Wednesday, June 20, 2012

فانتازيا سياسية ـ الجزء الأول

غدا عيد ميلادي،

او هكذا أخبرتني إحدى تطبيقات الانترنت التي تحاصرني من كل جانب. و هكذا أدركت ـ مرة أخرى ـ أن سنة أخرى من حياتي ضاعت هباء، أو للدقة الشاعرية، هباء منثورا.. وجهي كما ترسمه المرآة كما هو تقريبا، لولا شيء من التشاؤم و السخط ينفذ من عينيّ ليجعلني أبدو أقل بلاهة..

ماذا يفعل الانسان ليلة عيد ميلاده؟ يصعب تحديد ذلك، لكني أعرف ما يفعله تونسي أمِل يوما في الثورة ليلة عيد ميلاده : يسترجع ذكرى خيباته حتما! لكـ.. لحظة، أسمع حفيفا غريبا. هل هو أحدكم؟ أم هي مخيلتي اللعينة؟ حبست أنفاسي محاولا تبيّن ما يحدث. لكن الصمت كان بليغا.. حاولت أن أقنع نفسي أن لن يخسر العالم الكثير بفقداني، و جرؤت أخيرا أن أتقدم، و ألقي نظرة متوثبة إلى المطبخ.. هناك كتاب على الطاولة. كتاب أسود أنيق كخيباتي.. المثير أن لا أحد يقرأ هنا غيري..

اقتربت في حذر كأنني أناور أفعى ملكية، و تأملت العنوان في دهشة "Death Note" أو مفكرة الموت. أين رأيت هذا العنوان من قبل؟ تخبرني ذاكرتي الصدئة، عن مسلسل صور متحركة ياباني بذات الاسم، و ذات الطابع القوطيّ الكئيب الذي أراه أمامي الآن. هو مفكرة بالفعل، لكن، اللعنة! من أتى بها ؟

تقول الأسطورة إن المفكرة تمكن الكاتب فيها من قتل من يشاء بمجرد ذكر اسمه على المفكرة. الأكثر اثارة هنا، انه بالامكان تحديد طريقة وفاته أيضا. و هي كما تلاحظون طريقة مستفزة جدا لأكثر مخلوقات الله مسالمة، أن تجرب فكرة القتل، فما بالكم بشخص عنيف الطباع مثلي. تقليد جميل لعشاق المسلسل لكنها تظل مفكرة كغيرها. لا ميزة هناك غير ما تصنعه مخيلة شخص ملول محاصر بالخيبات مثلي.. لتعمل المفكرة و لو في مخيلتي. فهناك العشرات ممن أريد أن لا أراهم أحياء في سنتي الجديدة.. بمن نبدأ؟

لا أعرف كيف خطر ببالي اسم الرئيس المصري، ربما لاعلان الرئيس الجديد، و ربما لأنني لم أرَ شخصا أهان مصر و العرب قدر خياناته التي لا تنتهي. من المنطقيّ أن أبدأ بيهوذا العرب. أخط أنه أصيب بجلطة في المخ، و قضي الأمر. لا تطاول على الأقدار هناك، بل مجرد آمال سخيفة و يائسة.. من أيضا؟ جنرال عسكرنا الموقر؟ قضاة مرتشون؟ التجمعيون؟ رجال الاعمال الفاسدون؟ السلفيون المزيفون؟ الحمقى؟ أعتقد أنني سأرسل نصف البلاد إلى الجحيم و لا أخال المفكرة تتسع لكل هؤلاء، فضلا أنني لا أعرف أسماء الجميع.. ماذا لو اخترت اناسا بعينهم؟ موتهم يقلب الموازين و ينقذ الثورة؟

