Showing posts with label أوسكار. Show all posts
Showing posts with label أوسكار. Show all posts

Friday, October 26, 2018

نداءُ القمر

في سنةِ 1999 وقبيلَ وفاتِه بلحظاتٍ، ظهر شريط فيديو للمخرجِ الأمريكيِّ الكبير ستانلي كيوبرك يشرحُ فيه كيفَ زوّر عمليّةَ هبوطِ الإنسان على سطح القمر، وكيف حقّق سنة 1969 أكبر خدعةٍ سينمائية في التاريخ. ورغمَ ثبوت زيف شريط الاعتراف هذا وعدم نسبته إلى كيوبرك، فإنّه لم يسمح إلاّ بتغذية فكرةِ المؤامرةِ. لقد سبقَ فيلمُه أوديسا الفضاء 2001، رحلةَ أبولو11 بسنةٍ، وطويلا ما اعتُبرَ الفيلمُ تحضيرًا أو "بروفةً" لإنجاز الخدعة الكبرى. وساهمَ فيلمُ البريق The Shining سنة 1980 بتفاصيلهِ الغامضةِ في إثراءِ الأسطورةِ (راجع الشريط الوثائقيَّ : الغرفة 237)، فاقترنَتْ أشهرُ مغامرةٍ للإنسانِ عبر التّاريخِ بعالمِ السينما. أليس غريبًا أنّ هوليود لم تُخلّدها في أيَّ فيلمٍ بعد؟


تفطَّن المخرجُ الأمريكيُّ (الفرنسيُّ) داميان شازال Damien Chazelle لهذا الفراغِ فبدأ التّفكيرَ في المشروعِ من قبلِ العملِ على غنائيّتِه العبقريّةِ لالالاند La La Land سنة 2016. يجب الحديث قليلاً عن شازال ربّما لأنّ نظرية المؤلّف Auteur Theory تنطبق على أعماله بشكلٍ كبير. لقد أنجز وهو بعدُ في الثالثة والثلاثين ثلاثةَ أفلامٍ روائية طويلةٍ، آخرها لالالاند المتوّجُ بستّ جوائزِ أوسكار، وأحدُها رائعةُ ويبلاش Whiplash أحد أهمِّ أفلامِ العشريّةِ الأخيرةِ.

ترتبطُ كلّ أعمالِ شازال وثيقًا بالموسيقى، لذلك كان إعلانُ فيلمِه الجديدِ مباغتا، كأنّ الرَّجلَ سيغامر بالعملِ خارجَ نطاقِه، لكنّ العنوانَ يكذّبُنا.

الإنسانُ الأوَّلُ First Man هي الصّفةُ الّتي ارتبطتْ إلى الأبدِ بالأمريكيِّ نيلْ أرمسترونغ Neil Armstrong منذ أن وضعَ قدمَه على سطح القمرِ. وهو إنجازُه الّذي به يُعرَفُ ويُعرَّفُ. وبه يبشِّرُ بدراميَّةِ العلاقةِ بين الإنسانِ ومنجَزه: هلْ كانت رحلتُه إلى غياهبِ الفضاءِ ممتعةً وثيرةً؟ هل كان الوصولُ خاليا من التضحيات؟ وإن وجدتْ فهل كان الإنجازُ من مقامِها، جديرًا بها؟

عبر هذه الأسئلةِ نستعيدُ من جديدٍ أفلامَ شازال السّابقةِ وندرُك الجامعَ الحقيقيَّ بينها. إنّنا تقريبا أمام فكرةٍ واحدةٍ، تدعو إلى التوقّف للحظاتٍ أمام هاجسِ الإنجازِ والتّأمّل فيهِ وفي عواقبه وفي فداحةِ الثّمنِ الّذي قد يدفعه المرءُ من أجله. وهي فكرةٌ تناسبُ بديهيًّا فيلما عن أرمسترونغ.

الحقيقةُ أنّ فكرتنا عن السّفر إلى الفضاءِ الكونيِّ موبوءَةٌ بالآمال المعقودةِ على المستقبلِ، بصورة الرُّوادِ النّائمين في سكينةٍ داخلَ قوقعةٍ صُلبةٍ ووثيرةٍ حتّى الوصولِ إلى الهدفِ. إنّ رائدَ الفضاءِ شخصٌ محظوظٌ غالبا، ولو أنَّ أفلاما كثيرةً تمحورت حول الحوادثِ الفضائيةِ (رجلُ المرّيخ The Martian، جاذبية Gravity، أبولو13) فإنّها حوادثٌ لا تُلغي فكرةَ التّشريفِ، وفكرةَ الحُظوةِ اللامبرَّرةِ الّتي يحصلُ عليها الرّائدُ منذ البدايةِ. ثمَّ إنّ رحلةَ أبولّو 11 التّاريخيّةَ كانت خاليةً من الحوادثِ (أو هكذا يخيَّلُ إلينا)، إنّها رحلةٌ مظفَّرةٌ يمرحُ خلالَها الإنسان/الرّائدُ فوق سطح القمرِ بلا أيّةِ هواجس.

وفي هذا المستوى، يُحقِّقُ "الإنسانُ الأوّلُ" أولى انتصاراتِه. فإن التزمَ الفيلمُ بفكرةٍ تجاهَ الحدث التّاريخيِّ، فهي ولا شكَّ إعادة تشكيل صورة الرّائدِ وصورة الرِّحلةِ الفضائيّةِ. في سنة 1962 لم يطرحْ بعدُ على نيل أرمسترونغ فكرةُ السفرِ إلى القمر. وحتّى سنة 1968 أي قبل سنة من الرحلةِ، لم يكن هو الخيارَ الأوّلَ للمغامرةِ. وكان عليه قبل أن يقودَ أبولو 11، أن يجتهدَ كثيرا، ويعانيَ طويلا، ويؤجّل موته مرارا. لا تسئ فهمي، فلسنا إزاء فيلمٍ عن المثابرة حتّى النّجاحِ. ولا يوجدُ أيُّ مشهدٍ احتفاليٍّ ملحميٍّ في نهايتِه. لقد كانت عذاباتُ رائد الفضاءِ فكرةً بعينها. صورةً أرادَ لها شازال أن تطفوَ وتكشفَ عن استحقاقٍ حرمت منه هذه الفئةُ طويلا.

