Showing posts with label الأقصوصة. Show all posts
Showing posts with label الأقصوصة. Show all posts

Sunday, November 17, 2019

عن الذي ينقص



تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، وتململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، وراح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية ورطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، ولكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟ لماذا تعيش هنا إذا؟
فتح التلفاز وراح يحملق في الصور المضيئة وقد أخذته نفسه عن ما حوله... كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ والقهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان...

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، ولزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، إذ يجهل إحداثيّاته، وعليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت... في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات والغرف والعنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، وكذلك العيون والنفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك. كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء وشحّ الضوء والهواء. لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق والانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، ودهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، وربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، وقد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما كان زبائني يتهاوون.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، ولكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن وهذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه وحركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، ولا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاهل ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا... وحينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها وتقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها... ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي والدعابات القديمة... في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، وكثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة... أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، ومن يد البقال المتشققة الممدودة إليه، فرمى بالكيس أمامه وغادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأن البائع تعرّف عليه، وربما لأنه لم يفق من المفاجأة. وربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه... هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، ولكنه يصدّق الهاتف الذي بداخله. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يعبث بالأجساد، وأن يكِلَ للطبيب إيجاد على طبيعية لتفسير العبث خارج الأقبية. مرض قديم عاود الظهور، هبوط مفاجئ في الدورة الدموية تطلب تدخلا عاجلا، محاولة انتحار سببا تعفنا وتطلبت قطع شيء ما... لذلك لم يثق قطّ بالأطباء... لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم وينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة... رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة عليها حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى...

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة وما تفرضه من هراء. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى حينما كان نجم الأقبية، واليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه... قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان وكل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. وهاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة والمرناڨ، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم وينام...

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه. فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة... أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه قادما لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم لهم شيئا من الحكمة... من الخلف...
عاوده القرف وهو يتأمل القارورة. وخيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا واستدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب. إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل. هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، ولكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، وربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ وجماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، وكما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته. ويمكن بيسر وثقة أن يميّز بين ندبته وغيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة. تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع. اِرتعاش الأنامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، والعرق البارد. حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا... علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته وقد جُرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ متهوّر واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكّروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى...
قرأ على الوجوه نفورا واضحا. اِنزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة وحياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، وبدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل وقد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، ونبرة البلطجة... لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده... فلينزعجوا إذا. فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة... أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا ولا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

بص جانبا ثم نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا. وغادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهدات والنكات السخيفة... إن البشر لمقرفون. لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، وخيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ وكيف يتوب وقد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظلّ في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكلّ ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها... بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. ولئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، وله أن يحدثه قدر ما يشاء.

سُرَّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. وعاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، ولعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا واعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، وسيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون...
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. وتذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، وهذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة... وتساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح ضمور قدمه اليمنى وهو يقدّمها للمياه، كأنما ذبلت ولم تعد تصلح لشيء. اِنتابته موجة غثيان رهيبة، فغادر مهرولا... إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، وما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا وازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، وأشعل لفافة تبغ ودخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. والأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، وابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز وطلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة... حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم...

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ وإنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف فيها جسدَه. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها لا ليعبدها.

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده واستسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. وحينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة وحسم، وسألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة ولا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه ودواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، وإن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، ولا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك وتحضيرك.
وبسرعة وضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، وبدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، وحينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم وقد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، وأردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، ولطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا. كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، وإحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا وكأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Thursday, October 15, 2015

ولد البهيم

أحكمتْ تثبيتَ خمارِها تحت سترتِها. تأمّلتْ شكلَها أمام المرآةِ المرقّشةِ. لا شيءَ تغيّرَ. لا شيءَ يتغيّرُ. سمرةُ الوجهِ لم تملْ بعدُ إلى البياضِ. والوجنتان لا تزالان غائرتين داخل فمها. حاولت أن تأكلَ أكثرَ. ظهرَ ذلك على خصرها فخافت أن تخسرَ آخر ما بقيَ من الأسلحة. عادت إلى زهدها في الأكل وعادت إلى إظهار نحافة جسمها. مطّت شفتيها مرارا لعلّها تستخرجُ منهما بعضَ البريقِ. مزيدا من أحمر الشفاهِ. هذا أفضل. تكلّفَ القلمُ ثروةً صغيرةً، لكنّه يستحقّ، يثبتُ ذلك في كلِّ مرّة. بعضُ الألوان على الوجنتين. تقول المُزيّنةُ، يجب أن تتناسق الألوانُ مع الأثوابِ. هذا يجعل المهمّةَ أكثر تعقيدا. لون البشرةِ، لون الأثواب، ألوان الزينة، ألوان الرجال... حُقّةُ هذا البُنّيِّ تكادُ تنتهي. ضمور الوجنتين يكادُ يختفي. ستوصي نزيهة بجلبِ المزيدِ منهُ من تركيا. الحاجبان! لا بدَّ من إبراز الحاجبين!

"أُذِّن و إلا مازال؟"

شعرتْ بتوتّر حينما سمعت العبارة. تفضِّلُ دائما أن تخرُجَ دون أن يشعرَ بها أحدٌ. ليس بها رغبة للتواصل داخل هذه الجدران. فضّلت أن لا تجيبَ. عاودت التطلُّعَ إلى المرآةِ من مسافةٍ أبعدَ. لا بأسَ. يومٌ جديدٌ. محاولةٌ جديدةٌ. اِختارت الألوان بعناية هذه المرةَ. راقبته طويلا. عرفتْ إلى أيّ الألوان يميلُ.

حقيبةُ الأكلِ مهترئةٌ، لكنّها تنجزُ عملها بكفاءة، وتحفظُ لها كنزها الصغيرَ. أمام البابِ اصطفَّ كدسٌ من الأحذية. ألقت نظرة جانبيّةً على قدمِها اليمنى. فَرَدَتها كراقصات الباليه. اِنحت وتناولت زوجا من ذوي الكعب العالي. القدمُ جميلةٌ دوما بالكعبِ العالي. لن يمكنَه تجاهُل الصوتِ من بعيد. سيكون اليومُ شاقًّا بهذا الحذاء، لكنَّ العبرةَ بالخواتيم. فتحتْ البابَ لتُواجِهَ العالمَ.

"حيِّ على الفلاح!"

إنَّها الخامسة، حفيفُ الهواءِ يجمِّدُ الأطرافَ. القمرُ الباهتُ المعلَّقُ يتراجع خائبا. الصَّمتُ المطبقُ يبشِّرُ بولادة النهار. مرَّ شريطُ يومها أمام عينيْها قبل أن يبدأَ. أحسَّت بشيءٍ من التَّعبِ كأنَّها في آخر النهارِ. لن يكونَ الفرق كبيرا بين الموقفين. ستكون تماما هكذا بعد إحدى عشر ساعة من الآن. وسيكون القمرُ معلّقا، والهواءُ مجمَّدًا، و ربّما صوت الآذان الأخيرِ مبشِّرًا بعودة الصمتِ على المكان.

سربٌ من الأشباح يجاهدُ الريحَ وحُفَرَ الطريقِ المقابلِ. ستبدو هي أيضا على درّاجتها بعدَ قليل شبحًا صامتًا يقطعُ المدينةَ من طرَفِها إلى الآخرِ. الكلُّ هنا يذهبُ إلى هذا الطرفِ الآخرِ. يحُجُّ إليه مبتهلاً داعيا. يطوف في أرجائه. ينشُدُ خلاصَه. هي أيضا تريدُ الخلاصَ. فقط لو أنّه يلحظُها!

"يا سي عليّ، ما عندكش فكرة على قرارات اليوم؟ صباح الخير يا هادي، نهارك طيب!"

اِقتربتْ من الحشدِ عندَ المرآب. أحكمتْ غلقَ قفلِ الدرَّاجةِ. تظاهرتْ بالانهماكِ في ذلك، بينما عيناها تجولان خفية في المكان. لا ظلّ له في الأنحاء. لعلَّه باشر عمله باكرًا... سعلتْ مرّتين، نزعتْ معطفها. ربَّما تجذِبُه ألوانُ الثوبِ الجديدِ، ولو كان في الداخلِ. كادَ البردُ يذهبُ بجسمها النحيلِ، لكنّها واصلتْ طريقَها إلى قسمِ الكيميائيّاتِ. ضربتْ بقدمها على الأرض، لعلَّه يسمعُ صوتها فيظهرُ من تحتِ الأرضِ. لا بأسَ. ستراهُ وقتَ الغداءِ...

في قسم الكيميائيّاتِ، مرّتْ من أمامه، لكنَّها لمْ تلحظه. اِنتابته حرارةٌ مفاجئةٌ. لم يكنْ أحدٌ معه في موقع عمله. لحسن حظِّه لم يكن أحدٌ هناكَ. اِبتلع جفافَ حلقه. تمالكَ نفسَه. عاودَ اختلاسَ النظرِ إلى ما تبقَّى من ظلِّها في المكانِ. لقد اختفتْ تماما! أخذ نفسا عميقا وحاولَ اجترار ما غنمه من اللحظةِ العابرةِ. لم تسعفه النظرة الخاطفة بملاحظة الكثير. لم يعتدْ منها تركيبة الألوانِ هذه. ما تبقَّى من المشهد كان ما يكوّن شكلها في قلبه. وقعُ مشيتِها، نحافةُ خيالِها، حنانُ عينيها، رعشةُ جسدِه كلَّما استشعر رائحتها. لا تزالُ الرائحةُ الخفيّةُ تملأُ الفضاءَ من حوله. تمرُّ كلَّ يومٍ من قربه، تتركُ له كلَّ ذلك، و خيالاتٍ كثيرةٍ تذهبُ به عن عمله لبعض الوقتِ. صارَ في كلِّ صباح ينتظرُها كمن ينتظرُ وقتَ صلاتِه...

"جماعة الاتّحاد، قالوا يلزمنا احتجاج!"

ثمَّ يتهشَّمُ كل شيء في ذهنه كما الزجاج. يعودُ إلى عالمه و إلى الرّافعة المنتصبة أمامه. هتافاتُ الزملاء من حوله، وأوركسترا الآلات الرّخيمة الواثقة، و هذا البخارُ المتصاعدُ إلى الله. اِزداد حديثُ العمّالِ توتّرا هذه الأيامِ، و زاد حجمُ شرودِه في البخارِ المتصاعد من حوض السائل الكيميائيِّ الخانقِ. تابعَ صعودَه إلى السَّقفِ حيثُ مسالكُ التهوِئةِ تنقلُه إلى مكانٍ ما. تساءلَ ما الذي يسبّبُ له أوجاعا في الصدر إن كانت الأبخرة تخرج من فوق؟

"هل ستشارُك في الإضراب؟"

كان يعرفُ الإجابة عن سؤالهِ البليدِ، مثلما كان يعرفُ الإجابة عن سؤالِ زميله. لهثَ و هو يحرّكُ الرافعةَ إلى الخلفِ قليلا. راح السائلُ ينسكبُ في وعاءٍ كبير. عاودته أوجاع صدره. لكنّه يعرفُ أنَّه لن يحتجَّ و لن يُضربَ. يعرفُ أنَّ بقاءَه مضمون بسبب توصيةٍ من السيّد المعتمَدِ. حينما ذهبَ إليه حاملاً بطاقة مناضلٍ بإسم جدِّه، و شهادةَ فقرٍ، وعدهُ في فتورٍ بالشغلِ والكرامةِ. تلك العبارةُ الّتي ما فتئَ كلُّ مسؤولٍ يردِّدها بعدَ الثورةِ المباركةِ. قتلَ جدُّه خمسةً وثلاثين عسكريّا فرنسيّا زمنَ المقاومةِ المسلّحةِ، وكسبَ هو ببطاقة نضالهِ، ثلاث مائة وخمسين دينارا شهريّا. الحسنة بعشر أمثالِها كما يقولون. والسيّئة أيضا بعشر أمثالها. لكنَّه لم يعرف السيّئة الّتي جعلت من جدِّه يكنّى "رجبْ البهيم"* وجعلت النّاسَ تناديهِ "ولد البهيم". يسمعُها همسًا هنا وهناكَ، وجهرا وقتَ الخصامِ. جرّب صغيرا أن يغيّر من عادة القوم، فتعلّمَ درسَه الأوّلَ: العادةُ لا تقاوَمُ. في هذه المدينة، كلُّ شيءٍ سيظلُّ كما هو. سيظلُّ يسكبُ هذا السائلَ ويرسلُه إلى نقطة العملِ الموالية في السلسلة. سيظلُّ ولدَ البهيم، وسيظلُّ مكتفيا بنصيبه.
ليحتجّوا، ليُضربوا، هذا حقّهم، و هو معهم بقلبِه، لكن بعيدا عن رزقه، بعيدا عن رزق جدّه العجوزِ المشارف على الموت. بعيدا عن حلوى أبناء عمّته التي يلتزم بشرائها كلّ أسبوع. العادةُ رتيبةٌ، مثل عمل هذه الرافعة الصامتة المهيبة. لكنّها مستمرّة، واثقة، لا تتزحزح. أصحاب هذه الرافعة مثلها لن يتزحزحوا. ذلك المدير الإيطاليُّ سيظلُّ هناك، مهما احتجّوا ومهما صرخوا...