من يستحق الموت؟ من خان الأمانة؟ و من ينفع البلاد بموته أكثر مما يفعل بحياته؟ الرئيس ربما، فهو لا يمثل أي دعامة للتوازن، بل لعله مجرد صورة "يسارية" لليمين الحاكم، انعكاس مرآة ليس الا، و صدى أقل وضوحا للحاكم الفعلي. و أعتقد أن أي تعويض له سيكون ذا نفع حتما. الوزراء الفاشلون؟ حتما، مادام رئيسهم لا ينتوي تغييرهم، فالافضل أن ارغمه على ذلك. تخيلوا وزيرا يحل المشاكل بدل أن يثيرها، و يشتغل أكثر من أن يتكلم! أحلم؟ بالفعل أحلم، لِم نوجد الفانتازيا اذا؟! ماذا عن قتلة الشهداء؟! وجيعة الثورة الكبرى. سأقتلهم جميعا، العدالة؟ لقد قالت العدالة كلمتها بالفعل، و أثبتت عجزها و قصورها في هذا الوطن العاجز. سأقتلهم جميعا، و لأقتل معهم العدالة نفسها. سأقتل ذلك الرئيس الذي لا يزال يلاعب صورة الشهيد على صدره كلما وجهوا القمرة (الكاميرا) إلى وجهه المكفهرّ العصابيّ. سأقتل صاحب الابتسامة البلهاء الذي وعد بالقصاص و خذل، سأقتل أولئك الحمقى الذين يتبجحون بالانتصار للشهداء بعدما خذلوهم عندما كانوا في الحكم منذ عام مضى.. سأقتل أصحاب المطارق المرتشين الذين قبلوا بمسرحية المحاكمات.. سأقتل أولئك السياسيين الذين يزايدون بمصاب العائلات المنكوبة مرتين، و أولئك النواب الذين يكتفون بالخطب العصماء و الصراخ السريالي المثير للغثيان، سأقتل الدكاترة و الاكادميين الذين يبيعون الحكمة لمن يدفع أكثر، و سأقتل الصحفيين الذين ينقلون ما شاء الكلاب أن ينقلوا، و يدفنون ما لم يقدروا على الخوض فيه، سأقتل الفنانين الذين لا فن لهم غير تقليد الآخرين، و لا شعب يحدثونه غير اناهم المتضخمة المشبعة بتراب الآخرين.. سأقتل الخرفان الذين يساسون بيسر ليهلكَ بعضهم بعضا.. سأقتل صاحب البدلة الكاكية الصارمة، مخفي الأسرار و مهلك الثوّار، كاتم الحقائق و مالك الأسرار.. سأتدبر له قتلة عبقرية تنهي الأسطورة الشاعرية و تعريها. سأقتل كل من قبل الرشوة أو قدمها، كل من أمر بالقتل أو التعذيب، كل من اختلس أموالا من الشعب، سأقتل المتمعشين من كاهل الفقراء، سأقتل المعتمد الذي يسمع أنين الارملة العارية شتاء فلا يأبه، و سأقتل ضابط الشرطة الذي رأى من يُعتدى عليه و لا يتدخل، و سأقتل من شهد عمليات البيع الرمزية لأراضي البلاد و لم يقل شيئا، و من قدم أرقاما كاذبة و هو يرسم ابتسامة رضا صفراء. سأقتل المحامي الذي استبسل في الدفاع عن رجل أعمال فاسد و الناس لم تجد من يأخذ بحقوقها، سأقتل الطبيب الذي أخطأ ثم تملص من خطئه، و سأقتل المعلم الذي لا يعلم، و الصحفي الذي ينشر الاكاذيب، و المهندس الذي يوفر حلا و جملة من المشاكل، سأقتل أصحاب سيارات الأجرة الذين لا يقفون لحالة حرجة خوفا من مسافة قصيرة لا توفر مالا، و سأقتل الأئمة الذين يحرضون على القتل في حضرة الله... سأقتل الرداءة! سأقتل سوء العمل! فهو مشكلتنا الاولى. نحن سيئون، و يجب أن نوجد جيلا ينجز عملا أكثر اتقانا و أقل عارا. كم ذكرت القتل من مرة؟ ما يكفي لملء خزانة من المفكرات لا واحدة، لكن لا بأس، لا بأس، إن هي إلا مفكرة تبيع لي الاوهام، و هو ديدننا منذ أخبار هارون الرشيد، و حكايات ألف ليلة.. نعشق الأوهام، و نتنفس الأساطير و المبالغات، تاريخنا المسكين تتقاذفه الدعوات لالحاقه بالقرآن أو ذبحه على الملأ. ان هي الا جرعة فانتازيا، و كم احتاج الى الهروب الى الفانتازيا..



هنا قرأت خبرا غريبا على الانترنت.. خبرا يشير إلى موت الرئيس المصري .. و بجلطة في المخ...
عاد الصمت يعم المكان، و أنا أرمق مفكرتي السوداء في بلاهة..
مفكرة الموت...

<يتبع>


Sunday, June 17, 2012

دم

دمّ،
إلى الربة تانيت، وجه بعل، و إلى المولى بعل حمون،
ما نذره عبدكم الجريح ادنبعل بن سكن الرب، فخذوه..
و ليُمنح القوة، و ليُكمِل المسيرة،

دمّ،
رفعه المقاتل المخلص لملقرط حتى يعيش،
و ليقاتل إلى الموت مع سيده حنبعل برقا
في حربه الأخيره!

دمّ، دمّ
دمّ، دمّ

و تربة تداري هزيمة منتظرة،
و مجلس الشيوخ،
و ساحة الفوروم،
و مسرح مدينة عصيّة كحرّة،
يحوم الموت فوقها كغيمة سخيّة،
شتان بين جسمها و الشجرة..