لم تكنْ رحلةُ الإنسانِ إلى القمرِ مسلّيةً إلى الحدِّ الّذي قد نتخيّله. ولم تقدر عقولُ المهندسين والفيزيائيين أن تؤمّنَ كلَّ شيءٍ. لقد كان الموتُ مترصّدا بشكلٍ مدهشٍ. مختبئا بين أكمات الأخطاءِ الرّياضيّةِ البسيطة جدا، وخلف كلِّ غفلةٍ عن عاملٍ من عواملِ الطبيعةِ اللاّنهائيّةِ. حين التحقَ نيل بمشروع جيميني Gemini، فقد زميلهُ إليوت سي Elliot See الحياةَ رفقة آخرينَ في تدريبات جويّةٍ سنة 1966. ثمّ كانت كارثة أبولو 1 سنة 1967 إذ احترق ثلاثةٌ من خيرةِ الرّوادِ في قُمرةِ القيادةِ قبل الانطلاق. وكان من بينهم إد وايت Ed White جارُ نيل وأقربُ الزملاء إليه.



لم يقتصد شازال كثيرا في تصوير حضور الموتِ، فصوّرَ مشهد الاحتراق من خارج القمرة بطريقة مستفزّةٍ موجعةٍ. وتابعَ لحظاتٍ نجا فيها نيل بأعجوبةٍ خلال عمليّاتٍ تدريبيّةٍ أو مهامّ رسميّةٍ. اِنفجارات، جروح، حوادث، غيبوبة في الفضاء، وخروج عن سكّةِ الجاذبية. تنويعٌ يذكّرنا قليلا بأطباقِ الموتِ التّي قدّمها فيلم دنكرك منذ سنتين. هاهو يستنبطُ له وصفة جديدةً: فخلفَ السّكون الّذي قد توحي به صورةُ قُمرةِ القيادةِ، تتعالى ملحمةٌ صوتيّةٌ معدنيّةٌ رهيبةٌ تعكسُ هشاشةَ السُّفنِ الفضائيّةِ. وفي مشهدِ الافتتاحِ، كانت المركبةُ تعوي عواءً مخيفا، أشبه باستغاثات البشر، ونرى احمرار مقدّمتها وهي تجاهد لاختراق الغلاف الجويّ. وفي مشهدٍ آخر، يخيَّلُ إلينا سماعُ تطايرِ البراغي. هندسةٌ صوتيّةٌ تحبسُ الأنفاسَ، تبلّغُنا أنّ روّاد الفضاء الأوائلِ، كانوا يسافرون في علب سردين تقريبا، وكان الموتُ أقربَ إليهم من حبلِ الوريدِ.

جُعلت فكرةُ الموت محوريّةً في الفيلم. فلم تقتصر على عملِ أرمسترونغ في وكالة الفضاء، بل تواصلت في منزله. لقد كان شازال بحاجةٍ إلى بهاراتٍ دراميّةٍ وقد وجدها في وفاةِ كَارِنْ أرمسترونغ Karen، فحوّلَ عبرها اﻹنجاز العظيمَ إلى محنةٍ لازمت الرّائد طيلةَ ستّ سنين. وبدا كأنّه في رُنوّه للسماءِ يبحثُ عن ابنته، ويرغب أن يلتقيها مرّةً أخرى. لقد ساهم هذا الخيارُ في جعلِ انطوائيّتِه الّتي عُرفَ بها طبيعيّةً. ولا شكَّ أنّ اختيارَ ممثِّلٍ يجيدُ التعبيرَ الضّمنيَّ عن الحزنِ والغضبِ مثلَ ريان غوسلينغ Ryan Gosling لم يكنْ عشوائيّا. في المقابلِ، أدّت كلير فوي Claire Foy دورًا أكثر انفعاليّةً عبر شخصية جانِتْ أرمسترونغ Janet Armstrong. ونتيجةُ ذلك، دراما عائليّةٌ جيّدةٌ، تُوّجت بمشهدِ الوداعِ الّذي سيظلُّ محفورا في الأذهانِ.


هل بالغ شازال في استعمالِ موت كارن Karen لأغراضه الدّرامية؟ لا أظنّ ذلك، ولكنّنا نلمسُ تهافتا من أجل إفرازِ المعنى من سيرةِ البطلِ. ربّما كان موت البُنيّةِ مؤثّرا، وربّما كان حضورُ الموتِ في حياتِه طاغيا، لكن يصعبُ أن يمثِّل ذلك دافعا كافيا لرحلته. إنّ أرمسترونغ مجبولٌ على المضيِّ قدما، مع حضور الحوافزِ التاريخية والسياسيّة والمادية وغيرها. لقد كان أشبهَ بجنديٍّ في معركةٍ محمومةٍ لغزوِ الفضاءِ. بل إنّ هذا أبعدُ ما يكون عن المجازِ، وأبعدُ ما يكون عن العفويّةِ. فقد كانت أخبارُ الضحايا تأتي كأخبارِ الوفيّاتِ من الجنودِ، وكان التحضير للتأبين يحدثُ بذات السّياسةِ. ذلك ما خفيَ عن أعيننا وراءَ خطوات الإنسانِ المختالةِ على سطحِ القمرِ، وذلك ما حاول شازال أن يبرزَه.

يبقى "الإنسانُ الأولُ" مع ذلك فيلمًا عن الفضاءِ. لؤلؤة في عقدِ أفلامِ الميزانيّاتِ الضّخمةِ الّتي جادتْ بها هوليود عن غزو النجوم. لقد كان الفضاءُ في ما مضى حصرا على صنف الخيالِ العلميِّ، ولذلك يصنَّفُ فيلمٌ عجائبيٌّ (Fantastic) مثل حرب النجوم Star Wars على أنّه خيالٌ علميٌّ. وللسّبب نفسه وقفَ الكثيرُ حائرين بشأنِ تصنيفِ فيلمِ "جاذبية" Gravity. لكنّ "الإنسان الأوّل" يكسرُ بشكلٍ قاطعٍ احتكار الخيالِ العلميِّ على الفضاءِ الكونيِّ الشاسع، إذ يمنحُه إلى نقيضه : السينما التّاريخيّةِ.

تكشفُ مشاهدُ الفيلمِ عن إحاطةٍ مدهشةٍ بتفاصيلِ الحقبةِ الزمنيةِ. رائحةُ السّتيناتِ في الملابسِ، وأثاثِ المنزلِ، والتقنياتِ والموسيقى، والأحداثِ طبعا. وجرى تدقيقٌ تاريخيٌّ صارمٌ في أبسطِ آلات التدريبِ ومركباتِ الفضاءِ الأسطوريّةِ المشاركةِ في الرحلةِ. طبعا لا دخلَ لي في تأكيدِ هذه الدّقّةِ، فهناكَ مختصّون وخبراءٌ قد شهدوا به.

وعلاوةً على الدِّقّة، فقد اعتمدَ شازال على أموال يونفرسال Universal الطّائلةِ ليقدّمَ لنا صورةً مدهشةً للقمر. في مشهدٍ عظيمٍ ساحرٍ تتماهى عيون المتفرجين بعينيْ الإنسانِ الأوّلِ وهو يديرهُما على المكانِ المظلمِ المنير في آن. صخورٌ ملءَ الأفقِ، وصمتٌ تضيعُ فيه الجاذبيةُ، وعناقٌ بين الضّوء والعتمةِ، وتناقضٌ حادٌّ فاتنٌ كأفلامِ الجريمة السوداءِ Noir ولقطةٌ في ثلاثمائةٍ وستينَ درجةً تؤكّدُ على محدوديَّة تأثيرِ الكمبيوتر في هذا التنصيبِ التشكيليِّ المذهلِ.



