Sunday, March 30, 2014

أجل ! نحن أمازيغ!

ربما كانت تونس تملك أرقى أصناف الحداثة بالفعل، تلك الحداثة التي لم تتأثر قطّ بمرور السنين و العقود و القرون. تلك الحداثة الصامدة في وجه التغيرات و الافكار التي أتى بها القرن العشرين و ما بعده!
حاملو لواء الحداثة في تونس هم أبناء القرن التاسع عشر باستحقاق، و لو سمعت خطابهم عن العنصر و العرق، لما وجدتَ اختلافا كبيرا عمّا كان يقوله جول فيري "الفاتح العظيم" الذي وهب هذه البلاد المطحونة قبسا من الحضارة و الحداثة!

ستجد مثلا ذات الخطاب العنصريّ الدقيق، آسف هنا لا تحمل صفة "عنصريّ" أيّ معنى سلبيّ. إنّه العلم يا سادة! يقول العلم إنّ جيناتنا التونسيّة تحمل بصمات أمازيغيّة بنسبة أكبر نسبة البصمة العربية. و هو ما احتفت به بعض وسائل الإعلام المعروفة من خلال مقالات مغرقة في الدقة العلمية. (هذا على سبيل المثال)
بعضهم ذهب إلى الاستنتاجات الحداثية البديهية، نحن امازيغ و لسنا عربا. هناك من تعدّى ذلك إلى الحلول العَملية : اُخرجوا من أرضنا!
لا أعرف من يقصد بالقول، مادمنا كلنا أمازيغا فمن عليه أن يخرج إذا؟

لكن دعونا نعود إلى فكرة الجينات العبقرية هذه. هذا الصنف من الحداثيين، يعتقد إذا أن وجود جينات امازيغية أكثر من العربية، تعني ـ على الأقل ـ أن الامازيغ أكثر من العرب ( هكذا و كأن التونسي إما يحمل سلسلة جينية "امازيغية" و إما "عربية")، حسن ألا يعني هذا أن هناك وجودا عربيا في تونس؟ لماذا ننكرهم؟ لماذا نقول إننا "لسنا عربا"؟ أليس من الأجدى القول إذا إننا أمازيغ و إننا أيضا عرب؟

ربما لأنّ هؤلاء الحداثيين مثلا لا يحتملون هوية مركّبة، أو لا يستوعبونها (فكرة  تذكرني بهذا المقال) أو ربما لأنهم كما ذكرت أعلاه، في وفائهم لقيم الحداثة، الحداثة التي مجّدت الرجل الأبيض و واجبه الحضاريّ تجاه الأعراق المتخلفة، تعود إلى الجينات و الدماء لتحليل مشكلة الهوية، أو ربما في نهاية الأمر، لأنّ مشكلتها مع الهوية العربية تتجاوز المسألة العرقيّة و حتى مسألة الهوية (مسألة كهذه مثلا).
بعض هؤلاء يستغفلون الجهلة كما يستغفل جماعة "حزب ربي" مثلا جماعة آخرين، و كلاهما يحارب الآخر في ضراوة، ربما لأنهما يكرهان المنافسة، أو ربما لأن التنافس في النهاية يفرض ذلك. تجد مثلا صفحات فايسبوكية تلقى شعبية لا بأس بها، يتابعها في حماس خصوصا أولئك الذين لم يتح لهم التفكير إلا بعد سنّ العشرين للأسف. أولئك الذين لم يوفّروا لأنفسهم حدّا أدنى من المعرفة بتاريخ بلادهم يمكّنهم من فرز ما يقوله الآخرون لهم. يظلّون سجناء محيطهم و بيئاتهم خصوصا.

هؤلاء المستغفِــلون يعرفون جيّدا ما يفعلون، و لا يبدو أنهم يكتبون جهلا أو حمقا. من بين هؤلاء ستجدون مثلا هذه الصفحة. التي تنتسب إلى بورقيبة و تقول كل شيء من أجل محاربة العرب و "الوجود العربيّ" في تونس. تعتمد الصفحة في انتسابها إلى بورقيبة على "حربه" على العروبة و على الاحتلال العربيّ الممتدّ من 1300 سنة. طبعا فات هؤلاء أن بورقيبة هو أيضا لا يحمل أصولا "أمازيغيّة" أو لنقل بشكل أكثر يسرا، أن أصوله تعود به إلى طرابلس بعيدا عن الأراضي التونسيّة، و هناك يختلف الدارس و أغلبهم يذهب به إلى شرق أوروبا. المهمّ أن "الغزاة العرب" أعرق حضورا من بورقيبة على هذه الأرض مثلا. أما عن الحرب التي شنّها بورقيبة على العروبة في تونس فلعلّ أبرز عناوينها ارساء التعريب في البلاد، بعدما كان التعليم مفرنسا تماما. كان بورقيبة مشرفا على المشروع بشهادة محمد المزالي. لكنّهم لا يرون تفاصيل بسيطة كهذه، يرون فقط خلافه التاريخيّ مع عبد الناصر، خلاف على الزعامة العربية في الواقع، و خلاف على منهج التحرك العربيّ. لا يرون استقبال بورقيبة للمقاومة الفلسطينية، و لا يرون استقبال تونس للجامعة العربية بعد معرّة كامب دافيد. لكنّهم يعنونون الأشياء خلف الخلاف البورقيبي اليوسفي على الزعامة أيضا، و الذي لعب فيه بن يوسف على وتر العروبة ليكسب الدعم المصريّ الجزائريّ.. لم يكن بورقيبة بطلا قوميّا طبعا، لكنّه لم يتنصل قطّ من روحه العربية، و لم يدعُ تونس للهروب من حقيقتها العربية. لكنّها السياسة، السياسة التي يحسنها بورقيبة بأكثر مما يعقلون.

