بروحِ الخليلةِ Yu أكثر ممّا عاش نجما شهيرا لأوبرا بيكين. ولم يكن يتوقّف عن دورِه إلا في لحظة وحيدة في كلِّ مرّةٍ، وهي لحظةُ الانتحار، إذ تفيض روحُ Yu ويظلُّ هو حيّا يتلقّى تصفيق المشاهدين. لم نرَ في النّهاية ماذا فعل ديَيْ بسيف الملك الّذي اختطفه اختطافا، ولكن من المرجّح أن يكون قطعا مع لحظة القطع، توقّفا عن التّوقف، كأنما قرّر أن يكون الخليلة إلى الأبد. أليس هذا عكس ما يبدو، وفاء للذات بأعنف الصّور؟ ألا يكون دْيَي في وفائه لحقيقته الخاصّةِ فذّا أصيلا وسط عالمٍ مزيّف؟
 
يشجّعنا التساؤل على العودةِ إلى ازدواجيّة الصّورةِ بين الفرديّ والجماعيِّ، وبين البطلِ الدّراميِّ ودلالتِه السّياسيّةِ. إنّ دْيَيْ لا يرمزُ إلى الصّينِ فحسب، بل يرمزُ إلى الصّينِ الأصيلةِ، الصّين الّتي صقلتْ عبقريَّتَها بفضل تعاليمِ كونفوشيوس القاسية، وظلّت هناك تعرِضُ فتنتها أمام حُكّامِها المتعاقبين بمنتهى الإخلاصِ لجوهرها. لقد حوّل كيْكه مسرحَ بيكين إلى وجهٍ يختصرُ ملامِحَ الصّينِ. وهي استعارةٌ استعملها هو نفسُه على لسانِ شياولو حين عاتبه القوميّون على مواصلة تقديم العروض وبلادُه تتعرّض للغزو اليابانيّ، إذ هتف غاضبا: تمعّنوا في وجهيْنا! ألا ترون أنّنا صينيّان؟! ثمّ إنّه (كَيكه) انطلاقا من المسرحِ، رصدَ عبرَ تطوّرِ طبيعةِ المتفرّجينَ تبايُنَ مواقفِ الحكّامِ المتعاقبين على تاريخها طيلة القرنِ من المسرح/الصينِ، معبّرا عن تصوّرِه لحقبِهم من خلالِ ردودِ أفعالهم. تباينت ردود الأفعال بين الاحترام والانتهاك، لكنّها جميعا ردودٌ عَرَضيّةٌ لا تكادُ تقارنُ بالوقفة المطوّلة مع معاملةِ الشيوعيّين لمسرحِ بيكين. لقد طرق هؤلاء جوهر الهويّةِ الصّينيّة ودفعوا إلى تجاوزِها بأعنف السبلِ. فكانت الثورةُ الثقافيةُ محرقةً حقيقيّةً حوكم خلالَها جوهرُ الذّات الصّينيّةِ واتُّهم بخيانة مبادئ الثورةِ. من الغريب أن يخونَ التّليدُ الطّارفَ، والجوهرُ العَرَضَ، والمتأصّلُ المستحدثَ. بل ذهب كيكه لتصوير الموقف بصورة أبشع حينما جعلَ الخيانة بين التلميذ ومعلّمه، وبين الابنِ وأبيه. كذلك كان الأمرُ بين ديَيْ وشياو سر ذلك الطّفلِ الّذي انتشله الأوّلُ واستقدمَه للمدرسةِ، وعلّمه بعد موت المعلِّم الأوّلِ، فإذا به ينضمُّ إلى الشيوعيّين حالما شبَّ ودفع صاحبَ المسرحِ دفعا لتبنّي الواقعيّة الاشتراكيّة والتخلّي عن مظاهر التّرف الّذي تمثّله أوبرا بيكين. 
 
كأنّما كان الفلمُ يمضي منذ البداية نحو مشهدِ المحاكمة الكبير، حتّى يُقيمَ محاكمةً للمحاكمةِ، وحتّى يعيد الحقَّ لآلاف الفنّانين الصّينيّين الّذين اضطُهدوا خلال تلك العشريّة الثقافيّة السوداء. من المؤكّد أنّ الصّين كدأبها حين تريد التّراجع عن سياسةٍ ما، تشيح بوجه الرّقابة عن الفنّانين حتّى يقولوا في تلك السياسة المتروكة ما قال مالك في الخمرة (وهذا ما حدث مؤخّرا مع سياسة الطفل الواحد). لكنّنا لا يمكن أن نشكّك في قيمة شهادةِ مخرجٍ مثل تشن كيكه، وهو الّذي لعبَ دور شياو سر في شبابِه، ووشى بأبيه الفنّان المسرحيِّ للحرسِ الأحمرِ بالفعل! لقد كانت محنةُ دْيَيْ محنةً شخصيّةً، ولقد كان هو الشخصَ الآثمَ فيها. حين ندمَ على ما اقترفه، كان تشن كيكه ـ ربما دون أن يدري ـ يستجيبُ لسياسة الحزبِ الجديدة، من انفتاحٍ على الغربِ، ونكرانٍ للتّجارب الشيوعيّة القاسية، واستعادةٍ لروحِ القوميّةِ. عادت الصّين مع كيكه، كونفوشيوسيّةً امبراطوريّةً ذاتِ قيمٍ إنسانيّة أقربَ إلى الغربِ الرّأسماليِّ منها عندما كانت ماويّةً، وذاتِ خصائصَ ثقافيّةٍ عاليةِ القيمةِ في السّوق العالمية! أليس مثيرا للمشاهدِ الغربيِّ أن يرى كيف كانت الصّينُ الأصيلةُ متسامحةً مع المثليّين والكويريّين قبل أن تصبح شيوعيّةً؟ أليس مثيرا أن نتعرّف كيف مارسَ الكويريّون الصينيّون حياتهم الحقيقيّةَ عبر خشبة المسرحِ، حيث يؤدّون وظيفة الـدّان Dan أي الدّور الأنثويِّ في الأوبرا؟
 
يأخذنا التّساؤل إلى المستوى الثّاني الّذي تنبني عليه شخصيّة دْيَيْ، وأعني المستوى الجنسيِّ. لقد أدّى الفنّان الصينيُّ العظيمُ لسلي تشونغ Leslie Cheung شخصيّة دْيَي بشكل آسرٍ يستحيل تكرار مثله، وقد يكون أهمّ شخصيّة كويريّة في تاريخ السينما. وهو بلا شكّ أحد أهمّ الشخصيات الّتي قدّمتها الشاشةُ الفضيّةُ. مردُّ ذلك هو تلك الدّقّة المتناهية الّتي فصلَ بها تشونغ بين الرّقةِ والميوعةِ، وبين الأنوثةِ والهستيريا. كانت شخصيّةُ ديَيْ حدثا مدويّا من الشرق الأقصى ومن رقابته الصّارمةِ، ومن المؤكّد أنّ للدّويِّ أثرَه في فوزِ الفلمِ بسعفةِ كانّ الذهبيّةِ. لكن من الظّلمِ أن نتوقّف ها هنا، ولا نرى فيها أبعدَ من طعمٍ ناجح لاصطياد الجوائز العالمية. لقد بينّنا أنّ الصّراعَ الحقيقيَّ في "وداعا يا خليلتي" هو صراعُ الخيانةِ للذّاتِ والوفاءِ لها. وإن كنّا قد بيّنّا ذلك من خلالِ تأصيل الذّات الجماعيّة بالفنِّ، فإنّه بإمكاننا البحثُ في تأصيل الّذاتِ الفرديّة بالجنسِ.
 
من هو ديَيْ؟ هو الطّفلُ دوزي Douzi المهجورُ من والديْهِ وتلميذُ الأوبرا الخائفُ. هو الشّابُّ دْيَيْ نجمُ الأوبرا الصّاعدُ والعبقريُّ في أداء أدوار الدّان بمنتهى الحرفيّةِ والإخلاصِ. وأخيرا هو الخليلةُ يو Yu المحبّةُ الوفيّةُ حتّى الموتِ لملكها ورفيقها. هو ثلاثتهم في آنٍ، وإنّ من العبقريِّ أن يحملَ كلٌّ منهم اسما يميّزُه. لقد منحَت الأوبرا لـدْيَي فرصةً عظيمةً ليعبّر عن جزءٍ مهمٍّ من ذاتِه المركّبة، إذ تمثّلُ وظيفةُ الدّان ـ أي اضطلاع الرّجل بتقمص الدور النسائي ـ ممرَّ تهوئةً في حضرة تضييق مجتمعيّ. وبعبارة أخرى، فإنّ المخنَّث يُعامل باحترامٍ وإجلالٍ طالما كان في موقعِه من خشبةِ المسرحِ، تماما كما تعاملُ المومِسُ باحترامٍ داخل بيت الدعارةِ. وكما يحدثُ مع المومساتِ، يأتي أفاضلُ القومِ ويستحسنون أداءَ الدّان، ويطلبونه. لقد تشكّلت علاقةُ مطابقةٍ مثيرةٍ منذ البدايةِ بين بيتِ الأوبرا وبيت الدّعارةِ، وبين عاملِ المسرحِ وعاملةِ الجنسِ. فالثانيةُ تمنحُ المسرحَ ممثّليهِ، والأوّلُ يمنحُ الماخورَ روّاده. وهذا ما جعلَ من جوشان بائعة الهوى وزوجة شياولو، غريما حقيقيّا لـدْيَيْ. لقد فهمته جوشان أكثر من أي شخصٍ آخر، وأدركت أنّه بتفانيه المطلقِ يمثّل التهديد الأكبرَ لعلاقتها بـشياولو أي لخلاصها. ولم يخيّب ديَي ظنّها فكان أفضل خصمٍ ممكنٍ. علاقةُ ديَيْ بـجوشان شيءٌ معقّدٌ وعظيمٌ كعلاقة أيّ امرأتيْن تخلصان في محبّة رجلٍ واحدٍ. تتبادلان الكرهَ والفهمَ والاحترامَ. فحين اعتُقلَ دْيَيْ بتهمةِ التطبيع مع اليابانيّين، كانت جوشان الأقدرَ على إقناعِ النبيلِ يوان شيقنق Yuan Chiqing بمساعدته. وحينما ألقي سيفُ ديَيْ في نيران الثورةِ الغاضبةِ، رمت جوشان يدها في الجحيم لتنقذه. كأنّها الوحيدةُ الّتي تعرف قيمته. وحين انتحرت، لم يبكها أحدٌ مثل ديَيْ. الحقيقةُ أنّ بطلنا، لم يحقّق أنوثته بقدر ما فعلَ بفضل خصامِه مع جوشان. وقبلها، أزهرت (أنوثته) ببطء منذ كان صغيرا يحيطُ بجسدهِ الضّئيلِ والدافئِ جسدَ رفيقه شياولو (كان اسمه شيتو Shitou) المعاقبِ. بل قبل ذلك، حين قطعت أمُّه إصبع يدهِ السّادس حتّى يصبحَ شخصا عاديًّا لا يثير ذعر المتفرّجين. هل قطعت إصبع يدٍ أم قطعت علاقته بالذّكورة الكلاسيكيّةِ؟ وعدتْ كلّ هذه التّفاصيلُ بشيء لاحقٍ، سرعانما أخذ في التبلور حينما التبس الأمرُ على الفتى وهو يتلو عبارة "وأنا بطبيعتي بنتٌ ولستُ ولدًا" وبات جليّا أنّه يعاني من إشكالٍ في استيعابِ حقيقةِ ذاته، وتقبُّلها. لم يكن سهلا أن يقلبَ ديَي الآيةَ، فيصبح بطبعه امرأة لا ولدا، لكنّه حالما فعلَ، تحوّلَ إلى امتدادٍ لشخصيّة الخليلةِ يو في عالمِ الواقعِ، وصار إخلاصُه لدورِه إخلاصا لجوهرِه، لهويّته الّتي أرادها لنفسه، أو تراهُ لم يفعل… 
 