تقنيّا، فقد تخلّى المخرجُ عن الصور المصمّمة بالكمبيوتر CGI واعتمد على الطّرق الهوليوديّةِ الكلاسيكيّةِ البديعةِ. فاستعملَ مركبات فعليّة محاطةٍ بشاشات عملاقةٍ تعكسُ الخلفيّةَ المطلوبة. فكان الممثِّلُ أثناءَ التصوير قادرًا على تأمُّل سطحِ القمرِ، دون حاجة إلى تخيّله. وهو عملٌ معقّدٌ أضفى على المشهدِ أصالةً عظيمة.

أمّا أسلوبيّا، فقد طغت لقطة القُمرة الذّاتيّة Point of View shot على أغلب مشاهدِ الحركة، ليعيش المشاهدُ لحظات الاقترابِ من الموتِ كما لو كان رائدَ فضاءٍ. وهذا ليس تشبيها بلاغيّا، فأغلب الظنِّ أنّ الفيلمَ معدٌّ خصّيصا لتقنية الواقع الافتراضيِّ Virtual Reality ولن ننتظر طويلا قبل أن نجد عروضا بهذا الشّكل. وعلى كلّ حالٍ فـ"الإنسان الأول" تجربةٌ بصريّةٌ يستحسنُ أن تتمَّ في أفضل الظروف، أمام شاشة IMAX لمن استطاع إليها سبيلا.

أعتقد أنّ شازال لم يُفلحْ كثيرا على المستوى الأدبيِّ، فالعملُ تكلّف النّبشَ في فكرةِ الموتِ، وعلاقتها بدفعِ الإنسانِ إلى القمّةِ، ولم يبلغ الأصالةَ إلاّ في تغييرِ فكرتِنا عن رائدِ الفضاءِ وطبيعةِ عملهِ. وعلى المستوى الدّراميِّ لستُ أشاطرُ انتقاد الكثيرين لغوسلنغ على فتورِ ملامِحه وعجزه عن تبليغِ انفعالاته، فالرَّجلُ في صمته كان قادرا على تبليغ أعقدها، وقد أثبت ذلك في أكثر من مشهدٍ. أما على المستوى التقنيِّ، فالفيلمُ تحفةٌ حقيقيّةٌ سيتردّد إسمه طويلا في ترشيحات الأوسكار لهذا الموسم.
 
الفيلم : الإنسانُ الأوّلُ First Man
المخرج : داميان شازال Damien Chazelle
الصنف : سيرة، تاريخ، حركة، فضاء
المدّة : 141 دقيقة
السنة : 2018
النجوم: ريان غوسلنغ Ryan Gosling، كلير فوي Claire Foy

Saturday, March 3, 2018

أفلامٌ خسرتْها جوائزُ الأوسكار!

نشهد هذا الأحد، النسخة التسعين من حفل الأوسكار. وهي وإن لم تكن أهمّ الجوائز السينمائيّة من الناحية الفنّية فهي حتما أهمّها إعلاميّا. تعدّل الساعات عليها وينتظرها الجميع حتّى وإن عبّروا عن رفضهم مسبّقا لترشيحاتها ولطرق التتويج بها.

لن يخرج هذا العام عن غيره من الأعوام التي شهدت جدلا حول اختيار أوسكار الفيلم الأفضل، أهمّ جوائز الحفلة. فلا بدّ للاختيار أن يثير سخط فئة ما. ولقد سجّل لنا التاريخ سجالات كثيرة، لعلّ أشهرَها، حفل سنة 1995 حين كان على لجنة التحكيم التقرير بين "فورست غمب" Forrest Gump، و"قصة من الصنف الرخيص" Pulp Fiction الحائز آنذاك على السعفة الذهبية، والخلاص من شاوشنك The Shawshank Redemption. أو سنة 1976 حين كان عليها تفضيل "أحدهم طار فوق عش الوقواق" على باري ليندن Barry Lyndon والفكّ المفترس Jaws وعصر يوم قائظ Dog Day Afternoon.

على أنّ هناك سنوات أخرى، لا تحتاج نتائجها إلى سجال أو جدل. بل قد تحتاج إلى خبراء نفسيّين واجتماعيين ومؤرّخين لفهم العناصر التي أدّت إليها. إنّها تلك السنوات التي أجمع الكلُّ فيها، على مرور الأكاديميّة (المانحة للجوائز) بجانب التاريخ، فعوض أن تقرن إسمها بإسم فيلم أيقونيّ، خسرتْ كثيرا بتتويج غيره.

في هذه القائمة، نتحدث عن أهمّ الأفلام الهوليوديّة (أو الناطقة بالانكليزية على الأقل) التي خسرها سجّلُّ الأكاديميّة حين لم يتوّجها بجائزته الكبرى. فهي أفلامٌ تتوّج جوائزَها لا العكس.



10 - سنة 2000
في حفل الأكاديمية الثاني والثمانين، تفوّق فيلم "جمال أمريكيّ" American Beauty عن جدراة، على منافسيه الأربعة، وأبرزهم الميل الأخضر The Green Mile والحاسّة السادسة The Sixth Sense، وفاز بالجائزة الكبرى. ولم يتطرّق أحدهم إلى غرابة خلوّ الترشيحات من فيلميْ نادي القتال Fight Club لدايفد فينشر والمصفوفة The Matrix للأخوين (الأختين فيما بعد) ويشوسكي. ربّما لأنّ الثاني فيلم خيال علميّ ثقيل Hard Sci-Fi، وربما لأنّ الأوّل ذو نزعة أناركيّة أو ذو طابع عنيف قد لا يعجب أكثر ناخبي الأكاديميّة. ولكنّ المؤكّد أنّهما بتقادم الزمن، تحوّلا إلى جزء من الثقافة الشعبية العالميّة. على عكس "جمال أمريكيّ"، لا يحتاج المرءُ إلى مشاهدة المصفوفة، لينسب إليها تلك الشفرات الخضراء المتساقطة بلا نهاية في شاشة سوداء، ولا يحتاج إلى مشاهدة نادي القتال ليدرك طبيعة العلاقة الملتبسة التي تجمع الممثّلين إدوارد نورتن Edward Norton وبراد بتّ Brad Pitt، أو ليعرف القاعدة الأولى للدخول إلى نادي القتال.

