Showing posts with label قصة. Show all posts
Showing posts with label قصة. Show all posts

Sunday, November 17, 2019

عن الذي ينقص



تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، وتململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، وراح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية ورطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، ولكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟ لماذا تعيش هنا إذا؟
فتح التلفاز وراح يحملق في الصور المضيئة وقد أخذته نفسه عن ما حوله... كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ والقهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان...

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، ولزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، إذ يجهل إحداثيّاته، وعليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت... في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات والغرف والعنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، وكذلك العيون والنفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك. كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء وشحّ الضوء والهواء. لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق والانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، ودهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، وربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، وقد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما كان زبائني يتهاوون.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، ولكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن وهذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه وحركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، ولا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاهل ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا... وحينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها وتقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها... ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي والدعابات القديمة... في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، وكثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة... أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، ومن يد البقال المتشققة الممدودة إليه، فرمى بالكيس أمامه وغادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأن البائع تعرّف عليه، وربما لأنه لم يفق من المفاجأة. وربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه... هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، ولكنه يصدّق الهاتف الذي بداخله. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يعبث بالأجساد، وأن يكِلَ للطبيب إيجاد على طبيعية لتفسير العبث خارج الأقبية. مرض قديم عاود الظهور، هبوط مفاجئ في الدورة الدموية تطلب تدخلا عاجلا، محاولة انتحار سببا تعفنا وتطلبت قطع شيء ما... لذلك لم يثق قطّ بالأطباء... لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم وينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة... رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة عليها حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى...

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة وما تفرضه من هراء. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى حينما كان نجم الأقبية، واليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه... قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان وكل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. وهاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة والمرناڨ، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم وينام...

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه. فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة... أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه قادما لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم لهم شيئا من الحكمة... من الخلف...
عاوده القرف وهو يتأمل القارورة. وخيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا واستدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب. إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل. هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، ولكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، وربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ وجماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، وكما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته. ويمكن بيسر وثقة أن يميّز بين ندبته وغيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة. تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع. اِرتعاش الأنامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، والعرق البارد. حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا... علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته وقد جُرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ متهوّر واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكّروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى...
قرأ على الوجوه نفورا واضحا. اِنزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة وحياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، وبدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل وقد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، ونبرة البلطجة... لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده... فلينزعجوا إذا. فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة... أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا ولا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

بص جانبا ثم نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا. وغادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهدات والنكات السخيفة... إن البشر لمقرفون. لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، وخيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ وكيف يتوب وقد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظلّ في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكلّ ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها... بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. ولئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، وله أن يحدثه قدر ما يشاء.

سُرَّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. وعاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، ولعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا واعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، وسيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون...
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. وتذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، وهذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة... وتساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح ضمور قدمه اليمنى وهو يقدّمها للمياه، كأنما ذبلت ولم تعد تصلح لشيء. اِنتابته موجة غثيان رهيبة، فغادر مهرولا... إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، وما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا وازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، وأشعل لفافة تبغ ودخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. والأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، وابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز وطلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة... حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم...

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ وإنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف فيها جسدَه. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها لا ليعبدها.

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده واستسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. وحينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة وحسم، وسألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة ولا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه ودواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، وإن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، ولا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك وتحضيرك.
وبسرعة وضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، وبدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، وحينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم وقد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، وأردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، ولطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا. كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، وإحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا وكأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Wednesday, June 10, 2015

وينو البترول؟

عندما ذهب أحمد صباحا إلى المدرسة كعادته، لم يكن يعرف أين هو البترول. اتّخذ مقعده بجانب صديقه أيّوب ليواصلا لعبة بدآها خلسة يوم أمس. أحمد يكره حصّة القراءة، لأنه.. يكره ذلك. يشعر بضجر عاصف، و يتمنّى يوما لو يصرخ في المعلّمة أن تعفيَه من قراءة قصة مريم التي تنتظر الصباح الجديد، مرارا و تكرارا، لكنّه يغتال أمانيه حينما يتذكر عصا المعلّمة.
فجأة دخل المدير، جمّد ظلّه الدماء في العروق، و انتشر الصمت كالهشيم، بينما هتفت المعلمة في حماس : وقوف!
لم يبد المدير أي اهتمام بكلّ ذلك، شأن من تعوّد على تأثير سلطته في الآخر. تقدم نحو المدرّسة و أشار إلى ما يحمل، ففهمت قصده، و جلست في مكتبها، لتفسح له مجال الحديث. قال المدير في لهجة صارمة : هذم اليوميات متاع الشبيبة المدرسية، مائة فرنك، حتّى شيء، حكاية فارغة، ما غير ما تقولوا لي ما عنديش، و الا بابا ما عطانيش. عندكم من هنا لآخر الجمعة تشروهم. مفهوم؟
ثم استدار إلى المعلمة سائلا : هاك المجلاّت، كملوا خلصوهم؟
اِنتفض أحمد في وجل و المعلمة تشير إليه في ضجر، و تقول : مازال أحمد كالعادة.
أمعن المدير النظر في رأسه المطأطئ، ثم قال بهدوء : أحمد، غدوة ما تجيبش 700 فرنك، ما تدخل إلاّ ببوك. تسمع فيّ؟
أومأ برأسه في استسلام، و راح يفكّر في وسيلة لطلب المال من والده دون أن ينال صفعة على وجهه. أما السباب فلم يعد يهمّ، لقد ألفه بأكثر ممّا ألف كلام كتب القراءة المنمّق. عاد أحمد إلى المنزل، دون أن يعرف أنّه تلقّى أولى دروس التنقيب على البترول...

***********

حينما سمع منصور طلب ابنه الوقح، همّ بصفعه في سخط، لولا أن تذكر أن الولد اللعين يقف بعيدا بالفعل، نظر إليه شزرا و قال له : مازلت تجبد لي هالحكاية نجبد لك **** عينيك! ماو قلت لك قلهم بابا ما عندوش!
أجابه الطفل و هو يستعدّ للهرب : قالوا لي غدوة ما تجيبش دينار، ما تجي كان ببوك! 
ألقى على ابنه بحذائه لكنّه لم يصبه. أرهقته مطالبه، أرهقته مطالب هذا المنزل اللعين. لعن اليوم الذي فكّر فيه أن يستقرّ، و أن يؤسس عائلة. تلك المرأة اللعينة. النساء دوما سبب المصائب. تذكر شجار الأمس حول تغيير المرحاض. تلك الفاجرة تريد مرحاضا كما في ديار الأثرياء. من اللعينة التي وسوست لها ذلك؟ إنه التلفاز حتما. إنه التلفاز الذي يفتح العين على ما لا طاقة لها به. تذكر أنه ضيّع حلقة الأمس من المسلسل اليوميّ، ففتح التلفاز الكبير الشامخ قبالته. طالعه مشهد سيارة يكاد بريق لونها يتلف عينيه. تشبه تلك التي يملكها رئيسه في العمل، و يجبره على قيادتها كلّ يوم. لكنّ صاحبها لا يشبه رئيسه في شيء. يتصنّع البؤس تصنّعا، يحاول أن يوهمنا أن المال ليس كلّ شيء، و أنه لا يجد سعادته رغم هذه السيارة التي يقودها. الملاعين! يستغفلونه، كأنه لا يراهم أمامه و لا يتابع حياتهم بتفاصيلها و هو بزيّ السائق الذليل. أي بؤس هذا الذي يعيشه أمثالهم؟

سمع صوت زوجته القادمة، فترك دينارا على الطاولة، و هو يعرف أنها ستعطيها للولد. غادر المنزل و هو ساخط. سوف يشرب أقل من المعتاد بسبب طلبات الولد الخرقاء، و هو لا يحب أن يتمادى في الاستهلاك، لكي لا يضطرّ ليبوح لتلك الشمطاء بأجره الحقيقيّ. سوف لن يطرف لها جفن إلا بجعله يصرف كلّ شيء، و يُحرم من كلّ شيء، فقط لو علمت بحقيقة أجره، فسوف تعرف أين هو البترول!

**********

وقف أمام السيارة ينتظر خروج رئيسه. فتح له الباب في احترام و قال : صباح الخير سي الهادي. فأطلق الرجل سبابا بذيئا، و هو يقول (بما معناه) : لا بورك فيه من صباح نحس. انطلقت العربة، بينما "سي الهادي" لا ينفكّ يلعن المصنع و العمّال و قوانين الاستثمار المزرية. صرخ فجأة : ما ذنبي إن زاد ثمن النفط؟ يعلمون أنني لا أستطيع أن أرفع في أسعار المنتوج، و إلا ما اشتراه أحد. ماذا أفعل؟ و غدا سيأتي العمّال مطالبين بالزيادة! أصلا يجب عليّ أن أسدد زيادة البترول من رواتبهم!

كان هذا يعني أنه لن يقدر أن يطلب من سي الهادي شيئا من الزيادة. قد يطرده لو فعل. ماذا تراه يفعل؟ فاجأه صخب يتعالى من داخل المصنع. طلب منه رئيسه أن يذهب و يشهد ما يحدث، و يعود إليه مساء ليرويَ له كلّ شيء. خجل أن يسأله أن يعطيه ثمن سيارة الأجرة على الأقل، فاكتفى بالقول : تهنّى سي فلان! بينما غابت السيارة عن ناظريه.

سيجد حتما مادّة لا بأس بها بين هؤلاء القوم. كلاما كثيرا يستحق أن يجازى عليه أفضل جزاء. الصراخ يملأ المكان. الجميع يردّد شعارات مختلفة. يريدون الزيادة أساسا، لكنّه يعرف أنهم لن يظفروا إلا بالقليل. حينما يرتفع ثمن البترول و يشحّ، تمتدّ أيدي هؤلاء بالدماء تعويضا، عن طواعية أو عن غير طواعية. ستتردّد الشائعات عن اعتزام صاحب المصنع إعلان إفلاسه، سيخاف أغلبهم من مغبة التمادي و سيحجمون عن مواصلة الاحتجاج. سيضغط على السلط للقبض على بعض أولئك الذين لا سند لهم. مخرّبون، دعاة فوضى، ربّما ارهابيون أو متآمرون. في كلّ الحالات، فإن رئيسه لن يخسر، إنه الجهة الرابحة دائما. و هو دوما مع الجهة الرابحة. أين هو البترول؟ إنه مع الجهة الرابحة!