 
  
الحقيقةُ أنّ البحثَ عن جوهرِ ديَيْ وسط كلِّ هذه الأحداثِ والوسائطِ أمرٌ شائكٌ ومعقّد. وبينما نحاولُ أن نبحثَ عن إرادةٍ حرّةٍ أصيلةٍ حقّق بها ديي ذاتَه وأخلصَ لها حتّى الانتحارِ، تطالعُنا ذاتُ الصّور بقراءةٍ مناقضةٍ. وإذا بـديَيْ يُدفَعُ دفعًا إلى أن يُصبحَ "امرأةً بطبيعتها لا رجلا". بل أكثر من الدّفعِ، كان يتعرّض لانتهاك جسديٍّ فمويٍّ من رفيقهِ لا تخفى على أحدٍ طبيعتُه الجنسيّةُ حتّى يتمكّن من قول "الحقيقةِ المسرحيّةِ". فهل أرغِم بطلُنا إرغاما على إرادتِه الحرّةِ؟ نعود في هذه اللحظة بذاكرتنا إلى مشهد القطع/الخصي حين أزالت أمُّه إصبعَه الإضافيّة حتّى يتمكّن من دخول المدرسة، فنكتشف أنّه مرّة أخرى كان مُرغَمًا. ولئن لم أشكَّ في كويريّة ديَيْ فإنّني أشكُّ في نسبتها الخالصة إليهِ. إنّها مثلُ المسرحِ سليلةُ مجتمعٍ كاملٍ أسرَّها إليه، فتلقّفها مكرها ثمَّ متقبّلا ثمَّ مناضلا. فإذا هو في محاولةِ الإخلاصِ لحقيقتِه، إنّما يخلصُ لحقيقةٍ جماعيّة أشملَ وأعمقَ وأعرقَ. حقيقةٍ لا تنكرُ الهويّة الفرديّةَ ولكنّها لا تخلّصُها من أثرِ الجماعةِ. ألا نلمسُ في هذا مرّة أخرى صوتا قوميّا يحاول أن يتأسّس على أنقاضِ جماعيّة اشتراكيّةٍ "متهوّرة" وجب تجاوزُ خيباتها؟ المقارنة حاصلةٌ بالفعلِ من خلالِ ديَيْ وتلميذِه شياو سر، خصوصا في مشهدِ الخليلتيْنِ والملكِ في الكواليسِ. وهو مشهدٌ عظيمٌ آخرُ في تفاصيلِه وجماليّته. نرى خلالَه الممثلين وقد تضاعف عددهم بشكل غير مسبوق يُجرون زينتهم على وجوههم في ممارسةٍ عُمّاليّة للفنِّ، وبمثل ذلك تناقلت الأيدي البروليتاريّةُ خوذة الملكِ حتى وصولِها إلى ديَيْ. لقد كانت نتيجةُ الصّراع بين الخليلتيْن محسومة سلفا بفضلِ هذا التناقلِ. وهي نتيجة تراجيديّة دون شكٍّ، انهزمت فيها الفكرةُ الأصيلةُ أمام نسخة سخيفةٍ يمثّلها شياو سر، ذلك اليتيمُ الّذي لم يُنهِ تكوينه، واندفع بصبيانية وجهل نحو أفكارٍ لا يكادُ يفهمها ونحو مشروعٍ لا يعرفُ مغبّته. يصوّرُ المخرجُ كَيكه في شياو سر، خيبَتَه الأولى الّتي اقترفها شابّا وندمَ عليها. وهو ندمٌ صادقٌ في ما يبدو وإن كان موافقا للسّياسات العامّة للدّولةِ. 
 
وداعا يا خليلتي، هو قصّةُ الخليلةِ يُو وملِكها المهزومِ. وهو قصّةُ دْيَيْ ورفيق دربه شياو لو وغريمته جوشان. وهو أيضا قصّةُ بلدٍ يخلعُ بدلةً فشلَ في تقمّصها ويحاول أن يستعيدَ بدلته القديمةَ، عسى أن تشفع له أمام الآخرين، فيروْنه بغير صورتِه المكروهةِ. لقد حاولَ الفلمُ أن يعيدَ الاعتبار إلى الفردِ دون تجاوزِ الجماعةِ فاستنبط صورةً أقرب إلى القوميّةِ الأوروبيّةِ ذات القيمِ الكونيّةِ. ومن خلالِ مخرجِه بدا وكأنّ الصّين تروّج إلى عهدٍ من الحرّيات الجزئيةِ، يمكنُ فيها للفنّان أن ينتقدَ تجارب الحزبِ الواحدِ الفاشلةِ، أو أن يخوض في المواضيع الّتي تبدو محرّمةً أو جريئةً. لكنّنا نعرف أنّ الحزبَ ما كان ليسمح بهذا لو كان فيه تعارضٌ مع سياساته. ونحن نعرفُ أيضا، أنّ ذلك يحدث في فترةٍ وُصمتْ فيها الصّينُ بمجزرة تيانانمان الشهيرة (1989). لا يقلّلُ كلُّ ذلك من جماليّة الفلمِ ولا من بديع تركيبه أو جمالِ تفاصيله، ويكفيه قيمةً أنّه قدّم لنا أحد أجمل الشخصيات في تاريخ السينما، وأنّه عرض علينا وإن بإيجازٍ ملحمةَ شعبٍ يحاول أن يخلصَ لذاتِه.

------

العنوان: وداعا يا خليلتي (الملكُ المهيْمنُ يودّعُ خليلتَه) 

المُخرج: تشن كَيْكَه Chen Kaige

البلد: الصّين

السنة: 1993

المدّة: 171 دقيقة

البطولة: لسلي تشونغ Leslie Cheung، جانغ فنغ-يي Zhang Fengyi، غونغ لي Gong li

 

ملاحظات:


1 جيني كْوُكْ واه لاَو Jenny Kwok Wah Lau - وداعا يا خليلتي : التاريخ والميلودراما والإديولوجيا في السينما النّاطقة بالصّينيّة. Farewell My Concubine: History, Melodrama, and Ideology in Contemporary Pan-Chinese Cinema

2 اِهتمَّ فلمٌ شهيرٌ آخر بقصّة Puyi وهو رائعةُ برتولوتشي "الامبراطور الأخير" The last emperor 1987

Sunday, November 17, 2019

عن الذي ينقص



تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، وتململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، وراح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية ورطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، ولكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟ لماذا تعيش هنا إذا؟
فتح التلفاز وراح يحملق في الصور المضيئة وقد أخذته نفسه عن ما حوله... كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ والقهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان...

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، ولزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، إذ يجهل إحداثيّاته، وعليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت... في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات والغرف والعنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، وكذلك العيون والنفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك. كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء وشحّ الضوء والهواء. لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق والانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، ودهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، وربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، وقد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما كان زبائني يتهاوون.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، ولكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن وهذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه وحركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، ولا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاهل ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا... وحينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها وتقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها... ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي والدعابات القديمة... في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، وكثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة... أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، ومن يد البقال المتشققة الممدودة إليه، فرمى بالكيس أمامه وغادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأن البائع تعرّف عليه، وربما لأنه لم يفق من المفاجأة. وربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه... هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، ولكنه يصدّق الهاتف الذي بداخله. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يعبث بالأجساد، وأن يكِلَ للطبيب إيجاد على طبيعية لتفسير العبث خارج الأقبية. مرض قديم عاود الظهور، هبوط مفاجئ في الدورة الدموية تطلب تدخلا عاجلا، محاولة انتحار سببا تعفنا وتطلبت قطع شيء ما... لذلك لم يثق قطّ بالأطباء... لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم وينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة... رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة عليها حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى...

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة وما تفرضه من هراء. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى حينما كان نجم الأقبية، واليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه... قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان وكل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. وهاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة والمرناڨ، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم وينام...

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه. فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة... أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه قادما لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم لهم شيئا من الحكمة... من الخلف...
عاوده القرف وهو يتأمل القارورة. وخيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا واستدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب. إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل. هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، ولكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، وربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ وجماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، وكما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته. ويمكن بيسر وثقة أن يميّز بين ندبته وغيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة. تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع. اِرتعاش الأنامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، والعرق البارد. حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا... علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته وقد جُرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ متهوّر واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكّروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى...
قرأ على الوجوه نفورا واضحا. اِنزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة وحياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، وبدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل وقد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، ونبرة البلطجة... لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده... فلينزعجوا إذا. فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة... أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا ولا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

بص جانبا ثم نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا. وغادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهدات والنكات السخيفة... إن البشر لمقرفون. لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، وخيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ وكيف يتوب وقد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظلّ في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكلّ ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها... بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. ولئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، وله أن يحدثه قدر ما يشاء.

سُرَّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. وعاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، ولعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا واعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، وسيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون...
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. وتذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، وهذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة... وتساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح ضمور قدمه اليمنى وهو يقدّمها للمياه، كأنما ذبلت ولم تعد تصلح لشيء. اِنتابته موجة غثيان رهيبة، فغادر مهرولا... إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، وما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا وازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، وأشعل لفافة تبغ ودخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. والأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، وابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز وطلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة... حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم...

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ وإنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف فيها جسدَه. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها لا ليعبدها.

