Showing posts with label ربيع عربي. Show all posts
Showing posts with label ربيع عربي. Show all posts

Wednesday, February 12, 2014

العقول المَـثْـنَـــوِيَّة

لا أتحدث هنا عن طريقة نظم فارسية، و إنما عن نظام عدّ تستعمله كل الأجهزة الالكترونية. يسميه أحفاد شكسبير Binary number system وهو عكس النظام العشري الذي تعرفه، لا يملك الا رقمين اثنين هما صفر وواحد. ومن هذين يمكن اختراع بقية الاعداد:
0 -> 0
1 -> 1
2 -> 10
3 -> 11
4 -> 100
5 -> 101
وهكذا باستعمال رقمين فحسب، يمكن للآلة فعل المعجزات! يمكنها هذا النظام من تصوّر أشياء شديدة التعقيد و التركيب، على اعتبار أن كل شيء مركّب يتكون من أشياء أكثر بساطة. في الواقع لا أعرف إن كانت هذه القاعدة تعمل على الأنظمة الطبيعية، فطريقة عمل النظام الشمسي تبدو أبسط بكثير من طريقة عمل الشمس نفسها، و سلوك الإنسان يبدو غالبا أكثر قابلية للتوقع من سلوك الذرات التي تكون جسمه.. هل العقول مثنوية؟ أعني هل تعمل وفق نظام العدّ المثنويّ (أو الثنائيّ لمن لا يحبّ الحذلقة) أم أنها أكثر تعقيدا من ذلك؟ يقال إن المعطيات (data) تتردد في المخّ وفق شحنات كهربائية و هو ما يحيلنا بالفعل إلى منظومة مثنوية. لكنّ ما يهمني من كل ذلك، هو تلك الحقيقة التي تقول إن العقل قادر على تصور أنظمة شديدة التعقيد و التركيب، أكثر بكثير من جهاز الكمبيوتر. أقول "قادر"، لأنني أعتقد أن أغلب العقول لا تمارس ذلك بالفعل، و تسبب جرّاء ذلك، الكثير من الرداءة.. أعتقد أن تلك الرداءة هي ما يجعل الحياة عسيرة في هذه البلاد.. 

حينما نبدأ بفهم الأشياء من حولنا صغارا، نتعلم قاعدة أساسية تتمحور حولها سلوكاتنا : هذا جيّد. هذا سيء. كل ما نحاول فعله أو فهمه يمرّ عبر هذا السؤال : هل هو جيد أم سيء. فيما بعد يتخذ المفهومان أشكالا عديدة، خير و شر، الله و الشيطان، ربما سكاي وولكر و دارث فايدور، أو الكابتن ماجد و الكابتن بسام ... لا أعرف، لكن المقاربة المثنوية حاضرة هناك.. فيما بعد تتكفّل ثقافة المرء و تجاربه بتعليمه أشياء كثيرة و تعقيد المشهد من حوله.. يتعلم المرء أن الخير و الشرّ مثلا نسبيان عبر المكان و الزمان و الأحداث أيضا.. يتعلم أن الخير و الشرّ تقييم لا يناسب مواقف و أنظمة أخرى كثيرة. الانسان يدرك الواقع عبر قوالب ذهنية (models) أكثر يسرا للاستيعاب، تأخذ هذه القوالب أشكالا شديدة البساطة في البداية، و مع اكتساب المعرفة، تأخذ هذه القوالب أشكالا أكثر تعقيدا.. 

في الماضي كان الانسان يعتقد أن الأرض مسطحة، حينما اكتشف كروية الأرض، اعتقد أنها كرة مثالية (perfect). لم يلبث فيما بعد أن أدرك أنها يجب أن تكون مسطحة على مستوى القطبين، كبرتقالة. طبعا شكل الأرض أكثر تعقيدا و أبعد ما يكون عن الأشكال الهندسية المثالية التي نستعملها في الهندسة الاقليدية. لكن بعض الناس لا يزال يجد بعض العسر في استيعاب الشكل الكرويّ الأول. إن التفاوت في القدرة على تصوّر الأشياء و إدراك مستويات تعقيدها أمر طبيعيّ. الطبيعة قائمة على التفاضل (أمر قد لا يعجب الكثيرين و لكنه ليس موضوعنا الآن). لا يمكن لشخص مهما بلغت درجة ذكائه و معارفه و خبراته أن يتمثّل في ذهنه الأشياء كما هي بالضبط في الواقع، لكنّه يطوّر قوالبه الذهنية و يعقّدها أكثر فأكثر. و لا يمكن أن يتساوى الناس في درجة التعقيد التي يمكن لأذهانهم بلوغها. كاتب هذه السطور يجد صعوبة بالغة في استيعاب عالم خماسيّ الابعاد، بينما تجد فيزيائيي مراكز البحث الكبرى، يحاولون تقديم تصور للكون من اثني عشر بعدا! لكن، اعتقد أن هناك حدّا أدنى من التعقيد وجب توفّره عند الانسان حتى يستطيع أن يساير العالم الجديد من حوله.