أجل نحن أمازيغ يا سادة، و نحن عرب أيضا، و كنعانيون، و ربما رومان، و ربما جرمان، و سلاجقة، و شركسيون، و أشياء أخرى كثيرة.. لكنّ الهوية في تعقيدها و كثرة وجوهها (و هو ما يخلق زينتها و ثراءها و تفرّدها أيضا) تملك وجوها أوضح من غيرها، و عيونا أكثر انفتاحا من غيرها يمكن للمرء أن يوجه لها الكلام. و أن يفسخ المرء وجها من وجوهه، أو أن يقرّر أن ينظر للأشياء بقفاه، فلن يقرّبه ذلك من القرن الحادي و العشرين مقدار أنملة.
إنّ من يريد التنكر لوجهه العربيّ بتعلّة إنه سبب تخلّفه الحضاريّ و التقنيّ، سيظلّ يلقي بالقمامة في الشارع حتى لو أصبح يتحدث باليابانيّة أو السويديّة. و ما الهوية العربية إن لم تكن هذه الملايين التي تتحدث العربية و تريد التخلص منها. هل تُـراها حينما تتخلص من لغتها و من أمثالها و من تاريخها و من متنبّيها و نزارها و شابّيها و درويشها ستصبح أقل رشوة و أقل جهلا و أكثر طهرا و تطهّرا؟ و ماذا لو فكّر هؤلاء القوم بصيغة مقلوبة مثلا؟ أن يقدّموا مثالا للعربي المعاصر المتحضّر، ألن يصبح "العرب" حينئذ كذلك؟


أجل نحن أمازيغ يا سادة، لكنّنا نحاول أن نكون أقل حمقا و أكثر مسؤولية لا أكثر.


محرقة عطور في شكل رأس للإله بعل ـ حمون
و هو مزج للاله الفينيقي بعل، و الاله البربري حمون أو آمون.
(المتحف الوطني بقرطاج)



Saturday, March 15, 2014

الشـيءُ و القــمرةُ

تململ القلم بين أناملي، و خطّ في امتعاض تلك المفردة الغريبة. لماذا تنظر إليّ هكذا؟ اكتب و لا تتدخل في ما لا يعنيك. لكنّ القلم كان من أهل التجارب فعلا. تتالت الرسائل و التعليقات، متسائلة عن معنى مفردة "قمرة" التي استعملتها. من أين أتيتَ بها و ماذا تريد بها أن تقول؟ أسرع القلم بتغييرها و هو يلهج بالأسف. معذرة يا سادة على هذا الخطإ التقنيّ. كان صاحبي يريد بالقول : كاميرا. لكنّ لسانه ينزلق عن العربية أحيانا.

يقول كهل تجاوز الأستاذية بكتاب أو ندوتين، أن ما في ذلك بأس، الشباب يخطئون، و المهم ما يمكن أن يقدّموه لاحقا. هذا شاب يكتب أشياء لا بأس بها. فلنشجّعه (أي فلنقبل رداءته).
أما أنا فقلتُ للقمرة إنني آسف، ربما لا مكان لكِ في العشرين. فهذا عصر اaلكاميرا. أما أنتِ فلكِ أن تعودي من حيث جئت، من القرن العاشر. قولي لابن الهيثم أنّنا أخذنا علم المناظر الذي وضعه للعالم، لكنّ تسمياته الركيكة لم تعد تناسبنا. ما الذي دعاه أن يسميَ غرفة العين المظلمة قمرة؟ ألأنها تشبه ظلمة القمر الذي ينير ليلنا مثلا؟ هذه أشياء شاعرية سخيفة، لا تناسب روحا علمية صارمة. انظر إلى الإخوة اللاتينيّين كيف أسموها من بعدك : كَامارا! ألا ترى كم الإسم مبتكر؟ ألا ترى كم هو لا يشبه ما أتيتَ به أنت؟ لذلك سنستخدم بعدك بقرون مفردة كاميرا للدلالة على جهاز التقاط الصور و سنضحك ساخرين من "قمرة".. إنها تبدو تعريبا ركيكا للكلمة اللاتينية الرقيقة : كاميرا!

حينما قال بن خَلدون تلك العبارة الشهيرة "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده." لم تقف عبقريته عند هذا الرؤية التحليلية ذات النظرة البعيدة، بل إن المثال الذي ساقه كان بمثابة نذير لما ستؤول إليه الأحوال فيما بعد "كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم و شاراتهم و الكثير من عوائدهم و أحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدان و المصانع و البيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء و الأمر لله."
فمثال الأندلس الحيّ الماثل أمام عينيه، كان نموذجا دقيقا لما يمكن أن يحصل في بقية المجتمعات العربية و مجتمعات شمال افريقيا خصوصا. و قد سبق بن خلدون سقوط غرناطة بأكثر من مائة سنة، لكنه كان يعلم أن "الاستيلاء" قد حصل بالفعل. و لئن ذابت الأندلس كأنما لم تكن، فلن أستغربَ أن تذوب تونس أيضا و ربما تحلّ محلّها "تينيزي"، فالاستيلاء حاصل بالفعل، و الناس لا ترى الا بأعين أسيادها، و لكن هذا ليس موضوعنا. ما يثيرني هو تلك الحجج الواهية التي يفتشون عنها و ينسجونها حتى يقنعوا بها أنفسهم و يناموا قريري الأعين بما صنعت أيديهم.

في كل مرة تحاول الدولة أن تتقدم خطوة في طريق التعريب، إلا و تواجه حملة شعواء سرعانما يتبناها العامّة، أولئك الذين يرفضون كلّ جديد من مبدإ أن ما اعتادوه هو الأفضل (إلا أن يكون قادما من الغالب كما تفرض قاعدة بن خَلدون). رفضوا تعريب التعليم الابتدائي بداية، ثم رفضوا فكرة التعليم الأساسي الذي مدّد استعمال العربية في العلوم إلى حدود السنة الثالثة من التعليم الثانوي (سابقا) أو السنة التاسعة بالنظام الجديد. و كانت حجّتهم في ذلك أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب العلوم، كما أنّ تغيير لغة التدريس قد يؤدّي إلى .. لا أعرف، من الواضح أنه يؤدّي إلى أمر خطير لا أفهمه.. و أذكر طبعا أيام السخرية من تدريس الرياضيات بالعربية في القناة الليبية. (و فد فاتهم أن علماء الفيزياء العراقيين الذين دأبت إسرائيل على اغتيالهم درسوا الرياضيات باللغة العربية..) ..
طبعا تجربة التعريب في تونس يمكن مناقشتها، و مناقشة مسائل عديدة فيها و خصوصا اختيار المصطلحات، كما أن تعريب العلوم في الدول العربية يشتكي خصوصا من غياب الجدّية في توحيد المفردات و تركيز استراتيجيا كاملة للتعريب.) لكن حينما نتحدث عن التعليم الثانويّ، فنحن نتحدث عن مسائل أساسية في العلوم ظهرت منذ أكثر من 3 قرون في أفضل الأحوال..
قال لي أحدهم بنبرة حداثية ساخرة " اي كومون تي فا اغابيزي لا تغيكونوميتغي؟" يعني و كيف ستعرّب علم المثلثات؟ طبعا ذلك على أساس أن علم المثلثات لم يكن علما معروفا عند العرب أصلا أخذه الإيطاليون عنــّا. أتخيل هنا، لو أن التلميذ عرف أن الـ Tangente نسمّيها الظلّ لأنها قسمة الضلع المقابل على الضلع المجاور و هما يبدوان كعمود و ظلّه، هل كان سيحتاج إلى أيام و أشهر لحفظ ذلك و استيعابه؟ و ماذا لو عرف التلميذ أن لفظة Sinus الغريبة التي حفظها هكذا، إن هي إلا الترجمة اللاتينيّة للعبارة العربية "جيب"، ألم يكن ذلك ليسهل الأمور و لو قليلا؟ ألم يكن ليضفيَ معنى لما يدرسه التلميذ؟