هل اتاك القول في المسيرة المظفّرة؟
هل اتاك قول الموتى في سيوفنا المظفرة؟


حين تتبع شغوفة ربّها المقاتل!
اسألوا الايبار و اسألوا الجبال
و اسألوا الثلوج، و الاموات و الافيال،
و اجزعوا قدر ما استطعمُ أن تجزعوا
يا معشر الأطفال،
حنبّعل يطرق الأبواب
لا تفتحوا لا تفتحوا،
و قدموا القربان و الاجيال
لسيد القتال..


دمّ دمّ
دمّ دمّ


لانه علمنا الحياة كالاحرار
نفديه دم، دم!
لان القرطاجي حر لا يذم
دم، دم
لانه المِكّـيــر و الخبير و الأهم
دم، دم
نفديه دم!
لانه ملهمنا و صاحب القسم!


سنصحب الافيال و الثيران و الاهوال
و نألف الافات و العطش،
لانه علمنا الحياة كالاحرار
لن نعرف الفرار!


دم، دم
دم، دم


الى الربة تانيت وجه بعل
نذْر عبدكِ الجريح أدنبعل
رجاؤه الوحيد قبل ان يموت
ان يشهد انتصار سيد الحروب
رجاؤه أن يذبح القربان لك
و تعمُر الصلاة في اللسان و القلوب

رجاء عبدك الوفيّ و المقاتل،
أن ترفع الأعلام في مدينة الخراب
و يخطب الأشفاط من هنا،
أن هذه المعركة الاخيرة،
و أنه السلام

Thursday, June 7, 2012

دروس ثورية لليابان..

الطقس حار حقا في العاصمة! لم يكن يتخيل أن العاصمة أشد حرارة من قريته خلف السباسب. انهم يكذبون، حتى في برنامج النشرة الجوية يكذبون.. انه يرى الكذب في عيونهم المتعجلة، و في خطاهم المتواثبة.. كانت العاصمة أكثر جنونا مما توقّع.. أين يجد عملا؟

-----------------------

لم يكن تاناكا يعرف الكثير عن تونس، و لعله لم يسمع بها قبل الثورة إلا حينما احتضنت بلاده كأس العالم، يذكر أنهم واجهوا فريقا من الشوارب الكثة و الوجوه السمر و الشعر الاجعد، و كانوا أقرب للاتراك من الافارقة، لكنهم وديعون على كل حال و يجيدون استعمال الفرنسية و هو أمر يعتبره ـ كغيره من اليابانيين ـ معجزة تستحق الاحترام..

طبعا تاناكا غيّر فكرته تماما حينما سمع بالثورة التونسية، هو الذي لا تستطيع روحه أن تتقبل معنى الاحتجاج و معنى التمرد، دعك من أن يفهم معنى أن يسرق حاكم شعبه. لقد كان مشدوها بانجاز التونسيين الذين لم يسبقهم اليه بشر في هذه الالفية الجديدة، و أخذ يتابع في نهم ما يحصل هناك.. دكتاتورية؟ همم.. همم.. بطالة.. مفهوم، مفهوم، مناطق مهمشة، جهات مفقرة... همم... منطقيّ جدا... 

تاناكا فاجأته كارثة المفاعل في بلاده، و أجبر على الانشغال عن تونس و ثورتها، بمشاكل حيه و هموم اهله، و لأن المشكلة هينة نسبيا لم تتجاوز الطوفان و الزلزال و الكارثة النووية، فقد انتهى و أهله منها في غضون أشهر، و عاد كل شيء للعمل و الانتاج، و استقامت الطريق المعوجة، و تركت بقية الخلافات للقانون و المحاكم، اما هو فشاءت الصدف أن تعيده إلى تونس أو تعيد تونس إليه، حينما قابل خلال عمله بعض الطلبة التونسيين، انهم قوم اذكياء لا شك في ذلك، هل كل التونسيين بهذا الذكاء؟ ما الذي اعاقهم عن الازدهار اذا؟ خمّن أن الدكتاتورية شرّ عظيم اذا. و قرر أن يساعد بما يستطيع.

---------------------

لم يجد شيئا، و الجوع يشتد، و الحرّ يضحك تحت ثوبه في شماتة، لماذا لا يمدون الماء حينما يطلبه؟ أفي بلد كفار تراه؟! كان مرهقا، و حينما اجتاز ذلك الشارع الضيق، لم يكن يعرف أن اصحاب السوء يجدون قوتهم في المرهقين أمثاله. لكن لا فائدة من المقاومة، اللعنة عليكم جميعا، انا لا أملك شيئا، كيف سأهاتف أهلي لو أخذتم هذا الجوال البائس؟ اللعنة عليكم جميعا! 