**********

في المساء، طلب منه رئيسه أن يذهب إلى مقهى الكابتن ماجد، ليحضر له ضيفا. وقف قبالة المقهى بالسيارة السوداء اللامعة، و ظلّ هناك حتّى طرق أحدهم بابها. نظر من وراء البلوّر المعتّم، ففاجأه وجه مدير المدرسة. ذات المدير الذي دفع دينارا كي يتحاشى رؤيته! أعاد الرجل طرق الباب، فأخفى وجهه بقبعته البالية، و فتح الباب الخلفيّ للسيارة.
لم يشأ أن ينخرط معه في الحديث و حاول أن يتحاشى قوله ما أمكن، حتى بلغ به المنزل. بسرعة آلية فتح له الباب و هرع إلى جرس المنزل. يجب أن يتخلّص من هذا الموقف السخيف، يجب!
ـ مرحبا، مرحبا! وينك يا راجل؟ عندك مدّة ما طليتش!
أشاح بوجهه، و هو يتراجع ليترك المكان للرجلين، لكنّ رئيسه استوقفه قائلا : أوكة خليت لك فلوسك عند نجاة، برّة خوذهم.
عرفه المدير هذه المرة، لا بدّ أنه عرفه! أسرع إلى الداخل و هو يكاد يسمع المدير يقول : بو تلميذ عندي مهبّلني... كانت نجاة تعدّ شيئا من العصائر، للضيف و مضيّفه. حينما رأته، فبادرته بالسؤال : منيرة في الدار؟ فهم لعبتها الماكرة فقال لها في صرامة : باهي، هاتي الفلوس الساعة. و لو كان نسمع بيك قلتي لها حاجة و الله ما نتفاهم معاك! يزينا مالحوايج التركية، تهريت! تهريت! مطّت المرأة شفتيها في حنق. و دفعت له النقود و هي تغمغم : نقص بركة مالصياح!
تجاهلها و غادر المكان، فاستوقفه حديث الرجلين 
ـ و الله مازالوا ما خلصوش اليوميات اللي مديتهم لهم اليوم.
ـ هيه برمجهم اليوميات هذم. موش لازم اليوميات، نشوف لك مفكّرات؟ كتب موازية؟ يلزمني نمشي شوية دولاب. ماك تعرف، حتى من رئيس البلدية يلزمني نتصرّف معاه باش يعطيك هاك الرخصة.
ـ لا عاد سي فلان، ماو تفاهمنا فيها عاد هذيكة.
ـ هاك ترى في الاوضاع و الضغط. صدّقني الكلّه مالبترول!


Sunday, February 16, 2014

سرقة موصوفة


لا يتّسع المكان و لا يضيق، و لكنّها سلطة الموقف التي تحجب ما غيرها... في حالتي هذه، تقف السلطة من حولي ببدلاتها السوداء الأنيقة وقفة تحجب عني تفاصيل الغرفة المظلمة. الصبح لا يزال يفرك عينيه في تثاقل من وراء الأفق، أما أنا فلم أجد وقتا كافيا لأفرك عينيّ. الحصيّات الدقيقة اليابسة الملتصقة بمقلتيّ تجعل المشهد خشبيّا ضبابيّا و أكثر رهبة، يشهد بذلك تواتر صفير الربو من صدري العاري تقريبا.
لم أستطع أن أميّز عددهم بالضبط، و لم أتعرّف على هويّاتهم. في الواقع، لم أجرؤ أن أسألهم ذلك. ملامحهم توحي بأن عليّ أن أطيع لا أن أسأل. كان أحدهم يملأ المكان جيئة و ذهابا و دخانا، و هي ممارسات لا تروق لي و لا لصدري، و أحيانا تصيبني بالاغماء، لكنني كنت شبه فاقد للوعي بالفعل، فأنا لا أفيق بهذه الطريقة في العادة، ثم إن السادة يبدون أخطر من هذه التفاصيل السخيفة، سطوة الموقف تحتّم أن أتغاضى عن السخف قليلا و أن أستعدّ حين يحتاجون إليّ، هكذا السبيل إلى النجاة دوما... فجأة توقف الرجل و قال في حسم :"أنت في ورطة."
لم أجد جديدا في ما يقول، و لكنني لا أحب الاستهانة بكلام رجال يلبسون بدلات سوداء و يخرجونني من غرفة نومي قبل أن تخرج الشمس إلى العالم. لذلك أبرزتُ علامات الفزع التي كانت هناك بالفعل، لعلّه يلحظها و يقدم لي تفاصيل أكثر. لكنّه اقترب من وجهي ليقول لي بلهجة مهددة : "سنسألك بعض الأسئلة، و عليك أن تجيب عليها جميعها، النسيان و عدم المعرفة إجابتان غير مقبولتين هنا، هل تفهم؟ انت في ورطة!"
و هل كنت لأخفيَ شيئا عن سادة كهؤلاء؟ هاتوا أسئلتكم. سأل أحدهم "إسمك" و آخر "إسم أمك." و طلب ثالث :"كم حجم حذائك؟" أما الرجل المكتنز العصبيّ، فسأل في اقتضاب :"حجم تبانك الداخليّ". أنا شخص سريع النسيان لكنني اجتهدتُ فعلا كي أجيب عنها جميعها. لم يبد أن إحدى الأسئلة يوحي بالورطة التي أنا فيها، لكن لا حيلة لي.

"بم حلمتَ الليلة؟"
هذا سؤال تصعب الإجابة عليه بالدّقّة الكافية. علميّا يحلم الانسان طوال فترة نومه، و لكنه لا يذكر منها الكثير. هل قال إن النسيان إجابة غير مقبولة؟
"الحلم الذي أذكره جيّدا كان يخصّ لقاء في مقهى، مع خطيبتي السابقة."
"حاول أن تذكر كيف كان المقهى. لون المقاعد مثلا، شكل الفناجين، هل جلستما داخل المحل أم خارجه؟"
"كنا خارج المحل، و كانت المقاعد غير مريحة، خشبية بيضاء، أما الفناجين فكتبَ عليها Lavazza لكن لا أعتقد أن القهوة المقدمة كانت كذلك."
أحسستُ بلمعان عينيه من خلف النظارتين السوداوين، و اقترب بوجهه مني و هو يسأل :"المقهى، ما كان إسم المقهى؟"
كان السؤال صعبا و كان عليّ أن أذكر. ماذا كان اسم المقهى؟ كان مكتوبا على لائحة المشروبات الملقيّة على الطاولة. هل كان Starbugs ؟
"انت تقصد Starbucks أليس كذلك؟"
"اجل ربما."
"أجل، أم ربما؟"
"أجل."
"جيد. و ماذا كنت تفعل مع خطيبتك السابقة؟ أعني هل كنتما لا تزالان مخطوبين إلى بعضكما البعض في الحلم؟"
"كان لقاء فسخ الخطوبة. لم يكن شبيها بما حدث في الواقع. فقد حلمتُ بمشهد أكثر هدوءا و رقيّا مما حصل بالفعل. قلتُ لها إنني لا أزال أحبها، و حاولتُ أن ألقيَ عليها شيئا من شعر محمود درويش الذي لا أفهمه ويبدو مؤثّرا، لكنّها طلبت مني أن أخرس، ثمّ نزعت الخاتم الماسيّ الذي كانت تلبسه و رمته في فنجان قهوتي. كان حلما لا بأس به. الأحلام تجعل كل شيء جميلا. كانت خطيبتي تلبس فستانا جميلا، و عقدا لا أملك ثمن النّظر إليه من وراء الواجهة الزجاجيّة. كان ذلك من أسباب فسخ خطوبتنا في الواقع. أما في الحلم، فقد كان قالت أشياء تتعلق بمشاريعها وطموحاتها. لا أعتقد أنّ خطابها تضمّن تفصيلا لما تريده حقّا، فقط بعض الكلام المنمّق الذي جعل الموقف تراجيديا بما يكفي لأشعر أنّني غير محظوظ لا غير. حينما تخبرك حبيبتك إنك لا تملك ثمنها، لن تملك حينئذ ترف اللجوء إلى التراجيديا...
تركتُها تنهض و استرقتُ نظرة أخيرة إلى خصرها الشيطانيّ، و احتفظتُ بصمتي و خيبتي. و حينما غابت رائحة عطرها عن المكان، رنّ هاتفي. كانت أمي تهاتفني لتخبرني إنها وجدت محلا جيدا لكراء لوازم الأفراح."
"و ماذا كان نوع الهاتف؟"
ممم... أعتقد أنه كان نوعا أمريكيا. أيفون شيء ما."

اِبتسم الرجل في رضا عن إجابتي، و استدار إلى زميل له ما انفكّ يكتب على آلة ما، و كأنه يتأكد أنه لم يفوّت شيئا ممّا ذكرت. ثم إنه عاد يتطلّع إليه بهدوئه المهيب، و قال أخيرا :"أنت متّهم بالسرقة الموصوفة."
سرقة؟ متى حصل هذا؟ أنا لا أذكر أنني سرقتُ شيئا. مظاهر الحياة في غرفتي تؤكد كذلك أيضا. لكنّ هؤلاء الرجال يعلمون ما لا أعلم. سألتهم في فضول حقيقيّ :"ماذا سرقتُ؟"
تطلّع بعضهم إلى بعض في قلق، هل هذا الرجل مجنون؟ لستُ مجنونا و لكنّني ـ أعذروني ـ فضوليّ بعض الشيء.
"آسف، أردتُ فقط أن أعرف، لم أقصد أن.."
"الحلم الذي وصفته. أنت تصف بدقة وصفاقة مذهلة المشهد الملحميّ من فيلم "الرجاء الأخير". أنت خرقت قانون الملكية الفكرية، و استعملت مشهدا من إبداع غيرك استعمالا شخصيا من دون إذن صاحبه. هذا يعرّضك لعقوبة بغرامة مالية، و ربما قد تصل الأمور إلى السجن. أنت في ورطة فعلا."
"أنت تعني أن ما حلمتُ به، لا أملكه؟ أعني، لقد كنتُ أنا في الحلم، و لم يكن ذلك الممثل الوسيم. أنا لستُ بوسامته حتى أخلط بيننا، و إلا لما تركتني خطيبتي." 
"هل شاهدتَ نفسك في الحلم؟"
"كلا طبعا فأنا أنظر بعينيّ، أعني تقنيا لا يمكنني..."

"و هل أنت واثق من أن تلك الجالسة أمامك كانت خطيبتك؟ هل تذكر جيدا صورتها؟"
"ليس تماما، و لكنني أعرف أنها خطيبتي."
"هذه من ألاعيب العقل، لم تكن خطيبتك، ذهنك يخدعك. نحن نعرف."

هو يعرف طبعا، هو يعرف كل شيء، و الواضح أن معرفته بتفاصيل الحلم أعظم من معرفتي، ربما كانت التفاصيل مسجلة عندهم بإذن قضائيّ طبعا. الخصر الشيطانيّ إذا لم يكن خصرها. هذا يفسّر أشياء كثيرة...
"أنت ذكرتَ بالفعل تفاصيل المشهد تماما كما في الفيلم، المقهى، المقاعد، المرأة، لباسها أيضا كان كما وصفت، و حقوق الملكية مسجّلة و محفوظة باسم الشركة الراعية، و هي كما تلاحظ لا تريد أن تتسامح كثيرا بشأن حقوقها. في الواقع لقد تسامحت كثيرا و تريد أن تضع حدّا للتجاوزات. الناس لا تفهم كثيرا أي مجهود يلقاه الفنانون اليوم كي يبتدعوا شيئا جديدا، كل شيء ابتدع بالفعل، و النقد لا ينفكّ يضيّق فضاء الابداع. بعضهم اعتبر أن كل القصص هي في الأصل قصة واحدة تتكرّر بقوالب مختلفة. صورة تجعل من القصص شيئا مملا. بعضهم حدد عناصر القصة بالفعل، إن خرجتَ عنها فلا يلتفتُ إليك أحد. رياضيا يوجد عدد من محدود من الاحتمالات تحصل عليه من خلط هذه العناصر و مزجها و تركيبها. و مع العدد الضخم من المبدعين اليوم، بات الفنّ عملية شاقة جدا، شركات الانتاج تخاطر بأموالها كي تقدم لك أشياء جديدة، و أقل ما يفعله المرء أن يحترمها."

"و لكنني اشتريتُ ثمن التذكرة بالفعل حينما شاهدتُ الفيلم."