كلّ الصور تمثّل أرنبا، لكن كما تلاحظون كلما ارتفعت درجة تعقيد الصورة (عدد المثلثات التي تشكل سطح المجسم) كلما ازداد وضوحا.

الأمر جادّ صدقوني. أنا لا أتحدث عن مجرد صور تعلق بالذاكرة. أنا أتحدث عن طريقة عمل الذهن، التي تجعلنا ما نحن عليه. حينما أتأمل الرداءة التي تحيط بي من كل جانب. أعتقد أن أحد أسبابها الأساسية، هو بدائية القوالب التي نمثّل بها الأشياء و المواضيع و الحقائق من حولنا. حينما تسود بدائية القوالب في مجتمع ما، فهو مجتمع بدائيّ، مهما امتلك من تقنية و أموال.. خطورة المسألة ترجع إلى أن غالبية أفراد هذا المجتمع، تسيطر عليهم طرق التفكير المثنوية، التي تختزل الأشياء في الأبيض و الأسود.. إن الاستقطاب الثنائي الذي يجمع على وجوده الجميع في تونس، موجود تقريبا في أغلب دول العالم. لماذا اذا يبدو لنا الاستقطاب الثنائي غير طبيعيّ في تونس؟ أعتقد أن السبب يكمن في التفكير المثنويّ. هنا، يشيطن الناس بعضهم البعض لا لتوفر المعطيات الوجيهة و لكن فقط لأنه لا يستطيع رؤية العالم من وجهة النظر المقابلة. 

ماذا؟ تقول إن ذلك لا علاقة له بالقوالب البسيطة إنما بالتعصب. و ما هو التعصب؟ أليس عدم القدرة على رؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة؟ لا أطالب الشيوعيّ بأن يؤمن بالفلسفة الليبرالية. لكن عليه أن يفهم أن الليبرالي ليس بالضرورة شخصا جشعا يريد أن يعيش على جوع الآخرين.
المتعصب هو شخص يجد صعوبة في ايجاد قوالب ذهنية مركبة و عديدة. لذلك يفضل تلك القوالب البسيطة الجاهزة. الكليشيهات التي تنشأ لتردد انموذج ما أكثر من غيره. الكثير من المبرمجين يستعملون النظارات لذلك نشأ هذا القالب الجاهز الذي يربط مباشرة بين مبرمج الكمبيوتر و النظارات. مبدأ الربط هذا مزروع في الجينات البشرية لأنه يساعد الانسان في الكثير من المواقف. لكن على الانسان أن يرتقي بوعيه إلى ما فوق هذا السلوك اللاواعي حتى لا يتحكم في نظرته الى الأمور. هذا الخطأ المنهجيّ هو تقريبا ما تقوم عليه النظرة المتعصبة تجاه الآخر. تقابل فتاة محجبة فتسقط عليها آليا قيم التقوى و الورع. . يتشكل في ذهنك ذلك القالب البسيط الجاهز الذي تجمع تحته كل المججبات. و قد تجدها تمارس سلوكا يتنافى و ذلك الذي 'يجب أن تكون عليه المحجبة' فتسقط حكمك عليها و على المحجبات جميعا. (لماذا انت بحاجة الى اطلاق حكم ما اصلا فتلك قضية اخرى) كل هذا و انت لم تسمع عنها فكرة واحدة. حاجتك الى القوالب الجاهزة سببها عدم قدرة ذهنك على تمثل قوالب أكثر تعقيدا. محجبة لكنها غير مسلمة. لها افكار خاصة ربما شاذة لكنها افكارها هي و ما يجعلها هكذا.