رأى من بعيد مساحة خضراء كبيرة مسيجة، فتوجه اليها، علهم يريدون حارسا او بستانيا.. لكنه أدرك أنه أمام مبنى حكومي، لعلها وزارة أو مقر ولاية، و ما همه؟ هناك أناس كثر، مجتمعون، و هناك لافتات، و سيارات رسمية، علّ أحدهم يساعده. لكن الوجوه الرمادية كانت نفسها، و الانشغال كان نفسه، وحده تجلّده كان يتآكل بسرعة النار على الورق. 

-----------------

تاناكا رجل عمليّ جدا ككل ياباني أصيل، و حينما قرر أن يساهم في الثورة التي أثارته أيما إثارة، فإنه لم ينم الا و مقعد الطائرة ينسحب بهدوء الى الخلف معلنا بداية رحلته الى حيث الثورة.. 

تاناكا سمع كثيرا عن الفوضى و الاضطرابات، و لكنه قدر ان الثورة تحتاج الى كل ذلك، و ان الامور صعبة فعلا.. و قدر أن اي مشروع يقدم للمسؤولين هناك، سيحظى بالترحيب و المساعدة، انه لا ينوي كسبا و لا شهرة، فقط يريد شغف المشاركة، و نشوة الثورة.

تاناكا خبير تحلية مياه، و قدّر أن منطقة السباسب التي تعاني من سوء المياه، قد تستفيد جدا من مشروع التحلية، ان تركيا تشرب من زبالتها ماء زلالا، فلم الاجهاد و تكليف المال بلا جدوى؟

تاناكا قام بدراسة كاملة بصرامة التقاليد اليابانية، و حماس الثورة التي تعلق بها، و كان المؤتمر الذي نظمه المعهد الوطني للفلاحة بتونس قد قدّ تماما ليعرض مشروعه للناس.

 -------------------------------

سار وسط الناس كأنه منهم، لكن عينيه كانتا تشيان بغربته، و وجد نفسه يطأطئ برأسه متحاشيا نظرات الآخرين.. سيجد شيئا من الأكل حتما، مادام ثمة اجتماع ما فهناك أكل، و الا فهو خارج تونس حتما!

لكنه لم يجد شيئا، اي وحوش هؤلاء؟! كانت اكواب الشراب قد نفدت عن آخرها، اما اصناف الحلويات فكأنها لم تكن! وحدها الاطباق ظلت شواهد على سوء حظه، و عظم جوعه، حقده.. اي قوم هؤلاء؟ و عاد بذاكرته الى قريته، فداعبت حلقه غصة خفية، و تذكر جمع خيباته الغفيرة في يومه الاول هنا، و تساءل أي شيطان رمى به في هذا المبنى. لكنه تذكر الحرّ و قرص الشمس الغاضب خارجا، فارتأى أن يقبع هنا شيئا من الوقت ثم يعاود التسكع.. 

و حانت منه التفاتة الى جنبه، فرأى حقيبة أنيقة جميلة كأنها اتخذت لوحدها مقعدها حذوه، و حينما لحظ أنها مفتوحة، أدار ناظريه حوله باحثا عمن تراه يكون صاحبها.. لا أحد.. سيغلقها هو اذا، مادام الاحمق لا يعرف في أي بلد هو، و أي رحمة يملكها هؤلاء.. غير أنه ما ان هم باغلاقها، حتى طالعه هاتف انيق يبعد عن هاتفه الراحل بأجيال قد لا يمكنه حصرها. انه لا يكاد يعقل أنه هاتف حقا! و جاء الشيطان مهرولا...

لم يكن هناك مجال للتفكير، كان عليه أن يغلق الحقيبة، و ان يفكر بعد ذلك كيفما شاء له ان يفكر. ان للحنق سطوة، و ان للقهر لمرارة، و ان للجشع لسحرا ايضا.. و لأنه لم يعتد فعل مثل ذلك، فقد سحب في جملة ما سحب جواز سفر غريب اللون، حرص على اخفائه في ذعر و رهبة.. لكن الرهبة تزداد ثقلا على انفاسه، فلم يجد بدا من أن يبتعد مذعورا... هذه بلاد كفرة حقا!

---------------------------
كان تاناكا مؤمنا بما يفعل، و ان فاجأته غرابة الناس هنا، و فاجاته عدوانيتهم المفرطة، و ودهم المفرط ايضا. كثيرا ما سمع بمزاج المتوسطيين المتقلب، و لكن ما يراه أشبه بشخصيات الصور المتحركة التي يتقنون صنعها في بلاده.. و حينما أعلموه أنه لن يبدا تقديم مشروعه على الساعة الحادية عشرة و النصف تماما، أدرك أن الثورة صعبة حقا.. "سيد تاناكا" يمكنك أن تحضر حاسبك، هذا وقت محاضرتك. انحنى في رشاقة، و اخذ حاسبه و اندفع نحو الركح في حماس ثوري.. 