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده واستسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. وحينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة وحسم، وسألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة ولا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه ودواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، وإن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، ولا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك وتحضيرك.
وبسرعة وضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، وبدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، وحينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم وقد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، وأردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، ولطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا. كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، وإحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا وكأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Sunday, March 17, 2019

الهلع من الدّشرة

 

إنّ ما يجعلُ دشرة حدثا ثقافيّا مهمّا في تونس، هو ذاتُه الّذي جعل منه فلما غير ذي بالٍ. فأدبُ الرّعب بشكلٍ عامّ لم يعد غريبا في تونس إلاّ منذ أن تكوّنت الأكاديميّاتُ وأخضِعَ الأدبُ فيها للدّراسات "الجادّة". أمّا الثقافة الشّعبيةُ الأصيلةُ فنجدُها عامرةً بالحكايات المثيرةِ للخوفِ والخيالِ والمعبّرةِ عنِ الهواجس الدفينة. وفي حين لم تَحِد السينما التونسيةُ أغلب الوقت عمّا لا يرضى عنه أكاديميّو الفنون "الملتزمة" (بماذا؟)، ولم تشذّ إلاّ بكوميديا أو اثنتينِ، يختارُ عبد الحميد بوشناق لفلمِه الطّويل الأوّل أن يمضيَ بعيدا في الشّذوذ، فيقتفيَ بقُمرَتِه ذلك الشّيء المروّع المختبئَ خلف خيالاتنا…
 
لا تسمحُ طبيعةُ هذا النّصّ بالعودةِ للنّظريّات الكثيرة الّتي درست سينما الرّعب وحاولت أن تصنّفها وترتّبها وتجيب عن سؤال : لماذا نشاهدُ أفلام الرّعب؟ وعلى كلّ حالٍ فلم توفّق أيٌّ منها في تقديم إجابة متكاملة1. ذلك أنّ الدوافع تختلف باختلافِ المتفرّجِ وباختلافِ صنفِ الرّعب أو الثيمة. وإذا كانت الدّوافع تتباين عند مشاهدي الرّعب المعويّ Visceral horror أو أفلام التشريح Slasher movies، فإنّها أكثر تباينا مع الأصناف الأخرى للرّعب2. على أنّه يجب التأكيد على تأثير طبيعة العلاقةِ المُنبيةِ بين المشاهدِ والمشاهَدِ في إرساء مختلفِ الدّوافعِ الممكنة.
فالمتفرّجُ جالسًا في ركنٍ خفيٍّ في الظّلامِ يمارسُ نوعا من التّلصُّص Voyeurism على شخصيّاتِ الفلمِ، فيُحدث معها علاقاتٍ أحاديّةً تتراوح بين التّماهي (Identification) والتّوثين (Fetichism). ومن ثمّة، يسمحُ الفلمُ للمشاهدِ عبر هذه العلاقات بإسقاط رغباته على الشّاشة، وتحرير انفعالاته المكبوتة ومواجهتها3.
 
ولئن تبدو هذه العلاقةُ شخصيّةً جدّا، فإنّ كونيّةَ المخاوفِ الإنسانيّةِ تجعل التّأثيرَ جماعيّا. كما أنّ سينما الرّعب لا تتجاهل مخاوف الجماعةِ، أو التابوهات القائمةَ على مستوى المجتمع، بل إنّها من أهمّ محرّكاتها. فهي تعمل على كشف محرّماته وإظهار ما يحاول كبته وإنكاره، من مخاوفنا تجاه ثقافة الاستهلاك الحديثة واعتمادنا المتنامي على التكنولوجيا إلى فَزَعِنا من الآخر المختلف جسديا واديولوجيّا4.
 
أين يتنزّل "دشرة" من كلّ هذا؟ باعتباره الأوّل من نوعه (فلم رعب تونسيّ) فقد كان تجريبيّا بشكلٍ كبير، اختلطت فيه أصنافُ رعبٍ متنوّعة، أهمّها رعب الغيبيّات Occult horror والرّعب النفسي Psychological Horror والرعب المعويّ Visceral Horror وأيضا رعب الأرياف Rural Horror…
 
يتعلّق الرعب النفسيّ بالشخصيّة الرئيسيّة إذ يحملنا على التّماهي معها ومع لحظات فزعها. ومن أشهر أفلام هذا الصّنف مشروع السّاحرة بلير The Blair Witch Project، لذلك فليس غريبا أن يكون هذا الفلمُ حاضرًا بكثافة في مشروع عبد الحميد بوشناق. نتعرّفه منذ المشهد الثالث تقريبا، حين يجتمع أبطال الفلمِ الثلاثةُ: ياسمين وبلال وعزيز. ويعزمون لمشروع التّخرّج على إنجازِ تحقيقٍ صحفيٍّ مصوّرٍ عن القصّةِ المثيرةِ لمنجيّة، إحدى نزيلات مستشفى الرّازي (للأمراض العقلية) الغامضات. وكما نعلمُ، تقودهمُ المقابلةُ إلى الذهابِ إلى قريةٍ صغيرة (دشرة) نائيةٍ في أعماقِ غابة لا أوّل لها ولا آخر. وهناك، تتوارى الحضارة تماما ويحضرُ الفزعُ بمختلفِ أصنافه. فيتحوّل المشاهدُ إلى ضحيّةٍ رابعةٍ مستمدَّةً مخاوفها من التّماهي مع الشخصيات الرئيسيّة وأهمُّها ياسمين.
 
يخبرُنا بوشناق منذ البدايةِ عن الشخصيّةِ الرّئيسيّةِ بدعوتِنا لزيارةِ أحلامها المتداخلة (nested). فهذه عادةٌ معروفة لدى الشخصيات الرئيسيةِ في أفلام الرّعب. ولا تسمح الأحلامُ بتقريبنا من الشخصية الرئيسية فحسب، بل تنذرنا أيضا بطبيعةِ الخطرِ الّذي سوف يتهدّدُها، وتلمّح إلى حقيقةٍ عن البطلِ لم يدركها بعدُ. نجدُ كلَّ ذلك في حلمِ ياسمين الّذي يحيلنا إلى أهم مشاهدِ أفلام الرعب النفسيّ على الإطلاق، وهو مشهدُ الحمّام في سايكو Psycho لهيتشكوك. لكنّني مع ذلك لا أجدُ تفسيرا لحكاية الحمّام والدّماء بين الفخذين… 
 
الكابوس يستعيد لقطة سايكو الشهيرة ولكن من دون موسيقاه العظيمة
 
وفي المرّة الثانية الّتي ينتابُنا فيها الفزعُ مع ياسمين، يظهرُ الصِّنفُ الثاني، وهو رعب الغيبيّات. فمنجيّة تبدو أقرب إلى الدراويش أو المجانين الّذين اقتربوا من جانب النجوم، وعرفوا أكثر ممّا ينبغي. إنّها تملك معرفةً بما وراء الطبيعة، وإلاّ كيف استطاعت أن تشير إلى مكانِ الدّشرةِ في الخريطة في تلك اللحظة العصيبة؟
 
يقوم رعب الغيبيّات على علوم التنجيم والسّحرِ والطقوس المخيفةِ الّتي تحدثُ حين ننامُ. لقد طغى هذا الصّنف بشكلٍ كبير على الفلمِ، خصوصا وأنّ موضوعه الأساسيَّ ـ ظاهريّا على الأقل ـ هو أحد أشهر الطقوس السحريّة وحشيّةً في شمال إفريقيا، أي استعمالُ الأطفال كقرابين للأعمالِ السّحريّةِ.
في هذا المستوى يتراجعُ حضورُ المرجعيّةِ السينمائيّةِ العالميةِ لصالح مدوّنة الرّعبِ التّونسيّةِ الأصيلةِ، على مستوى المضمون على الأقلِّ فقد كان مشهدُ الطّقوسِ الليليّة المرعبةِ ـ كما رأته ياسمين من وراء النافذة ـ أقربَ إلى طقوس سحرةِ أوروبا أو أشبه باجتماع كائنات لا بشريّة في إحدى المقابر.
 
مشهد التغسيل
لم يقف بوشناق عندَ ذبح الأطفالِ، فقد كانت الدّشرةُ عُشّا لشتّى الأهوالِ الّتي يمكن أن تسمع عنها قصصا في تونس: السّحرُ الأسود (الكسكسةُ - أي تحريك الكسكس - بيد الموتى، وتكميم أفواه الموتى بالطلاسم…) وأكلُ البشر والكائنات الماورائيّة الّتي لم يصرَّح عن كنهها تماما ونرجّح أنّها الغولة (المختبئة في المنزل) والعفاريت أو الكائنات الشيطانيّة (الّتي صرفها الجدُّ بقراءة القرآن فتلاشت). نضيف إلى ذلك مشهد التغسيل الّذي قُدِّم الجدُّ بواسطته، وهو مشهدٌ حاولَ المخرجُ أن يبرزَه باللّقطة القريبة جدّا Extreme Close Up ويبثَّ عبره رهبةً لا أظنّها وصلت ونحن نرى بوضوح عروق الميّت العامرة بالحياة، وضلوع جفنيه وهي تجاهد للانغلاق.
 
وعلى كلِّ حالٍ، فقد أخطأ بوشناق بالاعتقادِ في أنّ تكديس هذه العناصرِ سيعطي الفلمَ الأصالة التّونسيّة الّتي ينشدُها. لقد منحَ الحوارُ القصّةَ بالفعلِ تلك الأصالة، بإفراطهِ في العنف اللفظيّ المتبادل بين الشخصيّات حتّى بلغَ العنف المادّيّ. كما أنّ الإطار نفسه يعبقُ بالخصوصيّات التونسيّة، وكان من الأفضلِ الاكتفاءُ بمسألةِ القرابينِ البشريّةِ بما أنّ القصّة تدور حولها.
 
لقد أسهمَ التّكديس في إرباك القصّةِ وتشويشها. فنحن نعلمُ أنّ ذبحَ الأطفال يحدثُ بغرض الحصول على الكنوزِ، لكن لم يذكر ذلك صراحةً. ولا يمكن افتراضُ أنّهم نجحوا في مساعيهم. لقد أظهرت إحدى اللّقطات حصول سيّد الدّشرة (آسف لقد نسيت اسمه، ولا أجد له أثرا على الانترنت) على المال من أحد "الزبائن"، كما نعرف عبر منجيّة أنّ هناك تجارةً تحدثُ، يقدّم بموجبها أهلُ الدّشرةِ خدمات سحرٍ وشعوذةٍ للغرباء القادمين. كلّ هذا يجعلنا نتساءل عن هذه الحاجة إلى المالِ من قبلِ كائناتٍ لا تبدو بشريّةً، إذ قرأ الجدُّ البشير عليها القرآن فتلاشت (قبل أن تعودَ مرّة أخرى).
إنّه عالمٌ لا يبدي أية حاجةٍ للمال أو للعالمِ الخارجيِّ فلماذا يستدعيه (العالمَ الخارجيَّ) ويقيم معه الصفقات؟ ثمّ تأتي الغولة، ذلك الكائن المتوحّش الّذي يطلع علينا من دون أن يضيف أيّ شيء للقصّة عدا نوعٍ مختلفٍ من الرّعبِ وهو الرّعبُ المعويُّ.
 