ايضا يميل المتعصب الى تصنيف ثنائي جامد : ما هو مثلي فهو جيد و خير و صحيح في كل شيء. الآخر هو كل تلك الصفات السلبية. المسلمون جميعهم حمقى و جهلة. الادهى ان تسمع من يقول : المسلمون جميعهم متعصبون. هذه قولة مشطة في الانفتاح!

من اين يأتي هذا العجز عن فهم القوالب المعقدة؟ ربما هناك اسباب عديدة. لاحظوا انني لست اقوم بدراسة معمقة هنا. لكن هناك شيء ما ليس على ما يرام في تربيتنا. كل شيء من حولنا يتمثل الاشياء بسذاجة. اغانينا تصور مواقف بدائية من العشق و الوحدة و حب الوطن. اشعارنا تكرر ذات الصور الساذجة. قصصنا و افلامنا و مسلسلاتنا - الا ما رحم ربي - ترنو الى الخير المطلق و الشر المطلق. تلفزاتنا الملونة تبث سموما بيضاء و سوداء منذ القرن العشرين و لم تتغير. و مواعظ شيوخنا لا تزال تحدثنا عن سابع جار و نحن نعيش في مبنى لا نعرف عدد سكانه و لا متى نغادره.. 

هل علينا أن ندرس جميعا النظريات الرياضية المعقدة حتى تتجاوز أذهاننا حاجز التفكير المثنوي؟ و هل على التلفاز أن ينقل لنا مباشرة وقائع الاعلان عن اكتشاف بوزونات هيوغز حتى نصبح قادرين على قبول الاختلاف و عدم شيطنة الآخر؟ ربما يوما ما. لكن لأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، فأعتقد أن الارتقاء بمستوى الفنّ و الأدب في هذه البلاد و لو خطوة واحدة، أمر ضروريّ أو بلغة الكمبيوتر تعليمة رقم 0.

Friday, April 27, 2012

تونس تــ9ــرا .. في الكار الصفراء..

و خير جليس في الزمان كتابُ!
ردّدتها في حماس مرزوقيّ متفائل و انا اتأبط كتابي إلى خارج المنزل.. اليوم سنعلن عن وجودنا نحن اصحاب هذه العادة السرية المخجلة .. سنمارس اليوم شعيرتنا على الملأ بعدما اضطهدنا سنينا و سنين.. وداعا لاعوام المهانة و التهكم.. وداعا لايام الرعب و القراءة ليلا تحت اللحاف..  و اخفاء ما ملكت يميني من كتب عن الرفاق . اليوم سأعلنها و ليذهب الكافرون به إلى الجحيم...

أي موقف ذاك الذي وقفته أمام أبويّ و أنا اصارحهم بالحقيقة!
"أنا قارئ"
"ما أنت بقارئ!"
"أنا قارئ"
"ما أنت بقارئ! لم نر منك كتابا و لا صحيفة، و كنت دوما مطيعا لا تعرف غير كتب الدراسة"
و حينما رأوا "عودة الروح" بين يدي.. ذهبت الروح عن وجوههم .. و ضرب أبي بكفيه في أسى و مضى مكرّرا "ضاع ابنك يا امرأة.."

كنت قد قررت أن أمارس شعيرة طالما حلمت بها : أن أقرأ في الحافلة.أجل، تماما كما يفعل الناس في أوروبا واليابان! وما يضيرني أن أفعل ذلك؟ هي ذي الحافلة قادمة، وهو ذا كتابي في يدي. على بركة الله!
كنت أتخيّر في مخيّلتي أيَّ مقعد سأتخذه في الحافلة. وراء السائق، حيث يصطف كبار السن، عند نافذة مفتوحة، حتّى أنعم بشمس الفكر وشمس البلاد، أو في مقعد خلفي معزول عن الآخرين... الآخرين! الآخرون طرقوا باب مخيلتي في عنف و خلعوه، و اقتحموا الحافلة وأفكاري بنفس الحماس! "بالشوية! بالشوية!" كان من يصيح بها هو نفسه يدفع امرأة من أمامه و يعصرني على باب الحافلة بمنتهى الاتقان و التفاني! بينما امرأة أخرى تصرخ بما أتاها الله من دعوات صباحية مباركة أغدقتها على الجميع... ربّاه! هل أنا في الحافلة؟ كيف حدث هذا؟ أي سرّ بديع وراء هذا الالتحام البشري المهيب الذي يدخل به الناس الى الحافلة؟! هكذا من دون أن تحرك قدميك، تتلاقفك الأجساد بفعل الحبّ والعناق والقصور الذاتي إلى داخل الحافلة، فتجد نفسك في المكان الذي يجب أن تجلس فيه... أعني تقف فيه.