لكنّ تاناكا لم يرَ ذات الحماس في الثوريين أنفسهم.. فقط بعض الشباب كانوا يستمعون اليه في اهتمام، بينما كانت الشخصيات الهامة تتحاور فيما بينها.. احدهم اخذ يقهقه كأن ما يقوله ضرب من الكوميديا السوداء... أي خطأ يوجد في تقديمه لمشروعه!؟ لِم لا يثير اهتمام المسؤولين؟ أية حماقة توجد في ما اقول؟!

لكن تاناكا لن يجد الاجابة عند المسؤولين، سيجدها هناك، حيث ترك حقيبة حاسبه الانيقة، و عبثا بحث كالمجنون عن هاتفه و جواز سفره، لكن من الواضح أن نفسا ثوريا نفخ فيها ... 

-----------------------------

لم يقدر أن يظل اياما ثلاثة هناك، انه لا يكاد يغمض عينا حتى يهل صباح جديد.. و لا يكاد يستوعب طقس هذا الصباح حتى يجنّ الليل... و تتالى جوعه على عطشه، و لا يجد القدرة على بيع الهاتف الذي حصله.. كان عاجزا تماما فيما يتعلق بالهاتف.. يشعر أنه حقه المغتصب، لكن شيئا فيه يمنعه من أن يأكل منه... في النهاية، وجد نفسه عائدا الى قريته بظل خيبة و عين انكسار... سيسألونه "وين مشيت؟" لن يجد جوابا أكثر بديهية من "بدلت البورطابل." لذلك آثر القاءه من النافذة صحبة الجواز، آملا أن يجد شيئا من الماء البارد حينما يصل الى الدار..



فاروق الفرشيشي
7 حزيران 2012



Tuesday, May 29, 2012

دولة القانون...

كانت ردة فعل النهضة على المحاكمات الأخيرة (قيس بن علي، عبد الوهاب عبد الله، الخ) متوقعة جدا و مفهومة، أولا لأنها تعول كثيرا على مبدإ جس نبض الشارع و من ثم تحويل مساره او اتباعه حسب شدة الاجابة، و ثانيا لأنها من عشاق العمل "القعباجي" المبنيّ على سلامة النية و الثقة المتبادلة و "الرجلة".. و هو ما سأبينه لاحقا.. على أن قرار اعفاء الـ81 قاضيا كان مبالغا في القوة و العشوائية، إلى حد لم يمنعني من تخيل هذا المشهد بمجرد أن سمعت الخبر..

السكرتير : سيدي الوزير، أعتقد أن المال لا يكفينا لبقية السنة.
البحيري  : مممم، سنطلب من سي حمادي أن يضيف قانون مالية تكميلي كالعادة.
السكرتير : اتصلت بالوزارة الاولى و قيل لي ان هذا مستحيل، يجب ان نتصرف بالمال الذي نملك.

هنا، وقف البحيري و قد اعتراه الاضطراب، بات الأمر يسبب مشكلا حقيقيا إذا، انه لا يكاد يلمس من الحوافز شيئا، رغم عمله الشاق في الوزارة (يجلس على مكتبه منذ السادسة صباحا كما قال وزير التعليم العالي المكافح). عليه ايجاد حل للمعضلة. خصوصا في هذا الظرف السيء الذي يتذمر الكل فيه من مردود القضاء.. عليهم اللعنة، ألا يريدون القضاء مستقلا؟ لماذا يتحمل هو مسؤولية ما يجري في المحاكم؟ إنه حتى لم يشرف على اعداد ملفات القضايا التي قدمت، انهم القضاة، انهم القضاة...
و لمعت عيناه في جذل و قد هو يهتف : القضاة!

السكرتير : عفوا؟
البحيري  : القضاة! القضاة هم الحل! هم المشكل و الحل. لقد جنوا على انفسهم على كل حال.
السكرتير : ما دخل القضاة بالـ؟
البحيري  : سنعد قائمة أخرى من القضاة لاعفائهم.
السكرتير : و لكننا اعفينا 81 قاضيا في الاسبوع الماضي.
البحيري  : نضيف إليهم عددا آخر. هل تعتقد أن الفساد انتهى؟
السكرتير : و لكننا لا نملك دلائل كافية لاعفائهم.
البحيري  : و هل كنا نملك حينما أعفينا الآخرين؟ على الاقل نحن متأكدون من تورطهم. اسمع معظم القضاة متورطون لذلك نسبة الخطإ ضئيلة جدا! احضر لي النرد و قائمة القضاة.