إن المسألة لا تتعلق بمعضلة الترجمة، أو بتخلّف العربية عن سباق الحضارة (و المسألة مطروحة بالفعل)، و إنما بتلك النفسية المنهزمة المغلوبة، بتلك الروح الصغيرة التي تصرّ أن تكون "سانشو" التابع، لا "دون كيشوت" صانع البطولة. إنها تلك الروح التي ترى في كاميرا لفظة أكثر أصالة من اللفظ الأصلي، لأنّ أصابع الإله الغربيّ امتدّت لها. تتصفّح رواية سمرقند للكاتب الفرنسي أمين معلوف فتطالعك قصّة "الشيء"، اللفظة التي كان عمر الخيام يستعملها للدلالة على القيمة المجهولة في معادلاته المعقدة، و التي كتبها الاسبان كما هي فيما بعد "Xay" لتتحول عند علماء الرياضيات فيما بعد إلى حرف X الشهير.. تبتسم في تأثر و تقول "ذيس از كيوت" أو هذا لطيف، لكنّك ستضحك كالمجنون لو رأيت حرف الشين في المعادلات الرياضية، أو قال أحدهم "شيء" عوض "ايكس".. ربما لو لم تقرأ ذلك بالفرنسية (سمرقند) لكنت قد ضحكت في جنون منذ سمعت بالفكرة أصلا. ذلك أن روحك الخانعة تكره أن تكون أنت. أنت شخص مهزوم، لذلك يجب أن تمّحي، يجب أن يحلّ محلّك "ظلّ التمام".. صورة معكوسة مثلا للأصل. يجب أن تظل مرآة للفرسان الحقيقيين، يرون فيها وجوههم.. ستقول إن بطولات دون كيشوت زائفة لم توجد إلا في مخيّلته.. ربما كانت الحضارة أيضا بطولات زائفة.. لكنّ اسم دون كيشوت بقي، بينما لا يُذكر عن سانشو إلا أنه كان تابعا..

قال لي الأستاذ، ما جعلك تستعمل اسماء أشهر شرقية، و لنا أسماء أشهر عريقة في تاريخنا، إلا حذلقة ما كان لها من داع. ما جعلني أفعل ذلك يا أستاذ، هو لسان العرب. و اعذر جهلي بما تعلمه، و لكنّ لسان العرب لا يعرف شهر أكتوبر هذا، و إنما يعرف شهر تِشرين، و حتى الشعراء يا سيّدي تمادوا في جهلهم، فإذا بنُ زيدون يقول
 

كيفَ اصطِباري وَفي كانونَ فارَقَنِي ـــــ قَلْبِي، وهَا نحن في أعقابِ تشرِينِ؟
و هو أكثر "غربا" منّــا، و أبعد عن الشرق منا! أما الشرق يا سيدي الكريم، فلعلــه أكثر "علما" من سيادتكم، فدول الخليج تقول "فبراير" عن شباط، و تقول "أبريل" كما نقول نحن "أفريل".. الفرق البسيط بيننا، انهم "سانشو" البريطانيين الذين يقولون Februar و April و نحن "سانشو" الفرنجة أو الفرنسيين الذين يقولون Février و Avril.. و حتى أجدادنا الذين عرفوا الرومان و عاشوا تحت سلطتهم، كانت أسماء الأشهر عندهم أقرب إلى العربية من أسماء الأشهر عندنا.. و لكن لا بأس، فأنت يا أستاذ تعلم ما لا نعلم.

تهمة الانغلاق جاهزة و معروفة، يمكن أن تردّ عليها قائمة قراءاتي يمين هذا المقال، لكن لا بأس من التأكيد على شغفي بتاريخ فرنسا و بكتب بريطانيا.. أنا فقط أكره التكرار لا غير.. 


Iori Yagami
15 آذار 2014

Sunday, February 16, 2014

سرقة موصوفة


لا يتّسع المكان و لا يضيق، و لكنّها سلطة الموقف التي تحجب ما غيرها... في حالتي هذه، تقف السلطة من حولي ببدلاتها السوداء الأنيقة وقفة تحجب عني تفاصيل الغرفة المظلمة. الصبح لا يزال يفرك عينيه في تثاقل من وراء الأفق، أما أنا فلم أجد وقتا كافيا لأفرك عينيّ. الحصيّات الدقيقة اليابسة الملتصقة بمقلتيّ تجعل المشهد خشبيّا ضبابيّا و أكثر رهبة، يشهد بذلك تواتر صفير الربو من صدري العاري تقريبا.
لم أستطع أن أميّز عددهم بالضبط، و لم أتعرّف على هويّاتهم. في الواقع، لم أجرؤ أن أسألهم ذلك. ملامحهم توحي بأن عليّ أن أطيع لا أن أسأل. كان أحدهم يملأ المكان جيئة و ذهابا و دخانا، و هي ممارسات لا تروق لي و لا لصدري، و أحيانا تصيبني بالاغماء، لكنني كنت شبه فاقد للوعي بالفعل، فأنا لا أفيق بهذه الطريقة في العادة، ثم إن السادة يبدون أخطر من هذه التفاصيل السخيفة، سطوة الموقف تحتّم أن أتغاضى عن السخف قليلا و أن أستعدّ حين يحتاجون إليّ، هكذا السبيل إلى النجاة دوما... فجأة توقف الرجل و قال في حسم :"أنت في ورطة."
لم أجد جديدا في ما يقول، و لكنني لا أحب الاستهانة بكلام رجال يلبسون بدلات سوداء و يخرجونني من غرفة نومي قبل أن تخرج الشمس إلى العالم. لذلك أبرزتُ علامات الفزع التي كانت هناك بالفعل، لعلّه يلحظها و يقدم لي تفاصيل أكثر. لكنّه اقترب من وجهي ليقول لي بلهجة مهددة : "سنسألك بعض الأسئلة، و عليك أن تجيب عليها جميعها، النسيان و عدم المعرفة إجابتان غير مقبولتين هنا، هل تفهم؟ انت في ورطة!"
و هل كنت لأخفيَ شيئا عن سادة كهؤلاء؟ هاتوا أسئلتكم. سأل أحدهم "إسمك" و آخر "إسم أمك." و طلب ثالث :"كم حجم حذائك؟" أما الرجل المكتنز العصبيّ، فسأل في اقتضاب :"حجم تبانك الداخليّ". أنا شخص سريع النسيان لكنني اجتهدتُ فعلا كي أجيب عنها جميعها. لم يبد أن إحدى الأسئلة يوحي بالورطة التي أنا فيها، لكن لا حيلة لي.