ورغمَ أنّ بداية الفلمِ لم تخلُ من الدّماءِ (ظهور الدّماء على منضدةِ التغسيل، دماءُ ياسمين أثناء الحمّام، ودماء الإشارةِ إلى الدّشرة في الخريطة)، إلاّ أنّ الرّعب المعويَّ لم يكشّر عن أنيابه إلاّ في نهاية الفلمِ بعد تشويقٍ طويلٍ. يمتازُ التّمهيدُ في عادةِ هذه الأفلامِ بحضورٍ كثيفٍ للإباحيِّ (Hostel)، فالمجزرة الّتي يتعرّضُ لها الأبطالُ فيما بعدُ تأخذُ شكلَ العقوبةِ على السلوكات اللاأخلاقيّةِ الّتي مارسوها. لذلك يتماهى المشاهدُ الوفيُّ لهذا الصّنفِ مع القاتلِ، ولا يشعرُ بأية شفقة تجاهَ الضحيةِ (هناك أنواعٌ أخرى من المشاهدين أكثرُ تعاطفا مع الضحيّة)5. في حالةِ دشرة، وبالسّعي وراء ذات الدّوافع الجنسيّة الّتي ترتبطُ عادةً بأفلام الرّعبِ بما هيَ دوافعُ "محرّمة" نحاولُ كبتها وتحاشي الاعتراف بها، سوف نلحظُ خلفَ اللغةِ حكاية الصّراعِ المكبوت القابعِ في السيّارة بين الولديْنِ على ياسمين. من يجلسُ في المقعد الأماميّ. من يفوز في معركةِ النّكاتِ الجنسيّةِ ويثبت ولو عبر الدّعابةِ أنّه الأكثر فحولةً، أنّه الأكثر تميّزا. عزيز كان دوما صاحبَ السّبقِ، لكنّ ياسمين لا تبالي بذلك، وتصرّ على إبقاء العلاقةِ طفوليّةً. الحقيقةُ أنّها ليست مستعدّة للمرحلةِ الجنسية ولا تزال ترى في أبيها/جدّها حبيبَها المنقذ. ولعلّ هذا ما يفسّر الدّماء في كابوسها. تلك كانت خطيئتها. لقد انقاد الثلاثةُ إلى تخومِ الغابةِ (وما تعنيه في المخيالِ التّونسيّ) بفضل طفلةٍ تلبسُ الأحمرَ. تلك الطفلةُ هي انعكاسٌ لسايكولوجيا ياسمين، فهي تصرُّ رغم مرور السّنين على البقاءِ طفلةً، بقمعِ نوازعها الجنسيّة، والاشمئزازِ من اللحمِ. تحيلنا الطفلةُ الّتي تلبسُ الأحمرَ في الغابةِ على خرافةٍ شهيرةٍ جدا. ترمزُ خرافةُ ليلى والذّئب إلى اندفاع الطفلةِ نحوَ الحياةِ الجنسيّةِ قبل الوقت المناسبِ6. ليلى تذهب إلى بيت الجدّة لتصاحب الذئب في الفراش أما ياسمين فتقول إنّهم مثل الإخوةِ، وتنام في الفراش وحيدةً. وبمجرد أن حدث ذلك، عادت الكوابيسُ، وحضرت الشياطينُ. فيما بعدُ جاء الأبُ/المنقذُ فعوقبَ هو أيضا لرفضه تسريحَ ابنته. أمّا بلال فقد عوقبَ باختراقِ جسدِه بأعنف الطرقِ وأبشع الصّورِ، لأنّه لم يكن رجلا بما يكفي…
 
ياسمين تقود فريقها خلف الطفلة ذات الرداء الأحمر
 
تبقى هذه القراءةُ محدودةً بالكثير من العناصرِ المهلهلة في السيناريو مثلما تحدّثتُ في السّابقِ. ويمكنُ أن نقدّم قراءةً أخرى عن طبيعة الخطيئة الّتي اقترفها الثلاثةُ، وهي تمرّد الشبابِ.
 
منذ البدايةِ يتحرّك الثلاثةُ في عداءٍ مطلقٍ مع البنى والتنظيمات والهياكلِ. بلال يأتي متأخّرا للدّرسِ. ياسمين تعملُ من دون أن تخبر جدّها. ترفضُ الحديثَ إلى الشّيخِ وترفض أفكارَه. ثمّ إنّهم يوضعون في مقابلةٍ مع صنف آخر من الشّبابِ، صنفٍ اختارَ لبس البدلةِ الرسميةِ، والانتشاءَ بالإطراء (ولعق الأحذية)، واستعمال اللغة الخشبية. يحملون أدوات التصويرِ ويندفعون متجاوزين بيرقراطيّة الإداراتِ، والتسلّل عبر الأبواب الخلفيّةِ، لا يتراجعون أمام الغابة الكثيفة، ولا أمام المسافة الطويلةِ. إنّ خطيئتهم أنّهم لا ينضبطون لأيّ شيء، بما في ذلك اللغةَ المقبولةَ. وإذا كانت منجيّة الّتي تشبههم في اندفاعها وتمرّدها وبحثها عن الحقيقةِ، قد تحوّلت إلى مجنونة في نظرِ المجتمعِ، فإنّ مصير الثلاثةِ سيكون أسوأ لأنّهم لم يكتفوا بالكتابة، وإنما جاؤوا بغرض التصوير.
 
أعتقد أنّ هذه القراءةَ مهمّةٌ لأنّها ـ في ما أظنّ ـ تعكس جانبا من شخصيّة المخرجِ حين أصرَّ على مغامرة التصويرِ بميزانيّة خفيفةٍ جدا، متجاوزا طلب الدّعم والمسار البيروقراطيّ الاعتياديّ للسينما التونسيّةِ. ولا شكَّ أنّ روحَ الشّباب المتمرّدِ على الضوابط السينمائيّة القديمةِ حاضرةٌ بقوّةٍ في الدّشرةِ.
وبينما نجح المخرجُ، فشلَ أبطالُه (أو هكذا يبدو لنا) في النجاةِ. وأيّا كانت القراءةُ، فنحن دوما نصطدمُ بالتواءة عزيز واكتشاف حقيقته. إذ تخرجُ علينا بشكلٍ مشابهٍ لنهايةِ فيلم المنشار الأوّل Saw (سنة 2004)، لكنّها تهدمُ كلَّ بناءٍ ممكنٍ تقريبا، ولا غايةَ من ورائها إلا خلق حالةٍ جديدة من الفزع لا أخالها حدَثت. لقد كانت نوعا من الشّطط الدراميّ الّذي يصيب بالتخمةِ حين تكون قد أخذتَ كفايتَك بالفعل من المفاجأة القاصمةِ الّتي كشفتْ حقيقةَ ياسمين.
 
ولم يتوقف الفيلمُ ليعرض علينا تفسيرا مقنعا، واكتفى فقط بالاسترجاع (flashback) ليثبت أنّ المفاجأة لم تكسر السيناريو وأنّه قرئ لها حسابٌ منذ البدايةِ. لكنّ المفاجأة لا تقولُ لماذا وكيف. فهُم كما تقول ياسمين مثل الإخوة، والإخوة يعرفون كلَّ شيء عن بعضهم البعض.
وعلى المستوى التقنيِّ، يمكنُ القولُ إنّ الرّعب المعويّ كان ناجحا، وإنّ الدماء واللحم والأمعاء واللقطات المثيرةَ للغثيانِ كانت مثيرة للغثيان. ولقد ساعدت الإنارة الخافتة Low-Key Lighting والتركيز على اللقطة القريبة Close-up في تلافي نقائص الميزانيّة البسيطة. ولا شكّ أنّ بَقْر بطن بلال كان بشعا بما فيه الكفاية في عيون المتفرّجين.
 
أما جانب الرّعب النفسيِّ، فقد تأثّر سلبا بالميزانيّة البسيطة. ذلك أنّه يحتاج إلى حركة قُمرة أكثر تعقيدا، أو استعمال وجهة نظر البطل POV كما في مشروع الساحرة بلير، وهو أمرٌ رفضه بوشناق، واكتفى بَداله باستعمال متتاليات قصيرةٍ ولقطات قريبة جدا، والعملِ المكثّف على القطع Cuts والتركيب والأصوات السّرديّة diegetic (الصراخ) واللاسردية (الموسيقى) لنقل نفسيّة الشخصيّات أوقات الخطر. وأعتقد أنّ كلّ ذلك قد استعملَ بشكل بسيطٍ خالٍ من الأناقة.
في المقابل، حضرت الأناقةُ في رعب الغيبيّات، فتمَّ تصميمُ الكائنات الخارقةِ والشيطانية بشكل بارعٍ، وكذلك كان تجلّيها رهيبا أحيانا. وبذات العناية، صُمّمت مشاهدُ الطقوس، والأعمال الخارقة. وربّما يعودُ السّبب إلى استئناسِ المخرجِ بمدوّنة الرعب السينمائيّةِ حتّى في هذا المستوى الشديد الخصوصيّة. كان الوحشُ أو الغولةُ شيئا أقرب إلى وحش أفلام الحقد The Grudge أو الحَلَق Ring، وكانت طقوس الليل أشبه بملتقى ساحرات في مقبرة أوروبيّة قديمة. واختفت ألبستهنّ التّونسيّة الريفيّةُ في التقابل الضوئيّ الحادّ الأشبه بالـ chiaroscuro، باستعمال أدوات بسيطة حاول المخرج توريتَها بتقصير اللقطة وتركيبها.
 
اجتماع المقبرة وضوء الكشافات السّيء
 
لقد امتدَّ هذا الامتزاجُ بين الأوروبيِّ والتّونسيِّ إلى رابع أصناف الرّعب الّتي تميّزُ دشرة، وهو أهمّ هذه الأصنافِ لذلك تركتُه لنهايةِ المقالِ. يرتكزُ رعب الأريافِ Rural Horror على فكرةِ الاحتباس في مكانٍ غابتْ عنه الحضارةُ، وما يمكن أن يحملَه من أخطارٍ قد تتعلّق عادةً بمسائل غيبيّةٍ (أسطورةٌ قديمةٌ، طقوسٌ سحريّة، طائفةٌ مخيفة sect). لقد وجد بوشناق في غابات الشمالِ الغربيِّ كنزا فنّيّا ثمينا. شيئا جميلا ومخيفا يشحذُ الخيالَ. شيئا يحملُ الخصوصيات الغربية لأفلام الرعب الريفيِّ، ولكنّه أيضا عامرٌ بالعناصرِ التّونسيَّة الّتي لا تخطئها العينُ.
وهذا المكانُ هو مفتاحُ خارطة الرّعب الّتي تشكّلتْ في دشرة عن غير وعيٍ غالبا، ولكنّها تعكسُ مثلما ذكرنا منذ البداية، محرّما اجتماعيّا مكبوتا.
 