لكن لو سرنا إلى ما وراء مجتمعات الإنترنت، وصور الـ 9GAG وجداريّات المدن ووسائط الفنّ الحضريّ، سوف يتراءى لنا سياق تاريخيٌّ مهمّ ولد في لجّته هذان العملان. إنّ المرحلة الانتقالية إلى القرن الجديد، تنعكس بشكل بالغ على هذين العملين. لقد غيّر فيلم ماتركس صورة التكنولوجيا في السينما، واستطاع إحداث مقاربة بين شكلها المعاصر ووظائفها المستقبليّة. وطرحَ مثلَه مثل نادي القتال، صورة استشرافيّة للقرن الجديد : ثورة اتّصالية، مجتمع استهلاكيّ، حكّام خلف أنظمة معقّدة يديرها الضحايا، ويدافع عنها الضحايا، ويبنيها الضحايا.

حصل الماتركس على أربعة جوائز أوسكار بفضل المؤثرات البصرية المدهشة، ولم يقدر أن يتجاوز ذلك رغم ثقله وثرائه، أمّا نادي القتال فقد رشّح لأوسكار تقنيّ لم يفز به. والغالب أنّ أهل السينما لم يدركوا قيمة هذا العمل إلا بعد سنوات من صدورهما، لذلك مرّ الأوسكار بجانبهما دون أن يظفر بإسميْهما في سجلاّته.



9 - سنة 1977
فاز في هذه السنة فيلم رياضيّ Sport Movie لأوّل مرة في تاريخ الأوسكار. والحقيقة أنّ قصّة إنجاز "روكي" Rocky تضاهي قصّة الفيلم نفسه. هل كافأت الأكاديميّةُ كفاحَ سيلفستر ستالوني من أجل إنجاز فيلمه بالأوسكار؟ لا أستبعد ذلك. على أنّنا نعرف يقينا أنّ جودة الفيلم السينمائيّة لا يمكن أن تُقارن بتحفة مثل سائق التاكسي Taxi Driver.

يعتبر سائق التاكسي، مدخل مارتن سكورسيزي Martin Scorsese لعالم المخرجين الكبار، وهو أهمّ أعماله تقريبا مع فيلم آخر نتحدث عنه لاحقا. وكما عبّر الماتركس ونادي القتال بدقّة فنيّة عالية عن هوس الدخول إلى القرن الجديد، كان سائق التاكسي صورة دقيقة للتغيّرات الاجتماعية التي جاءت بها موجة السبعينات إلى نيويورك. لقد كان آداء روبرت دينيرو Robert De Niro أسطوريّا، لحدّ جعل من ترافيس Travis أحد أشهر الأوغاد، أو نقيضي البطل في تاريخ السينما.
كما شهد الفيلمُ انطلاقة الممثلة الشهيرة جودي فوستر، إذ أدّت دورا أثار جدلا كبيرا لسنوات عمرها التي لم تتجاوز الاثنتي عشر. كانت إيريس ملهمة ترافيس وطريقه نحو الخلاص. كلمة القدر التي أضفت لحياته معنى، ولو وهميّا. هل كان ترافيس بطلا أم وغدا؟ هل كان عنفه ردّة فعل متطرّفة لانحطاط المجتمع، أم هو نتاج مرَضيٌّ لتغيّرات العصر، مجرّد أضرار جانبية؟
منح مهرجانُ كانّ الفرنسيّ Cannes Film Festival سعفته الذهبية لفيلم مارتن سكورسيزي، وخلّده في سجّله، أما الأكاديميّة، فعجزت عن تقييمه كما يجب، ومنحت الجائزة لبطل أكثر نمطيّة، إسمه روكي بالبوا.



8 - سنة 1999
بعد فيلميْ قائمة شندلر والحديقة الجوراسيّة، كان العالم ينتظر تحفة ستيفن سبيلبرغ الجديدة. لا يتميّز هذا الرجل بنفسٍ إبداعيّ عظيم، لكنّ له قدرة عظيمة على إدارة أعقد المشاريع السينمائيّة واستخراج كنوز مبدعيه الصغار في شتّى عناصر الصورة، كما ترتكز صورته على كتابة سينمائيّة دراميّة الطابع حتّى لو كانت قصة الفيلم بسيطة قليلة الأحداث. لذلك كلّه، كان حدثُ إنزال النورماندي (دخول الأمريكيين إلى فرنسا لتحريرها من النازيين) كلّ ما يحتاجُ إليه سبيلبرغ ليصنع تحفة على كلّ المستويات.

فيلم إنقاذ الجنديِّ ريان Saving Private Ryan هو أحد أهمّ الملاحم في تاريخ السينما، وأحد أهمّ أفلام الحروب، وبعضُ مشاهده تملّصت من سياقها الدرامي لتصبح أيقونات سينمائية شهيرة.
لم يكن هناك من شكّ سنة 1999 أنّ جائزة الأوسكار في طريقها إلى سبيلبرغ مرّة أخرى. ربما بشيء من المنافسة مع تحفة روبرتو بينيني Roberto Benigni الحياةُ جميلة La vita è bella. لكنّ الأكاديميّة فاجأت الجميع بتتويج فيلم آخر بالجائزة هو شكسبير عاشقا Shakespeare in love.

ليس من عادة الأكاديمية الاهتمام بالكوميديا الرومانسية، لكن شكسبير العاشق حرّك بعض الأقلام المؤثرة مثل الناقد الكبير روجر إيبرت الذي منحه اربعة نجوم (من اربعة). وراج أنّ وراء الأكمة المنتج المهاب هارفي واينستاين Harvey Weinstein، إذ ضغط لتحويل وجهة التصويت. وكتب أحدهم واصفا السجال: الاختيار هنا بين الانتصار للحرب أو الانتصار للحب! هكذا انتصرت الأكاديمية للـ"حبّ" ولكنّ ذاكرة الناس احتفظت بالحرب، ونُسيَ "شكسبير عاشقا" كأنّه لم يكن.




7 - سنة 1974
اِرتبط إسم جورج لوكاس George Lucas بأفلام حرب النجوم حتّى يخيَّل أنّه لم ينجز غيرها. بالنسبة لي، أنجز خيرا منها سنة 1973، وتوّجت تحفته آنذاك بخمس جوائز أوسكار لم تكن جائزة أفضل فيلم من بينها.