"التذكرة تضمن حق المشاهدة، لا حق استغلال ما شاهدته. إنك تتميّز باستهتار غير مسبوق. اُنظر إلى عدد الاسماء التجارية التي استخدمتها، من سيدفع لها حقوق استخدامها؟ الشركة الراعية تفعل ذلك بالفعل. ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحلم؟ ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحاول استحضار صورة حبيبتك التي تركتك؟"
"أنا بالفعل لم أفكر في ذلك. معذرة، و لكنني لم أكن أقصد. لقد باغتني الحلم و .."
"هذا ما يقوله المذنبون في كل مرة. لم تكن تقصد. بغير إرادتي. غير متعمّد... يتملّص الإنسان من مسؤولياته ملقيا بها إلى جانبه المظلم. يمارس كل رغباته الشيطانية خلف قناع واع و هادئ و أليف. لم تكن تقصد؟ من أدراك أنك لم تكن تقصد؟ أنت أحببت المشهد بالفعل، شيء ما في جسدك تفاعل مع المشهد هناك في قاعة العرض، و اختزنه في ذهنك، شيء ما رغب في استعادته على هذا النحو، فقط كونك جبانا هو ما جعل تلك الرغبة دفينة، تنصلك من المسؤولية هو ما جعلك "لا تقصد". إن الشعور بالعفوية ضرب من الفشل، أنت شخص فاشل، غير قادر حتى على صنع حلم مبتكر، تسرق أحلامك من صنائع الكادحين."

لسبب ما أجهله، شعرت أنه على حق. ليس فقط لأنّه رجل سلطة وخبير في هذه الأمور. ولكن لأنّ كلامه يبدو عميقا ومهيكلا. على كلّ حال لم يكن ذلك ما كنت أفكر فيه. كما ذكرتُ، أنا شخص فضوليّ، و كان السؤال الذي يجول في ذهني...
"ما شاهدتُه إذا هو ليس لي. ربما لا أمتلك أحلاما، و غير قادر على الحلم. هل سيتغيّر هذا الشعور إذا ما اشتريتُ لي حلما؟ هل سأشعر أنه منّي فقط لأنني دفعتُ ثمنه؟"
"من الجميل أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك أحلامه، لكنّ الحقيقة أنه هِـبَـتُها. أنت كشخص سلبيّ ذي طبيعة استهلاكية تعيش أساسا داخل غرفتك. خارجها أنت مختلس تقريبا. كإسفنجة ضخمة تتمسّح على عتبات الشارع الكبير وتمتصّ افرازات الآخرين. تعود إلى غرفتك وأنت تجرّ وراءك أحلام مجتمع بأكمله، أفكاره، مخاوفه، ما يحبّ و ما يكره. يخرج الإنسان الناجح إلى مجتمع يضجّ بأحلام الآخرين، يقترض منها ما يناسب روحه، يعجنها، يقلّبها، ويبثّ فيها شيئا جديدا. أما الآخرون فيكتفون بالالتهام. أنت مثلا. هل تذكر ما راودك من أحلام هذه الليلة عدا هذا المشهد؟ لا داعي للإجابة، فكلانا يعرفها. أنت اخترت النظر إلى الوراء، اجترار ماضيك و تزيين خيباتك ببعض الماس و الملابس الرقيقة. لكنّك حتى في هذه كنت فاشلا. المجتمع يقدم لك مشاريع أحلام مجانية، لكنّك تفضل المشاهد الجاهزة. عموما، هي متوفّرة قانونيا، و يمكن شراؤها كما يمكنني أن أؤكد لك، أنها من الاتقان بمكان فلا تشعرَ إلا أنها نابعة من أعماقك. حتى لو كنتَ تعرف عكس ذلك، فغريزتك المنهزمة ستتكفّل بتزييف الحقيقة."
"و ماذا لو أنني اشتريتُ الحقوق و لم أحلم؟"
"هناك خبراء يمكنهم التحقق إن كان السبب تقصيرا منهم، أم من خلل في جسدك. و اسمح لي أن أخبرك أنك كشخص فاشل، معرّض بشدة إلى هذا الاحتمال. عموما هناك شركات تقدم عروضا غير مكلفة و تضمن لك أحلاما لا باس بها. أحلاما مستعملة مثلا، أو أحلاما من الصنف الثاني."

"أن أشتريَ حلما. ربما كنتُ بحاجة إلى حلم ما حقا... هل يمكنني أن أشتريَ حلما مشخصنا؟ اعني، أختار تفاصيله كما أريد. كما ترى، لستُ خلاقا و لا مبدعا و لكنني كلاسيكيّ."
"هذا ممكن و لكنه مكلف بعض الشيء، ثم إنه يجب أن يمر عبر مكتبنا. نحن نكفل حرية أن تحلم، لكن كما تعلم، بعض الأحلام قد تهدد الأمن القومي. المتهورون كثر، و هم ينصتون كثيرا لأحلام ليست لهم، و أحيانا يسيؤون فهم ما يرون. نحن هنا لنرشد التائهين، أو من يعانون من سوء الفهم المفرط. يمكننا أن نقدم نصائحا لكنّنا لا نحب أن نبدوَ كمن يفرض شيئا ما على المواطنين. سنتركك تختار ما تشاء، ثم نتدخل عند الضرورة."
 أومأتُ برأسي في تفهّم، من الواضح أنّ أمثالي يسببون مشاكل ضخمة لهؤلاء السادة المحترمين. شعرتُ بخجل شديد، و الأسوأ أنني لا أملك المال الكافي للاستجابة إلى دعوته. خمّنتُ أن الحياة أهون من الحلم، كلاهما يبدو زائفا، لكن الحياة أقل إثارة و انفعالية. ربما لذلك هي أرخص ثمنا... قلتُ لمخاطبي المحترم إنني أفضل أن أتناول عشائي باكرا و أتأكد من دفء جسمي حينما أنام.
"خيار فيه شيء من المخاطرة. إن أي خطإ سيجعلنا نعود. لا نحب أن نقصّر في عملنا، فالمجتمع في حاجة إلينا."
"و الشركات الراعية أيضا."
"هي جزء من المجتمع، كما ترى، هي خير من يسهر على ابتداع أحلام جديدة للمجتمع. من الجحود انكار هذه الحقيقة. و من الجحود أيضا أن نشجعك أن لا تحلم. لكن إن كنت عاجزا، و لن أستغرب ذلك، فهناك حبوب تضمن لك أن لا تحلم. ثمنها غير مرتفع. المهمّ الآن، كيف تريد أن تدفع الغرامة المالية؟ عبر أقساط أم دفعة واحدة؟
الناشر حاصل على حقوق نشر هذه الصورة طبعا




 فاروق الفرشيشي
16/02/2014
حقوق النشر و التأليف غير محفوظة

Saturday, February 23, 2013

رائحــــة العشق





لم يكن بسيطا أن أكتب هذه القصة.. إن الحديث عن الحبّ دون ابتذال ليس هيّنا في زمن يعدّ الحبّ فيه تجارة رائجة.. تفتح التلفاز فتلفح وجهك مشاهد الغرام الركيكة في الدراما العربية، تفتح الراديو فتقتحم المكان أغان عن الحبّ تسمعها و لا تفهم شيئا.. حتى قصص الحب باتت ببرودة كيرستن ستيوارت.. و لا أدعي هنا أنني وضعت ملامح روميو و جولييت جديدة، لكن مع شخص حانق مثلي، فقد كان مرهقا جدّا أن أرضيَ نفسي بكتابة مثل هذه.. الواقع أنني احتجت إلى قراءة الكثير من نثر نزار قباني حتى يكفّ قلمي عن نفسه الساخر قليلا و يستنشق شيئا من الشاعريّة.. لم تكن تلك قراءتي الوحيدة.. فقد اضطررت لقراءة الكثير عن تونس القرن الخامس عشر.. كتاب الحسن الوزان (المعروف أيضا باسم ليون الافريقي) خصوصا، الذي يعتبر معاصرا لتلك الفترة.. و امتدّت قراءاتي إلى شيء من علم العطور.. كانت كتابة مرهقة بالفعل، و أرجو أن تكون النتيجة على شيء من الجودة.. بانتظار آرائكم :)

مقطع من القصّة :
يتسرّب الخدر إلى رأسه و تتسرّب الذكريات إلى جسده.. يحيط به الضباب من كل جانب، و تتلاشى تفاصيل الغرفة، بينما تتعالى طرقات محتشمة على بابها.. كانت قدماه كالعجين و هو يتقدّم نحو باب الغرفة..

"سي عليّ"
عذب كماء الياسمين، حارق كالزعفران، غضّ كالعنبر الأسود كان صوتها.. و كذلك كان عناقـُها..
تحسّسها طويلا غير مصدّق، تشممها كثيرا، كان كلّ شيء حقيقيا، كانت تبتسم في حياء، كما في ليلتهما الأولى، و تلبس الكثير من الحلي و الجمال، كما في ليلتهما الأولى... كان الكلام آخر ما يجب أن يقال في تلك اللحظة.. لقد عادت فاطمة، كأنها لم ترحل، لقد عادت فاطمة و عاد العطر و العشق و الحياة.. كيف لامرأة واحدة أن تختزل لوحدها كل ذلك؟ كيف لعينين أن تسعا الكون كما تفعل عينا فاطمة؟ و كيف يستحيل صدر امرأة بستانا مهرّبا من قرطبة كما يفعل صدر فاطمة؟"
و للقصة بقية.. 
Iori Yagami
شباط 2013 


Sunday, June 24, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الثاني


لا يوجد تلخيص لما سبق هنا، لأن ما سبق هو بالفعل مختصر جدا، فتخلصوا من الكسل يا سادة. و تذكروا أن أي تطابق في الأسماء هو محض صدفة ليس إلا، فخذوا بما فهمتم، و لا تتهموا غير أنفسكم.

هل صدقت فعلا أنني المتسبب في موت مبارك؟ و لِم لا أكون أنا؟ الرجل قد نجا من فرص كثيرة ليتخلص من الحياة، و آخرها حينما أُعلن الحكم عليه بالسجن المؤبد. فلِم يسقط الآن حينما كتبت اسمه في المفكرة؟ هل أملك سلطة الموت فعلا؟ أي قدرة رهيبة تلك التي بين يديّ؟! أي هول هذا الذي أحمله؟ كيف تتحول الكتابة من وسيلة للحياة إلى آلة دمار؟! آمنت دوما أن الكاتب امرؤ علم من الدنيا ما لم نعلم، و نقل للناس حيوات أخرى عاشها كما عاش حياته. كنت أؤمن أن المداد هو اكسير الحياة الذي تحدثت عنه الاساطير و الخرافات.. و أنه بجرة قلم تخلق عالما جديدا و أناسا جددا و تاريخا آخر! فكيف يتحول الورق اليوم إلى ساحة حرب، و يتخذ المداد لون الدماء؟

كانت الفكرة مرعبة جدا، و أنا اتأمل التلفاز، الذي يعلن وفاة الخرتيت المصري. و ارتعشت يداي لهول الفكرة. لقد قتلتُ شخصا! هل أنا قاتل؟ أم ملك الموت؟! متى كان ملك الموت مجرما؟ انه يقضي أمر ربه، و أنا اليوم أقوم بذات المهمة! اللعنة! ما الذي يحدث لي؟! لا بد و أنها صدفة. انها صدفة مثيرة لا أكثر، لوثة عقلية تصيب كل من يبلغ السادسة و العشرين بأفكار مبعثرة ثورية و محبطة. لا يمكن أن يكون الأمر صحيحا. لا يمكن...