"قالوا سيعلّقونَ أسماء المطرودين."

علِــق إسمُها منذ زمن بعيد بذهنه. عرفَ عنها أشياء كثيرةً. عرفَ أنها شاخصة بقلبها إلى الإدارة. لم يحبطه ذلك كثيرا، وأدهشه أنّ ذلك لم يحبطه. لم يحسَّ بالغيرة، لأنّ من حقّها أن تتطلّع إلى شخص ليس مثلَه. إلى شخص لا ينظر إلى الأرض، ولا يكتفي بأجرٍ بخسٍ، ولا ينادونه "ولد البهيم". ظلَّ مكتفيا بوجبة الصباح، من وجهها الكريم، ومن زينتها التي تعدُّها لغيره. رأى نفسه واقفا في الساحة بعد الغداء. رآها تشرئبّ بعنقها بحثا عن غيره. بريق عينيها يذبل شيئا فشيئا، وقدماها تعودان بها القهقهرى. سوف تمرّ من أمامه دون أن تشعر بوجوده، تماما كما لا يشعر ذلك الإداريُّ بوجودها. ربما يلقي إليها تحية متلعثمة حذرة، وربّما تجيبه دون أن تلتفت إليه... اِنتابته شهوة عنيفة وهو يتخيّل المشهد. تساءل: أليس عبثا هذا الذي يراه، كمثل العبث الذي تصرّ هي عليه؟ هو كذلك لا يملك حيلة لحبه ولا سلطانا... لقد قدّر لأهل هذا الفضاء من العمل إلاّ حوادثَه، ومن الأجر إلا مهانته، ومن الحبّ إلا عذاباته.

"يجبُ أن نتحرّك! يجب أن نتضامن!"

لكن لا أحد يتحرّك من أجله ولا يتضامن معه، وكذلك هو لن يفعل. إنّ النضال كذبة كبيرة يخترعها أصحاب الحاجة لاستدراج من لا حاجة لهم. اليوم يتضامن معهم، وغدا ينادونه "ولد البهيم"... وجهه في المرآة يوحي بالتوتّر. تحامل على نفسه والتقط نفسا عميقا. لا توجد بقع على القميص. لا يبدو بهذا السوء. أين الباب؟

خرج من قسم الكيميائيات. الصخب يملأ فضاء المنطقة الصناعية. بدأ العمّالُ بالتجمهر حول القائمات. بعضهم رفض الاطلاع عليها والمشاركةَ في المسخرة. أغلبهم يعرفُ مسبّقا مصيره. ولم تكن هي من بين هؤلاء. لكنّها لم تبدِ انشغالا كبيرًا بما قد يحدث. نظرت إلى مشاريع الأحذية المتكوّمة أمام آلة عملها، وراح ذهنُها يحسبُ رغما عنها. بعشرة دنانير في اليوم تخيط نحو ستين حذاءً. يبيعونه للناس في "الخارج" بعشرات اليوروات. هذا الصنف مثلا، أخبروها أنّ ثمنه في السوق الأجنبية مائة وخمسون من عملتهم أو يزيد. هذا يفوق أجرتها الشهرية بالفعل. يربحون منها الذهب، فماذا تربح منهم؟

"عندي ديون برشة. إذا طردوني، سيُقضى عليّ"

أمّا هي، فلا ديون لديها تقريبا. تهب كلَّ مالها فعلا لأدوات الزينة والملابس. كلّفها هذا الثوب أكثر من نصف أجرتها. لم يقلقها ذلك قطّ. أجرتُها لا تصلحُ لشيء آخر بالفعل. تجد متعةً حين تقول بكلّ صدق لأمها أو أخيها "مفلسةٌ، قلّبوني!" وحين تصرخُ فيها أمُّها في حنق "لماذا تعملين إذا؟" تجيبها بحدّة أكبر "لأتخلّص من وجوهكم، وأوامركم، وخدمتكم!". لم تعمَل يومًا لجمع المال، بل لجمع الأمل. تلملمه بعينيها الكحيلتين، وابتسامتها الحنون. تحاول افتكاكَه من الرجل المناسب. منذ فترة ليست بقصيرة، صارت تعرف من هو الرجلُ المناسبُ. تحدّثها بدلتُه الأنيقةُ عن تفاصيل حياتِها بجواره. عقدتْ آمالَها على طرف المنديل النابع من جهة قلبه. لم يتزوّج لأنّه لم يعثر على بنت الحلالِ. ما أندرَ بناتِ الحلالِ!

"حتّى جماعة الإدارة، ستشملهم الغربلة." 

اِلتقطت أذناها العبارة كما تفعل الأرنب المتحفزة. نهضت وهي تحملق في الباب البعيد. ضاق المكانُ من حولها، امتدّت حشود العمّالِ بعيدا عن المعلّقات، لم يأتِ الدَوْر على قسم الخياطة بعدُ، لكنّ قلبها صار يخفق بعنف ضربات آلتها. كيف تصل إلى الأوراق؟ هتافات العمّال من حولها أكثر زحمة من احتشادِهم.

"سياسةُ الدولة هي السبب!"

"من أين يأتون بهؤلاء المستثمرين؟"

"طليانيٌّ كلبٌ! كلّ الإيطاليين كلاب! لصوصٌ!"

"الأزمة العالمية هي السبب. لا حول و لا قوة إلا بالله."

"تزوجتُ منذ شهر، و الآن سأطلّق وأواصل تسديد الديون! أيُّ دنيا هذه؟!"

تمنّت لو تظلُّ تقرأ الأسماء حتى نهاية القائمة. أن تتحمل التّدافع لساعاتٍ. لكنّها توقّفت عند الورقة الثالثة. كان إسمهُ الأنيقُ يتصدّرها. اِرتخت عضلاتُها. تركت تَدَافُعَ الحشود يعود بها إلى الخلف، إلى الخلف، حتّى لفظها خارجًا. تأمّلت المكان من حولها في صمت. بدا لها المكان غريبا وموحشا. توقفت عيناها عند البوابة الضخمة. بدت أكبر حجما، كأنّها تدعوها إليها. مضت نحوها ساهمة، وقد عرفت أنّها لن تعودَ.

حتّى بعد مرورِ يومين لم تعدْ. اِنشغل باله بها. لم يعدْ قادرا على العمل. لحسن حظّه لم يكن هناك من عملٍ يُذكر. اِنخفض نشاطُ المصنع بسبب الفوضى. لا أحد يهتمُّ بمردودية العمال وهم يُطرَدون.

"قد يغلقون وحدات الإنتاج خلال اليومين القادمين."

"المحتجُّون لا يعرفون ما يفعلون. يطلبون العون من الاتّحاد وهؤلاء يحرّضون على التصعيد لأغراضٍ سياسية."
"أنت إخونجيٌّ حقير." 
" وأنت يساريٌّ اِبن كلب!" 

المصنعُ مهدّدٌ بالغلقِ. قلبُه مهدّدٌ بالخواءِ. وهذا الحوض لا يزال ممتلئا. ماذا لو طلب من السيّد المعتمَد إرجاعها؟ لكنّ بطاقة النضال لا تطال شخصين. ودّ لو يمنحها مكانه، لكنّها ليست من العائلة. لو كانت زوجته مثلا... سيقول لهم إنها ... كتم ضحكة كادت تلفت إليه الأنظار. النضال لا يحمي المغرمين. المصنع أيضا لا يحميهم. بل إنه يكرههم. الحبُّ يعني الزواج. والزواج يعني أطفالا، ومنحا خاصا، وإجازات استثنائية لا تطيقها الإدارة...
صخب المتظاهرين في الخارج بات يملأ الفضاء. مرّ أحدُهم من أمامه تاركا بعضا من حزنه وغضبه وحسده. إنّه مذنبٌ لأنّه لم يُطرد. إنّه مذنب لأنّه "ولد البهيم" ولو كان ابن سي "الباردي" لما لامه أحدٌ. تذكّر تعلُّق "بنت الباردي" به في صباه. تذكّر كيف تجاهل كل محاولاتها البائسة لاستمالة قلبه، وكيف اعتبرها مقلبا سخيفا لم يقع فيه. ضحك في مرارة وعاودَ شدّ الرافعة الثقيلة...

"حتّى ل.م طردوه! تخيّل! ذلك المتعجرف صاحب المعارف والصِّلات!"

توقفت يداه عن عملهما. سقط الصندوق في الحوض. تعالت صفارة من مكان ما منذرة. صرخ زميله محذّرا. لكنّه غادر المكان دون أن يأبه.أهذا ما تركه له جدُّه؟ أهذا ما أراده له من الحياة؟ نظر إلى البطاقة المغلّفة. نظر إلى المتظاهرين الغاضبين، وإلى دموع الفتيات المطرودات، وإلى الأحذية الجلدية الرفيعة وهي تشقّ مسلكها الواثق إلى ماوراء البحر. تحسّس رقبته. تحسس الوجع الممتدّ من صدره إلى أسفل معدته. اشتمّ عطرها في خياله. سمع صوت رفاقه قادمين. سمع وقع حذائها في رأسه، سمع وقع الهتاف المتوالد من قلب المظاهرة.

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق! المحبّة استحقاق يا عصابة السرّاق!"

اِختلط الكلام في ذهنه. لم يعد يميّز أيها هتف به المتظاهرون، وأيها هتف به هاتف في أعماقه. حشدُ العمّال متكوّم أمام مبنى الإدارة المغلقة. عند الباب، كانت محامية يساريّةٌ شهيرة تخطبُ دون توقف. ضاع كلامها وسط الهتاف. 

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق!"


ضاعت أفكاره وسط الهتاف. نظر إليه بعضهم في اندهاش. لماذا يهتف معهم؟ ألم يحفظوا له عمله؟ تسلّق كتف أحدَهم وصرخ، فردّد الجميع في هياج.
"لماذا يتظاهر معنا؟"
أجاب إداري ساخرا :"لأنه ولد البهيم!"

15 آذار 2015

------------------------------
* البهيم في العامّيّة التونسية تعني الحمار.

Saturday, August 8, 2015

رسائل إلى حبيبتي

حبيبتي،
أكتب إليك مرّة أخرى من عتبات الزمن، حيث تنقسمُ الذواتُ و تتجلّى الاحتمالاتُ عوالما مختلفةً. أكتب إليك و أنا أراك هنا، عند ساحة الشهداء، أو في إحدى آرائك الحديقة العموميةِ. ينتابُني إذّاك جذلٌ طفوليٌّ و أشعر بحاجة إلى الكتابةِ.

لم يعد أحدٌ يجدُ معنى للرسائل الورقيّة في هذا الشطر من الزمانِ، لأنّ الناس هنا يعتقدون أنّ الرسالة بزمن وصولها، و لا أحد يدركُ أنّ الرسالةَ بزمن كتابتها. و كلّما قدّمت لنا التقنية سلاح تواصل جديدٍ نباري به الزمنَ كلّما ازدادت عزلتُنا.
"ها أنا في المقهى"، "هل أجلب معي خبزا؟"، "سنعقد اجتماعا بعد قليل". و حتّى "أحبّك" تصبح بفعل الرسائل الهاتفيّة القصيرة شيئا أشبه بالسلوك الشرطيّ، أو كابتلاع حبّة أسبرين محدودة المفعول.

أنا بخير، و الحياةُ تسيرُ عادية كما ينبغي لها أن تسير، لا هي بالشقية و لا هي بالبهيّة. خطّ متواصل فاتر يوحي بنهايته أكثر ممّا يوحي بامتداده. و مثلما تبطنُ الرسائل أكثر ممّا توحي به، فاعلمي أنّ خلف هذا الخطّ المتواصل، أكمات تضيقُ الحياةُ بها و تتّسع لها الرسائلُ. و لكِ وحدكِ يا عزيزتي أحاول أن أشرحَ ذاتي. إنّ بي شوقا دفينا يا حبيبتي! إنّ بي شوقا، و عسى بالرسائلِ أن تكفي!

