Showing posts with label مسلسل. Show all posts
Showing posts with label مسلسل. Show all posts

Wednesday, February 10, 2021

مناورةُ الملكة

 بسبع حلقات لا ثامن لها، يمكن اعتبار مسلسلِ مناورة الملكة The Queen's Gambit فلما أطول بقليل من "فاني وألكسندر" (إنڤمار برڤمان) وأقصر قليلا من فلم طَنڤو الشيطان (بيلا تار). وليس تراوحُ طولِه بين هذين التّحفتين مؤشّرا على قيمته وإنّما يمنحنا القدرةَ على التّعامل معه كأيّها الأفلام التلفزيّة الّتي باتت رغما عنّا شكل السّينما اليوم.


لقد بلغ رواج مناورة الملكة في نهاية السنة الماضية، أن دفع بمبيعات لعبة الشطرنج إلى ستّة أضعاف، وأعاد الاهتمام إلى إحدى أقدم الألعاب في تاريخ البشرية. لم أحظ مع ذلك بالحماس المتوقّع وأنا أتابع مباريات إليزابث ضدّ خصومِها المتنوّعين. صحيحٌ أنّها ـ المباريات ـ نُسخٌ عن مبارياتٍ تاريخيّةٍ شهيرةٍ تمّ اختيارُها بعنايةٍ وبمباركةِ أسطورة الشطرنج ڤاري كاسپَروف. ولكنّ المشهدَ لم يلقِ الضَّوءَ بشكلٍ كافٍ على الرّقعةِ، واكتفى بصورٍ خاطفةٍ لا يمكن أن يفكَّ شفرتَها في أغلب الوقتِ إلاّ المحترفون. ودُفع المشاهدُ الّذي لا يفقه شيئا من اللعبة إلى متابعةِ أطوارِها عبر التّأويل الّذي تقدّمه شخصيّات المسلسلِ. نعرف أنّ بيني Benny كان يندفعُ نحوها دون هوادة وكانت تشعرُ بفقدان مطلق للأمانِ (كانت الصّورةُ المرافقة لتعليقها تنقلُ لنا حركة يدها اليمنى البليغةِ على ذراعها اليسرى). ولكنّنا لا نعرفُ ما الّذي يحصلُ تحديدا على الرقعةِ. وبذات التّسليم نفهم أنّ كورپوف في مباراة المكسيك كان يتحرّك بمنتهى البيرقراطيّة والبداهة واللاخيالِ، لكنّنا لا نُمنَحُ أدواتِ الاشتراك في اللعبةِ والانغماس فيها. وهذا أيضا يُعمينا عن تفاصيل مهمّةٍ في السيناريو. يُخبرُنا بطل العالمِ في الشطرنج، العبقريُّ ماڤنوس كارلسن Magnus Carlsen في قناته على اليوتيوب عن تفاصيل المباراة الختاميّةِ. ولئن أثنى على الأداء الجميلِ لإليزبث إلا أنّه أكّد أنّ المباراة كانت شبه منتهيةٍ من قبل أن يعرضَ كوربوف على منافستِه التّعادلَ. ما يجعلُ من أمارات التّشويق الّتي تلت ذلك عبثا سخيفا وبلا معنى. كان المعلّق يبدي حماسا، وكان الحضور متوتّرين بذات السّخافة الّتي تجعل جمهور كرة قدم متوجّسا من نهاية مباراة يتقدّم فيها فريقه بستة أهداف لصفر. يبقى مع ذلك المسلسلُ/الفلمُ دراما رياضيّةً جيّدةً.


ليست الرّياضة التصنيف الوحيدَ لمناورةِ الملكةِ، فهو أيضا عملٌ تاريخيٌّ بامتيازٍ. وفضلا عن براعته في استعادة حقبة الخمسينات والسّتينات عبر الماكياج والديكور والملابس، فقد حاول إعادة تشكيل تلك الحقبة من منظور مختلفٍ والتوغّل في تفاصيل ملتبسة. صبيّة ذات أصول إفريقيّة في ملجإ يتامى من البيض؟ مسكّنات مخدّرة لأطفال دون العاشرة؟ ها نحن ننظرُ إلى ولاية كنتكي في الخمسينات والستينات بعينيْ أنثى في سياق غير ميلودراميٍّ. مؤسّسة التعليم، والزواج، والشّارع وموجة التحرّر… لكنّ العنصر الأهمّ من وجهة نظر تاريخيّة كان الحرب الباردة ولا شكّ. هل كان تدريس الرّوسيّة للعموم يتمّ بتلك البساطة في الستينات؟ يبدو ذلك مربِكا ونحن نستذكر سجلّ هوليود الستينيّ الغارق في بارانويا الخطرِ السوفييتيّ. تبنّى المسلسلُ وجهة نظرٍ هازئة من الحرب الباردةِ، لا مسفّهة إيّاها فحسب بل غير حافلةٍ بثقلِها وتأثيرها. فحين تتحدّث إليزبث عن حلم السّفر إلى موسكو، لا يتبعُها أيّ تساؤل عن الرّحلةِ سوى مشكلة التمويل. وفي المكسيك على الحدود الأمريكيّة تتواصلُ إليزبث مع البعثة الرّوسية بدون أية رقابة، ناهيك أنّ مرافقها الأمريكيّ إلى موسكو كان مسخرة حقيقيّة.