 لكن ما علق بذهني من السلسلة اليابانية الشهيرة ما انفك يحوم حول رأسي.. كان هناك صور كثيرة من "Yagami Light" الشخصية الرئيسية، التي كنت اطلق عليها "ولد عمي" لاسباب قد يتفطن لها سريعو البديهة.. أعترف أنني كنت أوافقه الرأي يخصوص المجرمين، و ضرورة العقاب القاسي حتى يكون الردع فعّالا. صحيح أنني مبدئيا ضد فكرة الإعدام، لكننا هنا لا نتحدث عن الدولة، بل نتحدث عن القضاء و القدر. إن الموت قدر الانسان، فما بالك لو كان مجرما! سيكون ذلك الانتقاء الطبيعي الأكثر دقة و جودة على مرّ التاريخ! تخيلوا شعبا بدون جريمة أو فساد! تخيلوا شعبا يعيش في سلام تام  و أية حضارة يمكن أن ينتجها! 

عادت الأحلام تعبث بمخيلتي و تنير الظلام الذي يملأ غرفتي.. هل من الشوفينية أن أبدأ بوطني؟ كلا، هو نوع من اعادة التوازن ليس الا. بن العم أيضا بدأ بوطنه، و كانت النتائج رائعة جدا. الوطن ينادي يا فتى، الوطن يدعوك أن تكتب!
تأملتُ المفكرة و قد عادت الكتابة تتخذ صورتها الاولى في مخيلتي.. الكتابة ثورة، الكتابة عمل انقلابي، هكذا تعلمتُ، و هذا ما سأفعله هذه الليلة حرفيّا! سأحارب بقلمي كما حلمتُ دوما أن أفعل، و لكن هذه المرة، لن أنتظر طويلا لأرى النتائج. لا أعتقد أن أعظم القصاصين العرب قد حلموا بفرصة كهذه! لقد اختارتني الأقدار لأكون و إياها واحدا! فلأقض بأمر الله إذا!

بمن نبدأ؟ رفعت رأسي للتلفاز فطالعتني الإجابة على شريط الاخبار الأحمر المسافر بلا نهاية من يمين الشاشة إلى يسارها.. "يسافر الجنرال قائد الاركان غدا إلى قطر، للتباحث بخصوص اللاجئين في الحدود الليبية... الخ"
لماذا يصرون على اختلاق هذه الاكاذيب المضحكة؟ مرة يتخذ دور وزير التشغيل، و مرة يتخذ دور المشرف على مخيمات اللاجئين.. أي هراء هذا؟ كيف يستبيحون الاستخفاف بنا إلى هذا الحد؟ هذا الرجل يخفي حقيقة الثورة، و أسباب نجاحها، و الاهم يخفي حقيقة القتلة، لذلك سأبدأ به. و سأدبّر له ميتة درامية شبيه بتلك التي دبّرت لسلفه كي يخلفه على رأس جيش البر... الشيطان يعزف الكارمينا بورانا بين أذنيّ، و قلمي تراوده ارتعاشة الجنون!

"يسافر الجنرال عبر طائرة مدنية خاصة. و في الاجواء التونسية، يحدث عطل في الطائرة بسبب تلف بسيط لا يلبث أن يشتد و يتطور بسبب غياب التقنيّ المشرف. أين التقنيّ المشرف؟ غاب لأسباب مرضية..." 

فسخت الجزء الأخيرة و أنا أغلّب أن الرجل لو غاب فسيقع تعويضه حتما.. يجب أن يكون الغياب مفاجئا.. 

"أين التقنيّ المشرف؟ انه مغيب عن الوعي داخل الطائرة، بسبب مرضه الشديد، لكن لأنه لم يحضر شهادة طبية و لم يجد من يعوضه، اضطر بحكم المهنية ان يركب الطائرة، و اختار أن يرتاح قليلا لأنه عادة يحضر احتياطيا لا غير. لكن المرض اشتد به، و ارتفعت حرارته و سقط في غيبوبة لم تنفع معها محاولات المرافقين لافاقته."

حسنا، هناك أيضا برج مراقبة يتولى الاشراف على الطائرة مادامت داخل الاجواء التونسية. يجب أن تتخلص الطائرة من المراقبة...

"في ذات الوقت يشتعل حريق بسيط داخل البرج، لكن معدات الاطفاء كانت تحوي مواد قابلة للاشتعال فتسبب استعمالها في اثارة حريق ارعب الجميع و اخرجهم من قاعة المراقبة قسرا."

لم أقدر أن أمنع ضحكتي الجذلى و أنا أتخيل ما سيحدث غدا في المطار. الواقع أن تخلق قصة ثم تشاهدها لا في قاعة السينما بل في عالم الواقع، لأمر لم يحلم به انسيّ قط، ربما حتى Jules Verne نفسه. و لذلك يجب أن أحسن كتابة ما سيصبح بعد غد تاريخا!

"هكذا، يضطر القائد إلى الاستعانة بمهارة لانزال الطائرة من دون خسائر بشرية. لكن سقوط الطائرة وسط الغابات يجعل المهمة شبه مستحيلة، و مع سقوط الطائرة و تهشم النوافذ، يخترق جسم الجنرال جسم حديدي تملص من الطائرة، فيرديه قتيلا."

و رسمت نقطة النهاية كما يرسم المايسترو بيديه شارة ختام السينفونية، لقد أعلنت اليوم رسميا عن ميلاد كاتب جديد. كاتب قصص قاتلة! الغد القادم سيخبر عني، كما لم يفعل أي صباح آخر. فلأنتظر!

************
هذا جزء لم أشهد حدوثه طبعا، و يمكنكم أن تتخيلوا اي طريقة بلّغتُ بها بما حدث، الساحرة الشريرة، العصفور الذي يطل من الشباك، الاحلام، الشيخ الحكيم، تخيلوا ما شئتم، المهم أنكم ستعرفون ما حدث...

اسمه سعيد، و يعمل تقنيّا بالخطوط التونسية، و قد استيقظ على غير العادة مزكوما، يعاني صداعا شديدا. اللعنة، المفترض أن يسافر إلى قطر مع الجنرال، و لا يمكنه أن يتغيب هكذا. أطلق سبابا سوقيا و هو ينهض من الفراش... كان طول الطريق يفكر في وسيلة للتملص من الرحلة، لكنه لم يجد الطبيب في مبنى الإدارة. اللعنة ماذا سيفعل؟ هل يطلب من أحد الزملاء تعويضه؟ إنه يعرف أن لا أحد سيقبل. فكر في الأمر كثيرا قبل أن يطلق سبابا أكثر سوقية و يقول : "بقلة (بالقاف المشبعة) ليها، برة ينعن ز****** الخدمة و الفلوس و الجنرال متاع ز***** و تونس. نمشي نرقد و عـ*** من فوق. غدوة كان صبحت بطال توة نمشي نعتصم.. باش يذلونا على 600 دينار؟"

هكذا قدر للهادي الذي لا يعاني أي مرض يذكر من تعويض سعيد، طبعا مطلقا سبابا أكثر شاعرية. الواقع أن لا أحد يريد أن يصحب عسكريا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"هنا برج المراقبة، الحالة طبيعية، انت تتجه 34 درجة شرقا، وفق المسار 3B24 المتفق عليه. هل من مشكلة؟"
"هنا قائد الطائرة 757، لا مشكلة هناك. انتهى."

اسمها غادة، و هي الفتاة المسؤولة عن التواصل مع قائد الطائرة التي بدأت اقلاعها بالفعل. كان ذهنها شاردا في ما حدث لها بالامس، مع أحد أصدقائها. هل كانت تنتظر أن ينقلب حديثه إلى غزل صريح؟ و هل ستقبل دعوته اليوم إلى العشاء؟سيعني هذا أن تتواصل السهرية طويلا.. كان هناك شيء من الإثارة في الموضوع، و هي لا تنكر على نفسها ذلك. لكن ما تخشاه أن يكون غزله ضربا من الفذلكة، و ابتسامته شيئا من السخرية، و أن يكون الامر برمته هذيانا بين جرعتي نبيذ.. الهاتف يرن! إنه رقمه! اللعين! لماذا يهاتفها في هذه اللحظة العصيبة؟ انها تتحرق شوقا للرد عليه.. لكن الطائرة؟

تأملت بعض الشيء شاشة المراقبة، ثم شاشة الهاتف، قبل أن تحسم أمرها : المتابعة الروتينية لم تكن يوما مصيرية، لتذهب الطائرة إلى الجحيم، لكن يجب أن أعرف! هكذا، تركت الجميع و تسللت بسرعة كي لا يفتضح أمرها. و مع خروجها، دوت فرقة صغيرة في المكان، و تصاعد شيء من الدخان من الآلة ال و تصاعد شيء من الهلع وسط الفريق. 
"جيب اكة الـextincteur جيب!"
لكنّ الـ "extincteur" او قارورة الاطفاء لم تكن هناك أصلا، ان العشوائية تملأ هذه البلاد حقا!
"يا كمال! يا كمال المكينة تحرقت! تي جيب extincteur من اي بلاصة!"

لكن كمال كان أكثر فاعلية حقا!، لقد قطع التيار الكهربائي و سكب دلو مياه على الآلة التي أضحت خرابا! الكثير من السباب و اللعنات، بينما عادت غادة لتجد الفوضى تعم المكان. اللعنة، لقد اتلف الجهاز الذي تعمل عليه بالكامل، و هي تحتاج إلى جهاز آخر لتواصل متابعة الطائرة! قالت ذلك في توتر لزميلها فسلمها جهازه و هو يقول "لو ظللتِ في مكانك لاتلفتِ مع الجهاز!"

"هنا برج المراقبة، انقطع الاتصال لأسباب تقنية. هل من مشكلة؟"
"بالفعل هناك مشكلة، و لكن أصلحها التقنيّ هنا، نريد توجيهاتكم للنزول الاضطراري."

هنا أدرك الجميع أن شيئا ما قد حدث... 

أما الطائرة، فقد اضطرت للنزول، و طبعا لأن تونس الخضراء لا تعج بالغابات كما يتخيل الاخوة العرب، فلم يكون نزولها معقدا.. 

**************

لم يحدث شيء.. لقد كان حادث مبارك مصادفة اذا..
و لعله لم يمت.. 
ان العشوائية في ديارنا تفسد كل خطة ممكنة، و كل برنامج طموح..
تأملت الجنرال و هو يسلم على الأمير البدين، و في ذهني فكرة واحدة : هناك حالة رداءة عامة هنا.
ثم رميت بالمفكرة في القمامة..




Wednesday, June 20, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الأول

غدا عيد ميلادي،

او هكذا أخبرتني إحدى تطبيقات الانترنت التي تحاصرني من كل جانب. و هكذا أدركت ـ مرة أخرى ـ أن سنة أخرى من حياتي ضاعت هباء، أو للدقة الشاعرية، هباء منثورا.. وجهي كما ترسمه المرآة كما هو تقريبا، لولا شيء من التشاؤم و السخط ينفذ من عينيّ ليجعلني أبدو أقل بلاهة..

ماذا يفعل الانسان ليلة عيد ميلاده؟ يصعب تحديد ذلك، لكني أعرف ما يفعله تونسي أمِل يوما في الثورة ليلة عيد ميلاده : يسترجع ذكرى خيباته حتما! لكـ.. لحظة، أسمع حفيفا غريبا. هل هو أحدكم؟ أم هي مخيلتي اللعينة؟ حبست أنفاسي محاولا تبيّن ما يحدث. لكن الصمت كان بليغا.. حاولت أن أقنع نفسي أن لن يخسر العالم الكثير بفقداني، و جرؤت أخيرا أن أتقدم، و ألقي نظرة متوثبة إلى المطبخ.. هناك كتاب على الطاولة. كتاب أسود أنيق كخيباتي.. المثير أن لا أحد يقرأ هنا غيري..