لم يكن المكان مختلفا جدا عن ما رسم بمخيلتي. صحيح أنني لا أرى الشمس، ولكن الحرارة متوفرة بكثافة. وصحيح أنني بعيد عن السائق ولكن صراخه يبلغ مسمعي. كما أنّني وإن لم أكن بمعزل عن الناس، فوضعيتي وسط كومة الأجساد ما كانت لتسمح بالاهتمام بهم... لا بأس، لن يفلّ عزمي، وسأقرأ هنا! أين يدي اليمنى؟ اه الكتاب في يدي اليسرى، رفعت الكتاب الى أقصى ما تسمح به المساحة، لم أرَ الغلاف، من الواضح أنه لم يرافقني في غمرة الدخول الثوري. لا بأس، لا تهم القشور، لأقرأ، لأقرأ، لأثبت لهؤلاء أن خير جليس (حتى وقوفا) في الزمان كتاب! أنه يمكننا أن نعيش كالألمان و السويديين و البريطانيين، وأننا لا نفوقهم تحضرا لو قررنا ذلك!
لم أكن محتاجا للاعتماد على عمود ما لاجد توازني، فكومة الأجساد لا تسمح بالسقوووووووووووووووووووط.. "بالشوية!" صرخ بها أحدهم و قد وجدت نفسي ملقيّأ عليه... إنه منعرج أحب السائق أن يمتعنا به. اِعتذرت وأخفيتُ الكتاب عن ناظريه. كنتُ أبحث مرّة أخرى عن العمود الذي حدّثونا عنه في الأساطير، حينما عرجت الحافلة يسارا وفي هذه المرة، كانت امرأة بين ذراعيّ... نظرت إليّ في استنكار وخيّل إليّ أن الكارثة ستحدث، لكنّها أشاحت بعينيها في استسلام لقدرها البائس وحاولت أن تجد لها مكانا بعيدا عن المتحرّشين أمثالي. أردتُ أن أخبرها أنها هي من ارتمت عليّ وليس العكس، أردتُ أن أخبرها أنّ آخر ما أرغبُ فيه هو التحرّش بوحش لوخ نس في ظروف كهذه، لكنني أعرف "شهامة" الرجل التونسي. لو أعجبتْ أحدَهم هنا، فلن يترك لي فرصة شرح ما حدث، وسيبدي لها من البطولات ما يحرّر القدس... سأقرأ، سأقرأ! 

"خويا تونس؟"
كان هذا مراقب التذاكر! كيف وصل إلى مكاني؟ ربُّك الجبار أعلم! هو الشخص الوحيد الذي يرى الحافلة بشكل كنيسة، المؤمنون الفرحون يمينا يسارا والبساط الأحمر بينهما يخطو عليه ويسأل الناس في تودد و حنان... "تي نكلم فيك! ما تسمعش؟!"
"اه سامحني، تونس تونس!"
لكن المشكلة بالنسبة لي، كانت البحث عن طريقة أخرج بها المال من جيبي... أين أنت يا توم كروز! كيف تفعل مثل هذه المستحيلات؟! أين جيبي؟ أين جيبي؟ "تي هيا!" هاهو الجيب! ولكنّ أحدهم صرخ بصاحبه المستند إلى كتفي : "صاحبي، باش ينشلك!" اِستدار الرجل إليّ مذعورا وهمّ بالمسك بقميصي حينما صرخ المراقب "تي جيبُه هو موش جيبك! دور أخطانا مالمشاكل!"
"وين تعرف على البلاء؟ قداش مقرين؟"