حاول المسلسلُ عبر مواقف إليزبث أن يعبّر عن سخافة الصّراع بين دفّتيْ الستار الحديديّ، فهاهي ترفض تبنّي فكرة الصّراع بين الكفر والإيمان، وهاهي أيضا ترفض الانصياع إلى بروباغندا الخوف الّتي انتهجتها الحكومة الأمريكيّةُ. بل إنها تمضي قدما لتنتصر بشكل ما للإديولوجيا الاشتراكيّة، خصوصا عبر شخصيّة بيني Benny. يقول بطل أمريكا إنّ لاعب الشطرنج السوفييتيّ يحظى بمكانة اجتماعيّة مرموقة ويلعب مبارياته في قاعات فخمة بتغطية إعلامية كبيرة وتتكفّل الدولة بمصاريفه عكس الأمريكيّ الّذي يطارد تمويلات بائسة مقابلة التذلّل. ولئن كان هذا الواقع نسبيّا إلى حدّ كبير، فإنّ الفكرة الثانية أكثر جديّة. وقد وردت أيضا عبر Benny الّذي أعزى تفوّق السّوفييت إلى خاصيّة التفكير الجماعيّ. يصنعون شبكة عقليّة جبّارة لا يمكن لأيّ عقل منفرد أن يواجهها، بينما يضيع العقل الأمريكيُّ مهما بلغ من العبقريّة في غياهبِ الفردانيّةِ. ويمضي المسلسلُ قدما ليمنح الفوزَ لبطلتِه بعد هزيمتيْن مُذلّتيْنِ بفضلِ تخلّص الأمريكيّين من فردانيّتهم و"اشتراكهم" في اللعبة. إذا رغم انتصار الأمريكيّ على الرّوسيّ في النهاية كالعادةِ، فالمسلسلُ ينتصرُ بشكلٍ غير مسبوقٍ للجانبِ الرّوسيِّ، وقد دعم ذلك بصورة إيجابيّة للغاية لموسكو لا نكاد نرى فيها أثرا للقمعِ أو الحقدِ أو العداءِ. يبقى التاريخ مع ذلك مبحثا ثانويا، فمناورةُ الملكة هو مسلسلٌ نسويّ بامتيازٍ.


دون الاستعانةِ بمواقف نضاليّةٍ، أو قصص معاناةٍ صارخةٍ، حوّل المخرجانِ والكاتبُ (وجميعهم رجال بالمناسبة) سيرةَ إليزبث هارمُن إلى خُرافةٍ نسويّةٍ مُظفَّرةٍ، وصنعوا منها مثالا نسائيّا أعلى. تتفوّق "بِث" على الرّجالِ في مجالٍ ذَكَريٍّ شديدِ الرّمزيّةِ. إذ يُنظرُ إلى الشطرنج كمجال بزوغ الذّكاء الخامِ الّذي لا يحتاجُ المرءُ فيه إلى المعارفِ الأخرى. ورغم تهافتِ هذه الفكرةِ فإنّها احتفظت بحضورها القويّ في المخيّلة الجماعيّة، وسمحت لإليزبث بأن تنقض من خلالِها، فكرة قروسطيّة تربطُ الذكاء بالجنسِ. لا يُفسَّر نبوغ إليزبث بالاجتهادِ أو العنادِ أو الرغبة الجامحة في إثباتِ شيء ما كما يحدثُ في أغلب قصص النساءِ المتفوّقاتِ، ولكنّها عبقريّة محضة تظهرُ مع الطّفولةِ. وما اجتهادُها في ما بعدُ إلا ضرورةٌ لا يمكن لأيّ عبقريٍّ تفاديها حين يقارعُ المستويات العليا، أيّا كان جنسُه.