لم يُطرف لها جفنٌ طيلة الليل. تناوبتنا الخيالاتُ و الأحاسيسُ و الرغباتُ حتّى رحم ضوءُ الصباح المبهرِ عينيْها المنهكتين. سافرت بكيانها إلى احتمالات عديدة و متناقضة لما يمكن أن تفعل. سكبُ الزيت المغلّى عليه و هو في الفراش مثلا، أو الاكتفاءِ بفضحه في السوق حين تشهد المدينة أكبر تجمّع لها. تهدّئُ الصورُ المفزعةُ من روعها قليلا، لكنّها لا تنجحُ في شفاء غليلها. كانت كلّ الصور و الأفكار و القصص المتلاطمة على شاطئ مخيّلتها تنتهي دائما عند صورة امرأة بلا ملامح، و كان التساؤل يتردّد دوما : من هي؟ من هي حبيبـ.. مصيبتُها؟

أعجزتها الصدمةُ أن تفعل شيئا في ذلك اليوم المشؤوم، و ربّما تمنت لو أنها لم ترَ تلك الورقة المطويّة و قد سقطت من سترته، فعبءُ المعرفة أثقل من أن يتحمّله الجبناء. و لقد اكتشفت أنها جبانة فعلا. كانت تبحث عن حياة هادئة مسالمة بسيطة قربه، و لقد كان يوحي بكلّ ذلك في كلّ تفاصيله. عرفته دوما شخصا ودودا، هادئ الطباع، مسالما، قليل الحديث، كثير المكارم، و لم تشكّ يوما في أنه أنسب الرجال لمشاركتها في تحمّل الحياة. فكيف ينكسر كلّ ذلك برسالة واحدة؟

علقت في مستنقع الأسئلة في اليوم الموالي، و كان كلُّ سؤال يدفع بها إلى هوّة أخرى. تداعى كلُّ شيء من حولها، و تقوّضت أركان الحياة في ذهنها. لم تعد تفهم أيَّ شيء. لم يعد هناك من أساس واحد يمكن أن تستند إليه لتعاود الوقوف. و حين يهتف الطفل الصغير بها، أو يضحك في جذل، ينخلع قلبها و تزداد حيرتُها. و هذا الشيءُ الجميل بحضني، أيغدو سرابا؟ و كيف تكون لحظات الفردوس التي يتحوّلُ أبوه فيها طفلا ثانيا، مجرّد غوث أحلام؟

امتصّت الأسئلة كلّ ذرة جهد في عضلاتها و لم تقوَ حتّى على إخفاء ذلك عليه. و لا على إجابته حين حاول أن يفهم ما بالُها. أمضت ليلة ثانية تتقلبُ في الفراش قبل أن تقرر أن تنتظر الرسائل القادمة. فلعلّها تكشف أمرا كان مكنونا.

حبيبتي،
هل كنّا نستحق ما جرى؟ و هل كان للتاريخ أن يكتب بشكلٍ آخر؟ و ماذا لو كان التاريخُ مثل المستقبل صناعتَنا؟ ماذا لو أن الماضي ضحيتنا و ليس العكس؟ أكنتُ صرت كاتبا مثلا؟ و هل كنت تصبحين إذّاك ملهمتي؟ و هل كان ذلك يحدث في هذا العالم الذي وجدنا فيه، حيث المكتبات تنفرُ من الكتبِ، و حيث القراءة فعلٌ طفوليٌّ مثل لعب الغُمّيْضة؟

هل كنتُ جبانا حينما اخترتُ طريقا ثانيا، أم كنتُ فقط واقعيا؟ هل أذعنتُ لحقيقة الأشياء التي تقضي باستحالة العيش من الكتابة، أم لجبني الذي فضّل الصراط "المستقيم"؟ أكنتُ قاتلا حينما تركتُ الكاتب في دفاتر طفولتي، و واجهت أقداري بشهائد جامعية تفهم عالمنا و يفهمها، أم تراني كنتُ مخلّصا؟

لقد تجرّدت من أشياء كثيرة حتّى أرضيَ واقعي المتسلّط، و لقد نجحتُ في ذلك إلى حدّ بعيد، و ارتسمت أمامي حياة جميلة واعدة، فيها ما فيها من المال و الولد و الضمانات الطيّبة. لكنّ أمرا داخلي ظلّ مهزوما و مقهورا، يطالب كلّ مرة بنصيبه من ذاتي و من شعوري. أعود إلى قلمي كأنني سكّير يعودُ إلى زجاجته القديمة، يمتصُّ منها روحه، و شقاه.

وحدكِ أنت قادرة على احتمال حروفي و أخيلتي، وحدك أنت في هذا الظلام الكئيب، ترين انفعالاتي و دموعي. و لكِ وحدكِ أستمرُّ في الكتابة.

أعادت الرسالةَ إلى مكانها الخفيّ، و عادت إلى أفكارها و تساؤلاتها. لا أسماءَ و لا عناوينَ. كأنّه يفعل ذلك بدافع الحذر. و اعتراها سخط شديد لعجزها عن فهم ما يحدث. و قررت أن تكشف هوية اللعينة، كلّفها ذلك ما كلّفها.

اِلتقطت أنفاسا عميقة و عادت تقلب الرسالة بتركيز أكبر. إنّ البداية توحي أنّ معرفته بها ليست عارضة أو طارفة. إنما هي جزء من الماضي القديم. فهل تراها حبيبته السابقة؟ و لكنّه لا يملك حبيبة سابقة. لا أحد من أصدقائه ذكر شيئا مماثلا، و لا هو حدّثها عن أمر كهذا، و ما كان ليفوتها أن تسأل. أيعقل أنه يجيد إخفاء ماضيه إلى هذا الحدّ؟ و إلى أيّ ماض تراها تنتمي؟ إنها تعرفه قبل الزواج بنحو ثلاث سنوات، و هي تعرف رفاق الجامعة و العمل، فهل هي صديقة من أيام الصبا؟ فكيف تجدّد اللقاءُ إذا؟ و لماذا الآن؟

كادت تجنُّ و هي تنتقل بأفكارها من وادٍ إلى واد. و خطر لها أن حسابه على الفايسبوك يمكن أن يجيبها. اِستغربت أنها لم تبدِ يوما فضولا تجاه حسابه على هذا الموقع، و لم تفكر يوما أن تبحث عنه هناك. راودها شعور بالذنب و هي تفتح حاسوبه، تأمّلت صفحة الرسائل فاعتراها الخجل لسخافة ما تفعل. لا يوجد شيء تقريبا. ذات الوجوه التي تعرفها تقريبا. أما على صفحته، فقد انتبهت إلى ما لم تنتبه إليه من قبل.

لم تكن تعرف مثلا أنه مولع بالموسيقى القديمة. تتردّد على صفحته أسماء كثيرة، عبد الوهاب، فريد الأطرش، أسمهان... تذكرت أنه يوما أخبرها بذلك في بداية تعارفهما، و تذكرت أن ذلك أثار استغرابها و تندّرها، لكنّها تجاوزت الأمر لأنها لم توله أهميّة تذكر. يبدو أن تلك التفاصيل ليست بهذا السخف في عينيه. أحيانا حينما يشغل السيارة، يتعالى صوت أغنية عتيقة من جهاز التسجيل، لكنّه يجهض الأغنية منتقلا إلى إحدى الإذاعات الخاصة. ما كانت لتعارض استماعه إلى ما يرغب فيه، لكن ربما لم تكن لتشاركه الاستمتاع بها، و هذا ما يثنيه عن المحاولة...

جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، أبو القاسم الشابي، بدر شاكر السياب... هل يقرأ فعلا لكلّ هؤلاء؟ أم هي أسماء فترة الدراسة، يستذكرها فقط لملء صفحته هنا؟ نادرا ما كان يقرأ أشياء كهذه، و أغلب قراءاته تتعلّق بعمله، لكنّ ذلك لم يمنعه من اقتناء المجلات الأدبية أحيانا. يجيبها في بساطة حين تسأله عن جدواها، مجرّد مجلات خفيفة لملء طاولة الصالون و لإيجاد ما يمكن أن يقرأ حينما يفكّر أحدنا أن يقرأ. الحقيقة أنها لم تكن تقرأ، و كان يعلم أنها لا تقرأ...

لاحظت أن إحداهنّ تصرّ على إبداء إعجابها بكل ما ينشر تقريبا، فانتقلت إليها. راحت تجوب حسابها صعودا نزولا. لا أثر له على صفحتها. لا توجد بينهما رسائل أو تعليقات. يبدو أنها صديقة قديمة أيضا. تصاعدت الدماء إلى رأسها، و امتلكها انفعال كاد يهب بقلبها. اللعين! إنها هي حتما! هي و لا أحد غيرها. إنها جميلة بما يكفي لتكون هي. علاقتهما قديمة لتكون هي. و الصمت بينهما يشي بحاجتهما إلى التراسل! إنها فقط تحتاج إلى دليل صغير، و لسوف تعثر عليه في الرسالة القادمة!

حبيبتي،
هل غيّرتنا السنين و التجاربُ؟ أم تراها أخفت فقط أرواحَنا خلف صدإ اللامبالاة و الحكمة الزائفة؟ أتراني الوحيد الذي لا يزال يحتفظ برقة حسّه الطفوليّ أم إنّ الناس من حولي يجاهدون بدورهم حتّى لا يُظهروا منها شيئا للملإ؟ لماذا نفعل هذا بأنفسنا؟ و لماذا نعدم الإنسان فينا؟ كثيرة هي الأشياء التي تؤلمني، لكنّ أكثرها إيذاءً هو عجزي عن إبداء ألمي.

بداخلي يا حبيبتي كائن لا تحتمل رقّته، ينكسر لمشهد قطّ يعرج، و كثيرا ما يسلبه المتسوّلون المحتالون أمواله. أظلّ طويلا منزعجا من مشاهد البؤس و الموت، و أجهد نفسي كي أحتفظ بألمي و دموعي لنفسي، لأنّ هذا ليس من شيم الرجال. و أنّ الرجل لا يبكي إلا في الشدائد، و أنّ الرجل يجب أن يظل قويا، حتّى لا يجزع الناس من حوله، و إلا بات إمّعةً و سخريةَ كلّ مجلس. بداخلي يا حبيبتي شاعر ذبلت حروفه، و حرّف مساره، و لم يبق منه غير حساسية مفرطة تجاه كلّ قبيح، لكن حتّى هذه يرفضها هذا الزمن. حتّى هذه، يعمل الزمن عمله حتّى يقولبني مثلما تقولب الريحُ الجبال و تنحتها مثلما تشاء.

غريب أنا يا حبيبتي. غريب مثلما كان جبرانُ غريبا. و إن كان يبدي ذلك بالكتابة، فأنا أكتمه بها. فليس لي غيرك قارئا، و ليس لي غيرك صدرا قبولا.

مسحت دموعها التي انسابت على خديها دون أن تدري، و تسللت إلى المطبخ لتعدّ فطور الصباح قبل أن يستيقظ. تدافعت على أبواب ذاكرتها موقف كثيرة بدا لها الآن كم كانت مفتعلة و كم كان هو فيها غير ما هو عليه. آلمها أنها حين استرجعت تلك الصور، أدركت أنها لم تكن لتتقبّل منه انفعالا غير ذاك الذي أبداه، و أنها بذلك تقرّه على ما كان يفعل، و يزيد من لوعته و جهده. آلمها أنها لم تكن يوما استثناءً في حياته، و أنها مثل الآخرين، مجرّد وجه آخر للزمان الذي يدفعه دفعا لأن يقتل نفسه و يبعث شخصا ثانيا. بدأت تفهم وجود صاحبة الرسالة و اكتشفت أنّ شوقها لمعرفتها لم يعد يشوبه الغضب بقدر ما يشوبه الفضول، و أنّ إحساس الخيانة تراجع وراء شعور ممضّ بالذنب، فزاد سخطها على نفسها و راحت تجاهد لكبت دموعها.