نجوت من مشكلة جديــــــــــــــــــــــــــــــــــ... عفوا ... ــدة.. توقفت الحافلة، و بدأ صراع الطّلوع و الهبوط، تماما كما في كرة القدم التونسية، كلُّ السبل متاحة حينما يفتح الجحيم أبوابه، و مع الغبار المتصاعد، خلتُ أنّ هناك من ألقى بالشماريخ بالفعل! لكنني سأقرأ! دفعني أحدهم وسط محاولاته البائسة بلوغ الباب قبل أن يغلق، و رمقني آخرُ بنظرة فيها صبر كثير وتجلّد وقد وطأتُ قدمه، و لكنّني سأقرأ... وعاد المراقب إليّ وهو يصرخ " باش تخلص توة و الا نهبطك؟" أنزل قبل أن أقرأ في الحافلة؟ هذا محال! مرة أخرى تمتدّ إلى جيبي وعيناي ترقبان لألّا أخطئ الجيب فتحدث الكارثة. قدّمت له ما تيسر من المال، فأعاد إليّ ما تعسّر على جيبي من العملات: رجّة أخرى، وفتًى يرتطم بيدي فتنتثر العملات ضاحكة برنّتها الساخرة على قاعة الحافلة... و تذكّرت عنوان الفليم الشهير "Catch me if you can."  
لا أقدر طبعا، و قلت، ربما في المحطات القادمة ستخف الوطأة، ويمكنني التقاط العملات... ناولني المرقب تذكرتي، فحاولت أن أضعها بين صفحات الكتاب، وأقرا... كان الكتاب قد استحال إلى كومة أوراق بائسة، و اكتساه العرق من كل عابر سبيل التصق به، لا يهم، إني لقارئه!
 

"يا ولدي مشني مخلص، بالسيف؟ ثورة قامت والكيران ما حبتش تتصلح؟ الى متى؟!"
"مالي و مال الثورة يا ولدي؟ برة اعتصم هاوكة الوزارة قدامك، تدخل لكار أنا فيها، تخلص يا ولدي."
"مشني مخلص، هاو حومة موشنا مخلصين، باهي؟"
"يا حمادي دور للمركز دور!"


وتعالى صراخ الناس مطالبة بالتجاوز، لكن من الواضح أن الأمر لن يمر بسلام! وتدخل بعضهم يحاول الحسم، بل إنّ أحدهم اقترح أن يدفع من جيبه فقط كي تستمر الحافلة في طريقها لأنه تأخر كثيرا عن العمل. لكن بدا أنّ الخصمين رجلا مبادئ، ولن يحيد أحدهما عن رأيه، وارتفع الصراخ من هنا وهناك، والحافلة تعرج إلى قسم الشرطة... كنت أحب أن أقول إنّ الفوضى عمّت المكان، وإنّ الهرج والمرج صارا طاغيين، لكنّي للاسف لم ألاحظ تغييرا فالفوضى حاصلة والهرج والمرج هما طبيعة الأشياء هنا...

"أيا اهبط!" 

إذا ما أنا بقارئ فعلا! تماما كما قال لي والداي... ما أنا بقارئ والفوضى تعمّ الثورة، ما أنا بقارئ والحافلة الصفراء تحاول جاهدة الانتحار يسارا أو يمينا، ما أنا بقارئ مادام بعضنا يركب هذه الحافلة و يرفض مدها بمال الوقود، ومادامت هي تأخذ منا أكثر مما تقدم لنا... في هذه الحافلة تُفتك المقاعد، و يتحرش الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ويشتمك من دفعك، ويسحب الناس بعضهم بعضا سحبا إلى اليمين، ثم يدفعونهم دفعا إلى اليسار... في هذه الحافلة الركوب للاقوى، والنزول لمن يحسن المراوغة، والمال للنشال والمراقب، والمصير بيد السائق وحده... مادامت الحافلة صفراء معلولة، ومادامت الرحلة بهذه الفوضى، فما أنا بقارئ أبدا... وعليّ المراوغة و النزول...
 

وقبل وصول الحافلة الى المركز، اِنفتحت الأبواب لنزول بعضهم، و نزلنا. لم أجد بقية مالي، فابتسمت ساخرا "يا للمفاجأة!" و تأملت ما بقي من "عودة الروح" فصمتت في حزن، والتساؤل يكبر فيّ "متى تعود الروح؟" هنا رأيت فتاة تدخل إلى الحافلة وكتاب في يدها. ملت برأسي لأرى العنوان. وابتسمت و أنا أقرأ :"عصفور من الشرق." .. فقلت في نفسي مبتعدا : عسى ذلك يوما...



Translate