لفهم ذلك يجب أن نعيد صياغة القصّة مثلما يلي: يدرسُ ثلاثةُ طلبةٍ مشروع تحقيقٍ صحفيٍّ فريد. يعيش ثلاثتهم في المدينةِ، يستعملون كلّ ما جادت به التقنيةُ من ترفٍ. من السيّارة إلى الكمبيوتر والهاتف. وحتّى دراستهم تعتمد على تقنيات تصويرٍ متطوّرةٍ لا يملكُ أيٌّ كان القدرة على استعمالها (لنذكر صراخ بلال في وجه عزيز بعدم استعمال قمرته). حين يلتقون بمنجيّة (لاحظوا المقابلةَ بين اسمِ منجيّة واسم ياسمين)، تلك المرأة الّتي وجدت في مكانٍ مقفرٍ بعيدٍ عن الحضارةِ، يختفي الكهرباءُ، ويختفي الحوار المتحضّرُ ويستبدلُ بهجومٍ شرسٍ ودماءٍ تعبّرُ، ويختفي google map وتحضر الخارطةُ التقليديّةُ الورقيّةُ.
 
يذهب الثلاثةُ إلى تخوم الغابةِ، بعيدا عن كلِّ أشكالِ الحضارةِ فماذا يجدون؟ مجتمعا بدائيّا تماما. تحدثُ مقابلةٌ حادّة بين الجماعتين. كانت ياسمين قائدة الثلاثة ولا شكّ. تقود السيّارة، تبادرُ بالحديث، تصرخ في الولدين وتفضُّ نزاعهما، وتتحدّث باسم الفريق. في المقابل، كان هناك سيّدٌ واحدٌ وجمعٌ من النّساءِ من مختلفِ الأعمارِ. يتحدّثُ السيّدُ باسمِ الجميعِ بلهجة الشمال الغربيِّ، وأسلوبٍ ريفيٍّ لطيفٍ. يُبدي لهم كلَّ الكليشيهات الّتي نعرفُها عن أهل الريف: الفقرُ والكرمُ وحسنُ الضيافةِ والشّهامةُ وعرضُ المساعدةِ بلا حدودٍ. في الأثناءِ تكتفي النساء بالصّمتِ المدقع. في هذا المجتمعِ يحرم أن تتكلّمَ النساءُ، ويجب أن يكتفين بطهوِ الطعامِ.
في المرّة الوحيدةِ الّتي نطقت فيها امرأةٌ، كانت حاملاً، وكانت توشوشُ في خوفٍ وكان جزاؤها التوبيخ الشديدَ من سيّد الدّشرةِ. لماذا صرخ فيها؟ يجيبُ ببشاشته السخيفةِ إنّها امرأةٌ تهذرُ كالمجانينِ بما لا تفهمُ.
يجلسُ الجميعُ للأكلِ. يقدّم الطعامُ. لحمٌ وفيرٌ وغيابٌ تامٌّ لأدنى مظاهر النظافةِ. تُبرزُ القمرةُ توحّش القومِ وهم يلوكون اللحومَ، وتبرز في الوقتِ ذاتِه مشاعر القرف المرتسمةِ على الفتاةِ المتحضّرةِ وصديقها بلال.
 
إنّ هؤلاء القومَ لمرعبون. إنّهم يعيشون خارجَ الحضارةِ. يمسكونَ سكاكين عوض مضخّمات الصّوت والقُمرات، ويأكلون بأيديهم بدل الشوكة والسكين، ويخفي النساءُ وجوههنّ عن الغريبِ ويمتنعنَ عن الحديثِ. إنّ الرّعبَ الحقيقيَّ هنا، هو أن تكتشفَ فجأةً أنّك جئت من هنا، من هذا المكانِ!
 
قد يقول القائلُ إنّنا لسنا أمام مقابلةٍ بين الريفِ والمدينةِ، بين الرّيف والعاصمةِ لو شئنا الدّقة في نقلِ الكليشيه الشّائعِ. والأمرُ لا يتعلّق إلا بمكانٍ محدّد دون غيرهِ. لكنّ المقابلةَ الّتي تحدثُ بين جمعِ الطلبةِ وجمعِ المتوحّشينَ واضحةٌ. أكّدها المخرجُ من خلالِ اهتمامِه برحلةِ الجدِّ لإنقاذ ابنته.
 
هناك أغنية راب RAP تونسيّة شهيرة تعكس بشكل كبيرٍ الصّورة النّمطيّة الرّائجة في تونس: 
”جاي مالريف للعاصمة 
مخلي وريا دعاوي لميمة 
من عيلة فقيرة و بو زاولي 
لا سمعنا عمدة ولا والي 
راكب في لواج سارح بافكاري 
نتذكر الفقر تشعل ناري 
في الصغرى مشينا قرينا عل الكريتا 
في صغري نستخايل مناش في الخريطة … 
حكينا عالحاضر و الماضي 
وعلى الدشرة الفقر في دشرتنا صاحب عشرة“
 
وهو مشهدٌ لو قلبنا مسارَ رحلته لاختصر الفيلمَ تقريبا. تقترنُ سيارة الأجرة المعروفة باللّوّاج بالريف بشكلٍ كبيرٍ. ورغمَ وجود الدشرةِ في الشمال الغربيِّ (الأكثر فقرا في تونس)، فإنّ المخرجَ اختار تصوير محطّة باب عليوة الّتي تذهب بالمسافرين جنوبا. ربّما لأنّها مناسبةٌ للتصويرِ أكثر من محطة باب سعدون (الّتي تنقل إلى الشمال)، وربّما أيضا لارتباطها في المخيال الشعبيّ بالانتقال من المدينة إلى الريف، كما في أغنية بلطي.
 
لا، لم يكن الأمرُ عفويّا تماما. فلا توجدُ أيّةُ حاجةٍ سرديّةٍ لتصويرِ رحلة الجدِّ بذلك الشكلِ. ما إن يصل إلى المحطّةِ حتّى تحضر الأشباح (أو الرّهبان لا أعرف). وفي داخل السيارة، لم يُخْفِ الجدُّ خوفه من هذه الكائنات الجالسة من حوله وتتصرّفُ بشكلٍ مريبٍ.
تحملُنا القُمرةُ على الخوفِ من هذا العالمِ، والتوتّر تجاه تصرّفاته. مع إنّنا طيلةَ هذا الوقتِ لا نستطيع الجزمَ بشيءٍ خطإٍ. حتّى مشاهد اللحم المقزّزة، تعكسُ في الواقعِ نظراتِ ياسمين ورفيقيها لما حولهما. ولم يحدث التّحوّلُ إلاّ بالتّزامنِ مع لحظة الكشفِ الرّهيبة: إنّ ياسمين قادمةٌ من ذات هذا المكانِ الذّي تقرفُ منه! إنّها بشكل مجازيٍّ أصيلةُ هذا المكانِ المخجل، أصيلةُ هذا العالم اللامتحضّر المتوحّش! مع اكتشاف هذه الحقيقةِ ينقلبُ العالمُ رأسا على عقبٍ، ويموت من يموتُ، ويهربُ من يهربُ، وتخرجُ الوحوشُ من مخابئها، ويحطُّ الموتُ على الرّؤوسِ.
 
إنّ الاشمئزازَ من الرّيفِ، ومن الأصولِ الرّيفيّةِ أمرٌ شائعٌ عند التونسيّين. ورغمَ كل الكلام اللطيف الذي نقوله في القنوات والصحافة والاجتماعاتِ والندوات الرسمية، فلا تزال زلاّتُ اللسانِ تفضحُ من يشمئزّون ممن وراء "البلايك"، ولا نزال نلاحظ الحضور المكثف لفوبيا الأرياف (لو وجد شيءٌ كهذا) في كلام المقاهي والشوارعِ، وفيما لا يقالُ. إنّ الخوفَ من الأرياف وأهل الأريافِ هو نوعٌ من الخوفِ من الآخر (society's fear of otherness) لما يعكسُه المجتمعُ التّونسيُّ من تقابلٍ عنيفٍ بين الرّيف والمدينةِ.
 
قد يحدثُ ما كانت تخشاه ياسمين، وتتحوّل إلى "منجيّة"، ولكنّنا على أيّة حالٍ لا نرى في حكايةِ ذبح الأطفال إلاّ تعلّة واهية. لقد حدثت أغلبُ هذه الحوادثِ في مدنٍ لا في قرًى صغيرةٍ. وما استشهاد المخرجِ بحادثة الطفل ربيع (ابن منزل بورقيبة أكثر من خمسين ألف ساكن) إلاّ دليل على ذلك. كما أنّ الفيلمَ لا يمكنُ أن يكون تحذيرا إذا ما أخذناه بجدّية، فهو يؤكّد امتلاك هؤلاءِ للقدرات الخارقةِ وينفي فكرة الهراءِ والشعوذة العقيمةِ. هو أقرب إلى التشكيل الخارجيِّ لذلك الرّعبِ الحقيقيِّ الكامن وراءه.
فيلمُ دشرة، عملٌ تونسيٌّ فاتحٌ، لأنّه اقتحم سينما النّوع Film genre وتمكّن إلى حدّ جدِّ محترمٍ من أدواته. ورغمَ بعض الحشوِ الّذي سبّبته الحماسةُ والاندفاعُ، فقد استطاع أن يصنع شيئا حافلا بالأفكارِ والصّورِ. لقد أطنبتُ في تحليلِ الفيلمِ لتبيين قيمة سينما الرّعبِ، وجدّيّتها عكس ما يظنُّ الكثيرون. فلا شيء يدفعُ بالفنِّ إلى الأمامِ أكثر من أن يكون شعبيّا.
 