"بم حلمتَ الليلة؟"
هذا سؤال تصعب الإجابة عليه بالدّقّة الكافية. علميّا يحلم الانسان طوال فترة نومه، و لكنه لا يذكر منها الكثير. هل قال إن النسيان إجابة غير مقبولة؟
"الحلم الذي أذكره جيّدا كان يخصّ لقاء في مقهى، مع خطيبتي السابقة."
"حاول أن تذكر كيف كان المقهى. لون المقاعد مثلا، شكل الفناجين، هل جلستما داخل المحل أم خارجه؟"
"كنا خارج المحل، و كانت المقاعد غير مريحة، خشبية بيضاء، أما الفناجين فكتبَ عليها Lavazza لكن لا أعتقد أن القهوة المقدمة كانت كذلك."
أحسستُ بلمعان عينيه من خلف النظارتين السوداوين، و اقترب بوجهه مني و هو يسأل :"المقهى، ما كان إسم المقهى؟"
كان السؤال صعبا و كان عليّ أن أذكر. ماذا كان اسم المقهى؟ كان مكتوبا على لائحة المشروبات الملقيّة على الطاولة. هل كان Starbugs ؟
"انت تقصد Starbucks أليس كذلك؟"
"اجل ربما."
"أجل، أم ربما؟"
"أجل."
"جيد. و ماذا كنت تفعل مع خطيبتك السابقة؟ أعني هل كنتما لا تزالان مخطوبين إلى بعضكما البعض في الحلم؟"
"كان لقاء فسخ الخطوبة. لم يكن شبيها بما حدث في الواقع. فقد حلمتُ بمشهد أكثر هدوءا و رقيّا مما حصل بالفعل. قلتُ لها إنني لا أزال أحبها، و حاولتُ أن ألقيَ عليها شيئا من شعر محمود درويش الذي لا أفهمه ويبدو مؤثّرا، لكنّها طلبت مني أن أخرس، ثمّ نزعت الخاتم الماسيّ الذي كانت تلبسه و رمته في فنجان قهوتي. كان حلما لا بأس به. الأحلام تجعل كل شيء جميلا. كانت خطيبتي تلبس فستانا جميلا، و عقدا لا أملك ثمن النّظر إليه من وراء الواجهة الزجاجيّة. كان ذلك من أسباب فسخ خطوبتنا في الواقع. أما في الحلم، فقد كان قالت أشياء تتعلق بمشاريعها وطموحاتها. لا أعتقد أنّ خطابها تضمّن تفصيلا لما تريده حقّا، فقط بعض الكلام المنمّق الذي جعل الموقف تراجيديا بما يكفي لأشعر أنّني غير محظوظ لا غير. حينما تخبرك حبيبتك إنك لا تملك ثمنها، لن تملك حينئذ ترف اللجوء إلى التراجيديا...
تركتُها تنهض و استرقتُ نظرة أخيرة إلى خصرها الشيطانيّ، و احتفظتُ بصمتي و خيبتي. و حينما غابت رائحة عطرها عن المكان، رنّ هاتفي. كانت أمي تهاتفني لتخبرني إنها وجدت محلا جيدا لكراء لوازم الأفراح."
"و ماذا كان نوع الهاتف؟"
ممم... أعتقد أنه كان نوعا أمريكيا. أيفون شيء ما."

اِبتسم الرجل في رضا عن إجابتي، و استدار إلى زميل له ما انفكّ يكتب على آلة ما، و كأنه يتأكد أنه لم يفوّت شيئا ممّا ذكرت. ثم إنه عاد يتطلّع إليه بهدوئه المهيب، و قال أخيرا :"أنت متّهم بالسرقة الموصوفة."
سرقة؟ متى حصل هذا؟ أنا لا أذكر أنني سرقتُ شيئا. مظاهر الحياة في غرفتي تؤكد كذلك أيضا. لكنّ هؤلاء الرجال يعلمون ما لا أعلم. سألتهم في فضول حقيقيّ :"ماذا سرقتُ؟"
تطلّع بعضهم إلى بعض في قلق، هل هذا الرجل مجنون؟ لستُ مجنونا و لكنّني ـ أعذروني ـ فضوليّ بعض الشيء.
"آسف، أردتُ فقط أن أعرف، لم أقصد أن.."
"الحلم الذي وصفته. أنت تصف بدقة وصفاقة مذهلة المشهد الملحميّ من فيلم "الرجاء الأخير". أنت خرقت قانون الملكية الفكرية، و استعملت مشهدا من إبداع غيرك استعمالا شخصيا من دون إذن صاحبه. هذا يعرّضك لعقوبة بغرامة مالية، و ربما قد تصل الأمور إلى السجن. أنت في ورطة فعلا."
"أنت تعني أن ما حلمتُ به، لا أملكه؟ أعني، لقد كنتُ أنا في الحلم، و لم يكن ذلك الممثل الوسيم. أنا لستُ بوسامته حتى أخلط بيننا، و إلا لما تركتني خطيبتي." 
"هل شاهدتَ نفسك في الحلم؟"
"كلا طبعا فأنا أنظر بعينيّ، أعني تقنيا لا يمكنني..."

"و هل أنت واثق من أن تلك الجالسة أمامك كانت خطيبتك؟ هل تذكر جيدا صورتها؟"
"ليس تماما، و لكنني أعرف أنها خطيبتي."
"هذه من ألاعيب العقل، لم تكن خطيبتك، ذهنك يخدعك. نحن نعرف."