كلّ شيء متميّز في فيلم جداريّة أمريكيّة American Graffiti. حقبة الخمسينات (وبداية الستينات) التي استعادها بدقة بالغة، عناية اختيار الألوان، لتمنح المشهد لُدونة (Plasticity) بطاقات المعايدة العتيقة، وتحوّل قصص اليافعين (Teenagers) المتقاطعة في شوارع كاليفورنيا إلى ذكريات صيف عابر. انسيابيّة اللقطات المنسجمة مع حركة السيّارات المتنوّعة. لا تشبه ميكانيكا السيارات في الجدارية الأمريكيّة، تلك التي نراها في أفلام هذا العصر، بل تأخذ سمة رومانسية مضحكة، وبدائيّة حميميّة، كأنّها تعود بنا إلى زمن ما قبل الصورة الباردة القاتلة للسيارة، أو كأنّها تستعيد بدايات علاقة الشغف التي تربط اليافعين بها.
لكنّه أيضا يستعيد الكثير من تفاصيل الصّبا الأمريكيّ، ومرحلة الاستعداد للانتقال إلى عالم الشباب. لذلك تجري أحداثه كلّها في ليلة واحدة لها دلالاتها، فهي ليلة حفل التخرج. تلك الليلة الصيفيّة الأخيرة، التي يتفارق فيها الزملاء، ويمضي كلٌّ إلى جامعته، وعالمه الجديد. ولقد عبّر لوكاس عن كلّ ذلك، بقالب جماليّ مدهشٍ لا يمكن أن يقارن أصلا بفيلم اللدغة The Sting، الذي يروي تفاصيل عملية احتيال جميلة على كلّ حال. هل أثّرت مبيعات هذا الفيلم على أصوات الأكاديميّة؟ ربّما، لكن من المؤكّد أنّها اختارت الفيلم الخطأ، وخسرت أحد أهم الأفلام في تاريخ هوليود (الثاني والستون في ترتيب معهد الفيلم الأمريكيّ لأفضل الأفلام في تاريخ هوليود).



6 - سنة 1952
لنتخيّل الآتي: مسرحيّة من تأليف الكاتب الكبير تينيسي ويليامز، يحوّلها إلى السينما مخرجٌ أمريكيٌّ بقيمة إيليا كازان Elia Kazan، ويلعب دور البطولة فيها ممثلان بحجم مارلون براندو Marlon Brando (العرّاب) وفيفيان لي Vivien Leigh (في مهبّ الريح). هل يمكن أن يكون هذا حقيقيّا؟ أجل، في عربة إسمُها الرغبة A Streetcar named desire، أحد كلاسيكيّات السينما الأمريكيّة، وأحد أفلامي المفضّلة. ما لا يمكن أن يكون حقيقيّا، هو عدم حصول هذه التحفة على الأوسكار، وخسارته لصالح غنائيّة جين كيلي Gene Kelly الراقصة : أمريكيٌّ في باريس An american in Paris.

من المؤكد أن فيلم جين كيلي، أحد كلاسيكيّات السينما الأمريكية أيضا، وهو أحد أفضل الأفلام الغنائية أيضا، ولكنّه عدا لوحاته الجميلة، لا يخرج قيد أنملة عن الصورة النمطيّة لباريس، وهو في أحسن أحواله لوحة إعلانية بديعة للسياحة في فرنسا.

كيف لهذا الفيلم أن يتفوّق على الدراما الثلاثية التي جمعت الشقراء ستيلا وزوجها ستانلي (براندو) بأختها بلانش دوبوا Blanche Debois؟ يقدّر الكثيرون أنّ الفيلم قدّم لنا أفضل آداء أنثويّ في تاريخ هوليود (فيفيان لي)، بالنسبة لي، قدم لنا أيضا آداء رجاليا مضاهيا في شخص براندو. ورغم الطابع المسرحيّ الطاغي على العمل، لا تزال بعض مشاهده احتفالا سينمائيّا ودراميّا خالدا. هاي! ستيلاّ! تخترق تلك الصرخة العاتية شاشة العرض، مثلما يخترق خيالُ الآنسة دوبوا واقعها الأليم، فيصوّر لها أنها سيدة مجتمع راقية، تستحق مكانة أرفع بكثير من حجرة حقيرة عند أختها. ويصوّر لها عنف زوجها، عنفوانَ فارس الأحلام الجدير بها… 


5 - سنة 1961
حين ظهرت نظريّة المؤلّف Auteur Theory، كان المخرجُ البريطانيُّ ألفرد هيتشكوك عنوانها الأبرز. فقد اعتبر الناقد الفرنسيّ أندري بازان André Bazin مؤسّس مجلة كرّاس السينما، أنّ هيتشكوك هو النموذج الأكمل للمخرج المؤلف. وتوالت الأطروحات لتتعمّق في هذا الطرح، وتبرز وحدة الصّورة السينمائيّة التي يقدّمها البريطانيُّ في كلّ أعماله.

وإن كان الجدل قائما حول أفضل أعمال هيتشكوك، فما من شكّ أن فيلم سايكو Psycho هو أشهرُها. يحتوي الفيلمُ على كلِّ تلك العناصر التي جعلت من هتشكوك إسما خالدا في تاريخ السينما. الجريمة، الغموض، الإثارة، الرعب النفسي والتوتّر المتواصل… يقال إنّ هتشكوك اشترى كلّ نسخ رواية روبرت بلوخ الأصليّة، حتّى لا يحرق أحدٌ مفاجأة النهاية. ولكن حتّى على معرفتنا بها، ظلّ الفيلمُ نموذجا للإثارة، وأصبح مشهد الحمّام وموسيقاه المرعبة مادّة لا تنضب للمحاكاة والاقتباس.

لا يكتفي هتشكوك بإبراز الإثارة في الأحداث، وفي غموضها. بل ينزع إلى عمليّة إسقاط لنفسيّة الشخصيّة البطلة على الرعب الخارجيّ الذي يتهدّدها، فيعيد تفكيك علاقاتها مع الآخر ويغوص في خفاياها من خلال الخطر المستحوذ على ظاهر الأحداث. وكان سايكو أحد أهمّ الأفلام التي أنجز فيها هتشكوك هذا النموذج. فأصبح من بعده سنّة سينمائية متواترة.

المضحك أنّ سايكو لم يكن أصلا مرشّحا للأوسكار سنة 1961، وفازت به كوميديا رومنسية بعنوان الشّقّة The Appartment. فيلم طريف وممتعٌ، ولكنّه لم يحدث أي تأثير حقيقيّ في السينما، ولا يمكن أصلا مقارنته بسايكو. بل إنّ هتشكوك لم يفز يوما بأوسكار أفضل إخراج رغم ترشيحه للجائزة خمس مرّات، ولم يحصل له فيلمٌ على أوسكار سوى ريبيكا Rebecca سنة 1941 وكان أول ترشيح له.

لم تكن الأكاديمية في ذلك الوقت تأخذ أفلام الإثارة بشكلٍ جدّيّ، وكانت تمنحها بعض الجوائز التقنية لا أكثر. واحتاج العالم إلى نظرية المؤلّف للاعتراف بقيمة المخرج البريطانيّ، قبل أن تأتي نظريّات أخرى مثل النظريّة النسوية Feminist film theory لتتوغّل أكثر في أعماله. هكذا تمكّنت أفلامٌ من نفس النوع مثل "صمت الحملان" على حصد الجوائز الكبرى فيما بعد.