-------------
1 - جون ب. هِسّ: سايكولوجيا أفلام الفزع John P. Hess The psychology of the scary movies
2/5 - د. ديردي جونسون، المراهقون، دوافع مشاهدة الرّعب المعوي ـ أبحاث في التواصل البشريJOHNSTON, Deirdre D.: (1995) Adolescents„ Motivation for Viewing Graphic Horror. IN : Human Communication Research. 1995
3/4 - سوزَن هيوَرد، دراسات في السينما Susan Hayward: Cinema Studies, Key Studies
6 - برونو بيتلهايم : استخدامات السّحر: معاني الخرافات وأهمّيتها (1977)Bruno Bettelheim: The Uses of Enchantment: The Meaning and Importance of Fairy Tales (1977)

Wednesday, November 21, 2018

كفرناحوم: اِنتصارا لفنّيّةِ الفنِّ


حينما ابتسمَ زين لعدسةِ القُمرةِ في نهايةِ الفيلمِ، فوجئتُ بموجةِ تصفيق متحمّسةٍ في القاعةِ، كأنّما خرجَ الولدُ إلى الرّكحِ أمامَنا، وكأنّما وقفتْ بجانبهِ نادين لبكي تحيّي الحاضرين. أعتقدُ أنّني مع فيلم كفرناحوم أشهدُ لأوّل مرّةٍ موقفا كهذا في قاعة سينما فرنسيّة. فلماذا أفاجأ بالهجوم عليه وعلى صاحبته؟

تُوّج كفرناحوم بجائزتين في مهرجان كانّ لهذه السنة. الأولى جائزة لجنة التحكيم الّتي أقرّت بحرفيّةِ المنجَز، والثانية تصفيق الجمهور إثر العرض الأوّل لزمن قيل إنّه ربع ساعة تقريبا. وبعد غيابٍ طويلٍ، هاهي نادين لبكي تعيدُ لبنان إلى سجلِّ تتويجات المهرجان. مع ذلك، حظيَ الفيلمُ بسخط الكثيرين في لبنان، وربّما في باقي الوطن العربي، لأسبابٍ كثيرة ومتنوّعة. وكيلت لصاحبته تهمٌ كثيرةٌ قليلٌ منها يستحقُّ الانتباه والنقاش.


أكثر التّهمِ حظّا اقترنتْ بالجانب الدّراميِّ. فلئن أثّرت الدراما بشكل قويٍّ على أغلب المشاهدين، شعُر الآخرون بالكثير من التّكلّف فيها، واعتبروا أنّ نادين لبكي أعدّت قصّتها لتستدرَّ الدَّمع وتغتصبه من الأعين.

الحقيقةُ أنّني تفاجأت من هذه الفكرةِ لأنّني أعاني من حساسيّةٍ تُجاه التّكلّفِ في الحزن عادةً، وأكرهُ مشاهد العويل والنّديب. المشكل هنا، أنّ المشاهدَ من الاتقان، بحيث لا يكادُ النّاظر يلحظ شيئا من التّصنّع. إنّ كفرناحوم عبارةٌ تصفُ مكانا سيطر عليه الجحيمُ والخراب، أو هذا ما أرادتْ منهُ المخرجةُ. فكان الافتتاح لقطةً من علٍ لحيٍّ سكنيٍّ بيروتيٍّ فوضويٍّ، سرعانما راحتْ القُمرةُ تجوبُ أرجاءه، وترينا تفاصيله المتداعيةَ. خرابٌ ترافقُه الموسيقى، وموتٌ تشقُّ هيبتَه (أو تدعمها) مجموعةُ أطفالٍ يلعبون بدمى البنادق والمسدّسات. لقطاتٌ تتقاطع في الذّاكرة مع مشاهد مدينة الله Cidade de deus الشهير.

لكنّ بطلَنا زينْ ليس دزي بيكينيو Zé Pequeno، بل هو صبيٌّ لبنانيٌّ لم يتجاوز الثالثة عشر، ويعمل عند صاحبِ محلٍّ حتّى لا يطردَه وعائلتَه من البيت الّذي أجره لهم. أبوه لا يفعل شيئا سوى الاندهاش من حاله والسخط على حياته، وأمُّه تحاول عبثا السيطرةَ على كلِّ من خرج من رحمها، وتحاول بجهدٍ أقلَّ أن تمنع قدوم أشخاصٍ آخرين.


تنقلُ لنا نادين لبكي تفاصيلَ كثيرةً عن الحياةِ اليوميّةِ في هذا الجحيم. تنقلُ إلينا أفكارا عن غسيلهم، عن أكلهم، عن مشروباتهم، عن تحيّلهم على الصيدلية، عن تعوّدهم على السجون، عن بنادق صبيانهم الخشبية، عن نومهم، عن حياتهم الجنسية، عن علاقاتهم في ما بينهم، عن خضوعهم لمن يملكون المال، عن قذارة بيئتهم، وحدّة طباعهم. وفي لجّة الخراب، ترفع نادين لبكي أعمدة الدراما. فمن زواج أختِه الصغيرة القاصر، تبدأ مغامرةُ زين المثيرةُ، وتبلغُ ذروتَها مع يوناس الرضيع الاثيوبيِّ المتروك في أحضانه، هو الذي لا يجد لنفسه أكلاً. هل بكى زين؟ هل نظر إلينا عبر القُمرة صارخا متوسّلا؟ كلاّ، بل كان في كلّ مرة يبحث عن حيلة جديدةٍ ليعيش يوما إضافيّا، كان يضحكنا، ويثير شغفنا بالحياة إذ يذكّرنا بحلاوةِ الانتصار على سوءاتها. إن هي مرّتان أو ثلاث، بكى فيهما كما قد يبكي أي شخص آخر، بدون مبالغة ولا تكلّفٍ. فكيف استدرّ الدّموع؟

ثمّ إنّ التّكلّف يصبحُ صعبا مع ممثّلين مثل هؤلاء، لأنّ المخرجة أتت بهم من ذات البيئة الّتي تصوّرها في الفيلم. فمؤدّي شخصيةِ زين، هو زين الرّافعي، لاجئ سوريّ يمرّ بذات الظروف الصعبة. أمّا مؤدّية شخصيّةِ تاغست/راحيل فهي أيضا إثيوبيةٌ مهاجرة لا تملك أوراقا رسميّةً، ولسخريّة الأقدار، أوقفتْ في ذات الأيّام الّتي كان فيها تصوير مشاهد القبض على شخصيّتها، كأنّما يحاول الواقعُ أن يحاكيَ الخيالَ لا العكس. وكذلك الأمر لأبويْ زين في الفيلم، فكان آداء أمّه سعاد (كوثر حداد) شيئا لا يصدّق، شيئا حقيقيّا إلى درجة تكاد تتجاوز الواقع نفسه. كلّ شيء في تصرّفاتها يحكي قصّة حياة امرأةٍ مثل سعاد، ركام من الجهل واليأس والبراغماتية والحنوّ والحسرة وبقايا الحبّ. وحينما توجّهت بحديثها إلى نادين المحامية في المحكمة، كانت وكأنّها تقول كلامها، وتوجّهه إلى نادين المخرجة.


إن كفرناحوم انتصارٌ دراميٌّ للسينما اللبنانية والعربية، لما فيه من صنعةٍ ومتانة واهتمام بالتفاصيل. وهو أيضا انتصارٌ فنيٌّ، فعدسةُ نادين لبكي لم تقصّر هي الأخرى في إلمامها بالتفاصيل. ولقد كانتْ قُمرتُها الملتزمةُ بارتفاعٍ يحاكي قامةَ زين الصغيرة، تقتفي أثر الصبيِّ وتعكسُ ما تلتقطُه عيناهُ، وتجعلنا نرى الدنيا من حولهِ بهما. فماذا عن الجانب الأدبيّ؟

لا شكّ أنّ نادين لبكي حاولت بالفعل أن تصنع فيلما "يعالج الكثير من القضايا الاجتماعية"، وهو مقصد رديء يعودُ إلى سوء فهم عربيٍّ متواصل للفنّ. كأنّه لا يكون جدّيّا ومقبولا إلا بقدر ما "يطرح" من قضايا، وبقدر ما تكون هذه القضايا مسكوتا عنها. على أنّ ما أرادت به المخرجةُ اللبنانيّةُِ سوءا، كان ميزةً في الفيلمِ. ففي تصوير مثل هذا الحيِّ البيروتيِّ، لا يزيدُ المشهدَ بلاغةً إلّا تنوّعُ المصائب والإشكاليات: غياب التنظيم الأسريِّ، زواج القاصرات، كدح الأطفال، اِنتشار الأميّة، البناء الفوضويّ، فساد البنية التحتية، المخدرات، الانقطاع عن التّعليم، الاتجار بالبشر، اِستغلال العملة اللاشرعيّين… إنّ اجتماع كلّ هذا، هو ما صنع المشهد، وإنّ أغلبها قد مرّ عَرَضا، ولم يتجاوز الديكور الدراميَّ، لذلك أستحسنه وليس العكس. إنّ قيمة كفرناحوم تكمن أساسا في أنّه لم يتحوّل إلى برنامج وثائقيٍّ وظلَّ عملا فنّيّا. يُحمل المشاهِدُ على التّحمّس لصراع زين من أجل البقاءِ، وعلى اكتشافِ أطباع النّاس الذين يقابلهم. هذا يحنُّ عليه ويشتري له شطيرةً، وهذا يريدُ التّحرُّش به، هذه على فقرها تستضيفه في دارها، وتلكَ تحرمه من استعادةِ أغراضه. هذه تعلّمُه تقنيات الشحاذة، وهذا يعرضُ عليه بيعَ يوناس. هذه بانوراما إنسانيّةٌ ثريّةٌ ومهمّة، فلماذا نتجاوزُها نبشا في "القضايا"؟ لماذا نتجاوزُ فرادةَ زين لنزجَّ به في قالبٍ إحصائيٍّ؟ ألسنا بذلك نُعدمه مرّة ثانية بعدما أخرجته نادين لبكي إلى النّور؟

لقد ركّزت المخرجةُ على محاورَ معدودةٍ مثَّلَ الانتقالُ فيما بينها مغامرة البطل: زواج القاصرات، فالهجرة اللّاشرعية، فأطفال الشوارع. فصوّرت كلّا منها بما تأتّى، دون أن تنشغل بالمعالجة، أو طرح الحلول كما طالب البعضُ. كأنّما على السينما أن تطرح المشكل وتبحث عن العلل وتقترح الحلول. ربّما عليها أن تنفّذ أيضا وتترك السّياسيّين والمفكّرين ومنظمات المجتمع المدنيّ ينشغلون بمسائل أهمّ. أمّا أنا فحسبي من الفنِّ مهمّتُه الأساسيّةُ وهي تعبيريّتُه، ولقد عبّرتْ نادين لبكي بجدّية واحترامٍ عن أحد وجوه مجتمعها المغيّب عن الشّاشة. ورغم ذلك، فتعبيرُها لم يخلُ من نَفَسٍ برجوازيٍّ لا نستطيع إنكار وجوده.