هو يعرف طبعا، هو يعرف كل شيء، و الواضح أن معرفته بتفاصيل الحلم أعظم من معرفتي، ربما كانت التفاصيل مسجلة عندهم بإذن قضائيّ طبعا. الخصر الشيطانيّ إذا لم يكن خصرها. هذا يفسّر أشياء كثيرة...
"أنت ذكرتَ بالفعل تفاصيل المشهد تماما كما في الفيلم، المقهى، المقاعد، المرأة، لباسها أيضا كان كما وصفت، و حقوق الملكية مسجّلة و محفوظة باسم الشركة الراعية، و هي كما تلاحظ لا تريد أن تتسامح كثيرا بشأن حقوقها. في الواقع لقد تسامحت كثيرا و تريد أن تضع حدّا للتجاوزات. الناس لا تفهم كثيرا أي مجهود يلقاه الفنانون اليوم كي يبتدعوا شيئا جديدا، كل شيء ابتدع بالفعل، و النقد لا ينفكّ يضيّق فضاء الابداع. بعضهم اعتبر أن كل القصص هي في الأصل قصة واحدة تتكرّر بقوالب مختلفة. صورة تجعل من القصص شيئا مملا. بعضهم حدد عناصر القصة بالفعل، إن خرجتَ عنها فلا يلتفتُ إليك أحد. رياضيا يوجد عدد من محدود من الاحتمالات تحصل عليه من خلط هذه العناصر و مزجها و تركيبها. و مع العدد الضخم من المبدعين اليوم، بات الفنّ عملية شاقة جدا، شركات الانتاج تخاطر بأموالها كي تقدم لك أشياء جديدة، و أقل ما يفعله المرء أن يحترمها."

"و لكنني اشتريتُ ثمن التذكرة بالفعل حينما شاهدتُ الفيلم."

"التذكرة تضمن حق المشاهدة، لا حق استغلال ما شاهدته. إنك تتميّز باستهتار غير مسبوق. اُنظر إلى عدد الاسماء التجارية التي استخدمتها، من سيدفع لها حقوق استخدامها؟ الشركة الراعية تفعل ذلك بالفعل. ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحلم؟ ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحاول استحضار صورة حبيبتك التي تركتك؟"
"أنا بالفعل لم أفكر في ذلك. معذرة، و لكنني لم أكن أقصد. لقد باغتني الحلم و .."
"هذا ما يقوله المذنبون في كل مرة. لم تكن تقصد. بغير إرادتي. غير متعمّد... يتملّص الإنسان من مسؤولياته ملقيا بها إلى جانبه المظلم. يمارس كل رغباته الشيطانية خلف قناع واع و هادئ و أليف. لم تكن تقصد؟ من أدراك أنك لم تكن تقصد؟ أنت أحببت المشهد بالفعل، شيء ما في جسدك تفاعل مع المشهد هناك في قاعة العرض، و اختزنه في ذهنك، شيء ما رغب في استعادته على هذا النحو، فقط كونك جبانا هو ما جعل تلك الرغبة دفينة، تنصلك من المسؤولية هو ما جعلك "لا تقصد". إن الشعور بالعفوية ضرب من الفشل، أنت شخص فاشل، غير قادر حتى على صنع حلم مبتكر، تسرق أحلامك من صنائع الكادحين."

لسبب ما أجهله، شعرت أنه على حق. ليس فقط لأنّه رجل سلطة وخبير في هذه الأمور. ولكن لأنّ كلامه يبدو عميقا ومهيكلا. على كلّ حال لم يكن ذلك ما كنت أفكر فيه. كما ذكرتُ، أنا شخص فضوليّ، و كان السؤال الذي يجول في ذهني...
"ما شاهدتُه إذا هو ليس لي. ربما لا أمتلك أحلاما، و غير قادر على الحلم. هل سيتغيّر هذا الشعور إذا ما اشتريتُ لي حلما؟ هل سأشعر أنه منّي فقط لأنني دفعتُ ثمنه؟"
"من الجميل أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك أحلامه، لكنّ الحقيقة أنه هِـبَـتُها. أنت كشخص سلبيّ ذي طبيعة استهلاكية تعيش أساسا داخل غرفتك. خارجها أنت مختلس تقريبا. كإسفنجة ضخمة تتمسّح على عتبات الشارع الكبير وتمتصّ افرازات الآخرين. تعود إلى غرفتك وأنت تجرّ وراءك أحلام مجتمع بأكمله، أفكاره، مخاوفه، ما يحبّ و ما يكره. يخرج الإنسان الناجح إلى مجتمع يضجّ بأحلام الآخرين، يقترض منها ما يناسب روحه، يعجنها، يقلّبها، ويبثّ فيها شيئا جديدا. أما الآخرون فيكتفون بالالتهام. أنت مثلا. هل تذكر ما راودك من أحلام هذه الليلة عدا هذا المشهد؟ لا داعي للإجابة، فكلانا يعرفها. أنت اخترت النظر إلى الوراء، اجترار ماضيك و تزيين خيباتك ببعض الماس و الملابس الرقيقة. لكنّك حتى في هذه كنت فاشلا. المجتمع يقدم لك مشاريع أحلام مجانية، لكنّك تفضل المشاهد الجاهزة. عموما، هي متوفّرة قانونيا، و يمكن شراؤها كما يمكنني أن أؤكد لك، أنها من الاتقان بمكان فلا تشعرَ إلا أنها نابعة من أعماقك. حتى لو كنتَ تعرف عكس ذلك، فغريزتك المنهزمة ستتكفّل بتزييف الحقيقة."
"و ماذا لو أنني اشتريتُ الحقوق و لم أحلم؟"
"هناك خبراء يمكنهم التحقق إن كان السبب تقصيرا منهم، أم من خلل في جسدك. و اسمح لي أن أخبرك أنك كشخص فاشل، معرّض بشدة إلى هذا الاحتمال. عموما هناك شركات تقدم عروضا غير مكلفة و تضمن لك أحلاما لا باس بها. أحلاما مستعملة مثلا، أو أحلاما من الصنف الثاني."