4 - سنة 1972
إذا كانت الأكاديميّةُ قد فهمت أخيرا قيمة سينما الرعب النفسي والإثارة Thriller، فإنّها لم تفهم بعدُ قيمة الخيال العلميّ. وفي واحدة من أكثر لحظاتها تهوّرا، منحت الأكاديمية كلَّ الأوسكارات الأربعة التي ترشح لها "برتقالة ميكانيكيّة" A Clockwork Orange لفيلم فيليب دانطوني : الطرف الفرنسيّ The french connection. يُعتبر فيلم دانطوني نُقلة نوعيّةً في سينما الأكشن، من خلال واقعيّة مشاهده وواقعيّة موضوعه أيضا (شبكة تهريب الهيروين إلى أمريكا عبر أوروبا كانت موجودة بالفعل)، وساهم في خلق هذه الواقعيّة أداءٌ متميّز من جين هاكمان Gene Hackman.

هل كان هذا كافيا للتغلّب على تحفة ستانلي كيوبرك؟ لا أعتقد، فالأكاديمية مثلما ذكرتُ، تستخفُّ بأفلام الخيال العلميّ، ولا تعتبرها على قدر كافٍ من الجديّة. قد أضيف إلى ذلك علاقات كيوبرك السيّئة بهوليود، ما دفعه إلى إنجاز فيلمه في بريطانيا.

لم يحمه هروبه من هوليود، من المشاكل، فقد استُقبل برتقالة ميكانيكيّة بانتقادات لاذعة بخصوص العنف المفرط فيه، واعتبرهُ الناقد روجر إيبرت فيلما يحتفي بالعنف والرذيلة والسقوط الأخلاقي، واضطرّ كيوبرك إلى إيقاف عرض الفيلم في بريطانيا لمدّة طويلة.
لذلك ربّما، اِكتفت الأكاديميةُ بترشيحه لجوائز الأوسكار دون أن تتوّجه بشيء. ولقد كانت الطرف الخاسر في هذه الصفقة. فإذا كان "الطرف الفرنسيُّ" إيذانا ببدء تملُّص هوليود من قانون هايس Hayes Code (الذي يلزم المنتجين بلوائح أخلاقية تجاه مشاهد الأفلام)، فإنّ فيلم برتقالة ميكانيكيّة تهديم تامٌّ لمعبدها، تجاهلٌ تامّ لها كأنّها لم تكن. وإذا كان فيلم دانطوني شاهدًا قيّما على تلك الفترة الانتقاليّة، فإنّ فيلم كيوبرك لا يزال إلى اليوم فيلما مدهشا ومثيرا!
إنّه أحد الأعمال المرئيّة النادرة التي تتفوّق على مصدرها الروائيِّ على كلّ المستويات، وهو آية نادرة لحجم المعاني والأفكار التي يمكن أن تنقُلها الصورةُ وحدها.



3 - سنة 1981
أحيانا يصبح عدم التتويج بالأوسكار تتويجا في حدّ ذاته. مَن مِن المخرجين لا يتمنّى أن يوضع إسمُه في قائمة فيها ستانلي كيوبرك وألفرد هيتشكوك؟ لقد كان مارتن سكورسيزي Martin Scorsese قاب قوسين أو أدنى من هذا الإنجاز لولا فيلم الرّاحل The Departed سنة 2006.

ليس الرّاحلُ أفضل أفلام سكورسيزي، بل هو في رتبة متدنّية من قائمته الزاخرة بأعمال جليلة. ما يجعله أكثر المخرجين حضورا في قائمة الظلم هذه. لقد ذكرنا فيلم سائق التاكسي، ولم أذكر مثلا الأصحاب Goodfellas الذي خسر الجائزة لصالح الرّاقص مع الذئاب Dances with Wolves لقيمة الفيلم الثاني، لكنّه جدير بالقائمة.
لكنّ أكثر أفلام سكورسيزي تعرّضا للظلم، كان فيلم الثور الهائج Raging Bull سنة 1981، فقد خسر الجائزة لصالح دراما اجتماعيّة لا يكاد يذكرها أحد. من منكم يعرف فيلم أناس عاديون Ordinary People؟ أنا أيضا لا أعرفُه. وحين حاولت معرفته لم أجد شيئا يستحقّ الانتباه، أو على الأقلّ لم أجد شيئا يمكن أن يضاهي الإبداع الكبير الذي حقّقه الثنائي "سكورسيزي - دي نيرو" في الثور الهائج. قد يكون الفيلمُ أفضلَ عملٍ ثنائيٍّ لهما، وقد يكون مثلما تشهدُ بذلك قائمة معهد الفيلم الأمريكيِّ، أعظم فيلم لسكورسيزي على الإطلاق، وأحد أهم الأفلام في تاريخ هوليود (تضعه القائمة في المرتبة الرابعة (بعد المواطن كين، العرّاب والدار البيضاء). لكنّ الأكاديمية سنة 1981 لم ترَ هذا كلّه واكتفت بتتويج دي نيرو بجائزة الأداء، وتلما شونمايكر بجائزة التركيب.

يصوّر لنا الثور الهائجُ، قطعة من حياة الملاكم جايك لاموتّا Jake LaMotta المسمّى بالثور الهائج لعنفه المبالغ، وانفعاله الكبير، حيث يبرز سكورسيزي علاقة حضوره القويّ في حلبة الملاكمة، بحضوره العنيف في حياة زوجته. لقد تعامل سكورسيزي برهافة حسّ بالغة في تصوير شخصية لاموتّا داخل الحلبة وخارجها، قرب زوجته وبعيدا عنها، في لحظات تعبيره عن حبّه الكبير، وفي لحظات انتقامه المخيفة…
كيف لعمل عبقريٍّ كهذا أن يخسر أمام أول فيلم أخرجه نجمُ الشبّاك روبرت ردفورد؟ يقول أحدهم، لأنّ شعر ردفورد أجمل!



2 - سنة 1969
يقول روجر إيبرت حين خرج من العرض الأول لفيلم أوديسا الفضاء : كنتُ أرى بعض المتفرجين المغادرين بعد العرض، وهم واثقون بأنّهم كانوا أمام أجمل شيء شاهدوه في حياتهم.

يتّفق نقادٌ كثرٌ وسينمائيون كبار مع هذا الرأي، لعلّ أبرزهم مارتن سكورسيزي الذي تحدّثت عنه. حيث يعتبرون أوديسا الفضاء ( 2001 A Space Odyssey) آيةً سينمائيّة مكتملة الأركان. أوبيرا بصريّة خالصة الجمال، تحدّثنا عن الإنسان في مراحل نموّه المتعدّدة، وتطرح علينا في قالب سينمائيّ خالص، أهمّ القضايا التي تواجه إنسانَ هذا العصر، وتضع أمامه آفاقا عدّة.