السكرتير : نرد؟!
البحيري  : اجل الا تعرف النرد؟!

احضر الرجل ما طلب منه رئيسه و هو يتساءل أية فكرة عبقرية سيأتي بها هذا المناضل الفذ.. ففرد الوزير الورقة و قسم الاسماء فيها الى مجموعات سداسية، و تناول النرد و قال "و لا تشاؤون إلا أن يشاء الله." و رمى بالنرد في ثقة ، ثم القى نظرة على القائمة و ابتسم في ثقة و ارتياح و هتف : ألم أقل لك؟! أ رأيت هذا الشخص، انه من مرتزقة القضاء، أنا اعرفه، و أعرف ألاعيبه، لا نملك عنه شيئا لكنني واثق من تورطه! سجل سجل!

السكرتير : و لكن القضاة لا يتـ..
البحيري  : يا ولدي اكتب و يزي بلا تمعجين!

و حينما انهى القائمة، تذكر أمر الحوافز، و قال في نفسه ان اعفاء متورط آخر لن يضير شيئا، و 10 قضاة او 11 عشر، الاعفاء هو الاعفاء.. هكذا عاد الى النرد و نظر الى القائمة. كانت الاسم الخامس يحمل اسم رئيسة جمعية القضاة، فتلبد وجهه و لعن الحظ في سره و قال : لنكتف بالقضاة العشر. أعد القائمة، و قل كالعادة اننا نملك الوثائق.

السكرتير : و لكننا لا نملكها يا سيدي.
البحيري (ساخطا) : و هل سننتظر حتى نملكها؟ أكاد اضطر للتنقل بالحافلة يا رجل! حتى النواب رفضوا ذلك ! انا لم أظلم أحدا، هؤلاء خونة و يجب تطهير القضاء منهم! لم أظلم احدا!

كان لسان حال السكرتير يقول إنه ظلم القانون و حرمته، و إن العشوائية التي يمرر بها و أصحابه القرارات و يعدون بها القوانين ستجعلنا نعول على النية الصادقة و "الرجلة" عوض التعويل على صرامة القانون و عدله. كان لسانه حاله يثرثر بأفكار كثيرة عن الفرق بين الثقة في القانون و الثقة في الافراد، بين من يركبون الحافلة لالتقاط الصور و بين من يركبونها لأن القانون أجبرهم على ذلك. بين من يقيلون المفسدين بجرة قلم، و بين من يعملون لايجاد ما يروطهم و يرسلون ما يدينهم للقضاء ليحكم فيهم.. بين وزارة عدل تهتم بتوفير ما يلزم عمل القضاة و بين وزارة تهتم بعملهم و مردودهم كأنهم يعملون تحت امرتها... لكن الافكار لم تتجاوز ذهنه لأنه تذكر عياله و مطالبهم التي لا تنتهي، فابتسم في ارتباك و تناول القائمة الجديدة و مضى لشأنه..

أما أنا ففرغت من خيالاتي و شرودي، و انا اتساءل ان كان السكرتير من جماعة المؤتمر أم التكتل..


Tuesday, May 1, 2012

الفايسبوك يكتب تاريخنا..

من أسوا ساعات اليوم، هي تلك التي تلي الغداء مباشرة، البطن الممتلئة، الحاجة الى النوم، المكتب الكئيب، و قائمة الاعمال المثيرة للغثيان، و احدهم على الفايسبوك يلصق اسمك باحدى الصور، لتجد نفسك مكرها على تحمل التذكير المستمر ان احدهم "علق على صورتك." عشرات منها في الواقع.. 
" موش تصويرتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي!!!!!"

لكن الفايسبوك لا يهتم لمعاناتك، عليك أن تفتح الصورة و تفصل اسمك عنها. هنا، مفاجأة سعيدة أخرى : طبيعة الصورة : 


تروي الصورة رسالة من "ملك انكلترا و السويد و النرويج" إلى "الخليفة ملك المسلمين في الاندلس هشام الثالث" يرجوه فيها بكل تذلل أن يقبل ابنته الاميرة و حشدا من رجاله أن ينهلوا من علوم الاندلس و حضارتها، و هو ما اجيب بالقبول و المودة من الخليفة الاندلسي... و تنهمر تحت الصورة امطار التسبيح و التهليل و التكبير كأن ما حدث كان بالامس القريب، أو كأن الاندلس لم تعد بعد اسبانيا الكاثوليكية. و لكن يزيد الفايسبوك من سعادتي أكثر، فقد قفز الكثيرون إلى ما يجب استنتاجه : كم كنا عظاما زمن الخلافة، و كم بتنا صغارا اليوم بدونها. اذا : الخلافة هي الحل لكل مشاكلنا.