اقتربت في حذر كأنني أناور أفعى ملكية، و تأملت العنوان في دهشة "Death Note" أو مفكرة الموت. أين رأيت هذا العنوان من قبل؟ تخبرني ذاكرتي الصدئة، عن مسلسل صور متحركة ياباني بذات الاسم، و ذات الطابع القوطيّ الكئيب الذي أراه أمامي الآن. هو مفكرة بالفعل، لكن، اللعنة! من أتى بها ؟

تقول الأسطورة إن المفكرة تمكن الكاتب فيها من قتل من يشاء بمجرد ذكر اسمه على المفكرة. الأكثر اثارة هنا، انه بالامكان تحديد طريقة وفاته أيضا. و هي كما تلاحظون طريقة مستفزة جدا لأكثر مخلوقات الله مسالمة، أن تجرب فكرة القتل، فما بالكم بشخص عنيف الطباع مثلي. تقليد جميل لعشاق المسلسل لكنها تظل مفكرة كغيرها. لا ميزة هناك غير ما تصنعه مخيلة شخص ملول محاصر بالخيبات مثلي.. لتعمل المفكرة و لو في مخيلتي. فهناك العشرات ممن أريد أن لا أراهم أحياء في سنتي الجديدة.. بمن نبدأ؟

لا أعرف كيف خطر ببالي اسم الرئيس المصري، ربما لاعلان الرئيس الجديد، و ربما لأنني لم أرَ شخصا أهان مصر و العرب قدر خياناته التي لا تنتهي. من المنطقيّ أن أبدأ بيهوذا العرب. أخط أنه أصيب بجلطة في المخ، و قضي الأمر. لا تطاول على الأقدار هناك، بل مجرد آمال سخيفة و يائسة.. من أيضا؟ جنرال عسكرنا الموقر؟ قضاة مرتشون؟ التجمعيون؟ رجال الاعمال الفاسدون؟ السلفيون المزيفون؟ الحمقى؟ أعتقد أنني سأرسل نصف البلاد إلى الجحيم و لا أخال المفكرة تتسع لكل هؤلاء، فضلا أنني لا أعرف أسماء الجميع.. ماذا لو اخترت اناسا بعينهم؟ موتهم يقلب الموازين و ينقذ الثورة؟

من يستحق الموت؟ من خان الأمانة؟ و من ينفع البلاد بموته أكثر مما يفعل بحياته؟ الرئيس ربما، فهو لا يمثل أي دعامة للتوازن، بل لعله مجرد صورة "يسارية" لليمين الحاكم، انعكاس مرآة ليس الا، و صدى أقل وضوحا للحاكم الفعلي. و أعتقد أن أي تعويض له سيكون ذا نفع حتما. الوزراء الفاشلون؟ حتما، مادام رئيسهم لا ينتوي تغييرهم، فالافضل أن ارغمه على ذلك. تخيلوا وزيرا يحل المشاكل بدل أن يثيرها، و يشتغل أكثر من أن يتكلم! أحلم؟ بالفعل أحلم، لِم نوجد الفانتازيا اذا؟! ماذا عن قتلة الشهداء؟! وجيعة الثورة الكبرى. سأقتلهم جميعا، العدالة؟ لقد قالت العدالة كلمتها بالفعل، و أثبتت عجزها و قصورها في هذا الوطن العاجز. سأقتلهم جميعا، و لأقتل معهم العدالة نفسها. سأقتل ذلك الرئيس الذي لا يزال يلاعب صورة الشهيد على صدره كلما وجهوا القمرة (الكاميرا) إلى وجهه المكفهرّ العصابيّ. سأقتل صاحب الابتسامة البلهاء الذي وعد بالقصاص و خذل، سأقتل أولئك الحمقى الذين يتبجحون بالانتصار للشهداء بعدما خذلوهم عندما كانوا في الحكم منذ عام مضى.. سأقتل أصحاب المطارق المرتشين الذين قبلوا بمسرحية المحاكمات.. سأقتل أولئك السياسيين الذين يزايدون بمصاب العائلات المنكوبة مرتين، و أولئك النواب الذين يكتفون بالخطب العصماء و الصراخ السريالي المثير للغثيان، سأقتل الدكاترة و الاكادميين الذين يبيعون الحكمة لمن يدفع أكثر، و سأقتل الصحفيين الذين ينقلون ما شاء الكلاب أن ينقلوا، و يدفنون ما لم يقدروا على الخوض فيه، سأقتل الفنانين الذين لا فن لهم غير تقليد الآخرين، و لا شعب يحدثونه غير اناهم المتضخمة المشبعة بتراب الآخرين.. سأقتل الخرفان الذين يساسون بيسر ليهلكَ بعضهم بعضا.. سأقتل صاحب البدلة الكاكية الصارمة، مخفي الأسرار و مهلك الثوّار، كاتم الحقائق و مالك الأسرار.. سأتدبر له قتلة عبقرية تنهي الأسطورة الشاعرية و تعريها. سأقتل كل من قبل الرشوة أو قدمها، كل من أمر بالقتل أو التعذيب، كل من اختلس أموالا من الشعب، سأقتل المتمعشين من كاهل الفقراء، سأقتل المعتمد الذي يسمع أنين الارملة العارية شتاء فلا يأبه، و سأقتل ضابط الشرطة الذي رأى من يُعتدى عليه و لا يتدخل، و سأقتل من شهد عمليات البيع الرمزية لأراضي البلاد و لم يقل شيئا، و من قدم أرقاما كاذبة و هو يرسم ابتسامة رضا صفراء. سأقتل المحامي الذي استبسل في الدفاع عن رجل أعمال فاسد و الناس لم تجد من يأخذ بحقوقها، سأقتل الطبيب الذي أخطأ ثم تملص من خطئه، و سأقتل المعلم الذي لا يعلم، و الصحفي الذي ينشر الاكاذيب، و المهندس الذي يوفر حلا و جملة من المشاكل، سأقتل أصحاب سيارات الأجرة الذين لا يقفون لحالة حرجة خوفا من مسافة قصيرة لا توفر مالا، و سأقتل الأئمة الذين يحرضون على القتل في حضرة الله... سأقتل الرداءة! سأقتل سوء العمل! فهو مشكلتنا الاولى. نحن سيئون، و يجب أن نوجد جيلا ينجز عملا أكثر اتقانا و أقل عارا. كم ذكرت القتل من مرة؟ ما يكفي لملء خزانة من المفكرات لا واحدة، لكن لا بأس، لا بأس، إن هي إلا مفكرة تبيع لي الاوهام، و هو ديدننا منذ أخبار هارون الرشيد، و حكايات ألف ليلة.. نعشق الأوهام، و نتنفس الأساطير و المبالغات، تاريخنا المسكين تتقاذفه الدعوات لالحاقه بالقرآن أو ذبحه على الملأ. ان هي الا جرعة فانتازيا، و كم احتاج الى الهروب الى الفانتازيا..



هنا قرأت خبرا غريبا على الانترنت.. خبرا يشير إلى موت الرئيس المصري .. و بجلطة في المخ...
عاد الصمت يعم المكان، و أنا أرمق مفكرتي السوداء في بلاهة..
مفكرة الموت...

<يتبع>


Monday, July 20, 2009

"وراء كل نجاح عظيم امرأة"