لقد أعاد ستانلي كيوبرك من خلاله إعادة الاعتبار لجنس الخيال العلميِّ، وجعله صنفا سينمائيّا مثيرا، واسع الآفاق، وحاملةً لأبرز القضايا الإنسانيّة وأعقدها. ورغمَ اعتماد هذا الجنس على التقنيةِ لإحداث الخدع البصريّة اللازمة، فإنّه استطاع أن يظلَّ مدهشا ومثيرا للبصر بعد خمسين سنة من صدوره! ولو قارنّاه مثلا بفيلم كوكب القرود The planet of the apes الذي أنجز في نفس السنة (1968) وصار يعدُّ كلاسيكيّا، لأدهشتنا المقارنة.
رغم كلّ ذلك، لم ترَ الأكاديمية سنة 1969 أيّ شيء استثنائيٍّ فيه، وخيّرت عليه غنائيّة عائليّة بعنوان أوليفر! مقتبسة  من مسرحيّة غنائية مستوحاة بدورها من رواية تشارلز ديكنز الشهيرة… هكذا في لحظة مهمّة من تاريخ الصراع الفضائيّ الأمريكيّ السوفياتيّ، وقبل أشهر فحسب من نجاح الرحلة الأولى إلى القمر، بدا لهؤلاء أنّ تغليب قصة طفل بريطانيّ من القرن 19، أهمُّ وأعمق معنى من تتويج فيلم بعنوان أوديسا الفضاء!
وليكون الأمر عبارة عن ملهاة متكاملة، لم يُرشَّح الفيلم أصلا لأوسكار أفضل صورة، وفاز بتتويج وحيد عن الخدع البصريّة، كانت الجائزة الوحيدة التي حصل عليها كيوبرك من الأكاديمية طيلة مسيرته الكبيرة. هل هناك زلّة للأكاديمية أكبر من هذه؟



1 - سنة 1941
أجل، في هذه السنة حدثت خطيئة الأكاديمية التي سوف تجعل من جوائز الأوسكار ماهي عليه اليوم : جوائز اعتراف بجودة الأعمال، لكنّها أبعد ما تكون تتويجا للأفضل. ليس لأنّ الأفضل مسألةٌ نسبيّة (فهي كذلك طبعا) ولكنّ لأنّ الأفضل ليس دائما ما يثير اهتمامها.
“كم كان الوادي أخضر!" How green was my valley هو فيلمٌ للمخرج الكبير جون فورد، لا يكادُ المرء يعرفُ عنه سوى أمرٍ وحيد : فوزُه بالأوسكار أمام فيلم المواطن كاين Citizen Kane.

يبدو الأمر لوهلة أولى متناقضا، فمن الطبيعيِّ أن يفوز مخرجٌ معروف مثل جون فورد بالأوسكار، وهو الذي كان قد فاز بها في مناسبتين : في السنة التي قبلها عن عناقيد الغضب The Grapes of Wrath، وسنة 1936 عن المخبر The Informer (ثمّ فاز بها مرة رابعة سنة 1953 عن الرّجل الصامت The quiet man). أمّا أورسن ويليس Orson Welles، فكان آنذاك شابّا عمره 27 سنة تقريبا، وكان فيلم المواطن كاين، ثاني فيلم روائيّ طويل له كمخرج. المسألة محسومة إذا.

ربّما بالنسبة للأكاديميّة آنذاك، أمّا السينمائيون في ما بعد، فقد أوفوا "المواطن كاين" حقّ قدره، وعدّه أغلبهم أهم عملٍ سينمائيٍّ تمَّ إنجازه على الإطلاق. لذلك يحتلُّ دون منازع رأس قائمة معهد الفيلم الأمريكيّ لأفضل أفلام هوليود، حتّى بعد مراجعة القائمة بعد عشر سنين من إنجازها.

قد لا تبدو قصّة المواطن كاين بهذه العظمة. إنها حكاية الفقير اليتيم الذي فعل كلّ شيء ليتسلّق سلم المجتمع ويستوي عند هرمه ليدرك أنّه رغم كلّ نجاحاته لم يحقق سعادته. لكنّ أسلوب قصّها كان غير مألوف على السينما الأمريكيّة آنذاك. لقد أدخل أورسن ويليس على المشهد السينمائيّ أدوات ملهمة أصبحت بعد ذلك أساسيّة يتعلّمُها كلُّ طالب في معاهد السينما.
من الرّواة الكاذبين كأسلوب للسرد، إلى اللقطة العميقة Deep Focus كأسلوب عرض، إلى تقنيات الراديو كأسلوب صوت، إلى تفكيك كلّ الأعراف الهوليودية في التصوير والإنتاج وإعادة بنائها، مثّل المواطن كاين ثورة سينمائية شاملة لم تدركها هوليود في وقتها، بل أهمل الفيلمُ بشكل كبير، ولم يحقق نجاحا تجاريّا معتبرا، ولم يتمّ الاعتراف به إلا بعد إعادة عرضه في الخمسينات ورواجه في شاشات التلفاز.
ويمكن القول إنّ الأكاديمية لم تكن مخطئة في تجاهلها للمواطن كاين، بل كان ناخبوها كغيرهم من معاصري الفيلم، عاجزين عن إدراك قيمته الحقيقيّة، فخيّروا الفيلم الأكثر التزاما بما تعلّموه في أستوديوهات التصوير. إنّ عجزهم هذا هو بالفعل ما جعل المواطن كاين فيلما عظيما!



إنّ أغلب الأفلام المتوجة بالأوسكار هي أفلام على جودة عالية، وهي وإن كثر الجدل حول أحقّيتها، لا خلاف حول قيمتها. يضفي الجدال أحيانا قيمة أكبر لبعض الأفلام، ويزيد من حماسنا تجاه هذا الفيلم أو ذاك ويغذّي غرامنا بالشاشة الفضيّة الساحرة وهو ـ وإن زلّت الأكاديميّة زلات مضحكة ـ أجمل ما تقدّمه لنا حفلة الأوسكار.