جاء إلى المطبخ و قد انتهى من إعداد نفسه. وضع سترته على الكرسيّ، و طلب منها استعمال المربّى الجديد ريثما يعود من الحمّام. لقد وضع الرسالة في المظروف حتما، و لا بدّ أنه كتب العنوان أخيرا. تطلّعت إلى حيث غرفة الحمّام في وجل، و قرّرت أن تغامر. لحظة مرّت كدهر بين امتداد يدها و بين خروج الظرف الخالي من كل عنوان. اللعين حذر جدا، كأنه لا يكتب العنوان إلا لحظة إلقاء الرسالة في صندوق البريد. من هي؟ من هي هذه المرأة الجميلة الأصيلة المتفهمة الرقيقة؟ من هي هذه المرأة التي تتواصل بالمراسلة دون أن ترسل ردودا؟ من هي هذه المرأة التي تملك كلّ ما يحلم به لكنّه يتزوّج غيرها؟ من هي هذه الحبيبة؟

حبيبتي، 
لا أزال أملك صورا قديمة أحفظها عن الزمن الجميل. أتأمّلها أحيانا فلا أكاد أصدّق كم كنتِ جميلة، و كم تغيّرتُ عمّا مضى. أخذتني الحياة مثلما أرادت أن تأخذني، و أشركتني في مسؤوليّة الرعاية و الكفالة. و وجدتُني أقولب طفلا صغيرا بيديّ قبل أن أتهيّأ لذلك. وجدتُني أفكّر في شأنه في كلّ آن، و وجدتُني أواجه هواجسي و مخاوفي بشأنه وحيدا، لئلاّ أنقل للناس ضعفا قد لا يجيدون مواجهته. و من يفترض منه أن يكون قويّا عارفا حكيما غير أبيه؟ و وجدتُني ألغي وجودي يوما بعد يوم لصالح هذا الوجود الجديد. فهل يا ترى كذلك هي فكرة الحياة؟ و هل تلك هي منقلباتها؟ ما الذي يدفعني للتفكّر فيك و الكتابة إليك غير هذه الحاجة الخفيّة أن أكون أنا بذاتي؟ منفصلا عن كلّ كيان بشريّ تعلّقتُ به أو علقت فيه؟ 

هل تفهمين إذا هذا العودَ الأبديَّ إليك؟ و هل تدركين مقدار حاجتي إلى تمثّلك؟ أنت لست أقرب الكيانات إليّ، لأنّك ذاتي نفسها التي تتجلّى كلما خافت من الذوبان. أنت أنا التي أحميها بعيدا عن الزمان فلا تخذليني و تشبّثي بالحياة!

لم تشأ أن تتبعه منذ خروجه. اِدّعت حاجتها إلى الخروج باكرا لشأن سريع، و ظلّت هناك في شارع الأقواس ترقب قدومه. خبر الجريمة الشنيعة بالمدينة يملأ صفحات الجرائد، المجرم الكهل يقتل مجرما آخر شابّا رافضا دورة الزمان، هذا ما كان ينقص هذا اليوم الحافل. أخفت وجهها بين الصحف و هي ترقب الشارع الكبير الذي يمرّ أمامها بإدارة البريد. هو ذاك! لماذا لم يتوقّف هناك؟ لقد عرّج بسيارته يسارا إلى طريق المستشفى! أتراه يسلّمها الظرف يدا بيد؟ أفزعها الخاطر و أسرعت خلفه و هي تمنّي النفس أن لا يبتعد عنها كثيرا. رأت السيارة تبلغ ساحة الشهداء فكادت تيأس من اللحاق به، حثّت الخطى إلى حيث ساحة النافورة التي لم تعد تعمل منذ سنين. حركة السيارات المتوجّهة إلى المستشفى كبيرة و تعطّل السير، بينما ينتشر طلاّب إدارة الكهرباء على أطراف الطريق غير عابئين بكل ذلك.

رأت السيارة متوقفة هناك في مدخل الحي القديم ذي الإسم الموحي بالأساطير الكثيرة التي رويت عنه. هل تراها تسكن في هذا المكان؟ تجاوزت نهج العرب، و تسللت إلى مدخل "أولمبيا". رأته من بعيد يتوقف أمام مبنى قديم مهجور، فانحبست أنفاسها و التصقت بالجدار لعلّه يمتصّها. أتراه مكان المواعيد القديمة؟ و ماذا لو أنه لا يزال يلتقيها هناك؟ لماذا الرسائل إذا؟ ربما لإضفاء شيء من الرومنسية على الموقف. رأته يتناول الظرف من سترته، ينظر إلى آخر الشارع قليلا ثمّ يدخل الظرف عبر فجوة صغيرة في الجدار. 

اِقتربت من المبنى بعد ذهابه فطالعها الخراب و الألوان الباهتة. فتح حلاّق متجره بالقرب من البناية، و أخرج منشرته، فأشاحت بوجهها فارتباك و عادت إلى أفكارها و حيرتها. كيف تستلم حبيبته الرسائل؟ لا بدّ من مدخل خفيّ إلى المبنى.

ـ يوجد منفذ من الخلف.

اِستدارت إلى الحلاّق في وجل. كان هادئا يداعب شاربه الكثّ و يشير إلى ممرّ جانبيّ ضيق. أردف قائلا : 

ـ كنّا ندخل إلى القاعة من الخلف، لأننا لم نكن نملك معلوم الدخول، و كان عمّ رشيد رحمه الله يشتمنا طويلا ثمّ يتركنا ندخل.

و عاد يتأمل المكان في شيء من الحنين و أضاف : 

ـ كلّنا يملك ذكرى مع هذا المكان.

اِزدادت دهشتها، و راحت تبحث عمّا يدلّ على هوية المبنى، فخاب مسعاها، لكنّ ذاكرتها تدخّلت فجأة لتمدّها بالعون، أولمبيا، قاعة، مهدمة و مهجورة... و من فجوة صغيرة أخرى، رأت ما يبدو أنّه كان يوما ما مقعدا وثيرا يصلح لمشاهدة الأفلام... يبدو أنّ زوجها رومانسيّ إلى حدّ لم تتوقعه. حان وقت الحقيقة. ربما هي المرة الأولى التي ستذهب فيها إلى السينما لمعرفة الحقيقة...

حبيبتي،
لا أعتقد أنني اخترتُ أن لا أكون كاتبا. فالكاتب أشجع من أن يجبن عن واقع الأشياء، لكنّني بحاجة إلى الكتابة حتّى أحتمل هذا الواقع و أقدر على مدافعته، و ربما أيضا حتّى أقدر على أن أحبّه. إنّ الحياة ليست بهذا السوء، لكنّها كثيرا ما تضيق بي و كثيرا ما أضيق بها. و إنّ الناس من حوليَ خيرة من فيها، لكنّني أخشى اهتراء روحي الرقيقة من فرط التواصل معهم.

لقد اخترعتُك و نفختُ فيك من روحي و صغتُك صورة سويّة بذهني كما يفعل الأدباءُ، لا بغاية الفنّ الذي يهبُه الكاتب للناس، و إنّما بغاية الفنّ الذي يتنفسه الإنسان و ينفثه حتّى يستمرّ، و بغاية الخيال الذي يصوغه المرء حتّى يحبَّ واقعه.

أنا آسف يا حبيبتي أنني جئت بك إلى الدنيا و قد كنت عدما، لكنّني أحتاج إليك و إلى كل ما تمثّلين فيّ من غرابة تجعل العالم موحشا من حولي. إنّني محتاج إليكِ لأنّك فكرتي عن مقاومة الزمن، و فكرتي عن الخلود.

حين خرج صباحا من غرفة النوم، مبتسما وديعا، بادر بتقبيلها و سؤالها عن الفطور. أدركت أنها بقدر ما ازدادت له حبّا، ازدادت منه خوفا. و لوهلة تمنّت لو أنّه كان فعلا خائنا. فلعلّ مرارة الغدر أهون و ألطف وقعا من مرارة عشق هذا الطفل الكبير.



6 آب 2015

Saturday, June 20, 2015

عازف الڨصبة السحرية

كان يا مكان، في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان، رجل يقال له حمدان. و كان راعيا يخرج... 
هذه بداية جيّدة للقصّة لكنّها للأسف لا تفضي إلى شيء، لا أجد وسيلة للعبور بالمعنى إلى حيث أريد، لذلك فلتسمحوا لي يا سادة أن أبدأ من جديد. القصة تبدأ كالآتي : 
لمّا رأى حمدانُ الراعي أوّل الجرذان داخل داره، اِستوحش الأمرَ و لم يستغربه، فربّما ترك ولدُه ذلك المستهترُ البابَ مفتوحا حين غادر للّعبِ... 
هذه أفضلُ، لكن الإسهاب لا ينفعُ في قصّ الخرافات، أستسمحُكم عذرا بالإعادة. إنّ أشقّ مراحل الكتابة هي بداياتها، بل هي تلك الأسئلة التي ترافق بداياتها. يتطلّع خيال المرء فيها إلى أشكال كثيرة، و يرنو قلبه إلى إدراج هذه الفكرة و تلك حتّى رغم تناقضهما. أيتها سأترك؟ أيَّ أسلوب سوف يختارُ و أيّ لغة سوف ينتقي؟ ينفرطُ قبل أن يتشكّلَ، و أحيانا يضطرُّ المرءُ إلى أبسط السبل و أقلّها خطورة، فقط لأنّه لم يجد خيارا يفرض نفسه فرضا. من قال إن الكتابة أسمى أشكال الحرّية؟ 
و لئلاّ تملّوا القصّةَ قبل أن تبدأ، سأحاول أن أختصر المسافاتِ، و أعود بكم إلى سنوات بعيدة جدّا لا يذكرها أحدكم، و لا يذكرها أحدٌ من آبائكم أو أجدادكم. سأحدّثكم أوّلا عن المزيّنِ منصور، ليس لأنّه أوّلُ من لاحظ ظهور الجرذانِ، بل لأنّه حكيم القرية و مطبّبها و هو الذي عرف السرّ الخفيّ وراء ظهورها، و وجد في كتب الأولين التي يداوم على اقتنائها كلّما نزل إلى الحاضرة، مخرجا من الوباءِ. و لكن دعونا لا نسبق الأحداث. فحين أبدى منصور قلقه من ظهور الجرذان في القرية، تضاحك القوم من حوله، و قالوا له إنّ خيالاته تسيطر عليه، و إنه يرى ما لا يرى الناس.أحبَّ أن يخبرهم إنّ دوره في القصّة، و في كل قصّة و في كل قرية، أن يرى ما لا يرى الآخرون. لكنّه لم يشأ أن يفتعل نقاشا انتروبولوجيا قد يرى البعض أنه لا يليق بحرمة المسجد...

لكنّ الأيام تأتيك بما كنت جاهلا، كما قال طَرَفة، و صار حضور الجرذان في أركان القرية و دورها لا مزعجا فحسبُ، بل مثيرا للقلق. حتّى إذا ما ظهرت في فناء المسجد، دعا الشيخُ مختار الأهالي للاجتماع و التشاور في المسألة. قال سالم الحدّاد و هو يهرش ساقه في متعة مازوشيّة :
"اِختفاء الحنوشة هو السّبب يا سيدي الشيخ. لكن تركنا أطفالنا يعبثون بالثعابين بإسم الحريّة، فانظروا نتيجة استهتارنا! لقد كانت الثعابين سيدة الموقف هنا. صحيح أنها تشبعنا لسعا، و ربما يموت أحدنا و هو نائم، لكنّنا لم نعان من كثرتها، و لم يهدّدنا حضورها بوباء قد لا يبقي و لا يذرُ!"
أما حميد الخمّاس فكان له رأيٌ آخر : إنّ الله لا يضربُ قرية بوباءٍ إلا لانتشار الفسق فيها و الرذيلة. إنني أشمّ رائحة الموبقات كلّما مررتُ بجانب المقبرة. و صار بعضهم لا يجدُ حرجا في النفخ على القصبة في شوارع القرية جالبا معه الشياطين. لقد انتشر الغشُّ يا سيدي الشيخ، و صار البعضُ يطفّف في الميزان، هل تصدّق هذا يا سيدي الشيخ؟ لقد اشتريتُ بالأمس بطيخا بريال كامل، و كانت من الصغر ما جعلني أنهيها حين فكّرتُ في تذوّقها! أليس هذا غشّا يا سيدي؟
و وقف عبد الله ساخطا و هتف : "لعلّك تعنيني يا ولد منجيّة؟" 
بينما علّق آخر ساخرا : "هذا الغشُّ سببه معدتك يا حميد و ليس الميزان!"
منع الشيخ مختار من أن يتحوّل الاجتماع إلى عراك، و وبّخ المشاغبين فلاذوا بالصمّت. كانت تلك فرصة ليتكلّم منصور المزيّنُ. قال في هدوء : المشكلة ثقافية يا سادة.
نظر إليه الحضور و بدا لهم أنهم أساؤوا السمع، فواصل في ثقة يُحسدُ عليها :"لقد عدتُ إلى كتب الأولين، و فحصتها و محّصتها، و خرجت باستنتاج مفاده أن الوباء يعودُ كلّما افتقر الناسُ إلى الذوق، و التزموا بالجهل و التكالب على متاع الدنيا. لقد كان آباؤنا يطوّرون أساليبهم في حفظ المؤن، و كانت أمهاتنا أكثر انتباها لنظافة الدار و براعة في تجميله، أما اليوم، فنطوّر أساليبنا في زيادة المؤن، و صار هاجس نسائنا هو التفنّن في استهلاكها. لقد قتلنا الكيف فينا من أجل الكمِّ، تخلّصنا من ثقافة آبائنا الحقيقيّة و استبقينا قشورها، ذلك أننا عاجزون عن النفاذ إلى عميق الأمور."