"فتحي! هل نبدأ؟"
"لحظة واحدة، لماذا كل هذه العجلة؟"
"لم أعد أطيق الحرّ... لِم لم أعمل مراسلة في روسيا؟! أف.."
"حسن، سنبدأ العدّ، استعدي."
و تعتدل لمياء في وقفتها، و تتطلع إلى آلة التصوير بذات الحرفية و ذات النشاط اللّذين جعلا منها مراسلة قارّة، رغم حداثة عهدها بعالم الصحافة المرئية.. تقف بجانبها امرأة لا يخفى ارتباكها على عين متفرّسة خبيرة. و كان بيّنا أن آلة التصوير الجاثمة قبالتها هي سبب كلّ تلك اللعثمة المتأرجحة بين عينيها و يديها. و لولا الآلة، لاحتار كل متأمّل في هيأتها في أمر ارتباكها.. قامتها المديدة، شعرها القصير المصفف على طريقة قصّة الولد الشهيرة، الصبغة التي تحجب بياض شعرها المحتمل، الاحمر الذي يحاول جاهدا جعل ابتسامتها مشهدا محببا. و حتّى زيّها الخالي من أية ملامح، كأنّه لباس قوّات البرّ أو حرس الحدود الصحراوية.. كان كلّ شيء فيها يوحي بخشونة و صلابة. و لم تكن ناقلة البضائع الضخمة المنتصبة وراءهما إلا لتزيد الأمور سوءا. فلم يكن من العسير على أيّ طفل صغير يعاني التوحّد أن يدرك من هو آمر تلك الشاحنة و ناهيها..
"هل أنت بخير؟ إننا على وشك البدء."
وبذات الإرتباك المخيّم على سحنات وجهها، يجيب المرأة :"أ.. أجل. أجل. تفضلوا."
و تعالى صوت المصوّر من أمامهما : "أكشن!" علامةً للبدء. فأخذت لمياء نفسا عميقا و شكّلت على شفتيها الخمريّتين ابتسامة عذبة، و قالت بمرح : "سيّداتي، آنساتي! مرحبا بكنّ مرّة أخرى في برنا.."
"stoooooop"
يهتف بها المصوّر و هو يبعد عينه عن عدسة الآلة. فاستدارت إليه شيماء متضايقة، بينما بدا للمرأة أنها صرخة تنادي بخلاصها، فنفخت بقوة و راحت تحرّك قدميها و كأنها تريد التيقّن من سريان الدماء فيهما!
"لماذا تتحدثين و كأن البرنامج موجّه للنّساء فحسب؟"
"لأن البرنامج موجّه للنّساء فحسب. هل تكفيك هذه الإجابة؟"
"و من أدراك أنت يا فتاة؟ صديقي يتابع البرنامج مثلا."
كادت تسأله إن تيقـّن من أنه ليس فتاة، و لكنها لم تشأ افتعال المشاكل منذ البداية.. فاكتفت بقولها : "هذا لأنه صديقك، يريد فقط رؤية براعتك في التصوير.. و صدقني، أنت بارع جدّا ما دمت تهتمّ بعملك و تترك أعمال الآخرين و شأنها!"
كانت لهجتها عصبية، و كان كلامها سريعا مكثفا كرذاذ المطر، فقط لو كان بذات اللطف! لكن ذلك لم يعد غريبا على مسامعه، فقد صوّر معها أكثر من مرّة و في كل مرّة يزداد اقتناعا أنّ النساء لا يصلحن لهذا العمل.. ربّما كان من الأنسب بقاؤهنّ في أستوديوهات التصوير المكيفة المترفة، و تمتيع النظارة الكرام بوجوههن الرّقيقة و سيقانهنّ..
"نحن مستعدّتان!"
"لحظة واحدة!"
و بينما انهمك هو في اعداد الشريط، كانت ميساء تقول للسيّدة في عصبيّة :" هكذا هم دائما! يحشرون أنوفهم في كلّ شيء! في المرّة القادمة سأطالب بالعمل مع فتاة. صدقيني! الرجال لا يصلحون إلا لفرقعة أصابع أقدامهم على الأرائك في المنزل.. لم تعد الحياة تحتمل وجودهم.. هل تعلمين؟ لقد قرأت مؤخّرا كتابا يتحدّث عن تطوّر الجنس البشري. يؤّكد مؤلّف الكتاب أن الجنس الذكري لم يعد أساسيا و أنّ الانتقاء الطبيعي سيتخلّص منه في الدورة القادمة!"
تقول ذلك بذات السرعة التي انقلبت بها سحنتُها من العصبية إلى الحماس، و كـأنّ ما تفكّر فيه قد حدث بالفعل. و كادت تهتف إنّها تحلم بالسفر إلى المستقبل كما في أفلام الخيال العلميّ، لولا أن سمعت هتاف المصوّر يدعوهما للاستعداد."
"هل ستتجاهلين المشاهدين الذكور؟"
"أجل."
لم يبد اهتماما بإجابتها و لا بابتسامتها الجذلة، و إنّما وضع عينه أمام عدسة المصوّرة و أشار بيديه إيذانا بالبدء، لكنّه سرعان ما توقّف متسائلا:" أيّة معتوهة هذه؟! قبل ثانية كانت تنظر نحوي في ابتسام، و الآن هي تتحدث مع السائقة كأنها في منزلها!"
و بينما كان يتساءل عن أيّة فكرة حمقاء يتحدّثان، كانت ميساء تسأل السائقة و هي تحاول التأكد من تصفيفة شعرها الأشقر بيسراها:" بالمناسبة، هذه الـsemi remorque، كيف نسميها بالعربية، أنت تكتبين حتما هذه المفردات في الأوراق الرسمية، أليس كذلك؟"
"كلا، أعمل لشركة خاصة، لذلك فهم يستعملون الفرنسية، لكن يمكنك استعمال مصطلح ناقلة بضائع. هكذا يسمونها في الفضائيّات."
و نظرت إليها و هي لا تزال تعبث في شعرها، و أضافت : "ألم يكن من الأجدر أن تبحثي في هذه الأمور قبل إعداد التحقيق؟"
" هل من مشاكل في التصفيفة؟ خصلة في غير موضعها أو ما شابه ذلك؟"
حدّقت في وجهها السائقة مستغربة، متسائلة في قرارة نفسها :" هل كانت تستمع إلى ما أقول؟!"
ثمّ إنّها قالت بسرعة مخافة أن تنتقل الفتاة بمخيّلتها إلى عالم آخر :" أجل جيّدة، لا عيوب، لا أخطاء، هل نبدأ؟"
و استدارتا إلى المصوّر الذي كان ينتظرهما بدوره. فأشارت هيفاء بيدها أن كلّ شيء على ما يرام، فهتف :"أكشن!"
"سيّداتي، آنساتي سادتي! شكرا لكم على متابعتكم لبرنامجكم الأسبوعيّ : وراء كل نجاح عظيم امرأة! حلقة اليوم سوف تروي لنا قصّة نجاح من نوع خاص جدّا نجاح أنثويّ في ميدان كانت الكلمة الوحيدة فيه، كلمة جافـّة غليظة! كلمة ذكوريّة تحديدا. لكنّ المرأة في بلادنا أبت إلا تحديَ كلّ تلك القيود و كسرها! اليوم يا عزيزاتي لو شاهدتنّ شاحنة.. شاحنة .. semi remorque كهذه، فلا تستغربن أن ترين امرأة خلف مقـ... fu** ! لماذا توقـّفت عن التصوير؟"
كانت صرختها هادرة و قد انقلب كل حماسها إلى غضب عاصف.. و لم يجد هو بدورها إلا أن يصرخ :"و لكنّك لم تخبريني مسبقا بنيتك في تصوير الشاحنة! كيف تشيرين إليها بتلك الطريقة المفاجئة؟!"
"و الذي كان سيغيّره أيّها العبقريّ؟ هل تحتاج إلى خارطة طريق لترفع الآلة شبرا إلى الأعلى؟"
"كلا يا آنسة! و لكن من الغباء تصوير الشاحنة من تلك الزاوية!"
و قبل أن تجيبه، كان هو يضيف في صرامة :" و هذا هو عملي على ما أظن!"
عاصفة تعبث بها من الداخل، و لم يكن أحد بحاجة لسماع ردّها حتّى يدرك ذلك. لكنّ المصوّر ظل يرمقها بصرامة حتى أشاحت بوجهها عنه، و ابتعدت عن ضيفتها بضعة أمتار.. ربما لتلتقط أنفاسها و تسب كل شيء تعرفه دون أن يسمعها أحد..
غمغم المصوّر في حنق :"حمقاء ككلّ النساء."
و قالت هي في سخط:" وغد! ككل الرجال!"
بينما ظلّت الضيفة حائرة فيما ستفعل. في النهاية، قدّرت أنّ تهدئة الخواطر قد يكون مفيدا. فاستدارت إلى الصحفية الشابة، و قالت لها :" هوّني عليك. هيا، لننته من كلّ هذا. تعالي."
و تجذبها من يدها متضاحكة محاولة صنع شيء من المرح في المكان. و أسرّت لها في ودّ:" لو تعلمت شيئا من هذه المهنة، فهو الصبر حتما! لا يمكنك تخيّل عدد الكيلومترات التي قطعتها وحيدة، و لم يكن بوسعي إلا أن أصبر."
ثم تستدير إلى المصوّر و تهتف :"ما رأيك بهذا المكان؟"
تطلّع عبر عدسة التصوير إلى حيث تقفان ثم أومأ برأسه موافقا.
"أف. أخيرا رضي عنّا الخليفة!"
انتظرت منها السيدة خطابا جديدا عن الرجال الحمقى، و لكنّ المراسلة الشابة اكتفت بتلك العبارة، ثم غيّرت لهجتها تماما و هي تسأل :" هل حفظت جيّدا ما ستقولين؟ اسمعي، لا أريد تلعثما و لا مساحات من الصمت. تحدّثي بلهجة الواثق. أريد من المتفرج أن يلتصق بكرسيه من الرهبة و الاحترام!"
"اه، أرجو ذلك، و لكن.. اسمعي، من الضروريّ أن نبدأ الآن، فقد نفذ صبره."
لم تقل ذلك للضغط عليها أو تخويفها، بل هي تعلم أنّ كل ذرّة غضب تسبح بين قلب المصوّر و روحه، هي قناطير من السعادة تسري في شرايينها، هكذا هي دوما كيمياء البشر، سعادة بعض على حساب بؤس الآخرين، و ما من قوّة ستخل بذاك التوازن يوما. لكنّها اليوم، لا ترى في ذلك التوازن أمرا مسلّيا، لذلك قاطعت المنشطة لاسكاتها و الإسراع بالبدء. إنّ وقت رحلتها قد تأخّر...
و تشير سناء إلى المصوّر بحركة سريعة عصبيّة، و تتسمّر في مكانها كأنها على وشك الانطلاق في سباق عدو سريع. و بمجرد أن أنزل المصوّر يده إيذانا بالبدء، عادت كل جوارحها للعمل دفعة واحدة، و في تزامن طريف أثار دهشة ضيفتها.
كانت تتساءل أيّة كتلة من النشاط تملكها، و أيّة روح تحرّكها؟ و خمّنت أنّ تركيزها منصبّ أساسا على الحفاظ على ابتسامتها رغم كل الشد العصبيّ، و أيضا على الكلمات التي أعدتها مسبقا فلا تنسى منها حرفا، لذلك فقدت المسكينة أيّة قدرة على السيطرة على يديها و وسطها. و بدا لها أنّ خاصرة الصخفيّة قد سرحت بخيالها إلى حفلة زفاف أو ما شابه! لحظة. لِم توقف كل شيء عن العمل دفعة واحدة؟ حدّقت في المكبّر الممتد إلى شفتيها، ثم نظرت إلى الصحفية و لسان حالها يصرخ :"اللعنة! لم أسمع سؤالها!"
ثم تذكّرت أنها تعرف ما عليها أن تقول.. ما أهميّة السؤال إذا؟!
"أقود هذه الناقلة منذ 3 سنوات تقريبا."
"جيّد، و هل يعني ذلك أنّك من أصحاب الخبرة؟"
"كلا، و لكن الشركة تثق بي.. هناك من يعمل منذ نحو 15 سنة.."
"و لكنّه لا يحظى بذات المنزلة التي تحظين بها، أليس كذلك؟"
"الأمر لا يتعلّق بالمنزلة، لاحظي أنّنا نتحدث عن مجرد سوّاق شاحنات نقل."
ثم إنّها توقفت عن الحديث و قد لاحظت أن في عيني الصحفيّة أن أمرا ما على غير ما يرام. و كان توقفها كافيا لتحسم سناء أمرها و تدعو فتحي لإيقاف التصوير، ثمّ تنفخ في حنق علّ ذلك يذهب بشيء من توتّرها و نفاذ صبرها. ثم إنّها ابتعدت عن ضيفتها في خطوات سريعة..
"الحمقى! لا يجيدون فعل أيّ شيء."
قال ذلك فتحي و هو يتابع المشهد من بعيد. ثمّ إنّ أمرا خطر بباله و هو يتابع حركاتهما، فألصق عينه بعدسة الآلة و هو يقول :"لنكمل التصوير من دون صوت، سأعد مقطع حماقات يكسر كبرياء تلك المغرورة. و سأضحك عليه رفقة وسيم كثيرا."
و ضحك في جذل قبل أن يتابع و محاكيا صوت زميلته بطريقة كاريكاتورية ساخرة :" ألم أقل لك أن تتركي قارورة العطر هذه و شأنها؟ كيف سأقابل صديقي اليوم؟ هه؟ كيف سأقابله؟" ثم غيّر نبرة صوته لياحكي صوت السائقة الأجش و قال :"لا داعي للعطر، فهناك دوما رائحة سيشتمّها. ثم إنّك التهمت آخر ما تبقى من أحمر الشفاه الذي أهدانيه صديقي.. إذا كان صديقك معدما لا يقدر على الذهاب إلى فرنسا، فلا داعي لإتحافه بالعطور."
ثم انفجر ضاحكا و قد راقت له المزحة، و فكر في أنه من الممكن أن يعد حوارا أكثر طولا و أكثر امتاعا. ربما لو أضفى شيئا من السوقية على الموقف، ستضحك الشلة طويلا هذا السبت. على الأقل سيكون الأمر أفضل من هذا التحقيق السخيف الذي تسعى هذه الصحفية عبثا إلى إتمامه. و تذكّر أنه اختار العمل معها بمحض إرادته، فأطلق سبابا سوقيا ساخطا..
" لم يكن جمالها يوحي بكل تلك العجرفة التي تبرهن عليها كلماتها. اعتقدت أن الأمر سيكون مشابها لما حدث مع دليلة.. يا حسرة على أيام دليلة.. و لياليها!
و شرد مع دليلة، حتى إنه لم يسمع شيئا من صراخ أسماء يدعوه إلى التركيز. و حينما تفطن، كانت الصحفيّة قد اقتربت منه كثيرا. حينها، علم أنّه سيسد أذنيه في اللحظة التالية رفقا بهما! لكنّه رغم ذلك سمع هديرها الغاضب :
"إسمع يا سيد! هناك ألف شخص يريدون العمل معي، و لو أنّك عازم على قضاء اليوم... لا تضع أصابعك في أذنيك حين أكلّمك! سأكتب فيك تقريرا! سأقضي على حياتك المهنية بجرّة قلم! و لسوف تندم كثيرا!"
"كنت أعيد الشريط إلى الخلف، و لا داعي للصراخ."
"و لماذا تعيد الشريط؟ أترك كل شيء مسجلا، فسأحتاج إلى ذلك لمراجعة أخطائي."
فابتسم في سخرية و قد فكر أن يقترح عليها تصوير كل حياتها، فهي كمية من الأخطاء المتراكمة. لكنه آثر أن يحتفظ على حياتها لبعض الوقت. موتها بفعل الغضب ألطف ممّا تستحق! هكذا فكّر، و لذلك أجاب:" لن يكفيَك الشريط على أية حال."
"و لِم لم تحضر ما يكفي من شرائط التيجيل؟ أي احتراف هذا؟"
"معك حق! لكنهم أخبروني أنني سأعمل مع محترفة! لن أقع في هذه الخدعة مجددا، أعدك!"
طبعا لو أجابته، فستنفجر حنجرتها، فأعصابها لم تعد تتحمل.
و ابتعدت بخطواتها الواسعة العصبية، و هي تقسم بكل عزيز عليها أن تكلّفه وقاحتُه مستقبلـَه.. و جال بخاطرها أن احترامها لعملها سبب لها مشاكل كثيرة.. لقد كان من السهل على فتاة بمثل جمالها و ذكائها أن تنشط إحدى حصص الميوعة التي يشاهدها الناس كأنها الأفيون.. كان يسيرا عليها أن تعمل جارية إعلامية و تربح أموالا طائلة دون أن تحترق أعصابها. و لكنّها اختارت الثنيّة الوعرة، و هي تعرف جيّدا ما ينتظرها!
إنها تعرف كم الرجال الذين سيحنقهم نجاحها، و تعرف أنّ هذا المصوّر المعتوه المتخاذل لن يكون إلاّ مثالا مبسطا عمن تخفيهم الأقدار!
الغريب أن هذه الأفكار أثلجت صدرها، و كأنها تجاوزت هذه الصعاب بالفعل، و بلغت المجد الذي تبغيه. كان احساسها بقوّتها و قدرتها على التحدي يريح أعصابها و يمحو كل أثر لما حدث منذ لحظات. و أكملت الأمتار التي تفصلها عن السائقة بقفزتين استعادت بهما تركيزها، و قالت لها في اهتمام :"هيّا يا سيّدتي، لننته من كل هذا، إسمعي، ركزي أرجوك و لا ترتجلي. لنتّبع ما اتفقنا عليه منذ البداية."
"و لكن يا ابنتي، تعلمين أنني لم أجد وقتا كافيا لأحفظ كل ذلك بالحرف. أحاول ما استطعت و لكن .. و حتّى الأجرة، فلا أخال أنني سأحصل على أجرة ممثلين."
"أجرة؟ أية أجرة؟"
و تعالى صوت المصوّر يهتف :"هاي! ألن نبدأ؟"