"أن أشتريَ حلما. ربما كنتُ بحاجة إلى حلم ما حقا... هل يمكنني أن أشتريَ حلما مشخصنا؟ اعني، أختار تفاصيله كما أريد. كما ترى، لستُ خلاقا و لا مبدعا و لكنني كلاسيكيّ."
"هذا ممكن و لكنه مكلف بعض الشيء، ثم إنه يجب أن يمر عبر مكتبنا. نحن نكفل حرية أن تحلم، لكن كما تعلم، بعض الأحلام قد تهدد الأمن القومي. المتهورون كثر، و هم ينصتون كثيرا لأحلام ليست لهم، و أحيانا يسيؤون فهم ما يرون. نحن هنا لنرشد التائهين، أو من يعانون من سوء الفهم المفرط. يمكننا أن نقدم نصائحا لكنّنا لا نحب أن نبدوَ كمن يفرض شيئا ما على المواطنين. سنتركك تختار ما تشاء، ثم نتدخل عند الضرورة."
 أومأتُ برأسي في تفهّم، من الواضح أنّ أمثالي يسببون مشاكل ضخمة لهؤلاء السادة المحترمين. شعرتُ بخجل شديد، و الأسوأ أنني لا أملك المال الكافي للاستجابة إلى دعوته. خمّنتُ أن الحياة أهون من الحلم، كلاهما يبدو زائفا، لكن الحياة أقل إثارة و انفعالية. ربما لذلك هي أرخص ثمنا... قلتُ لمخاطبي المحترم إنني أفضل أن أتناول عشائي باكرا و أتأكد من دفء جسمي حينما أنام.
"خيار فيه شيء من المخاطرة. إن أي خطإ سيجعلنا نعود. لا نحب أن نقصّر في عملنا، فالمجتمع في حاجة إلينا."
"و الشركات الراعية أيضا."
"هي جزء من المجتمع، كما ترى، هي خير من يسهر على ابتداع أحلام جديدة للمجتمع. من الجحود انكار هذه الحقيقة. و من الجحود أيضا أن نشجعك أن لا تحلم. لكن إن كنت عاجزا، و لن أستغرب ذلك، فهناك حبوب تضمن لك أن لا تحلم. ثمنها غير مرتفع. المهمّ الآن، كيف تريد أن تدفع الغرامة المالية؟ عبر أقساط أم دفعة واحدة؟
الناشر حاصل على حقوق نشر هذه الصورة طبعا




 فاروق الفرشيشي
16/02/2014
حقوق النشر و التأليف غير محفوظة

Wednesday, February 12, 2014

العقول المَـثْـنَـــوِيَّة

لا أتحدث هنا عن طريقة نظم فارسية، و إنما عن نظام عدّ تستعمله كل الأجهزة الالكترونية. يسميه أحفاد شكسبير Binary number system وهو عكس النظام العشري الذي تعرفه، لا يملك الا رقمين اثنين هما صفر وواحد. ومن هذين يمكن اختراع بقية الاعداد:
0 -> 0
1 -> 1
2 -> 10
3 -> 11
4 -> 100
5 -> 101
وهكذا باستعمال رقمين فحسب، يمكن للآلة فعل المعجزات! يمكنها هذا النظام من تصوّر أشياء شديدة التعقيد و التركيب، على اعتبار أن كل شيء مركّب يتكون من أشياء أكثر بساطة. في الواقع لا أعرف إن كانت هذه القاعدة تعمل على الأنظمة الطبيعية، فطريقة عمل النظام الشمسي تبدو أبسط بكثير من طريقة عمل الشمس نفسها، و سلوك الإنسان يبدو غالبا أكثر قابلية للتوقع من سلوك الذرات التي تكون جسمه.. هل العقول مثنوية؟ أعني هل تعمل وفق نظام العدّ المثنويّ (أو الثنائيّ لمن لا يحبّ الحذلقة) أم أنها أكثر تعقيدا من ذلك؟ يقال إن المعطيات (data) تتردد في المخّ وفق شحنات كهربائية و هو ما يحيلنا بالفعل إلى منظومة مثنوية. لكنّ ما يهمني من كل ذلك، هو تلك الحقيقة التي تقول إن العقل قادر على تصور أنظمة شديدة التعقيد و التركيب، أكثر بكثير من جهاز الكمبيوتر. أقول "قادر"، لأنني أعتقد أن أغلب العقول لا تمارس ذلك بالفعل، و تسبب جرّاء ذلك، الكثير من الرداءة.. أعتقد أن تلك الرداءة هي ما يجعل الحياة عسيرة في هذه البلاد.. 

حينما نبدأ بفهم الأشياء من حولنا صغارا، نتعلم قاعدة أساسية تتمحور حولها سلوكاتنا : هذا جيّد. هذا سيء. كل ما نحاول فعله أو فهمه يمرّ عبر هذا السؤال : هل هو جيد أم سيء. فيما بعد يتخذ المفهومان أشكالا عديدة، خير و شر، الله و الشيطان، ربما سكاي وولكر و دارث فايدور، أو الكابتن ماجد و الكابتن بسام ... لا أعرف، لكن المقاربة المثنوية حاضرة هناك.. فيما بعد تتكفّل ثقافة المرء و تجاربه بتعليمه أشياء كثيرة و تعقيد المشهد من حوله.. يتعلم المرء أن الخير و الشرّ مثلا نسبيان عبر المكان و الزمان و الأحداث أيضا.. يتعلم أن الخير و الشرّ تقييم لا يناسب مواقف و أنظمة أخرى كثيرة. الانسان يدرك الواقع عبر قوالب ذهنية (models) أكثر يسرا للاستيعاب، تأخذ هذه القوالب أشكالا شديدة البساطة في البداية، و مع اكتساب المعرفة، تأخذ هذه القوالب أشكالا أكثر تعقيدا.. 

في الماضي كان الانسان يعتقد أن الأرض مسطحة، حينما اكتشف كروية الأرض، اعتقد أنها كرة مثالية (perfect). لم يلبث فيما بعد أن أدرك أنها يجب أن تكون مسطحة على مستوى القطبين، كبرتقالة. طبعا شكل الأرض أكثر تعقيدا و أبعد ما يكون عن الأشكال الهندسية المثالية التي نستعملها في الهندسة الاقليدية. لكن بعض الناس لا يزال يجد بعض العسر في استيعاب الشكل الكرويّ الأول. إن التفاوت في القدرة على تصوّر الأشياء و إدراك مستويات تعقيدها أمر طبيعيّ. الطبيعة قائمة على التفاضل (أمر قد لا يعجب الكثيرين و لكنه ليس موضوعنا الآن). لا يمكن لشخص مهما بلغت درجة ذكائه و معارفه و خبراته أن يتمثّل في ذهنه الأشياء كما هي بالضبط في الواقع، لكنّه يطوّر قوالبه الذهنية و يعقّدها أكثر فأكثر. و لا يمكن أن يتساوى الناس في درجة التعقيد التي يمكن لأذهانهم بلوغها. كاتب هذه السطور يجد صعوبة بالغة في استيعاب عالم خماسيّ الابعاد، بينما تجد فيزيائيي مراكز البحث الكبرى، يحاولون تقديم تصور للكون من اثني عشر بعدا! لكن، اعتقد أن هناك حدّا أدنى من التعقيد وجب توفّره عند الانسان حتى يستطيع أن يساير العالم الجديد من حوله.


كلّ الصور تمثّل أرنبا، لكن كما تلاحظون كلما ارتفعت درجة تعقيد الصورة (عدد المثلثات التي تشكل سطح المجسم) كلما ازداد وضوحا.