لا نرافقُ بِث في مبارياتِها فحسب، بل أيضا في حياتِها الّتي تسير بتوازٍ دراميٍّ موقّعٍ مع حياتِها الرّياضيّةِ. إنّ هذا التوازي مهمٌّ جدا، لأنّ عبقريّةَ البطلةِ الّتي تظهرُ في الرياضةِ، تُستنتجُ في الباقي وتُحفّزُ على الاقتداءِ.

ليست تقنية التوازي حديثة عهدٍ ولا غريبةً على السّيرِ، ولكنّها عادةً ما تسيرُ باتّجاهٍ معاكسٍ من حياةِ البطلِ إلى إسقاطٍ سياسيٍّ أو تاريخيٍّ (فورست غمپ، وداعا يا خليلتي، قواعد اللعبة الخ)، أما في مناورةِ الملكة فالإسقاط يحدثُ على تجربةِ بِث الوجوديّةِ، ويمنحنا الأدواتِ للتأمّلِ فيها. تعلّمت البطلةُ أولى دروس الشطرنج القاسية حين أجبرها معلِّمُها شايبل على الانسحابِ، وتزامن ذلك مع أولى دروسِها الجنسيّةِ من عند رفيقتِها جولين. لقد كانت بث اللاعبةُ تتعلّمُ فنون الشطرنج، أما الطفلةُ فكانت تتعلّم دروسها الأولى كامرأة: التعرّف على جنسها وعلى الجنس الآخر.

في ما بعدُ، تبدأ اللاعبةُ مسيرتها الرياضيّة بالبطولةِ الأولى، وتزامنا مع انتصارِها المهمِّ على تونز Townes يقع الحدث المهمُّ للطفلةِ: لقد صارت امرأةً أخيرا!

كان تونز خفقة قلبها الأولى، وفي لقائهما الثاني لم تعد تلك الطفلةَ المشارفة على البلوغ، بل شابّة لافتة للأنظار، لذلك كانت حادثة الفندق خيبة كبيرةً لها لا تقلُّ في شيءٍ عن خيبة الهزيمةِ الأولى أمام Benny، في الحالتيْن كان الدّرسُ مهمّا للتخلّص من النظرة الطفولية الحالمةِ للعالمِ. إذا كانت تريدُ بطولةَ العالمِ فعليها تعلّم الرّوسيةِ، وإذا كانت تريد أن تكون امرأة بالغةً فعليها أن تجرّبَ الجنسَ. في الأثناءِ، كانت الحياةُ تخبّئُ لكليهما مفاجأتيْن أكثرَ قسوةً، وأشدَّ تزامنا: هكذا تنهزمُ هزيمةً مذلّةً أمام كورپوف وتفقد أمَّها في الآنِ نفسه. هذا هو العالمُ الحقيقيُّ، كرياضيّةٍ تعرّفت إلى معنى اللعب في مستوى عالميٍّ وكامرأة تعرّفت إلى معنى حياةِ البالغين: أن يكون المرءُ وحيدا.

يستمرّ نموُّ البطلةِ على المستويين بشكل متوازٍ حتّى تصلَ إلى لحظة النّصر النهائيّةِ، إذ تتوّجها بلحظة تصالحٍ مع مختلفِ الرّجال الّذين كانوا في حياتِها، وعلى رأسهم تونز. نوعٌ من اكتمالِ الرّحلةِ.


لا تتوقّف عناصرُ النسويّةِ في مسارِ رحلةِ البطلةِ ولا في رمزيّة اختصاصِها، بل تتناثرُ هنا وهناك في مشاهدَ عدّةٍ. حين تلقّت دميةً هديّة من رئيس نادي الشطرنج للأولاد، ألقت بها مباشرة في سلّة المهملاتِ. كانت بث تبدي مرارا وتكرارا رفضها أو تجاهُلها لكلِّ السلوكات الاجتماعيّة الّتي تريدُ قولبَتَها على النمط الكلاسيكيِّ، فهي تفضّل شراء الشطرنج والكتب على الألبسة والأحذية، وتكره الحديث المنمّط عن الرّجال والرومنسيّاتِ، علاوة على أنّ علاقاتِها الجنسيّة كانت باردةً إلى حدّ كبيرٍ. وحتّى في إدمانِها على الكحول والمسكّنات، فقد كانت تعبّر عن تمرّد على نظامٍ قائمٍ يتسامح مع إدمانِ الرجال، ويواجه إدمان النساءِ بتجاهلٍ حادٍّ وقاسٍ.