نظر القوم طويلا إلى منصور المزيّن و الصمتُ رفيقهم، ثم قال أحدهم :"أعتقد أن أكياس الخُمس هي السبب." و قال آخر :" ربما اقتربنا بديارنا من مصرف النفايات أكثر من اللازم، لمَ لا نحرقها؟" بينما اقترح ثالث أن يطلبوا العون من الحاضرة. الحقيقة أنهم لا يحملون ضغينة على المزيّن الذي يشرف على تطبيبهم، و تزيينهم، لكنّهم لا يفهمونه. وحده حمدان الراعي، يشعر بقيمة كلماته و يزنها في ذهنه حقّ وزنها. و لئن لم يختلف كثيرا عن أهل القرية في جهلهم بما يقول الرجل. قال له خفية "عمّ منصور، كيف نستعيد ملكة الذوق فينا؟" فنظر له المزيّن طويلا، ثم طلب منه أن يتبعه.


هنا يعاودني ذلك الفراغ القاتل الذي يحدث حينما تنتقل بالسرد إلى طبقة موالية، حيث لا بدّ أن يكون الانتقال طبيعيا سهل الانقياد و سريعا، لأنّ قارئ القصة القصيرة ليس كقارئ الرواية، و مع افتقار القصة نفسها للأحداث المتسارعة، يهرع المرءُ إلى أبعد من خياله ليستدرّ منه تفاصيل صغيرة، قد لا تفيد القصة في شيء، و لكنّها أهمُّ ما فيها، و هي ما يصنع الفارق بين عمل و آخر. ماذا حدث في اجتماع منصور المزيّن بالراعي حمدان؟ تفاصيل صغيرة، لم تذكرها القصّة الشهيرة، مثلما لم تذكر أنّ العازف الشابّ ليس غريبا عن القرية، و إنما هو أحدُ أبنائها، و لعلّه من أوحى إلى أبي القاسم الشابي بذلك البيت الشهير عن الخطيب الذي يوقظ شعبه يريد صلاحه. لكنّ هذه مسألة أخرى...

أزاح منصور ستارا في آخر حانوته، فظهرت من ورائه مكتبة ضخمة أثارت دهشة الفتى، فهتف في تعجب "هل قرأت كلّ هذا يا عمّ منصور؟" و همّ أن يضيف تلك الدعابة السمجة عن آخر كتاب قرأه لولا أن أسكته المزيّنُ بإشارة من يده. ثمّ أشار إلى صورة في كتاب بين يديه و قال "أترى هذا العازف يا حمدان؟ إنه أنت في زمن سحيق، و اليوم تعود من جديد لتواصل مهمّتك في محاربة الرداءة. لقد استمعتُ إلى عزفك على القصبة، و عرفتُ أنّ فيك روح فنّان أصيل. و لم يبق إلاّ صقل موهبتك و استخراج كنوزها!"
نظر إليه حمدان مبهورا بكلماته التي لم يفهم منها شيئا. سأله في تردّد خائف "هل تعني، أنني.. كنتُ هذا الرجل؟". تجاهل المزيّنُ سؤاله و قال له "لقد انتشر الخوف في قلوب الناس بأسرع من انتشار الجرذان، و صار كلّ مزكوم مشبوها. بالأمس كادوا يحرقون أرملة و ابنتها لأن الحمّى أقعدتهما. و غدا يعلم  الله أين سيذهب الخوف بالإخوة. أولاد سعيد يعتبرون أولاد ناجي همُ بؤرة القذارة، بينما يصرّ أولاد ناجي أنّ الله أنزل عقابه لفسوق أولاد سعيد الذي تجاوز الحدود، و ربما يصل الأمر بالفريقين إلى حرق بعضهم البعض".

معذرة. لقد تقابل الرجلان بعد الاجتماع فلا يعقل أن يحدث كلّ هذا الذي قاله أثناء سيرهما إلى الحانوت. أرجو أن لا تمتهنوا عرقلة القصّ و أن تتجاوزوا عن أشياء بسيطة كهذه، عوّضوا "ثم طلب منه أن يتبعه" بشيء من قبيل "ثم طلب منه أن يزوره بعد غد (لأنّ المزيّن لا يعمل يوم الإثنين طبقا لمنشور وزارة الصناعات التقليدية)". هل تتخيّلون الكتاب يروي ما شاهده في عالم آخر حقا؟ إنّه يخلق يا سادة، و في الخلق دوما عيوب. أين كنّا؟
أجل، هناك في الحانوت، راح الراعي يتبع توصيات المزيّن الغامضة، إنّ للفنّ غرفة خفيّة في عقولنا لا تدخل إليها ذواتنا إلا متخمّرة لا واعية. و يبدو أن في هذه الغرفة المقدّسة أصوات الأجداد الأوائل، و أسماءهم و حكمهم. طوبى لمن دخل إليها و عرف كيف يسير في أعماقها، طوبى لمن بلغ ذلك النور الإلهي في تخومها و عاد بقبس واحد منه. لقد كتب الله عليه الخلود في الدنيا.
لكنّ السير في غرفة كهذه مرهق لا يطيقه كثيرون، و كان حمدان في كل مرّة يضيق ذرعا بنفخه في القصب بينما يأتيه خبر إحراق المؤن، و رائحة الجيف التي باتت تملأ الطرق. هتف الشابُّ في ضيق :"ألا نفعل شيئا أكثر جدوى من العزف على رائحة هلاكنا يا عمّ منصور"؟ فأجابه الرجل في هدوء : "هكذا أنتم الشباب دوما، تريدون حلولا عاجلة، تريدون أن يتمّ كلّ شيء بفرقعة الأصابع".

لكنّ ضغوط الراعي، أتت أكلها، و وافق المزيّنُ بعد يومين على الخروج إلى الشارع و التجريب. خرج الناس يستطلعون مصدر الصوت الغريب، و راح بعضهم يتساءل عمّ يفعله الفتى تحديدا و هو يتجوّل في شوارع المدينة، منشدا بألحان توحي بالألفة حينا و بالغرابة حينا آخر في مزيج مدهش. و هتف أحدهم حانقا حينما لم يقطع حمدان عزفه ليجيبهم "هذا الفتى الرقيع لا يعبأ بمحنتنا و يعزف على القصبة! و غدا سيرقص على جثثنا"! تصاعدت همهمات موافقة من كلّ صوب. لقد
قدّم الراعي لهم فرصة ذهبية لإفراغ غضبهم و خوفهم و جزعهم. من غير هذا الشابّ الرقيع الذي لا ينتمي لأيّ من العرشين، يستحقّ العقاب على ما حلّ بهم؟ من غير هذا الطائش المستهتر بمعاناتهم من يستحقّ أن يقدّم قربانا لله و أضحية مقابل غفرانه؟ رماه أحدهم بحجر فأصاب وجهه، سقط على الأرض يتأوّه، لكنّه نهض و تناول قصبته من على الأرض، و عاد للعزف. لا أحد من هؤلاء المحيطين به لاحظ خروج الجرذان، أما هو، فما إن رآها، حتى أيقن من صدق عمّ منصور، و عرف أن لا حائل بينه و بين قصبته إلا الهلاك. كان الهلاك فعلا قريبا...

و عكس القصة التي تعرفون، فقد استمات الأهل في رجم العازف بالحجارة، أدموا قدميه، كسروا أضلاعا من صدره، و بدا أنه ينشج كلما نفخ، أسقطتهم حجارتهم أرضا، هلّلوا و كبّروا، رأوا جيش الفئران التي تحاول أن تتبعه، فأيقنوا أنه الساحر الذي جاء بها. صرخ حميد الخمّاس في حماس "إنه سبب البلاء! لقد قلت لكم، هذا الساحر هو الوباء الذي حاق بنا! اُرجموه يرحمكم الله! لا تمسوه إلا بحجارتكم!" أصابت الحجارة قصبته فتهشمت، ثم لحق بها جزء من فمه. حاولت دموعه أن تنزل بفعل المرارة، لكنّ الحجارة هشمت عينه، لا يستطيع الصراخ لأنّ أخرى أصابت حنجرته، بعد ذلك بحجر، لم يكن الراعي بحاجة إلى الصراخ، لقد ذهب به ذهنه إلى أعماق تلك الغرفة السرّية داخل عقله، و فتح بوابة الله فيها.
تصاعد الهتاف المنتصر و المبشّر بقرب الخلاص من أفواه الأهالي، و رأوا الجرذان تلوذ بالفرار باحثة عن مخابئها. لن يعرفوا أنهم خسروا فرصتهم بطردها إلا منذ الغد، حينما عادت للعبث بالمؤن، و المواعين و كلّ شيء في شراسة أكبر. مرة أخرى كان تأويلهم لما حدث غريبا. قالوا إنّ الساحر الشيطانيّ سخّرها لتنتقم، و هو للأمانة تأويل يتناسب منطقيا مع رؤيتهم لما حصل. تسارعت الأحداث خلال تلك الأيام العصيبة، و ظهرت عوارض الوباء على البشر، و منع الشيخ الناس من الرحيل التزاما بقول النبيّ، لكنّ الفوضى باتت كبيرة، لقد أنذرت القرية للفناء، لكن في يوم الجمعة، حدث الأمر الغريب.

خرج الرجال و النساء أفواجا إلى المسجد طلبا لرحمة الله و غفرانه، و تخلف الأطفال عن الموعد. أغلبهم طلب أن يظل في فناء المسجد، و لم يفهم الآباء لذلك سببا، لكنّهم أذعنوا حفاظا على الخشوع في صلاتهم القادمة. اللهم احفظ أطفالنا! آمين! اللهم أبعد عنهم الوباء فإنهم أبرياء ممّا جنت أيدينا! آمين! آمين! آمين! أمين! يا أمين! أين أنت يا أمين؟ أين راح الأولاد يا قوم؟ جزع الناس و عمّت الفوضى. بحثوا قرب البئر، فلم يجدوا إلا جثث الجرذان. بحثوا عند المقبرة فلم يجدوا لهم أثرا، بحثوا في كلّ شبر، فبدا أن الأرض قد ابتلعتهم جميعا، و لم يجدوا إلاّ قصبة مهشّمة ملقاة قرب المسجد. لقد ذهب الشيطان بأطفالهم كما ذهبوا بابنه، ذلك الراعي الجهنّميّ. هكذا قال المؤوّلون منهم، و لم يعرفوا أنّ أطفالهم إنما فضلوا الهروب عن هذه القرية الظالم أهلها، لم يعرفوا أن الله استجاب لتضرّعهم و رحم أطفالهم بقرى بعيدة لا يضرب فيها المرء لاستئناسه بالقصبة. لكنّنا عرفنا ما حدث لهم و قد وجدنا القصة في أوراق مدفونة في مكان ذهب خبراء الأركيولوجيا أنه كان يوما دكان حلاّق أو مزيّن أو ما شابه ذلك.


20 حزيران 2015

Friday, March 20, 2015

ولد الدولة

خبر.
كنّا في محلّ العمّ "ساسي حلاّق الأحباب" حينما دخل علينا خليفة بن عمر ممتقع الوجه، زائغ العينينِ
 و هتف : الرئيس قادم! الرئيس قادم لزيارتنا! سأله العمّ نور الدين في دهشة حقيقية : رئيس البلدية؟ فصاح فيه : بلدية ماذا أيها الأبله؟! رئيس الجمهورية قادم إلى المدينة!