الأمر جادّ صدقوني. أنا لا أتحدث عن مجرد صور تعلق بالذاكرة. أنا أتحدث عن طريقة عمل الذهن، التي تجعلنا ما نحن عليه. حينما أتأمل الرداءة التي تحيط بي من كل جانب. أعتقد أن أحد أسبابها الأساسية، هو بدائية القوالب التي نمثّل بها الأشياء و المواضيع و الحقائق من حولنا. حينما تسود بدائية القوالب في مجتمع ما، فهو مجتمع بدائيّ، مهما امتلك من تقنية و أموال.. خطورة المسألة ترجع إلى أن غالبية أفراد هذا المجتمع، تسيطر عليهم طرق التفكير المثنوية، التي تختزل الأشياء في الأبيض و الأسود.. إن الاستقطاب الثنائي الذي يجمع على وجوده الجميع في تونس، موجود تقريبا في أغلب دول العالم. لماذا اذا يبدو لنا الاستقطاب الثنائي غير طبيعيّ في تونس؟ أعتقد أن السبب يكمن في التفكير المثنويّ. هنا، يشيطن الناس بعضهم البعض لا لتوفر المعطيات الوجيهة و لكن فقط لأنه لا يستطيع رؤية العالم من وجهة النظر المقابلة. 

ماذا؟ تقول إن ذلك لا علاقة له بالقوالب البسيطة إنما بالتعصب. و ما هو التعصب؟ أليس عدم القدرة على رؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة؟ لا أطالب الشيوعيّ بأن يؤمن بالفلسفة الليبرالية. لكن عليه أن يفهم أن الليبرالي ليس بالضرورة شخصا جشعا يريد أن يعيش على جوع الآخرين.
المتعصب هو شخص يجد صعوبة في ايجاد قوالب ذهنية مركبة و عديدة. لذلك يفضل تلك القوالب البسيطة الجاهزة. الكليشيهات التي تنشأ لتردد انموذج ما أكثر من غيره. الكثير من المبرمجين يستعملون النظارات لذلك نشأ هذا القالب الجاهز الذي يربط مباشرة بين مبرمج الكمبيوتر و النظارات. مبدأ الربط هذا مزروع في الجينات البشرية لأنه يساعد الانسان في الكثير من المواقف. لكن على الانسان أن يرتقي بوعيه إلى ما فوق هذا السلوك اللاواعي حتى لا يتحكم في نظرته الى الأمور. هذا الخطأ المنهجيّ هو تقريبا ما تقوم عليه النظرة المتعصبة تجاه الآخر. تقابل فتاة محجبة فتسقط عليها آليا قيم التقوى و الورع. . يتشكل في ذهنك ذلك القالب البسيط الجاهز الذي تجمع تحته كل المججبات. و قد تجدها تمارس سلوكا يتنافى و ذلك الذي 'يجب أن تكون عليه المحجبة' فتسقط حكمك عليها و على المحجبات جميعا. (لماذا انت بحاجة الى اطلاق حكم ما اصلا فتلك قضية اخرى) كل هذا و انت لم تسمع عنها فكرة واحدة. حاجتك الى القوالب الجاهزة سببها عدم قدرة ذهنك على تمثل قوالب أكثر تعقيدا. محجبة لكنها غير مسلمة. لها افكار خاصة ربما شاذة لكنها افكارها هي و ما يجعلها هكذا.

ايضا يميل المتعصب الى تصنيف ثنائي جامد : ما هو مثلي فهو جيد و خير و صحيح في كل شيء. الآخر هو كل تلك الصفات السلبية. المسلمون جميعهم حمقى و جهلة. الادهى ان تسمع من يقول : المسلمون جميعهم متعصبون. هذه قولة مشطة في الانفتاح!

من اين يأتي هذا العجز عن فهم القوالب المعقدة؟ ربما هناك اسباب عديدة. لاحظوا انني لست اقوم بدراسة معمقة هنا. لكن هناك شيء ما ليس على ما يرام في تربيتنا. كل شيء من حولنا يتمثل الاشياء بسذاجة. اغانينا تصور مواقف بدائية من العشق و الوحدة و حب الوطن. اشعارنا تكرر ذات الصور الساذجة. قصصنا و افلامنا و مسلسلاتنا - الا ما رحم ربي - ترنو الى الخير المطلق و الشر المطلق. تلفزاتنا الملونة تبث سموما بيضاء و سوداء منذ القرن العشرين و لم تتغير. و مواعظ شيوخنا لا تزال تحدثنا عن سابع جار و نحن نعيش في مبنى لا نعرف عدد سكانه و لا متى نغادره.. 

هل علينا أن ندرس جميعا النظريات الرياضية المعقدة حتى تتجاوز أذهاننا حاجز التفكير المثنوي؟ و هل على التلفاز أن ينقل لنا مباشرة وقائع الاعلان عن اكتشاف بوزونات هيوغز حتى نصبح قادرين على قبول الاختلاف و عدم شيطنة الآخر؟ ربما يوما ما. لكن لأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، فأعتقد أن الارتقاء بمستوى الفنّ و الأدب في هذه البلاد و لو خطوة واحدة، أمر ضروريّ أو بلغة الكمبيوتر تعليمة رقم 0.

Thursday, January 9, 2014

قمامة المجنون

من وحي لحظة حقيقية..

أنا ابن مدينة ميّـتة..
كلّما عدتُ إلى أحضانها، يستقبلني صقيع أناملها. لستُ غريبا و لكنّ أناملها باردة، و وجهها شاحب، و عيون أهلها سقطت مع خضرة أشجارها التي كانت تتخضب بها.. أسير في شوارعها متتبعا أثر طفولتي، لكن الشوارع فقدت ذاكرتها.. صدى الماضي يتردّد في خجل على ألسنة المارّة و رواد المقاهي، فبدا كأنه تسجيل خافت لأصوات المدينة حينما كان فيها حياة أو بعض حياة.. هل تغيرت المدينة؟ و هل يتغيّر الموتى؟ بعض الضمور لا أكثر.. التغيير لعبة من ألعاب الحياة.. ، ثم إنّ سمعك ينتبه إلى صراخ ساخر مقتضب مستهتر، لا هو بالغاضب و لا هو بالمرِح، و قبل أن تلتفت، كانت ذاكرتك قد عملت بما يليق، و إذا بك تبتسم في سعادة و أنت تستقبل وجه "يوسف المهبول"..