تقول نادين لبكي إنّها حذفت الكثير من مشاهدِها في الفيلم، وأبقت فقط على النّزر القليل منه، ذلك أنّها تعتبرُ وجودها فيه، الكذبة الوحيدةَ. فهي لم تكن يوما محاميةً بينما لعب أغلب الممثّلين شخصيّاتِهم الحقيقيّة. ثمّ إنّ دورها عكس نظرةً فوقيّةً مشمئزّةً لا من بيئة زين الفقيرةِ، بل من أهله، من الفقراءِ. إنّها تلك المحامية الّتي هرعت إليه بالنّجدة، ثمّ أشارت بأصابع الاتّهام إلى هؤلاء الهمجِ الجهلة مسائلةً: لماذا تأتون بزين إلى الحياة؟ لماذا تصرّون على التّكاثر ونحن نبارك بِصَمْتنا كلَّ ما يحدثُ لانحساركم وانقراضكم؟ لماذا لا تُنهون الفقر في هذا البلدِ بإنهاء وجود الفقراء، وجودكم؟

لقد كانت واعيةً بوضعيّةِ شخصيّتها، لذلك اختزلته في لقطاتٍ عابرة، ولذلك منحت الوالديْن فرصةً للدّفاع عن نفسيهما، فكانت إجابةُ أمّ زين القاسية، أصيلةً نابعةً من خبرتها الشخصيّةِ. لقد بذلت نادين لبكي مجهودا واضحا لتُقلّص من ظهورها اتّقاء لهذه الصّورة، فأثبتت بذلك صدقا في محاولتها، لا يصحُّ ولو أخلاقيّا التّشكيك فيه.

ربّما اتّقى الفيلمُ الخوض في ما وراء الخراب، ربّما لم يشر بالأصابع إلى أولئك الّذين يملكون مفاتيح السجن، لكنّ المشهد من البلاغة، ما يُعفي المُشاهدَ فرط التّفكير. لماذا لا نعرفُ سنَّ زين؟ لأنّه لا يملك أوراقا رسمية، أبوه لا يملك أوراقا، ثمّ تتوجّه القُمرة إلى سيادة القاضي ـ وهو قاضٍ حقيقيٌّ بالمناسبة. لماذا تُركتْ فتاةُ الإحدى عشر ربيعا تتزوّج؟ لأنّ القانون يسمح بهذا. هكذا يقول الشاهدُ-المتّهم زوجُها السابق. ومرّة أخرى تعود القُمرةُ إلى حضرة القاضي. فهل يحتاج الأمرُ جهدا كثيرا لنفهم مقصد المخرجة؟


إنّ مشهدَ المحاكمةِ الأخير، حيث تجاوزت الأفكارُ الصّورةَ، وطفتْ على الحوار، يعكسُ ولا شكَّ تصوّرا سطحيا وساذجا للقضيّة، لكنّه تصوّرٌ نابعٌ من طفلٍ في نهاية الأمر، أوتيَ ما أوتيَ من ذكاءٍ وفرادةٍ، لا يكاد يعرفُ من الدّولةِ غير جهاز الشرطة، وحضرة القاضي الّذي يقف بين يديه. ولئن تتبنّى المخرجةُ هذا التصوّر على أنّه من طفلٍ استثنائيٍّ فهو لا يلغي سذاجته. وفي الآن ذاته، فالمشهدُ لا يمكن أن يلغيَ باقي الفيلم، ومختلف الصّورِ الكثيرةِ الّتي صوّرت ماهو أبعدُ من سؤال لماذا أنجبتموني؟

فهل سألت راحيل وهي تبكي داخل أسوار السّجن أن لماذا تركتموني أدخل؟ وهل أخفتْ عنّا لبكي مسؤوليّةَ طبقتِها وعنصريّتها حينما حاولت راحيل تغيير كفيلها في ذلك المشهدِ الكوميديِّ الأسود الرائع؟

كفرناحوم عملٌ فنيٌّ متميّزٌ إذ سار بنا في وريدٍ يشقُّ قلب الخراب. واستطاع أن يخرج بدراما إنسانيّةٍ جميلةٍ أفسدتها بشكل ما محاكمةٌ صرّحت بما قد عبّرت عنه المشاهد بشكلٍ أعمقَ. غير أنّ هذا الجانب لا يفسِّر الحملة الهوجاء الّتي تشنّها الأقلامُ العربيةُ على الفيلم. إنّني لا أفهم ماذا يريدون من السّينما العربية. كلّما منحهم فيلمٌ بعضَ خيالٍ قالوا إنّما نريدُ الواقعية. وإذا آتاهم الواقعيّةَ قالوا إنما تنقصُه القضايا. وإذا أمطرهم بها قرّروا أنّه سطحيٌّ إذا لم في العلل والأسباب. وإذا ما خاض فيها، طالبوا بالحلول، وأحالوا كلّ المفكّرين والمحلّلين والخبراء والإداريّين والسيّاسيّين وأهل القرارِ إلى التقاعدِ المبكّر. إذا صوّرَ لهم يوتوبيا قالوا بروباغندا امبريالية. وإذا صوّر الدّيستوبيا قالوا بورنوغرافيا البؤس. وإذا فاز فيلمٌ بجائزة قيّمة، قالوا أجاد إرضاء الغرب. وإذا لم يفز أي فيلمٍ قالوا ماتت السينما. في كلّ اتّجاه يرون النوايا السيّئة ويؤوّلون بقواعد مغروسة في رمال متحرّكة، لا تعرف معها ماذا يريدون. ماذا حقّا يريدون؟!

Friday, October 26, 2018

نداءُ القمر

في سنةِ 1999 وقبيلَ وفاتِه بلحظاتٍ، ظهر شريط فيديو للمخرجِ الأمريكيِّ الكبير ستانلي كيوبرك يشرحُ فيه كيفَ زوّر عمليّةَ هبوطِ الإنسان على سطح القمر، وكيف حقّق سنة 1969 أكبر خدعةٍ سينمائية في التاريخ. ورغمَ ثبوت زيف شريط الاعتراف هذا وعدم نسبته إلى كيوبرك، فإنّه لم يسمح إلاّ بتغذية فكرةِ المؤامرةِ. لقد سبقَ فيلمُه أوديسا الفضاء 2001، رحلةَ أبولو11 بسنةٍ، وطويلا ما اعتُبرَ الفيلمُ تحضيرًا أو "بروفةً" لإنجاز الخدعة الكبرى. وساهمَ فيلمُ البريق The Shining سنة 1980 بتفاصيلهِ الغامضةِ في إثراءِ الأسطورةِ (راجع الشريط الوثائقيَّ : الغرفة 237)، فاقترنَتْ أشهرُ مغامرةٍ للإنسانِ عبر التّاريخِ بعالمِ السينما. أليس غريبًا أنّ هوليود لم تُخلّدها في أيَّ فيلمٍ بعد؟


تفطَّن المخرجُ الأمريكيُّ (الفرنسيُّ) داميان شازال Damien Chazelle لهذا الفراغِ فبدأ التّفكيرَ في المشروعِ من قبلِ العملِ على غنائيّتِه العبقريّةِ لالالاند La La Land سنة 2016. يجب الحديث قليلاً عن شازال ربّما لأنّ نظرية المؤلّف Auteur Theory تنطبق على أعماله بشكلٍ كبير. لقد أنجز وهو بعدُ في الثالثة والثلاثين ثلاثةَ أفلامٍ روائية طويلةٍ، آخرها لالالاند المتوّجُ بستّ جوائزِ أوسكار، وأحدُها رائعةُ ويبلاش Whiplash أحد أهمِّ أفلامِ العشريّةِ الأخيرةِ.

ترتبطُ كلّ أعمالِ شازال وثيقًا بالموسيقى، لذلك كان إعلانُ فيلمِه الجديدِ مباغتا، كأنّ الرَّجلَ سيغامر بالعملِ خارجَ نطاقِه، لكنّ العنوانَ يكذّبُنا.

الإنسانُ الأوَّلُ First Man هي الصّفةُ الّتي ارتبطتْ إلى الأبدِ بالأمريكيِّ نيلْ أرمسترونغ Neil Armstrong منذ أن وضعَ قدمَه على سطح القمرِ. وهو إنجازُه الّذي به يُعرَفُ ويُعرَّفُ. وبه يبشِّرُ بدراميَّةِ العلاقةِ بين الإنسانِ ومنجَزه: هلْ كانت رحلتُه إلى غياهبِ الفضاءِ ممتعةً وثيرةً؟ هل كان الوصولُ خاليا من التضحيات؟ وإن وجدتْ فهل كان الإنجازُ من مقامِها، جديرًا بها؟

عبر هذه الأسئلةِ نستعيدُ من جديدٍ أفلامَ شازال السّابقةِ وندرُك الجامعَ الحقيقيَّ بينها. إنّنا تقريبا أمام فكرةٍ واحدةٍ، تدعو إلى التوقّف للحظاتٍ أمام هاجسِ الإنجازِ والتّأمّل فيهِ وفي عواقبه وفي فداحةِ الثّمنِ الّذي قد يدفعه المرءُ من أجله. وهي فكرةٌ تناسبُ بديهيًّا فيلما عن أرمسترونغ.

الحقيقةُ أنّ فكرتنا عن السّفر إلى الفضاءِ الكونيِّ موبوءَةٌ بالآمال المعقودةِ على المستقبلِ، بصورة الرُّوادِ النّائمين في سكينةٍ داخلَ قوقعةٍ صُلبةٍ ووثيرةٍ حتّى الوصولِ إلى الهدفِ. إنّ رائدَ الفضاءِ شخصٌ محظوظٌ غالبا، ولو أنَّ أفلاما كثيرةً تمحورت حول الحوادثِ الفضائيةِ (رجلُ المرّيخ The Martian، جاذبية Gravity، أبولو13) فإنّها حوادثٌ لا تُلغي فكرةَ التّشريفِ، وفكرةَ الحُظوةِ اللامبرَّرةِ الّتي يحصلُ عليها الرّائدُ منذ البدايةِ. ثمَّ إنّ رحلةَ أبولّو 11 التّاريخيّةَ كانت خاليةً من الحوادثِ (أو هكذا يخيَّلُ إلينا)، إنّها رحلةٌ مظفَّرةٌ يمرحُ خلالَها الإنسان/الرّائدُ فوق سطح القمرِ بلا أيّةِ هواجس.

وفي هذا المستوى، يُحقِّقُ "الإنسانُ الأوّلُ" أولى انتصاراتِه. فإن التزمَ الفيلمُ بفكرةٍ تجاهَ الحدث التّاريخيِّ، فهي ولا شكَّ إعادة تشكيل صورة الرّائدِ وصورة الرِّحلةِ الفضائيّةِ. في سنة 1962 لم يطرحْ بعدُ على نيل أرمسترونغ فكرةُ السفرِ إلى القمر. وحتّى سنة 1968 أي قبل سنة من الرحلةِ، لم يكن هو الخيارَ الأوّلَ للمغامرةِ. وكان عليه قبل أن يقودَ أبولو 11، أن يجتهدَ كثيرا، ويعانيَ طويلا، ويؤجّل موته مرارا. لا تسئ فهمي، فلسنا إزاء فيلمٍ عن المثابرة حتّى النّجاحِ. ولا يوجدُ أيُّ مشهدٍ احتفاليٍّ ملحميٍّ في نهايتِه. لقد كانت عذاباتُ رائد الفضاءِ فكرةً بعينها. صورةً أرادَ لها شازال أن تطفوَ وتكشفَ عن استحقاقٍ حرمت منه هذه الفئةُ طويلا.