كانت حسناء قد أدركت من نظرات ضيفتها المتفاجئة الجزعة أنها وقعت في ورطة بتساؤلها، لذلك أسرعت تقول :"هيّا، خذي نفسا و لنبدأ."
"أكشن!"
"سيداتي آنساتي سادتي، مرحبا بكم مرّة أخرى في برنامجـ..."
"اسمعي، لقد اتفقنا أنني سأنال أجرا!"
و ينقطع التصوير مرة أخرى، و تنفخ حسناء في غضب، بينما علّق فتحي في سخرية و شيء من الشماتة :"من الواضح أنّها ستمضي ليلة عصيبة جدا!"
أما السّائقة، فلعلها أحسّت بأنها أخطأت التوقيت.. لكنّ عيني الصحفيّة كانتا تشيان بالغدر، و هي تعرف هذه النظرات جيّدا، عرفتها في كل مكان تقريبا و في كل مرحلة من مراحل حياتها المليئة بالآلام. لذلك، فهي لم تعد مستعدة لتحمل المزيد، و لذلك أيضا، بات من الأفضل التعويل على شعار "الوقاية خير من العلاج".. كان من الضروري أن يكون كل شيء واضحا منذ البداية.. ثمّ لحظة واحدة.. إنها لم تتسبب في انقطاع التصوير إلا هذه المرة، و على كل حال فهذا لا يهمّها في شيء تقريبا، فهم الذين يبغون التصوير و ليس هي!
كان كل ذلك حافزا قويا كي تستعيد ثقتها بنفسها، و تواجه الجميع بموقفها. ها هي ذي تقول بصوتها الغليظ الفظ :"من حقي أن يكون كل شيء واضحا منذ البداية، لا أريد تفاصيل غامضة، هذا أقرب للسلامة!"
"و ما الذي تريدينه واضحا بحق السماء؟ ألم نتفق على كل شيء منذ البداية؟"
"أنا لا أضمن أن آخذ مستحقاتي عن التحقيق."
"و كيف تريدين هذه الضمانات؟ أن نوقع عقد عمل مثلا؟ ماذا نكتب؟ عقد في استجواب صحفي؟ أي حديث هذا الذي تتحدثين به؟"
أسقط ما في يد المرأة و لم تجد إلا أن تسكت و تحاول إقناع نفسها بأن كل شيء سيسير على ما يرام. و فكّرت في ما يمكن أن تفعله لو غدر بها، فبدا لها ذلك مريعا مرعبا! ثم شحذت حزامها بعنف و قوّة و كأنها تحاول الاطمئنان على صلابتها، أو كأنها تستمد كل قوتها من ذلك الحزام المتين، و راحت تنتظر الصحفيّين لإنهاء الأمر..
كان ثلاثتهم هذه المرة مقرين العزم أن ينهوا العملية الآن، لا داعي لقطع التصوير، لا داعي للتنبيه للأخطاء، سيتكفل التركيب بستر كل العيوب، و حجب كل المشاكل.. المهم الآن إجراء الحوار! و لم يدرك أحدهم أنهم قالوا في تزامن مدهش :"سأنتهي من هذا الآن!"
قالوا ذلك سرّا دون أن يتخيّل أحدهم أنّ العزائم وحدها لا تقضي الحوائج، و أن هناك أمورا قد لا يكتب لها أن تتحق مهما جاهدوا. هل تراهم أدركوا ذلك حينما سمعوا هديرة آلة ضخمة تقترب؟ أم أنهم اكتفوا بالتحديق في المركبة الصفراء في ذهول و هي تقترب نحوهم في بطء مستفز؟!
"ستواصل طريقها إلى مفترق الطرق القادم!"
لكنه كان يعلم أنّها لن تفعل، كان يعلم أنّها ستقف بالضبط حيث يعملون، و أنّ أحدهم سينزل ببذلته الرمادية المقرفة و يقول لهم :"ستجري أشغال هنا!"
و قبل أن تتدخل حسناء، اندفع هو نحو عون البلدية لإنقاذ المذبحة التي قد تحدث. فجذب الرجل إليه و كأنه يعرفه منذ زمن، و قال له في هدوء و مودّة مفتعلة :"اسمع يا أخي، نحن صحافة، نحاول أن نجري حوارا قصيرا ثم نمضي و شأننا، لن تنتظروا كثيرا. صدقني."
لكن العون بدا كآلة لم تلقّن غير تلك العبارة الجافة :"ستجري أشغال هنا!"
"دقيقة يا رجل، لن تضير أحدا!"
"ستجري أشغال هنا!"
ربّما شيء من المال قد يعيد له انسانيّته. فكر في ذلك و هو يشير إلى حسناء بيده أن آتي بالمال. لكنّها زفرت في عصبيّة و اندفعت نحوهما صارخة :" اسمع أيّها العون! أنا أؤدي واجبا وطنيّا، و ليس من حقّك منعنا!"
كانت عبارتها أشبه برصاصة الرحمة على حلم انجاز التحقيق، فقد أشاح فتحي بوجهه في يأس، بينما أشار العون إلى رجاله بالنزول و هو يكرر بلهجته الآلية :"ستجري أشغال هنا."
"اللعنة!!!"
لكن بات من الواضح أن اللعنة قد حلّت بها لا بأعوان البلدية، و أنّ تحقيقها بات مهددا أكثر من أي وقت مضى..
"ماذا أفعل الآن؟"
ذلك التساؤل المقيت، الذي لا يتبادر إلى ذهن المرء إلا رفقة موجة يأس مرير، و تيّار قارس من العجز و القهر! لا للدموع الآن.. لا للضعف أمام هؤلاء الحمقى.. سأجد حلا حتما، المرأة لم تخلق أبدا لتكون ضعيفة.. المرأة وهبت الذكاء لتتجاوز هذه المصائب الذكورية.. يا لحماقتهم! يا لحماقتهم! الا يفهم أحد معنى التحقيق الصحفي؟ هؤلاء الأوغاد! كل حماقة يقترفونها تفوح برائحة التيستوستيرون العطنة!
"ماذا نفعل الآن؟"
و الآن يسألون ما العمل! يا للأوغاد!
و استدارت إليه و هي تفكر في صب جام غضبها و حقدها على أذنيه الكبيرتين، لكنّ سائقة الشاحنة سبقتها بالقول "اركبوا معي الشاحنة، يمكننا أن نبتعد قليلا، فهناك طريق جانبي لا تطاله قدم إلا في ما ندر."
أحنقها أن لا تنفّذ في المصوّر ما عزمت عليه، و خيّل إليها أن فكرة السّائقة سيّئة، لأن هذا المكان هو أفضل ما يمكن الحصول عليه. أمّا المصوّر فقد قال :" و لِم نصطحبك في الشاحنة؟ يمكننا أن نتبعك بالسيّارة."
"لا أدري.. نسيت أمر السيّارة."
و لكنّ نجلاء فكّرت في أمر آخر تماما، و كان جليّا من بريق عينيها أنّها طربت كثيرا لما دار بخلدها! و من دون سابق إنذار، هتفت في وجه مصوّرها :"لأنّك لا تحسن التفكير أبدا يا فتحي! سنصوّر داخل الشاحنة! سنجري الحوار داخل الشاحنة! و هكذا لن يقطع حتى رئيس الجمهورية حوارنا!"
حاول التظاهر بعدم المبالاة، و لوّح بيده و هو يقول :"فكّرت في التصوير داخل الشاحنة في نهاية التحقيق، أردت شيئا من التنويع و لكن.. كما تشائين. المهم أن نخلص من الأمر بسرعة."
"ها! هكذا أنتم دائما! تفكرون في كل شيء، و لا تقولون شيئا لاثبات ذلك! يا للكبرياء الزائف!"
ثم استدارت إلى ضيفتها و هي تقول :" هيا! إلى الشاحنة!"
تبعتها في رضا إلى حيث المركبة الضخمة، و دعت في سرّها أن ينتهي الأمر سريعا، فقد تأخّرت بعض الشيء عن موعد رحلتها..
و تفتح أبواب الشاحنة لثلاثتهم. كان داخلـُها على قدر من السعة. على الأقل، كان كافيا لتحمّل عملية تصوير بتلك الآلة الكبيرة. و جلست نجلاء حذو السائقة و هي تتأمّل المكان كأنها تدخل إلى دار جارتها لأوّل مرة... لا يمكن وصف هذا الفضاء بالانوثة حتما، عكس سيارتها حيث يطال الأزرقُ السماويّ و الورديُّ كل زاوية، و كل مقعد.. لكن نظافة الشاحنة و حسن ترتيب الأغراض فيها، تشيان بأنّ امرأة مرّت من هنا.. لو أن رجلا كان سيّد هذه المركبة، لكانت رائحة التبغ خانقة فيها..
وراء المقاعد كانت هناك مبرّدة صغيرة تفي بغرض الاحتفاظ على سلامة الأغذية لبرهة من الزمن. و بجانبها غطاء صوفي لعلّها تحتاجه ذات ليل موحش البرد.. مجموعة من الأشرطة الموسيقية التي لا توحي بميل إلى لون موسيقي ما بقدر ما تفضح حاجة السائقة إلى شيء من الضجيج المرتب.
و خطر للفتاة أنّه كان حريّا بها أن تجلب معها بعضا من أشرطتها، تضعها فوق هذه العناوين السخيفة حتى تحيل على شخصيّة أكثر انفتاحا و روح أكثر جمالا. و لكن ذلك الوغد كان قد جلس بحذوها و أغلق الباب و معه كلّ أمل في التراجع... لا بأس، الحوار هو أهم شيء الآن، و فيما بعد سنهتم ببقيّة التفاصيل.
و استدارت تقول لمصوّرها بلهجة عمليّة :"أعدّ الآلة، سأبدأ بالحوار مباشرة، و فيما بعد سنهتم ببقيّة الأمور."
فأجابها وسط هدير الشاحنة التي بدأت تشق طريقها بعيدا عن أعين رجال البلدية و كؤوس الشاي التي يرتشفونها قبل بداية العمل:" أعيدي مراجعة الأسئلة، كي لا نضطر إلى قطع التصوير إذا. فالعصبية تنسينا الكثير لو تعلمين."
"هذا ليس من شأنك."
و استدارت إلى السائقة تقول :"هل أنت مستعدة؟"
"أجل، أمهليني حتى نخرج من المنعرج و نستقر على سراط مستقيم."
تأمّلتها غيداء في إعجاب و هي تخرج من المنعرج الضيّق بسلاسة و مهارة. كانت تجلس جلسة السيد الواثق من نفسه، و كانت قبضتها على عجلة القيادة تشبه قبضة الخلفاء على عصا الحكم. إنه عالمها، و إنّها فيه لملكة!
و لكنّ إعجابها لم يدم طويلا. ها هي ذي تفسد كل شيء باقتراح أحمق :"ألا تعتقدين يا آنسة، أنّ هذه الأتعاب الإضافية، من حقّي أن أؤجر عليها نقدا؟"
"ربما، و لكن لِم نتحدث عن هذا الآن؟ لنؤجّل المسألة إلى ما بعد."
"لا. لا تأجيل بعد الآن، اسمعي، أريد كل شيء واضحا الآن!"
"ما الذي تريدينه واضحا؟ هه؟ هل نحن نصابون؟ ا ُنظري إلى هذه البطاقة! تأمليها جيّدا!! نحن صحافة، و قناتنا محترمة جدا، و لا داعي للإهانات يا سيّدتي."
"و منذ متى كان الحديث عن الحق إهانة؟"
"يا سيّدتي، الفتاة تريد أن تشحذ كل تركيزها لإدارة الحوار، و هذا كل ما في الأمر. و فيما بعد أضمن لك أن لا تهضم حقوقك."
كانت هذه قولة المصوّر، و كان من الواضح أنّ لها تأثير على السائقة و الصحفية، فقد صمتت كلتاهما و كفتا عن النقاش المحموم. أما هو، فقد رفع آلته و حام بعدستها في أرجاء المكان، ثم قال بهدوء:"استعدا."
ثمّ وجهها إلى زميلته قائلا :"أكشن."
فشكلت ابتسامة العادة و اندفعت تقول :"نحن الآن داخل الشاحنة، نصطحب السيّدة صابرين و هي تقوم بعملها الشاق.. سيّدة صابرين، ألا ترين أن هذه المهنة عسيرة على النساء؟"
"أنا أعمل سائقة منذ نحو 3 سنوات. لم أتعرّض لأية صعوبة مهنية، رؤسائي فخورون بي، و أنا محل ثقة كبيرة."
"تعتبرين نفسك من أصحاب الخبرة؟"
"الأمر لا يعتمد كثيرا على الخبرة.. هناك من يعمل .."
و صمتت و هي تتأمل حركة شفاه غيداء التي كانت تحاول أن تسرّ إليها بالكلمة. اللعينة، لقد سألت هذا السؤال من قبل، و هي تريد أن تتدارك بشيء من الارتجال! ألم تقل إن الارتجال ممنوع؟ أه! هي ذي الكلمة. و تابعت و قد أدركت ما تعنيه الصحفية :"
"هناك رجال يعملون منذ نحو خمس عشرة سنة، لم يحظ أحدهم بذات الثقة التي أحظى بها.. توكل إليّ عادة نقل بضائع على غاية في الأهمية.." و عادت تتأمل في شفتي الفتاة قبل أن تضيف ببطء:" أكثر أهمية من... من أن ينقلها هؤلاء الرجال!"
"و لكن مهنتك متعبة حقا، أليس كذلك؟"
"ربّما، و لكن أعتقد أن كل المهن متعبة. ما ينسينا التعب هو حب المهنة! لقد اخترت مهنتي عن طواعية و حبّ، و هذا أهم ما في الأمر. من النادر أن توفر لك مهنة ما، كل هذا القدر من الجمال الطبيعي.. ألا تشاهدون الحياة عبر النافذة؟ ا ُنظروا مليّا!"
"أ لا ترين أنّك كامرأة تعمل في هذا المجال، تتحدين نواميس الطبيعة؟"
"أعتقد أن الرجال هم من يتحدّون نواميس الكون بالعمل في هذا الميدان! هذه حياة جميلة فيها ما فيها من المشقة، و لكنّها تناسب النساء! إن كذبة ضعف المرأة يجب أن تتلاشى إلى الأبد."
"ألا ترين أنّ تميّزك عن الآخرين يجعل من حقّك المطالبة بزيادة في الأجر؟"
"ربما... أعتقد أنه من الصعب أن ندرك في هذا العصر أن المرأة تتقن عملها بشكل أفضل من الرجال. نحن لانزال نعتبر مساواة الجنسية في الأجر هديّة ضخمة تقدم للمرأة، لا حقا مشروعا!"
ثم إنّها صمتت و قد بدا أنها تفكر في أمر ما، أو أنها مترددة بشأن أمر ما. و فجأة أوقفت الشاحنة و قالت لهما بهدوء :"أريد أجري."
حدّقا في وجهها مندهشين، لثانيتين أو يزيد، ثم أوقف المصوّر آلته و هو يلعن في سرّه. بينما صرخت زميلته في سخط :" لماذا توقفت؟ لقد كان ذلك رائعا!"
"لذلك أريد أجري. لأنه كان رائعا! اريد أجري الآن، و إلا فلا داعي للمواصلة!"
"و لكن، أي أجر تريدين بحق السماء؟! أنت تؤدين عملا مقدّسا! ألا تشعرين بالفخر و أنت ترفعين من مكانة المرأة؟ الا تشعرين بالفخر و أنت تثبتين أننا قادرات على اقتحام أيّ مجال بنجاح و ثقة؟ ألا تشعرين بالفخر و الرضا و أنت تثبتين للعالم كله كم أن مهنتك ممتعة؟"
"أيتها الصبية البلهاء! من أي عالم أنت؟ أين المتعة في سياقة أطنان الحديد هذه لأميال و أميال! كلما قطعت ميلا أوهمت نفسك أن الميل القادم هو الأخير، و لكن هيهات! وحيدة كذئب، معذبة كالمساجين، منعزلة كأهل الكهف! مقضي عليّ أن أقودها فلا أخرج منها إلا لقضاء حاجة أو شراء أكل.. أي متعة في الاقتيات من هذه القاذورات؟!"
قالت عبارتها الأخيرة و هي تدفع بالمبرد الصغير بما فيه من خبز أو بقايا خبز، و صحن زيتون و زبدة تجاهد عبثا كي تظل متماسكة، محتفظة بخصائصها الفيزيائية.. و ظن الصحفيان أنها ستكتفي بكلامها، لكنها واصلت قائلة :"هل تعتقدين أنني أعمل هنا لأثب هذا الكلام الفارغ الذي تهذرين به؟ هل تريدين أن تعرفي حقّا لِم أعمل؟ هل تريدين أن تعرفي؟ لقد كان زوجي سكيرا يا آنسة، أصحاب السوء لم يتركوه و شأنه, و أبوا إلا أن يجعلوه سكيرا مثاليا، يتدبر المال ليذهب به إلى الحانة! بينما عائلته تتضوّر جوعا! هل عشت أمرا كهذا أيتها الصغيرة؟ لقد كنت أختلس النقود اختلاسا كي أعيش، و حين ينهض، يضربني بشدة، يلقي على ظهري كل الآلام التي تلقاها من صعاليك حانته. لقد قتل كل ما فيّ من أمل في عيشة هانئة البال، و لم يعد لديّ ما أخسره. هكذا تفطنت إلى جثتي الضخمة، و يدي الغليظة، و هكذا علمت أنه مع حالة السكر الدائمة التي كان عليها، بإمكاني أن أدافع عن نفسي! هل رأيت امرأة تضرب زوجها؟ كنت أضربه مساء، و أبكيه صباحا! كنت أفتك ماله افتكاكا حتى أقتات أنا و ولدي. و بات هو أضحوكة بين رفاقه. هل عشت في عالم كذا معالمه يا آنسة؟ لقد تسببت في مقتل زوجي بدفاعي عن نفسي! ضاق ذرعا بالمهانة، و افتعل شجارا لينقذ شيئا من رجولة بالية، فوقع قتيل زجاجة خمر مهشمة..