و من عادة يوسف حينما يحيّي الناس، أن يهتف بتحيته فتسمعه كل المدينة، و من عادته حينما يسأل الناس بعض المال أن يهتف بالسؤال فيعلم الجميع حاجته.. و حاجته يسيرة، لا تشقّ عليه و لا على مانحيه.. فيعود وسط النهار أو آخره بشيء من الخبز و التبغ و جريدة لا يعلم أحد ماذا يفعل بها. 
هو لا يبحث عن عمل و لا يبدو أن أحوال البلاد و العباد تعنيه و تشغله.. و أي أمر يشغل بال هذا الرأس الأشعث الأشيب الكبير؟ إنه مجنون، لذلك لا يلتفت إلى أخبار عالم لا يعرفه. العالم عند يوسف، هو هذه الطريق التي تمنحه قوته، و البشرُ، هم هؤلاء الذين يلقاهم هنا. أما أولئك الذين تجود بهم شاشات التلفاز و صور الجرائد، أولئك الذين لا يرى جنونه في أعينهم المستغرِبة المشفقة، فلا يعينه أمرهم، و لا يعترف بوجودهم.

حكمة البشر ترنو أن تجد سببا لكلّ طريق نسلكها. الحاجة تصنع السبيل و تُوجد الهدف. و لأن يوسف لا يملك شيئا من حكمة أهل مدينته، فهو ينطلق في شوارعها بلا سبيل و لا هدف. لكنّه يجدّ في سيره، و ينظم خطواته في حركات عسكرية تخلق شيئا من الضحك البريء هنا و هناك.. حيثما يمرّ يوسف، يذوب الجليد عن الوجوه، و تنبت ابتسامة دافئة متحدّية الزمان. تبعته متعجبا لخطواته الواثقة، و يده التي تمتد أحيانا إلى المارّين كأنها تعطي و ليست بآخذة. 
كيف يعرف المجنون طريقه؟ تلك القدمان الحافيتان الغليظتان. كأنهما تسألان الأرض في كل خطوة عن الخطوة التالية. هذا الجسم الضخم الذي كسته ثياب الحشمة، لا يبدو محتاجا إلى عقل ليهتديَ إلى طريقه. و لأنّ الفضول قد امتلكني، فقد أصررتُ على تتبّعه.. تجاوز الحديقة الكبيرة، و عرّج نحو سوق المدينة.. صوت العصافير و الرائحة الكريهة، جاران أزليّان هنا. يلقي يوسف التحية على العصافير بشيء من الصفير الرقيق الذي يجيده، و يتجه نحو الرائحة الكريهة كأنه على موعد مع فطور الصباح. لقد بدأت طقوس نبش القمامة..

يروي الناس قصة يوسف مع الجنون بشيء من الحسرة، و يضفون عليها ألوانا شتى من الدراما و من ألاعيب الخيال. قيل إنه على قدر كبير من الثقافة، و إنه اجتهد في علمه حتى ذهب به إلى بلاد الألمان، و إنه بذل من نفسه في تحصيل العلم بقدر ما بذل في تحصيل المال، فكان يرسل كل ما يبقى له إلى والده حتى يبنيَ له بيتا و يعدّ له العدة لعودته. و حينما عاد إلى الديار، اكتشف أن والده بذر ماله في أرحام بنات الحلال، و لم يترك له مليما واحدا. فكان ذلك سببا لخروجه عن حكمة البشر. و الحق أن القصة بدت لي أشبه بحكايات البوذيين، حتى إنني أتساءل أيّ عبقريّ صاغ أسطورة كهذه. أهو اللاوعي الجمعيّ حقا؟ أم هي طبيعة الحياة؟ و هل قصة كهذه تدعو إلى الحكمة أم إلى الجنون؟

وجد كتابا.. 
أخرجني المشهد من تأملاتي، فعدتُ أراقب يوسف مستندا إلى شجرة كينا (كالاتوس) نجت من مجازر بلدية المدينة. قلـّب الكتاب بين يديه المكتنزتين، و مسح عنه القذارة في عناية و اهتمام. ثم فتح الكتاب و بدا كأنه يقرأ بعض ما فيه. هل يجيد المجانين القراءة؟ ربما يجيدون قراءة كتب القمامة، فالحكمة تقضي أن لا يقرب المرء من القمامة و أن لا يفتح كتبها. اِبتعد عن الحاوية و محيطها مكتفيا بالكتاب الذي لقيه. كتاب كبير، أصفر الغلاف، لم تذهب بلمعانه القمامة، و لا تجاهلُ العاقلين. و الأرجح أنه معجم، يهدي الباحثين عن المفردات، و يجيب السائلين عن المعاني. هذا الجسم الذي ذهب عقله و تركه حافيا شبه عار يقتات من المارّة و القمامة، يهتمّ للغة و المعاني؟ ماذا يفيد منها؟ أيْ يوسف! إنك لتدهشني!

لكنّ الرجل لم يكتف بتنظيف الكتاب فحسب، بل إنه رفع رأسه و نادى الطفل المارّ بقربه ببساطة كأن بينهما قربى :" يا حمّادي! هاك كتاب، هاك!" و لأنّ الطفل لا يسمّى حمادي، و إنما هو اسم ينادي به يوسف جميع العاقلين، و لأن حكمة العاقلين قد تسرّب بعضها إلى رأسه الصغيرة، فقد ارتبك و جزع لهيئة المجنون المريعة، و خشيَ أن يصيبه مكروه، و ظنّ أنه غير معنيّ بالنداء. لكنّ شكل الكتاب أعجبه، و حمله على الثبات. أما يوسف، فلم يكن ليلحظ كلّ ذلك، كان جسده يستعيد مشيته الثابتة المتواضعة البسيطة، و هو يتقدم نحو الطفل فاردا يده بالكتاب نحو الفتى. فكّر الفتى قليلا، ثم اختطف الكتاب من يد المجنون و ركض مبتعدا، أما يوسف فأطلق ضحكة ساخرة و هتف مبتعدا : "أقرا مليح عاد!" 

هممتُ أن أتبع يوسف، لكن سمعتُ هتافا حيث ذهب الفتى، فاستدرتُ أتابع ما حلّ به. كانت امرأة تنهره و تفتكّ الكتاب من يده. لعلّها أمه و قد رأته يأخذ الكتاب من المجنون. أسمعها تصرخ فيه مربيّة :" كيف تأخذ زبالة هذا المجنون؟ هل ينقصك كتاب في المنزل حتى تتسول من المتسولين؟! أعد الكتاب إلى القمامة و لا تعد إلى ذلك ثانية! تحرّك!"

للعقلاء حكمتهم، و للمجانين ضحكتهم الساخرة و كتبهم التي ترشدهم إليها أقدامهم الحافية.. للعقلاء مدينتهم الميّتة، و للمدينة مجانينها الذين يحيونها للحظة أو يزيد قليلا. فالمدينة و إن ذبلت، بمجانينها.

كانون الثاني 2014




Translate