لم تكنْ رحلةُ الإنسانِ إلى القمرِ مسلّيةً إلى الحدِّ الّذي قد نتخيّله. ولم تقدر عقولُ المهندسين والفيزيائيين أن تؤمّنَ كلَّ شيءٍ. لقد كان الموتُ مترصّدا بشكلٍ مدهشٍ. مختبئا بين أكمات الأخطاءِ الرّياضيّةِ البسيطة جدا، وخلف كلِّ غفلةٍ عن عاملٍ من عواملِ الطبيعةِ اللاّنهائيّةِ. حين التحقَ نيل بمشروع جيميني Gemini، فقد زميلهُ إليوت سي Elliot See الحياةَ رفقة آخرينَ في تدريبات جويّةٍ سنة 1966. ثمّ كانت كارثة أبولو 1 سنة 1967 إذ احترق ثلاثةٌ من خيرةِ الرّوادِ في قُمرةِ القيادةِ قبل الانطلاق. وكان من بينهم إد وايت Ed White جارُ نيل وأقربُ الزملاء إليه.



لم يقتصد شازال كثيرا في تصوير حضور الموتِ، فصوّرَ مشهد الاحتراق من خارج القمرة بطريقة مستفزّةٍ موجعةٍ. وتابعَ لحظاتٍ نجا فيها نيل بأعجوبةٍ خلال عمليّاتٍ تدريبيّةٍ أو مهامّ رسميّةٍ. اِنفجارات، جروح، حوادث، غيبوبة في الفضاء، وخروج عن سكّةِ الجاذبية. تنويعٌ يذكّرنا قليلا بأطباقِ الموتِ التّي قدّمها فيلم دنكرك منذ سنتين. هاهو يستنبطُ له وصفة جديدةً: فخلفَ السّكون الّذي قد توحي به صورةُ قُمرةِ القيادةِ، تتعالى ملحمةٌ صوتيّةٌ معدنيّةٌ رهيبةٌ تعكسُ هشاشةَ السُّفنِ الفضائيّةِ. وفي مشهدِ الافتتاحِ، كانت المركبةُ تعوي عواءً مخيفا، أشبه باستغاثات البشر، ونرى احمرار مقدّمتها وهي تجاهد لاختراق الغلاف الجويّ. وفي مشهدٍ آخر، يخيَّلُ إلينا سماعُ تطايرِ البراغي. هندسةٌ صوتيّةٌ تحبسُ الأنفاسَ، تبلّغُنا أنّ روّاد الفضاء الأوائلِ، كانوا يسافرون في علب سردين تقريبا، وكان الموتُ أقربَ إليهم من حبلِ الوريدِ.

جُعلت فكرةُ الموت محوريّةً في الفيلم. فلم تقتصر على عملِ أرمسترونغ في وكالة الفضاء، بل تواصلت في منزله. لقد كان شازال بحاجةٍ إلى بهاراتٍ دراميّةٍ وقد وجدها في وفاةِ كَارِنْ أرمسترونغ Karen، فحوّلَ عبرها اﻹنجاز العظيمَ إلى محنةٍ لازمت الرّائد طيلةَ ستّ سنين. وبدا كأنّه في رُنوّه للسماءِ يبحثُ عن ابنته، ويرغب أن يلتقيها مرّةً أخرى. لقد ساهم هذا الخيارُ في جعلِ انطوائيّتِه الّتي عُرفَ بها طبيعيّةً. ولا شكَّ أنّ اختيارَ ممثِّلٍ يجيدُ التعبيرَ الضّمنيَّ عن الحزنِ والغضبِ مثلَ ريان غوسلينغ Ryan Gosling لم يكنْ عشوائيّا. في المقابلِ، أدّت كلير فوي Claire Foy دورًا أكثر انفعاليّةً عبر شخصية جانِتْ أرمسترونغ Janet Armstrong. ونتيجةُ ذلك، دراما عائليّةٌ جيّدةٌ، تُوّجت بمشهدِ الوداعِ الّذي سيظلُّ محفورا في الأذهانِ.


هل بالغ شازال في استعمالِ موت كارن Karen لأغراضه الدّرامية؟ لا أظنّ ذلك، ولكنّنا نلمسُ تهافتا من أجل إفرازِ المعنى من سيرةِ البطلِ. ربّما كان موت البُنيّةِ مؤثّرا، وربّما كان حضورُ الموتِ في حياتِه طاغيا، لكن يصعبُ أن يمثِّل ذلك دافعا كافيا لرحلته. إنّ أرمسترونغ مجبولٌ على المضيِّ قدما، مع حضور الحوافزِ التاريخية والسياسيّة والمادية وغيرها. لقد كان أشبهَ بجنديٍّ في معركةٍ محمومةٍ لغزوِ الفضاءِ. بل إنّ هذا أبعدُ ما يكون عن المجازِ، وأبعدُ ما يكون عن العفويّةِ. فقد كانت أخبارُ الضحايا تأتي كأخبارِ الوفيّاتِ من الجنودِ، وكان التحضير للتأبين يحدثُ بذات السّياسةِ. ذلك ما خفيَ عن أعيننا وراءَ خطوات الإنسانِ المختالةِ على سطحِ القمرِ، وذلك ما حاول شازال أن يبرزَه.

يبقى "الإنسانُ الأولُ" مع ذلك فيلمًا عن الفضاءِ. لؤلؤة في عقدِ أفلامِ الميزانيّاتِ الضّخمةِ الّتي جادتْ بها هوليود عن غزو النجوم. لقد كان الفضاءُ في ما مضى حصرا على صنف الخيالِ العلميِّ، ولذلك يصنَّفُ فيلمٌ عجائبيٌّ (Fantastic) مثل حرب النجوم Star Wars على أنّه خيالٌ علميٌّ. وللسّبب نفسه وقفَ الكثيرُ حائرين بشأنِ تصنيفِ فيلمِ "جاذبية" Gravity. لكنّ "الإنسان الأوّل" يكسرُ بشكلٍ قاطعٍ احتكار الخيالِ العلميِّ على الفضاءِ الكونيِّ الشاسع، إذ يمنحُه إلى نقيضه : السينما التّاريخيّةِ.

تكشفُ مشاهدُ الفيلمِ عن إحاطةٍ مدهشةٍ بتفاصيلِ الحقبةِ الزمنيةِ. رائحةُ السّتيناتِ في الملابسِ، وأثاثِ المنزلِ، والتقنياتِ والموسيقى، والأحداثِ طبعا. وجرى تدقيقٌ تاريخيٌّ صارمٌ في أبسطِ آلات التدريبِ ومركباتِ الفضاءِ الأسطوريّةِ المشاركةِ في الرحلةِ. طبعا لا دخلَ لي في تأكيدِ هذه الدّقّةِ، فهناكَ مختصّون وخبراءٌ قد شهدوا به.

وعلاوةً على الدِّقّة، فقد اعتمدَ شازال على أموال يونفرسال Universal الطّائلةِ ليقدّمَ لنا صورةً مدهشةً للقمر. في مشهدٍ عظيمٍ ساحرٍ تتماهى عيون المتفرجين بعينيْ الإنسانِ الأوّلِ وهو يديرهُما على المكانِ المظلمِ المنير في آن. صخورٌ ملءَ الأفقِ، وصمتٌ تضيعُ فيه الجاذبيةُ، وعناقٌ بين الضّوء والعتمةِ، وتناقضٌ حادٌّ فاتنٌ كأفلامِ الجريمة السوداءِ Noir ولقطةٌ في ثلاثمائةٍ وستينَ درجةً تؤكّدُ على محدوديَّة تأثيرِ الكمبيوتر في هذا التنصيبِ التشكيليِّ المذهلِ.



تقنيّا، فقد تخلّى المخرجُ عن الصور المصمّمة بالكمبيوتر CGI واعتمد على الطّرق الهوليوديّةِ الكلاسيكيّةِ البديعةِ. فاستعملَ مركبات فعليّة محاطةٍ بشاشات عملاقةٍ تعكسُ الخلفيّةَ المطلوبة. فكان الممثِّلُ أثناءَ التصوير قادرًا على تأمُّل سطحِ القمرِ، دون حاجة إلى تخيّله. وهو عملٌ معقّدٌ أضفى على المشهدِ أصالةً عظيمة.

أمّا أسلوبيّا، فقد طغت لقطة القُمرة الذّاتيّة Point of View shot على أغلب مشاهدِ الحركة، ليعيش المشاهدُ لحظات الاقترابِ من الموتِ كما لو كان رائدَ فضاءٍ. وهذا ليس تشبيها بلاغيّا، فأغلب الظنِّ أنّ الفيلمَ معدٌّ خصّيصا لتقنية الواقع الافتراضيِّ Virtual Reality ولن ننتظر طويلا قبل أن نجد عروضا بهذا الشّكل. وعلى كلّ حالٍ فـ"الإنسان الأول" تجربةٌ بصريّةٌ يستحسنُ أن تتمَّ في أفضل الظروف، أمام شاشة IMAX لمن استطاع إليها سبيلا.

أعتقد أنّ شازال لم يُفلحْ كثيرا على المستوى الأدبيِّ، فالعملُ تكلّف النّبشَ في فكرةِ الموتِ، وعلاقتها بدفعِ الإنسانِ إلى القمّةِ، ولم يبلغ الأصالةَ إلاّ في تغييرِ فكرتِنا عن رائدِ الفضاءِ وطبيعةِ عملهِ. وعلى المستوى الدّراميِّ لستُ أشاطرُ انتقاد الكثيرين لغوسلنغ على فتورِ ملامِحه وعجزه عن تبليغِ انفعالاته، فالرَّجلُ في صمته كان قادرا على تبليغ أعقدها، وقد أثبت ذلك في أكثر من مشهدٍ. أما على المستوى التقنيِّ، فالفيلمُ تحفةٌ حقيقيّةٌ سيتردّد إسمه طويلا في ترشيحات الأوسكار لهذا الموسم.
 
الفيلم : الإنسانُ الأوّلُ First Man
المخرج : داميان شازال Damien Chazelle
الصنف : سيرة، تاريخ، حركة، فضاء
المدّة : 141 دقيقة
السنة : 2018
النجوم: ريان غوسلنغ Ryan Gosling، كلير فوي Claire Foy

Translate