و لأن التساؤل هو أول ما اقوم به حينما أتلقى معلومة جديدة، فقد قرأت الرسالة و الجواب عليها و أنا أتساءل دون توقف : 
ـ هل وجد ملك لانكلترا و السويد و النرويج معا؟
ـ هل وجدت انكلترا زمن هشام الثالث؟
ـ هل يوجد من يدعى جورج الثاني و هل تزامن حكمه مع حكم هشام بن عبد الملك؟
ـ هل يقبل ملك على نفسه كل هذا التذلل (خادمكم المطيع) حتى و ان أرسل لملك أكثر منه قوة و نفوذا؟
ـ من كتب الرسالة للملك بالعربية؟ و هل هذه عربية الاندلس في ذلك الزمان؟

و منذ بداية البحث، أدركت أنني أمام رسالة وهمية، فجورج الثاني الوحيد في تاريخ انكلترا، هو الذي حكم بريطانيا العظمى بين 1727 و 1760.. و هو زمن يبعد عن زمن هشام الثالث نحو ثمانية قرون. كما أنني لم أجد اي توحيد للممالك الثلاث التي تتحدث عنها الرسالة، و كل ما وجدته هو ملك واحد للدنمارك و النرويج و انكلترا، و هو أيضا بعد فترة حكم هشام الثالث. فضلا أن مقارنة كتب ذلك الزمان (طوق الحمامة مثلا) و هذا الكتاب، تثبت بيسر أن الرسالة لم تكتب في ذلك الزمن.

"هذه الرسالة لا أساس لها من الصحة يا سادة، راجعوا هذه المعلومات." 
"تعرف خير مالعلماء ياخي؟"
"أي علماء؟ نحكي معاك بالمنطق."
"منطق؟!" (من الواضح أن الكثير من الضحك الساخر قد اطلق بعد التعليق.)
"فسر لي كيفاش واحد من عام 1700 يبعث رسالة لواحد من عام 1000؟ "
"المؤرخ الكبير راغب السارجاني، قالها. تعرف د. راغب السارجاني؟"
"لا ما نعرفوش."

و خيّل إليّ أنه نظر إلى رفاقه نظرة هازئة من نوع "ريتوا ـ جاي ـ يتفافى ـ و هو حتى ـ راغب السارجاني ـ ما يعرفوش".. لكنني سألته في اهتمام :
"هل هو دكتور في التاريخ؟"
"بل في الطب، و لكن... لماذا لا تريد تصديق المسلمين؟ لو كان مؤرخا يهوديا لصدقته!"
"ربما، لأن المؤرخ اليهودي مؤرّخ في نهاية الأمر، و لا يمكن أن يقترف حماقات منطقية كهذه."
"زايد غسلوا لك مخك!"

و هكذا مضيت و قد أدركت أنني أنا من تعرض لغسيل المخ، لأنني لم أشأ تلقي معلومة تتقاذفها المتضادات كالثورة التونسية.. و هذه التجربة هي واحدة من عشرات التجارب التي تعرضت لها على الفايسبوك خصوصا و في الحياة مع الناس بصفة عامة. و لكي لا يذهب البعض أنني أتوجه بقولي إلى شق دون غيره (مادام البلد قد قسم إلى قسمين)، فأكثر ما تجد عند القسم الآخر من فبركة للتاريخ، هو أقوال المشاهير و الخالدين، ترى من ذلك العجب العجاب حقا. و الأغرب أن أهله يدافعون فيستميتون في الدفاع، كأن الاقرار بالخطإ كريهة و جرم.

و هكذا، تحوّل بن خَلدون إلى ناطق رسميّ باسم هذا الشق، فهو يدعوك أن تنافق او توافق او تغادر البلاد. و لا أعرف أ قال الرجل هذا الكلام لحاكم تلمسان الذي اهداه المقدمة، ام قال ذلك في ندوة صحفية اقيمت عند استقباله بالقاهرة. و حينما تطالب بالمصدر، يهيج الناس عليك و يجن جنونهم، أتكذبهم؟ أتطعن في شرف ذاكرتهم؟ و لكن الكتاب هنا، و يمكن البحث فيه كما تشاؤون، فأين ما تقولون؟ هناك حتما نسخ أخرى فابحث عنها بنفسك و ستجد ضالتك! المهم أن كلامه مادام يصب في مصلحتنا، فهو كلام صحيح لا ريب فيه.
و كما أن هناك أعلاما وهبوها عشرات الاقوال المأثورة، فهناك أقوال أخرى وهبت عشرات الأعلام ايضا! خذ مثلا قولهم "مشكلة الديمقراطية أنها تجبرك على سماع الحمقى."
فقد قال هذه رينيه ديكارت René Descartes الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في عصر الملوك (و لا اعرف كيف عاش الديمقراطية و عرف مساوئها) و قالها أيضا Blaise Pascal اجل ذلك المخترع الفرنسي، و قالتها Isabel Allende المناضلة التشيلية، و ربما وينستون تشرشل ربما لأنه معروف بأسلوبه الساخر. و حينما يمتد ذهنك للتساؤل، تبدأ العصبية بالعمل. 