هل تعرفين يا آنسة، ما الذي وجب أن تفعله امرأة مثلي لتعيش مع ابنها؟ تجوب الشوارع بحثا عن عمل.. فكرت أن أعمل مشروعا بسيطا بما تبقى بحوزتي من مال، لكن أي مشروع سينجح بذلك القدر الضئيل من المال؟ هكذا تدخل أحد الجيران لينقذني. عرض عليّ أن أتعلم سياقة الشاحنات الثقيلة بالمال الذي أملك، و ضمن لي مكانا في الشركة! أتفهمين الآن لِم أعمل؟ أتفهمين هذه الأشياء؟
إنني أعمل من أجل ذلك المعتوه ابني! أعمل من أجله كي يعيش و أنا أعلم جيّدا أنه ما من أحد في المنزل اليوم ليحرص على تربيته.. و أنا أعلم أنه سيكبر يوما ليصبح مثل أبيه صعلوكا! لكن ما باليد حيلة.. يجب أن أعمل لنعيش!
هل تعتقدين أنني أعمل من أجل العمل، و حلاوة العمل، و هذه الخزعبلات التي تملؤون بها شاشاتكم؟ اريد فقط مالا لأحيا! و لو وجدت رجلا نذلا سيّء المعاملة، متعجرفا له مال لما رفضته إطلاقا، فهو على الأقل سيوفّر لي فرصة البقاء بجانب ولدي و إنقاذه من الانحراف! أتفهمين الآن ماذا أريد؟ أعطني المال!"
"أعطها المال يا ابنتي!"
قالها المصوّر في محاولة لإنهاء هذا المشهد الدرامي الذي وجد لنفسه طريقا بينهم. لكنّ الصحفيّة و قد اشتدّت عصبيّتها صرخت :"أرفض بيع مبادئي!"
"إذا فانزلا."
"و لكن..."
"انزلا!!!!"
هذه المرة كانت الصرخة مريعة أفهمت الصحفيّين أن السيدة صابرين محل ثقة بالفعل! ها هي ذي تستل عصا غليظة من تحت مقعدها! لقد انتهى النقاش إذا!
و ينزلان و قد و امتقع وجهاهما من الذهول و الصدمة، بينما أطلقت المرأة سبابا ساخطا و واصلت طريقها مبتعدة..
و على حافة الطريق، جلس الصحفيّان يتابعان الشاحنة المبتعدة ببصرهما. ثم قال فتحي:" أهذا وقت مبادئ؟"
"أرفض أن أدفع مالا من أجل حوار صحفي!"
"و لا ترفضين فبركة الحوار."
"لن تفهم الأمر أبدا!"
"ربما، و لكنني صوّرت كل شيء، لو تحتاجين إلى عملية تركيب متقنة."
"سأعد سيناريو وفقا للقطات التي لدينا. الحمقاء، تعتقد أننا سنقف منتظرين عطاياها."
"حسنا، و لكن السيّارة بعيدة، و سنضطر للذهاب راجلين."
فأطلقت سبابا سوقيا بالفرنسية و هي تهتف :"انتظرني."




تمت بحمد الله
فاروق الفرشيشي
19.06.2009

Translate