Tuesday, February 24, 2015

الفيلم المظلوم


كان عيبه أنه تجاوز خطوط الإنتاج المعروفة و المعمول بيها. قدّم فنّا يقاتل مع الزمن، ليجلب لنا أجمل ما فيه، و يذهب بنا إلى أجمل ما فينا ـ أو في أكثرنا ـ : طفولتنا.
أحدّثكم اليوم عن الفيلم المظلوم Boyhood.
تحصّل هذا الفيلم على أُسكار يتيم يتعلّق بأفضل ممثلة في دور مساعد، حازت عليها باستحقاق الممثلة بَتريشيا آركِت Patricia Arquette. و ذلك بعد أن ترشح لخمسة أُسكارات، بدا أنه يستحق على 3 منها.
بدأ العمل في ماي 2002 و انتهى في أوت 2013، لكنّ التصوير استغرق 45 يوما فقط. قدّم المخرج Linklater خلال هذا الزمن الطويل/القصير أحد أجود الصور التي يمكن لسينمائيّ أن يقدّمها عن الطفولة، و عن أمريكا، و عن الحياة. تتشكل هذه الصورة منذ كان الصبيّ Mason في السابعة من عمره، لتقدّم لنا بعد اثني عشرة سنة و قد غادر Mason حياة الطفولة ليبدأ فترة شبابه بالحياة الجامعية... خلال ساعتين و خمس و أربعين دقيقة، تتابع تشكُّل هذه الصورة، بدقائقها، و تفاصيلها، و أحداثها الصغيرة التي تكتشف كم هي مهمّة و كبيرة.
جمال الفيلم برأيي، لم يكن حقّا في التغيير البطيء لوجوه الممثلين، و ظهور التجاعيد بشكل طبيعيّ، و ظهور الزغب و النهود دون ماكياج و دون الاستعانة بممثلين من أعمار مختلفة. جمال الفيلم أساسا في تغيّر التفاصيل المحيطة بهم، و التي برأيي يستحيل على أقوى خبراء الديكور و تصميم الإنتاج التفكير بها جميعا. كلّ تلك التفاصيل التي أحاطت بMason و عائلته، لم يفكر فيها أحد، بل وجدت هناك بطبيعتها، و تغيّرت أيضا دون أن تستأذن أحدا.. تحوّلت لعبة الGameboy التي ظهرت أول الفيلم، إلى Nintendo Wii بمرور الوقت، و تحوّلت الهواتف الكبيرة إلى أخرى صغيرة، ثم إلى لوحات الكترونية. عشرات الماركات التي ظهرت حينها و اختفت بعد ذلك، عشرات المنتجات التي عاصرت بالفعل زمن التصوير، الموضة السائدة في الديكور، في الملبس، ربما أيضا في اللغة المستعملة، في العبارات المتواترة، الأحداث المحيطة بالعالم الصغير يعيشون فيه، كلّ ذلك جعل من Boyhood قصة أكثر واقعية من الواقع نفسه ربما، أكثر طبيعية، لكن بصيغة مختصرة كثيرا، تجعل المشاهد كأن بينه و بين هذه العائلة أنبوب زمني غريب، يطل منه دون أن يتأثر بالزمن. هو واقع يجعل المشاهد خارج الواقع.. لو تفهمون ما أعنيه...
ليس هذا فحسب، لكنّ المخرج لم ينس في خضمّ ترويضه الماكر للزمن، أنه يصنع صورة مهما تكن طبيعية، لا تكتمل إلا بتدخّل من يديه. لقد استطاع Linklater استعمال هذا المحيط الطبيعيّ الذي وفّره لقصته، ليبث فيها روحا رقيقة مليئة بالأحاديث و الموضوعات التي تطرق ذهن كلّ ولد كMason. طبيعة الموضوعات التي شكلت حوارات Mason مع محيطه، كانت عاملا أساسيا في إبعاد الملل عن المشاهد. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحوارات المنتقاة و المنثورة بعناية كبيرة على مراحل طفولة البطل، تقوم تماما بعكس ما تقوم به تفاصيل إطار القصة، أي أنها تعيد المشاهد إلى نهر الزمن، و تجعله يعيش داخله حين تخرجه التفاصيل منه. كل حوار للطفل هنا، مع والده الذي يسوق له ذكرياته، كل موقف مع والدته التي تنتابها لحظات ضعف شديدة، كل مشادّة مع أخته الأكبر منه سنا، و كلّ تحدّ يحرجه أمام أصدقائه، هو ذكرى تختزنها ذاكرتنا، هو قصة مخبئة في داخلنا، ستخرج كل تلك الصور مع هذا الفيلم، و سوف تعود طفلا، و سوف تواجه إجاباتك و أفكارك و معتقداتك الطفولية من جديد، سوف تضحك لهذه، و تعاود تقييمك لتلك ، و تتحسر لما بدر منك في أخرى.. Boyhood هو طفولة المشاهد أيضا.
هذا الفيلم ممنوع من الإبهار. يمضي بسيطا سلسا ناعما مثل الزمن تماما. لن تحسّ بالملل و أنت تشاهده، لكنك لن تحس بالتشويق، و لا بالمؤثرات البصرية المذهلة، و لا الخوف الشديد على البطل. لن يجعلك تغرق في الأفكار الفلسفية المريعة، و لن يحدثك عن دور المثقف أو الفنان، و لن يطلب منك أساسيات الفيزياء و نظرية الكم و النسبية العامة لتفهمه. لكنّه في الآن ذاته، ثريّ، قويّ، عاتٍ مثل الزمن. هكذا أراده Linklater و هكذا نجح في إخراجه.
بالمناسبة، أخت Mason، في الفيلم، هي ابنة المخرج، و تكبر البطل ببضعة أشهر فقط، و كادت تقرر التوقف عن الفيلم، لأنها ملّت، لو لا أن طلب أبوها منها المواصلة.
أما والد Mason فيعمل في شركة تأمين تماما مثل والد Hawke الذي قام بهذا الدور، و أيضا مثل والد المخرج. و كلاهما عاشا في تكساس التي دارت فيها الأحداث.
أخيرا، يجب التنويه بالعمل الرائع الذي قامت به Patricia Arquette في هذا الفيلم. لقد كانت أمّا مناضلة (لن أخوض في التفاصيل) فعلت الكثير لابنيها و لتضمن لهما طفولة يمكن لهما أن يتذكراها بشيء من الارتياح، إنه ذلك الدور الذي لا يفرط في الدراما، و لا يفلت منها، يقدّم المعاناة دون أن يتحدث عنها (في الواقع تحدثت عنها في لحظة ضعف يمر بها أي شخص مثلها)، و يجعل المشاهد مرة أخرى يعود إلى طفولته و يتذكر أمّه. Patricia و بوصاية من المخرج، لم تقم بأية عملية تجميل طوال السنوات ال12 التي صوّر خلالها الفيلم، و احتفظت بتغيرات جسدها التي لم تكن لتعجب نجمة هوليودية مثلها.
هناك الكثير لأقوله عن تلك التفاصيل التي خاض فيها الفيلم. الهواية، الجنس، حبّ إظهار الرجولة، الآخر، الطموح، العلاقة مع الأب.. مجتمع تكساس و قيمه، و أفكاره و تقاليده، الخ الخ .. هذا فيلم ثريّ جدا، لا تفوّتوه. مدته 165 دقيقة، أي تحتاج إلى نهاية أسبوع مثلا. لكنّه يستحق ذلك جدا. لو أن هناك ما يستحق جائزة أفضل فيلم بدلا من Birdman، فلا يوجد غير Boyhood.

Translate