و بعد أن جلس و استغفر و شرب من الماء ما يعيل جملا، تنهّد و قال : دعاني سي الهاشمي مدير مأوى العُجَّز إلى مكتبه، و كنتُ أعلمُ أنّه كان في اجتماع بدار الولاية، قصّ عليّ خبر الاجتماع فقال : ذهبتُ إلى الولاية، فلقيتُ محفلا لم ألق مثله قطّ، و شعرتُ برهبة لم أشعر بمثلها منذ امتحان الباكالوريا. غرق بيَ المقعد بين ممثّل ثكنة الجيش بالمدينة، و رئيس منطقة الأمن بها. دعانا الوالي للترحيب بالسيد وزير الشؤون الاجتماعية. تخيّل يا خليفة! كنت أمام السيد الوزير شخصيا، أنت لا تفهم هذه الأمور، فلست ولد الدولة مثلي، لم أشعر إلا و أنا أهرع إليه مسلّما و مرحّبا، قدّمتُ له نفسي، و لولا أن حدجني السيد الوالي بنظرة صارمة، لشرحتُ له كم إنّ وجوده مهمٌّ و مفيدٌ لنا في هذا الوقت العصيب، لكنّني قررتُ أن أرجئَ الأمر إلى ما بعد الاجتماع.
قال لنا السيد الوالي : سيادةُ الرئيسِ قادمٌ إلى مدينتكم في زيارة فجئيّة لدار المسنين، و علينا أن نعدَّ لهذه الزيارة جيّدا. لقد اقترحتُ على سيادته أن يزور مستشفى بمركز الولاية، حتّى لا يشقّ عليه الذهاب إلى مدينتكم الصغيرة، لكنّه أصرَّ أن يزوركم حتّى يؤكد أنَّه ابن الشعب كلّه و أن لا فرق بين هذه المدينة و تلك. المهمُّ أن مهمتنا ستكون أكثر عسرا، فمدينتكم تعاني من نقائص كثيرة، و يجب تلافيها في أيام خمسة تقريبا.
و سأل رئيس الشعبة وسط المدينة في بلادة : و هل تندرجُ الزيارة في إطار حملة سيادته الانتخابية؟
فنظر إليه مدير المستشفى الجهويّ شزرا و كان عضوا في التنسيقيّة الجهوية للحزب : سيادته لا يحتاجُ إلى حملة انتخابية أصلا، فليس له منافسون!
و تدخّل غريمُه المندوبُ الجهويُّ لوزارة الصحة : المنافسون الحقيقيّون هم وسائل الإعلام الأجنبية الحاقدة على نجاحات بلادنا، و يجب إسكاتهم.
و قبل أن يتدخّل كان الوالي يهتف في صرامة : رجاءً يا سادة! كفّوا عن الحديث في السياسة فأنتم في دار الولاية!
ثمّ إنّه قسّم المهامَّ بين الحضور كلٌّ بحسب خطّته، و كان عليّ التكفُّل بتأهيل الدار لتليق بزيارة سيادته.
فما إن أنهى "الهاشميُّ" حديثه حتى سألتُه في جزع : و هل طلبتَ مالا لصيانة المكان و تجهيزه؟ فأجابني في جزع مماثل : و كيف تريدني أن أطلبَ و الوزير هناك؟ لقد أخرج تقريرا عن ميزانيتنا، و قال إنّه على ثقة من حسن تصرّف "ولد الدولة" في المال العموميِّ، فأخرسني تماما!
و ساد صمتٌ ثقيلٌ جثم على قلبينا، قلتُ له في توتّر : لا يمكنني أن أعيدَ المال الذي استعرته من خزانة الدار الآن، لقد اشتريتُ موادّ البناء بالفعل، و ابني على أبواب الزواج. لكنّ الهاشميّ قال و قد حسم أمره : أمّا أنا، فسأتدبّر المبلغ كيفما اتّفق، و ما عليك كرجل دولة إلاّ أن تجلب ما أخذتَ، و أنا واثق أنك لن تُعدم الوسيلة. أنتَ تعلم ما أنا قادر على فعله! فلا رفقة و لا ندامة في المسائل الرسمية!
و ابتلع خليفة بن عمر ريقه، و قال لنا : لم يبق لنا وقت كثير على الزيارة، و أنا على يقين من تضامنكم و تفهمكم. و أعدكم، أنا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، أن أسدّد ديونكم حالما نستلم أموال الميزانية القادمة!

خبر.
حدّثني الأسعدُ عضوُ وحدات التدخل عن تلك الأيام فقال : اِنتشر خبر الزيارة الرئاسية بين الناس بفضل السوق الأسبوعية، و كنّا لا نزال نتباحث الخطّة الأمنية. و مع ذلك، فلقد كان تحرُّكنا ناجعا و محكما. لم تغرب شمس يوم الأحد حتى انتشرت فرقنا بين الأحياء الساخنة، و أخرجنا منها من أخرجنا من الصعاليك، و تجّار الحشيش و الخمر و اللصوص و الجائرين. كانت التعليمات تشدّد على تنظيف المدينة تماما، تحسّبا من أيّ انفلات أمنيّ ممكن أو غير ممكن. حتّى ذلك الفتى الهائج ولد الحمداوي، لم يفلت من قبضتنا الحديديّة. كيف عثرنا عليهم؟ هذه بسيطة، فنحن نتعامل مع أكثرهم بالفعل، نسكت عن بعض تجارتهم، و بعض أعواننا مورّطون معهم، و هذه الورطات ضرورية لمثل هذه المواقف. إن علاقة البوليس ببؤر الفسادِ معقدة و لا نكادُ نحن نفهمها، فما بالك بالمواطن البسيط؟ لم نكن نريد الزجّ بهم في قضايا حقيقيّة، فسجن هؤلاء مرّة واحدة قد يخلّ بالنظام، و يخلق لنا مشاكل لا نرغب فيها، كما أنه لن يوقف الإجرامَ، بل سيمنح الفرصة لظهور مجرمين جدد لا أكثر.
تمكّنت الحملة من إيقاف أكثر من مائتي شخص، تفرّقوا بين مراكز الإيقاف في الولاية، بتهم وهمية، و أوصينا بإخلاء سبلهم في نهاية الأسبوع، أي بعد الزيارة التاريخية. كنّا نعتبر نجاحنا سابقة تاريخية لافتة للنظر، لكنّ رئيس منطقة الأمن لم يكن راضيا، أمرنا بإجراء حملات أمنية على المقاهي و اعتقال العاطلين الهاربين من الخدمة الوطنية. فهؤلاء القومُ يحبّون استغلال هذه المناسبات لإحداث الشغبِ و إيهام أعداء الوطنِ بأزمة تشغيل لا وجودَ لها.
كان رئيس المنطقة ذا رأي سديد و حكمة لا تنفكُّ تعلّمنا الكثير. جرت الحملة الثانية كما ينبغي أن تجريَ، و داهمنا المقاهي و جلسات الخمر الجبليّة، و جلسات أخرى لا داعيَ لذكرها، و في ختام الحملة، دعانا رئيس المنطقة إلى إكمال المهمّة التاريخيّة و تنظيف الشوارع من المجانين، و السكارى، و أولاد الشوارع، و المتسوّلين، مخافة أن يظهر أحدهم في طريق سيادته، أو يمرّ من هناك عاريا، فهم كما تعرف، ممّن لا يؤمن جانبه. كما أوكل إلينا مساعدة أعوان البلدية، في القضاء على الكلاب السائبة. هكذا قبل يومين من الزيارة، صارت المدينة ليلا خلاءً مطبقا كأنّ مقبرة النصارى القابعة عند تخومها، قد امتدّت على كامل شوارعها.

خبر.
كنّا جالسين في مقهى التعارف وسط المدينة، فرأينا "سالم الشلغومي" عضو المجلس البلديِّ مارّا فدعوناه للجلوس، و سألناه عن سرِّ ما يحدثُ في المدينةِ. ارتشف من قهوة أحدنا، و أشعل سيجارة و قال مبتسما : الرئيس قادمٌ، و وجه المدينةِ هو وجهُنا نحنُ، بل رقبتنا. لم يكن بإمكاننا إعدادُ المدينة كلِّها في هذا الوقت الوجيزِ، و نحنُ كأبناء للدَّولة تعلّمنا دائما أن نتصرَّف وفق ماهو متاحٌ. قرّرنا أن نركّز عملنا على مدخل المدينة، و المسار الذي قد تمرُّ به القافلة الرئاسية، وسط المدينة، و عند شارع المستشفى حيث توجد دار المسنّين. كانت أموال البلدية كلّها مقسمة في شكل اعتمادات لمشاريع تنتظرُ دورها، تعبيد مسالك ترابية، إنارة أجزاء من أحياء في المدينة، إيصال الماء لبعض الضواحي الريفيّة، مساعدات لبعض المدارس و الجمعيات الرياضية، تظاهرات ثقافية و أنشطة للأطفال متنوعة.. كما تلاحظون أغلب هذه المسائل ثانوية و لا لزوم لها، لذلك ارتأينا أن نسحب التمويلات من هذه المشاريع، و نشرع فورا في إعادة تعبيد الطريق بين مدخل المدينة و المستشفى، الطريق جيّدة بالفعل، لكنّنا خشينا أن تخضَّ الرئيسَ و هو في السيارة، فيظنَّ بنا الظنونَ. لم ننسَ جوانب الطريق، فزرعنا المشاتل، و أزلنا الأوساخ، و أعدنا صنع تلك العلامة المضيئة المهشّمة المرحّبة بالقادمين. لقد تغيّر وجه المدينة بالكامل مع حملة النظافة المكثفة لوسط المدينة، و تعليق اللافتات المبتهجة المرحّبة. تكفّلت الشُّعَبُ الحزبية بصياغة اللافتات و تعليقها، مع أشرطة الأعلام الصغيرة، و صور الرئيس، و أشرف رئيس الشُّعبة نفسه على التجوّل وسط المدينة بالعربة ذات البوق، و هو يخطبُ و يحثُّ الناس على إنجاح الحدث العظيم. ألم يمرَّ من هنا؟ أومأنا إيجابا فواصل قائلا : لقد اكتشفتُ خلال الحملة، أنّ المدينة تؤثر على أهلها بقدر ما يؤثّرون عليها. لقد شهدتُ تغيّرا في قسمات الناس و نبراتهم، كأنّهم هم الذين تزيّنوا، و تطهّروا و لبسوا الزهورَ و الأعلام. و رغم الحملات الأمنية المكثفة، فلم نرَ من الناس إلا الحماس و الاستبشار و استعدادهم لتجاوز بعض الحوادث العرَضيّة المؤسفة. سألناه : و هل حدثت أمور مؤسفة؟ فأجاب و هو يدعس ما تبقى من السيجارة على المنفضة : الناسُ تستيقظ صباحا، تعيشُ النهارَ و من أجل ذلك النهارَ، نرتّب كلَّ سوءٍ نضطرُّ إليه ليلا. علّمتنا الدّولة أن لا نُقحمَ الشعبَ في عملنا، فلا يرى منه إلا النتيجة الرّائعة المتقنة. و ها أنتم أولاء ستلحظون اختفاء الكلابِ السّائبة تماما من الشوارع، فلا خوفَ و لا ترويعَ. بالأمس كان أعوان الفرق البلدية مع بعض الأمنيين يمشّطون طريق الجبل بالقرب من المستشفى، لقنص الكلاب السائبة. كان ذلك السكّير "عمر الزرقة" مارّا بكلبته الشهيرة التي يصرّ على تسميتها "الأسعد"، فأثار مشهده انتباه الفرقتين، فالبوليس مهتمّ أيضا بإيقاف المتسكعين من أمثاله. أطلقوا النارَ فأصابوا الرجلَ، لكنّ الكلبة ظلت هناك حتّى ألحقوها بصاحبها. سجّلت الجريمة ضدَّ مجهولٍ فلحسن الحظِّ ليس للرجل أهلٌ، و ذهابه خطأ لا يجب أن يتحمل وزره رجلٌ معيلٌ.
و سكتَ سالمٌ ثمَّ قالَ : لقد كان الأطفال يهابونَ الرجلَ و هيئته المريبة، و لن يحسَّ أحدٌ برحيله. لكنّ الجميعَ يحسُّ أنَّ فرحة المدينة هذه المرة ليست عَرَضيّةً، إنه الخلاصُ!