"احترم نفسك، و انا سيدة محترمة و لا اسمح لك بمخاطبتي بهذا الأسلوب!"
"اي اسلوب؟ تساءلت أين قال ديكارت هذا الكلام؟ هناك حتما كتاب ما ذكر فيه هذا الكلام، لا أظنه قاله في تصريح تلفزي. أو في تأبين أحد الاقارب"
"عندي أولاد و ما نسمح لكش تحكي معايا هكة، ديما ساكتة لك اما هذا اخر تنبيه!"
طبعا تجاوزتّها، لأنني لا أحب أن تتحول المناقشات الى حديث عن العائلة و الاولاد و التنبيهات.. و لكنني صدمتُ لهؤلاء الذين يدعون الفكر الحر و سلاسة العقل و القدرة على تقبل غرائب الحياة. كيف للتعصب أن يعمل فيهم هذا المعمل؟ كيف تنجح معلومات كهذه على الفايسبوك ان تتغلغل فتبلغ عددا هائلا من الناس، فتنقش في عقولهم قبل ان يهمّ أحدهم بالتساؤل عن صحة الكلام من عدمه؟

إن الخطر وراء ما يحدث، لا يكمن في قدرة هذه التقنية على نشر الاشاعات، بل في قدرتها العظيمة على تزوير التاريخ! فنحن يا سادة أمة لا تقرأ، او الادق : امة اقرا على روحك يا ولدي باش تنجح و تولي طبيب. و هو شعار يحتقر كل محاولة للتعلم لا يرجى منها صنعة او مال، و هو شعار قطع لسان التاريخ، و اخرج له لسانه هازئا به. و لأن الانسان بحاجة غريزية الى العودة الى الجذور، فإنه سيبحث عن من يوفر له الاجابة بايسر السبل، و لأن الانسان يميل الى تصديق ما يحب تصديقه، فالصفحات "الموسوعية" الفايسبوكية منقسمة تقريبا الى شقين (كما هو حال تونس، او كما ارادوا لها ان تكون) كل شق يقدم لمتابعيه و المؤمنين به، تاريخا على قياسهم. فعند هؤلاء، كان عمر بن الخطاب بطاشا رعديدا، يكره النساء و يحتقرهنّ، و عند الآخرين كان عبد الحميد الثاني خليفة بارا عادلا ذي مبادئ.. و عند هؤلاء كانت دولة الاسلام تعيش في عز و رخاء حتى تآمر عليها المتآمرون و قسموها فأصيبت الامة بالضعف و الهوان و التخلف، و عند الآخرين ما عرفت الامة ازدهارا مع حكم الخلافة قط.. و بين هذا و ذاك، يظل تاريخنا منتفا متفرقا، ضائعا لا يعرف له حق من باطل..

و منذ محاولة بن خلدون الفذة التحقيق في تاريخ الامة، و فرز روايات المؤرخين الاوائل، لم يأخذ أحد المشعل عن بن خَلدون، و لم نرَ بعد رجلا جديدا يتجرأ على تاريخنا فينبش فيه، و يخرج عوراته، و اكاذيبه و خرافاته و يكشف لنا بطولات لم نكن نعرفها، و فضائح داراها المنتصرون و حاولوا طمسها.. لم نر رجلا يقول إن التاريخ ليس مجرد نقل لأخبار تناقلها الاجداد جيلا بعد جيل دون التيقن من صحتها، و أن التاريخ ليس مجرد كتب تروي احاديث العامة التي تغلبها المبالغات و الزيادات. لم نر رجلا يطلب أن ينبش في الحفريات، و الاماكن، و ان يدرس الاثار الادبية دراسة علمية حقيقية، كتلك التي مارسها الاوروبيون مع تاريخهم.. ان التقدم يا سادة، يبدأ مع التصالح مع التاريخ، يبدا مع تعرية الحقائق مهما كانت موجعة او جارحة أو مذلة، لأن من يعيش على تاريخ وهمي، كفيل بمستقبل وهميّ أيضا.. و في انتظار ذلك، اذكروا المصدر، و تساءلوا.. تساءلوا يرحمنا و يرحمكم الله!


Translate