وحولَ بِثْ الموهوبةِ، ترتسمُ شخصيّاتٌ نسائيّةٌ أقلّ حظوةً لدى الأقدارِ، لتحكيَ على الهامشِ بعض المآسي النسويّةِ. جولين ذات الأصول الأفريقيّة الّتي تُلفظُ طفلةً حتّى تذبل طفولتُها. أمّها الّتي تذوق الهجرَ مرّة بعد أخرى حتّى تهلكَ. زميلةُ الدّراسةِ الّتي كان يمكن أن تصبح مثلها لو أذعنت لتربية المجتمعِ مثلها… توجد هذه الشخصيات على الهامش، لأنّ أيّ امرأةٍ يمكن أن تعيش قمعا اجتماعيّا أو طبقيا أو اقتصاديّا، ولكن يمكن لهنّ جميعا أن يكنَّ "بث"، بأن يحقّقن وجودهنّ كما يردن لأنفسهنّ.


ورغم هذا النفس التحرّريّ المتحمّسِ، لم يخلُ هذا البناءُ من تناقضاتٍ. ولو تجاوزنا بعض هنّات السيناريو الّتي يمكن تفسيرُها بشيء من الاستقواءِ على طبيعة الأشياءِ، مثلَ حدوث العادةِ الشهرية الأولى في سنّ السّادسة عشر تقريبا، أو كلّ ما تعلّق بالسّوفييت بشكل عامٍّ، فالإشكال الأساسيُّ يكمنُ في إليزبث نفسها، كشخصيّة موهوبة، إذ أنّها على عكسِ المرادِ تبدو كاستثناءٍ يؤكّد القاعدةَ. لا وجودَ لأخريات يلعبن الشطرنج لا لأنّ النساء ممنوعات من اللعبةِ فهاهي إليزبث ومنافستُها الأولى في كنتكي تبرهنان على العكس، ولكن لأنّ الأخريات لا يملكن الذّكاء الكافي لذلك. لم تكن "بث" طفلةً ذكيّة فحسب، بل كانت أيضا وحيدةً. ومن بين كلّ الشخصيّات النسائيّة في المسلسلِ، لم توجد أخرى بمثلِ ذكائها ربّما عدا أمّها الّتي انتحرت.


يبقى مناورةُ الملكة عملاً ناجحا على كلّ حالٍ وفكرةً مُلهمةً لصنف الكتابة النسويّةِ: اِنعتاق من سجن الصّراع الجندريِّ، وتوقٌ إلى أنموذجٍ أصيلٍ لا يشبه إلا نفسه.




Sunday, July 6, 2014

"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)

حينما تسمع حديثا عن مسلسل تونسيّ، فكن على يقين من أنّك في رمضان. يبدو أننا ننتج المسلسلات التلفزية لسببين : لا بدّ من مسلسلات تونسية في رمضان فهكذا جرت العادة، و لا بدّ لأهل الدراما من عمل يحصلون بموجبه ما يمكنهم من العيش (عيشة النجوم طبعا، لأنه يجب أن يكون في كل بلد نجوم تلفاز).
و قد جرت العادة الكريمة أن ينجز مسلسلان قصيران في رمضان، كلٌّ لفترة أسبوعين، لحكمة لا بأس بها في نظري، فنحن لا نملك ثقافة الكتابة أصلا، و من يكتب خمسة عشر حلقة يمكن له أن يفتخر بإنجازه لسنين طوال. و لم يشذّ عن ذلك إلا كتبة قلائل، خابوا في بعض الأعمال، و نجحوا في أعمال أخرى. كما أن انجاز عملين يبقي الانتاج الدرامي في مرحلة تجريبية تجعل من كل عمل جديد أشبه بمخاطرة، خصوصا مع جمهور مزاجيّ و عسير الإرضاء كالمتفرّج التونسيّ. لذلك عوض أن ينتج عمل واحد قد يخيب، ينتج عملان قد يخيب أحدهما و ينجح الآخر.

إحدى تلك الخيبات التي أحدثت لغطا طويلا بعدها، أو ربما شرخا ظلّ هناك إلى اليوم.. عرضت في رمضان 2003، أعني بها دروب المواجهة، و هو إسم لا يوحي بشيء تقريبا، لكن شخصيات المسلسل قد يذكرها بعضهم : مصطفى العدواني صاحب المصنع الطيب، الساذج، لطفي الدزيري المحتال الطماع الذئب، فريال قراجة الصحفية اللامعة صاحبة المبادئ و الجمال و الأخلاق و كل تلك الأشياء الجميلة و زهير الرايس حبيبها و الذي لا يصلح لشيء إلا لأنه ابن مصطفى العدواني صاحب القضية.. لمن لم يذكر المسلسل فأعتقد أن ما دار بمخيلاتكم هو كل المسلسل تقريبا.
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة".. 

طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.

ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟ 
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟

إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون.. 
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.

حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟

حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..



Translate