خبر.
لم يكن العمُّ حمد بائع العطورِ يشاركُ الناسَ حماسَهم بما يحدث، قال لي و هو يلقي بصحيفة اليوم في امتعاضِ : هذه مسرحيّة مضحكةٌ. لا أحدَ يتحدّثُ عن الزيارة في الصحف، كأنها حقا زيارة فجئية، ثمّ يبثّون في شريط الأخبار مشاهد المواطنين الهاتفين بحياته، و الحواجز الأمنية كأنّما أعدَّ كلُّ شيء ارتجالا. هذه مسخرة وطنية. و هذا الشعب الذي بلغ درجات من الوعي يصدّق أن الرجلَ قادمٌ و بيده مفاتيح الجنة؟ يظنّون أنه قادم و في يده عصا السلطة السحرية التي تصنعُ العجبَ العجاب. كيف لا و هو أرفع شيء ممكن في الدولة؟ سوف يأمر و ينهى، سوف تنبتُ المصانعُ في كلّ شبر فارغ يعترضُ طريقه، و سوف يخلع كلُّ ضرس فاسدٍ في إدارة لا تقوم بعملها، و سوفَ تنهال أموالُ المساعداتِ بجرّة قلم مباركة. هراءٌ! مسرحيّة لا يصدّقها إلا هذا الشعبُ الأحمقُ. اُنظر إليهم يتوافدون كالجوعى على الكتبة العموميّين، نساء و عجائز، و حتّى بعض الشباب الذين لم يتعلّموا من المدرسة غير التهكّم على المعلّمين، كلّ منهم يعدُّ شكايته، و يجهّز مظروفه الذي سيدسّه في اليد الرئاسية المباركة. نحن في مدينة تفتقر إلى الشعور بالانتماء، و إلا لكنّا حللنا مشاكلنا لوحدنا من دون الحاجة إلى الأب الحنون المنقذ. و كأني بالمدينة تجمع فوضوي ضخم و عارض، لا أحدٌ ينظر إلى الآخر، و لا  أحدٌ يهتم بما حوله، الكل يتطلع إلى الشاحنة القادمة بالمعونة، أو إلى الزورق الذي سيعيدُه إلى وطنه الحقيقيِّ... نحنُ لسنا شعبا، بل تكدّس ضخم للاجئين!
أزعجتني كلماته، لكنّني تذكرتُها حين مررتُ ليلة الزيارة بطريق المستشفى. كانت الطريق مغلقة على المارّة، تذكّرتُ سالم الدريدي إذ قال : لن نتركَ شيئا للصدفة، سنغلق الطريق ليلة الزيارة حتى نحتفظ بنظافتها، علّقنا حاويات القمامة طبعا، و سنزيلها فيما بعدُ لنستعملها في مناسبات قادمة. لقد علّمتنا التجاربُ أنَّ الاحتفاظَ بها عندنا أفضل من تركها للتلف بيد الشباب أو للسرقة بيد المتاجرين بأي شيء. أمّا زوار المستشفى، فيمكن أن ينتظروا لليلة على الأقلّ. لقد كنّا متفهّمين و سمحنا للحالات العاجلة بالمرور. نحنُ أبناء الدولة، خير من يقدّر الأمور حقَّ قدرها!

خبر.
حدّثني فاروق ابن حيّ النّجاح قال : كنتُ فتى آنذاك فتى صغيرا أدرسُ بمعهد قريبٍ من المستشفى. جاءنا المديرُ و قال لا دروس اليومَ، فمن شاء أن يرجعَ إلى بيته فليفعل، و من شاء رؤية الرئيس فسننظّم مسيرة إلى هناك. لكنّه أكمل بقية كلامه للريح، فقد كنتُ و باقي الفتية قد غادرنا بالفعل إلى طريق المستشفى، ظننّا أنّا سنسبقُ الجميعَ، فإذا بخلق الله كلّهم هناك، و كانوا في أغلبهم من النساءِ و العجائزِ و أبناءِ الحزبِ و المناضلين القدامى، فهمتُ لماذا لم يدعُ المعتمدُ المصانع أن تخليَ سبيل العاملين، فالمكانُ لا يتّسعُ.
كانت الأسئلة كثيرةً تملأ رؤوسنا جميعا. حاول بعضنا الاحتفاظ بها لنفسه و أطلقها الآخرون في شكل إشاعات أو نكاتٍ حتّى لا يتركَ نفسه مدعاة للتندّر. سمعتُ أحدهم يقول : سمعتُ أنه سيمرّ في سيارة مصفّحة. و هتف آخر : بل سيمرّ من فوقنا بالمروحيّة. و اندفعت أخرى تقول في ثقة : أنتم لا تفهمون كيف يفعلُ الرؤساءُ. إنّ له شبيها سيبعثه مكانه، ألم تسمعوا عن الخمسين شبيها لصدام حسين؟ فأجابها أحدهم ساخرا : لا أعرف إلا أربعين فحسب.
و غرق الناسُ في نظريّات لا أوّل لها و لا آخر، حينما اندفعت فجأة في المكانِ سيارات سوداءُ رباعية الدفعِ، و خرج منها رجال كالشياطين حبسوا الأنفاس بأزيائهم السوداء المرعبة، و أسلحتهم الضخمة. أمسك كلٌّ صاحبه، و قرأ بعضهم المعوّذتين، و سرت في النفوس رهبة، و تهامس البعض بالإسم الرهيب "النمور السوداء!" و تأكد أنّ الرئيس على بعدِ أمتار. لا نعرفُ كيف ذاب هؤلاء القوم، و لا من أين نبتوا، لكنّ الأعناق اشرأبّت إلى ما وراءَ سياراتهم، التي واصلت طريقها. تعالى وقع موسيقى نحاسيّة، و ظهر في الطريق مصوّرون، و فرقة "الماجورات" بالمدينة، بأزيائها البيضاء و الحمراءِ، فامتصّت رجفة الخوف و أعادت الناس إلى الطابع الاحتفاليّ للموقف، فتعالت الزغاريد من كلّ مكان، و سرت عدوى الهتاف في قلوب الناس، فانهالوا على الحواجز ينشدون رؤية رئيس الدولة، و اختلط الهتاف بحياته، بصراخ من اختنق من الدفع و الحشر بحياته هو. لقد انقلب المكان في لحظة إلى مهرجان هستيريّ يسيل لعاب أيّ طبيب نفسانيّ. كنتُ أجاهدُ لأتنفّس و أتطلّعَ إلى ذلك الرجل الذي طالما رأيتُه في التلفازِ. كان قصيرا، يتطاير شعره بفعل الريح، فيعيد ترتيبه بأصابعه المشعرة، ثمّ يؤدّي بيده تلك الحركة المسرحية الشهيرة (أعصركم بيديَّ هكذا، و أضعكم في جيبي هذا) و لا ينفكّ يردّدها بشكل مرَضيّ.
رأيتُ رجلا في الجهة المقابلة يكادُ يغمى عليه من الهتافِ. أليس هذا العمّ حمد بائع العطور؟ كان الرئيسُ يقتربُ من موضعه، و الأمنُ يحاول أن يحول بينه و بين المواطنين. فجأة، قبضت يد العم حمد على اليد الرئاسيّة، فلم يجد "ابنُ الشعبِ" بدّا من أن يصافحه، و يأخذَ عنه المظروف الذي قدّمه له. زادت الهستيريا، و ارتفعت الأيدي بالمظاريف، فابتسم "سيادتُه" و هو يبتعدُ عن جانب الطريق، و أشار لأحد أعوانه، فراحَ يجمع شكايات رعاياه الشاكرين.
فيما بعد حكى لنا العمُّ منصور، كيف اقتحمت قوّاتُ الأمن منزل العمّ حمد، و أخرجته وسط صراخ زوجته، و أوسعته ضربا و شتما، لأنّه عرّض خطّتهم الأمنية للفشل، و كان يمكن أن يعرّض حياة سيادته للخطر. لكن هذه تفاصيل ثانوية...
حينما اقترب الرئيسُ عن المستشفى، حاول الناس متابعته لكنّ الأمن منعهم من التقدّم، فأجبروا على المغادرة، و كنتُ من بينهم. لم أسلّم الرئيس مظروفا، و لكنّني على الأقل، فهمتُ من أين يأتي كلُّ أولئك الناسُ الذين يرحبون بالرئيس أينما حلَّ. لقد كدتُ وسط هستيريا الجماهير أن أشاركهم الهتاف!

خبر.
كنّا كعادتنا عند حلاّق الأحباب حينما دخل علينا خليفة بن عمر الكاتب العام لدار المسنّين، و كنّا ننتظره بعدما رأينا ما رأينا من زيارة الرئيس لهم في نشرة الأخبار. طلبنا منه أن يفصّل لنا الخبر فقال : كنتُ مع المدير أمام دار المسنين، حينما طالعنا الركبُ المباركُ. كان الهاشميُّ أشبه بعريس في كسوته الجديدة و حلاقته الأنيقة، و العطر الخانق الذي يضوع منه. أسرّ إليّ أنه دهن يديه بمرهم يمنع التعرّق فهو كما قال "ابن الدولة" و يقدّر المقامات حقّ قدرها، و يقرأ حسابا لكلّ شيء. طلب منّي أن أراقب و أتعلّم، و كذلك فعلتُ.

سلّم على رئيس الدولة في حرارة، و دعاه إلى الدخول مبادرا : كما ترى يا سيادة الرئيس، فالحديقة متنفّسٌ هامٌّ لآبائنا، حاولنا أن نجعلها منشرحا للصدور. تأمّل الرئيس اللون البنفسجيّ الذي أغرق كلَّ شيء، و كاد يذهب بخضرة النبات، و لربّما لعن في سرّه ذلك اليوم المشؤوم الذي اعترف فيه بحبه لهذا اللون. أومأ برأسه موافقا في صمت، فواصلنا جولتنا، و الهاشميُّ لا يكفُّ عن الحديث و الشرح.
كنّا نتظاهر بالتجوّل عشوائيا، و لكنّ المسار كان مخطّطا له مسبّقا. دخلنا إلى المطبخ، كان كلُّ شيء يشعُّ ببريق لم تعرفه الدار منذ نشأتها. و الحقيقة أنه لولا نضب المالُ من الخزينة، لغيّر الرجلُ جليزَ القاعة. تناول الرئيسُ إحدى أواني الطبخ، رأى ملصق الثمن الذي نسي الطبّاخ اللعينُ انتزاعه، لكنّه تجاهل الأمر و قال مبتسما : ماعون نظيفٌ. ثمّ استدار إلى الطبّاخ المتأنّق و سأله : و ماذا ستطبخُ لهم اليوم سي الشاف؟ تهلّل وجهُ الفتى كأنه أدرك لتوّه أنه سيخاطبُ الرئيسَ و قال في حماس : سيدي الرئيس، اليوم سنعدُّ لآبائنا حساءً بالدجاج، و أرزا، و لن نبخل عليهم باليوغورط و الغلال. و الحقيقة أنّنا تباحثنا طويلا بشأن أكلة اليوم ممّا يجدر بالدار أن تقدّمه فيبدو مثاليا و غير مبالغ فيه. و لقد فوجئنا أن أكلة كهذه لا تكلّف الكثير..

دعانا المدير لزيارة الوحدة الطبية. فتح الباب في حماس، كانت القاعة خالية إلاّ من ممرّضة تبتسم عيناها كأنّما أدخلنا عليها عريسها. سأل الرئيسُ ساخرا : أليس عندكم مرضى هنا؟ و قبل أن تجيب الممرّضة، اندفع المدير يقول : هنا نضع الحالات الحرجة يا سيدي، لكنّنا نعتني بالجميع في عنابرهم. أنت تعرفُ كم يشقُّ على أبائنا أن يتحرّكوا. تأمّل الرّئيسُ الآلات الطبيّة المنتشرة في القاعة. "عندكم جهاز تخطيط للقلب؟ هذا جهاز يندر أن يوجد في المستشفيات." لم يخبره المديرُ أنّه استعاره من المستشفى الجهويِّ بالفعل، و أنّه كان مخبّأ لا يستعمل كي لا يصيبه العطبُ. فقط اكتفى بالابتسام في ثقة و قال : أنا ولد الدولة يا سيديّ و أعرف كيف أوفّر ما يلزم.
كرّر الرئيسُ همهمته التي قد لا تعني شيئا و قد تعني الكثيرَ. أضاف في خفوت و هو يخرج : يعطيكم الصحة. ثم سأل أن يرى بعض النزلاء.

اِقتدناه إلى عنبر الحاج الكفلي، دخل المدير عليه دون استئذان، لكنّه لحسن الحظّ كان مستعدّا مثلما اتّفقنا معه. الحاجُ الكفلي لسانٌ ساحرٌ يأخذك إلى زمن جميل غابر. لذلك وقع عليه اختيارُ المدير. وعده بعلبة سجائر يوميّة فقال له الحاج إنّه يعاني من أوجاع في العظام منذ وقت طويل، و أن لا أحد يريد أن يسمعه، فنظر الهاشميُّ في عينيه و قال له : تلك مشاكلٌ داخليّة يا حاج. نحلُّها في ما بيننا، أتفهم؟ لا داعي لإقحام الآخرين في مسائل عرضية كهذه. سنتدبّر أمر علاجك فيما بعدُ.
سأل الرئيسُ الحاجَ الكفلي : لا بأس عليك؟
فأجاب العجوز : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
بحث الرئيسُ عن شيء لم يسأل عنه. كان مصوّر الأخبار يوثّق لهذه اللحظة التاريخية التي ستحلّلها الصحف غدا في مقالات مطوّلة، لذلك بحث عن شيء عميق ذي دلالة. قال له : أتشعرُ أنّك غريب هنا؟ أتفتقدُ أهلك؟
فأجابهُ الكفلي بلسانه الساحر : الحمد لله يا ولدي، الحمد لله على كلّ شيء. نأكلُ جيدا، ننامُ جيدا، و لا دائم إلا الله.
و اندفع المدير محاولا تدارك الأمر : أنت أبوهم سيدي الرئيس، أنت أبونا جميعا.

تمتم الرجل "العفوَ العفوَ" و هو يجيل نظره في الغرفة النظيفة المؤثثة. لا بدَّ أنه لاحظ حداثة طلائها. لقد كلّفتنا تهيئة الغرفة و إزالة الرطوبة عنها، جهدا كثيرا و مالا أكثر دفعناه من جيوبنا. و صرنا ننتظر المنح القادمة بفارغ الصبر.

أخذنا الموكبُ إلى قاعة التلفاز حيث جلس بعضُ المسنين يشاهدون شيئا ما. أقبلوا على الرئيس يعانقونه، و يقبلونه، ممّا يبشّر بالمزيد من الصور التاريخية. لم يشتكِ أحد منهم من شيء كما اتّفقنا معهم. لكنّ إحدى النساء راحت تبكي متوسّلة إياه أن يزورهم كلّ يوم. قلنا له مفسرين : يحبوك سيدي الرئيس. و كان ذلك آخر ما قلناه له.

شكرنا للزيارة و حثّنا على العمل على خدمة آبائنا لأنّ هذا واجب الدولة تجاههم. و عندما غابَ ظلّه خلف الطريق الجانبيّة، سقطنا على الأرض كأنّنا أفرغنا من طاقتنا. رحنا نضحكُ كالمجانين، فشاركنا الجميع ضحكنا. لقد انتهت المهمّة بنجاح تامّ، و لم يسجّل علينا أيُّ شيء. كان الهاشميُّ متحمّسا، غرق في أحلام لا آخر لها، و قال لي إنه من غير المستبعد أن ألحق بديوان الرئاسة بعدما أظهرتُ من كفاءة. قلت له في شكّ : لكنّ الرئيس لاحظ حداثة التجهيزات و الصيانة. فضحك الهاشميُّ ساخرا و قال : لكنّ الناس في التلفاز لن يلاحظوا ذلك، ما يهمُّ الرئيسَ هو أن يثبتَ للشعب نجاح الدولة في مهامها، بثّ التفاؤل بمستقبل واعد. أنت لا تفهم في مثل هذه الأمور.

و تدهّج صوت خليفة بن عمر و هو يختتم حديثه : اليوم يا جماعة، ثبتَ لي أنني لا أفهم حقا في هذه الأمور. وردت علينا رسالة عاجلة من رئاسة الجمهورية، تعلن عن انتهاء مهامّنا. قال لنا المعتمد أنّ الرئاسة كانت غاضبة جدا، لأننا لم نترك لها عيبا لتصلحه. كان كلُّ شيئا كاملا إلى حدّ أعجز رئيس الدولة نفسه أن يمدَّ يد العون، ظهر أمام شعبه كأنه لا قيمة له، أنّ الدولة آلة تعمل بكفاءة سواءَ كان هناك أم لم يكن، و هذا انتقاصٌ من عمل سيادته. كما أوصت الرسالة بتسليم الرئاسة جهاز تخطيط القلب لأنه ترف لا نحتاج إليه و المستشفى الجهويُّ قريبٌ.
لقد ذهبَ عملي يا أحبابي، فاصبروا عليَّ قليلا لأتدبّر أموالكم. و لا دائم إلاّ الله!

Sunday, March 30, 2014

أنا أكره التصنيفات!

اِسمحوا لي بمقدمة تاريخية مملة يا سادة. يقولون إن الحكايات ممتعة، و هي أكثر متعة حينما تكون حقيقية "ترو ستوري" كما يقول الاخوة في هوليود الشقيقة. يقول المثل (الذي اخترعتُه أنا للتوّ) أن العادة تسبق القاعدة، أو أنّ الواقع يسبق تصوّرنا له، أو أنّ الحقيقة تسبق طريقة تصوّرنا لها. أو أيّ شيء بهذا المعنى. خذ لك مثالا، اللغة.
من الغريب أن أكتشف أنّ البعض يعتقد بوجود قواعد النحو و الصرف و غيرها قبل اللغة نفسها. لا أعلم كثيرا عن بدايات النحو و علوم اللغات الأخرى. لكن للنحو العربيّ قصّة شهيرة، مفادُها أنّ أبا الأسود الدؤلي (لا تخف من الإسم) سمع رجلا (الواضح أنه ليس عربيّا) يتلو القرآن فيقول :"إنّما يخشى اللهُ من عباده العلماء" فجزع الدؤلي، و فكـّر أنه من الضروريّ إيجادُ علم يمكــّن الناس من النطق بطريقة سليمة، و من تجنّب اللـّحن عند التلاوة. هكذا ذهب الرجل إلى عليّ بن أبي طالب ليسأله المشورة، فيقول له عليّ كرم الله وجهه :" الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل." ثم يضيف :"اُنحُ نحو هذا." و هو ما شبّهه العبقريّ أحمد خالد توفيق بطالب دكتورا يتلقـّى التأطير من أستاذه العظيم.

المهمّ أن أبا الأسود حينئذ أرسى قواعد النحو، هل يعني ذلك أنّ الناس قبله لم تكن ترفع الفاعل و تنصب المفعول؟ هذا لغو طبعا، ما فعله أبو الأسود أنه أخبر الناس بقاعدة يستعملونها دون أن يشعروا مثلما أخبرنا نيوتن عن الجاذبية. و كما أنّ نيوتن لم يكتشف كل أسرار الجاذبية، فإنّ قواعد أبي الأسود لم تكن متناهية الدقة، و لم تفسّر الكثير من أسرار اللغة العربية. لك في "حتّى" التي أثارت حربا بين علماء البصرة و علماء الكوفة مثالا على ذلك.

أحدهم أرسل لي يتساءل أيهما مخطئ القرآن أم النحو، و ذلك بعدما لاحظ آيات تذكر جمع المؤنّث أو تؤنث جمع المذكر (من بعد ما جاءهم بالبينات). و هي مسألة شائكة معقدة ناقشها النحويون منذ عصر سيبويه ربما إلى اليوم، لكنّ ما أثار استغرابي هو السؤال الذي افتتح به قوله. فالقرآن قد نزل و لم يظهر علم النحو بعد. أما النحو فقد ظهر كما ذكرتُ سابقا استنادا إلى القرآن أساسا. فكيف يمكن أن يكون القرآن "مخطئا"؟ ثمّ ما معنى أن "يخطئ" القرآن لغويّا و قد جاء به رجل لغته العربية و لهجته التي رضعها هي الفصحى التي يتكلم بها العالم من حوله؟ و ما معنى أن "يخطئ" القرآن وسط هذا الجمع من الناس التي ولدت تتكلم بلهجته و حروفه؟

لكن دعونا نبتعد قليلا عن المسائل الدينيّة التي قد تزعج البعض، و دعونا نستمرّ مع اللغة. هذه المرة مع الشعر العربي. فالكثيرون أيضا يعتقدون بأن علم العروض سبق الشعر. و ربما كانوا يظنون أن عنترة العبسي و النابغة الذبياني، كانا يجلسان إلى الأرض الرمليّة يكتبان أبياتهما و يملآن المكان بالـ"شلطات" و الـ"عصافير" (تعرفون تلك الحركات التي نضعها تحت البيت لمعرفة تفعيلاته و استنتاج بحره). الواقع يقول غيرَ ذلك، الواقع يقول إنهما يفعلان ذلك دون أن يسمعا بالخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض. فهل تغضب؟
كان الشعراء يعوّلون أساسا على موسيقى الكلمة، من الجميع أن أنظم لك قولا يبدو مؤقّعا و فيه رنّة. يقول أولئك الذين ينكرون الشعر الجاهليّ، أن الشعر الجاهليّ غير ممكن في بيئة لم تعرف الموسيقى تطوّرا قطّ. لكنّ الحجة تنعكس عليهم، فالثقافة التي لم تطوّر الموسيقى، استعاضت عنها بالوقع الشعريّ. ربما لذلك يبدو لي الشعر العربيّ أكثر وقعا من غيره. جرّب قصيدة في المتقارب، و ستدهشك خفّة إيقاعه، إنه يفرض موسيقاه فرضا. و لأنّ الاعتماد على الأذن لوزن الشعر "موسيقيّا" يعني تسلل الهنات، فإنّ العروض أقرّ بها و استوعبها فيما يعرف بالزحافات و العلل.
لقد ظلّ شعرا رغم "علله" اذا، ذلك أن من سبقوا العروض هم من صنعوه، أما حينما تأتي بعد الخليل بشعر علله غير معروفة مثلا، أو بحره لم يضعه نحويّ قطّ، فآسف، أنت تهذر بما ليس شعرا! هذه طامة النقد الفنّي، و هذا هو بيت القصيد!

يضع النقاد و الدارسون و الخبراء و الأساتذة و الدكاترة قواعدهم بناء على ما سبق دائما. مشكلتهم ليست افتقارهم إلى الإبداع، و إنما افتقارهم إلى القدرة على استباق الإبداع أو تخيل ما يمكن أن يكون. لذلك تخرج قواعدهم أضيق من الإبداع في كثير من الأحيان.

بعض الأدباء و الشعراء يضيقون ذرعا بالتصنيفات و القواعد، من ذلك ما كان يصرّ على ذكره طه حسين قبل أن يبدأ قصّة ما، أن ما يلي ليس قصّة و لا رواية و لا مسرحية إنّما هو حديث لا غير، و ذلك كي يتخلـّص من تصانيف النقاد العبثية أحيانا. أذكر أن أحد الأساتذة العظام، كان يصرّ كلما قرأ "محاولة" قصصية قدّمها شاب إليه، أن يبحث فيها عن "شروط القصة"، سألته ماذا لو أخلّ بأحد هذه الشروط، فقال إنه لن يعتبرها كذلك. لم أفهم ما معنى أن "لا يعتبرها كذلك". هل تتحول حينئذ إلى قصيدة مثلا؟ أو إلى هذيان محموم؟
أحدهم راح يعدّد لي شروط القصة القصيرة، فقال إنها يجب أن تعتمد على الكثافة، و أن تقلّ من الشخصيات، و أن يتمحور القص حول حدث بعينه، الخ.. كل تلك الشروط التي لم أجدها في إحدى المجموعات القصصية التي كتبها أستاذ له. من أين يتعلمون هذه الشروط إذا؟ أم تـُراها قوانين لنكرات الأسماء؟

لم أسلم أنا أيضا من التشريح الأكاديميّ، رغم كوني نكرة (أو ربما لأنني كذلك). و أعترف هنا أن أغلب من يمارسون ذلك بلا هوادة هم أولئك الذين لا يزالون في طور الحماس لما يدرسون. أغلب من هم في سنّ متقدمة، أخضعوا معارفهم للمساءلة، باتت أحكامهم أقل أكاديمية، و أكثر مرونة. أما الآخرون، فيحتاجون إلى التصنيف و التقسيم و التشريح حتى لا يتوهوا.

هل يعني ذلك أننا لا نحتاج إلى النقد؟ هل يعني هذا أن التصنيفات الأدبية هي تصنيفات عبثية؟ لا أظنّ ذلك طبعا. إن دراسة الأدب و تقنينه مهمان من أجل الغربال. من أجل فرز النقيّ من الهجين، و الجيّد من الرديء. لكنّ سنّة الفنّ أن يتجاوز نفسه، و كذلك نقده و دراسته يجب أن تتجاوز نفسها دائما حتى تستوعب جنوح الفنّ و جنونه.
إنّ إيجاد معيار ثابت نتبع به تجارب الفنّ و رحلاته فنشدّ على يد هذه الرحلة و نشذب تلك. لكنّ هذا يقودنا إلى فلسفات و مدارس قد لا يتسع المقام لذكرها. لكنّها هناك حتما. تلك التي استخدمها المحكّمون يوما في سوق عكاظ و تلك التي فاضل بها سيف الدولة بين أبي الطيب و أبي فراس. رحم الله أبا العتاهية، الأكبر من العروض!



Translate