Showing posts with label تاريخ. Show all posts
Showing posts with label تاريخ. Show all posts

Monday, October 12, 2015

خير الدين الذي نعرفه، و خير الدين الذي لا نعرفه
قراءة في كتاب الهادي التيمومي "تونس و التحديث"

يلحّ السياسيون اليوم، ربّما أكثر من أي وقت مضى على وهم أزمة الهويّة، و يحملون الإعلام و الرأي العام على الأخذ بهذه الحقيقة مسلّمة، و إيهامنا أنها أزمة مفتعلة لا غير لأغراض سياسية، بل و يتمادون بالقول إن التونسي متصالح مع هويته. هكذا مع كل هذا الانقسام الحادّ بين الناس و مع كلّ مظاهر التطرّف التي تعتري البلاد، لا يجد هؤلاء أية مشكلة مع الهوية، و هم على إنكارهم منغمسون حتى النخاع في مشاكل إيديولوجية لا حصر لها. و التونسيّون أيضا على انقيادهم لهذه الأفكار-التعليمات، لا ينفكّون ينبشون عن أنفسهم بين دفاتر التاريخ التونسيّ. و لعلّ مجال التاريخ، هو الأكثر إثارة للاهتمام و الانشغال حينما يتعلّق الأمر بتلك العملية التي يندر أن يمارسها التونسيّ : القراءة. يحاول عبر الآثار البونية، و الفسقية الأغلبية، و الحنايا الرومانية، و الأسواق الحفصية، و القصور العثمانية، أن يجد صورته المنعكسة، و إسم أبيه محفورا، و هي مهمّة شاقّة و عسيرة، فهو إما أما كتاب بسيط لا يسمن و لا يغني من جوع للمعرفة، و إما أمام طرح أكاديميّ مختصّ لا يملك الأدوات الكافية لفكّه و استيعابه. و لكن لحسن الحظّ يوجد الدكتور الهادي التيمومي.

يقدّم هذا المؤرّخ المتخصص في تاريخ تونس الحديث و المعاصر، خطابا تاريخيّا أكاديميّا لغير المتخصّصين، وفق مناهج علمية و مدارس تاريخيّة متنوّعة، أهمّها الماركسية، حيث لا يخفي الهادي التيمومي تأثّره بالجدلية المادّية و ما بني عليها من أطروحات تصوّبها و تهذّبها خصوصا في ما يتعلق بالوطن العربي، مثل أطروحة سمير أمين القائمة على نمط الإنتاج الاتاويّ. و لقد كتب الهادي التيمومي في ذلك كتبا قيّمة كثيرة، سنقدّمها تباعا في سلسلة نرجو أن تحظى بالتوفيق.

يعود بنا كتاب اليوم إلى مسألة الهوية الجوهرية، ليس من حيث هي مشكلة أنطولوجية، تهتمّ بالكينونة التونسية في ذاتها، و إنما بوصفها مشكلة إيديولوجية تعرقل العمل الحضاريّ، و تشتّته، فالتونسيّ بحاجة لمعرفة نفسه حتّى يعرف إلى أين يتّجه، و كيف يمشي، و من يصادق و من يعادي، و ماهي الأدوات التي يستعملها، و ماهي نقاط ضعفه و قوّته. إنها المشكلة التي تجعل التونسيّ لا يعرف ماذا يأخذ من الآخر و ماذا يبقي، ماذا يأخذ من تراثه و ماذا يبقي، و هي بعبارة أخرى مشكلة الإصلاح و التحديث. في الواقع، مع السرعة التي يمضي بها قطار الدول المتقدمة، لم تزل تونس في ذات المحطة التي كانت فيها منذ القرن التاسع عشر، و لذلك ارتأى الهادي التيمومي أن يحدّثنا عن بداية التجربة التحديثية في كتابه "تونس و التحديث".

لقد حاول الهادي التيمومي عبر هذا الكتاب الإجابة عن التساؤل الذي قد يخامرنا لكننا نتجاوزه ربما استخفافا من الإجابة : إذا كانت تونس قد عرفت في القرن التاسع عشر كل تلك الاجراءات التحديثية الرائدة، و كل أولئك المصلحين العظام، و كل تلك الأحداث المهمّة (انتفاضة 64) فلماذا لم ينجح التحديث؟ و لماذا انتهى بنا إلى الاحتلال؟

أعاد الكتاب نوعا ما رسم رموز التحديث، و أطّر بشيء من الدقة مجال كل منها في خارطة التاريخ التونسيّ. فأحمد باي، ذلك "المصلح" الكبير الذي منع الرقّ و بنى المدرسة الحربية، و كان أوّل زعيم إسلاميّ يزور بلدا أوروبيا زيارة رسمية، لم يكن ذلك الشخص الحداثيّ الذي قد ترسمه مخيّلاتنا. و كذلك الجنرال حسين و رستم، لم يكونا بتلك الثوريّة التي قد تتبادر إلى أذهاننا. فضلا عن سالم بوحاجب و محمود قابادو و محمد بيرم الخامس و محمّد السنوسي و مواقفهم المتباينة من أحداث القرن التاسع عشر. لقد نبّه الكاتب في بداية مؤلَّفه أن "بعض ما سيرد في هذه الدراسة لن يروق لأنصار خير الدين الأيقونة"، و لكنّه لم ينبّه إلى ما سيرد بخصوص بقية الأيقونات. و الحقيقة أنّ ذلك أضفى على الدراسة مصداقية يندر وجودها.

من جهة أخرى، فتح التيمومي نافذة أمام أهمية بعض المراجع المفاتيح بخصوص تلك الحقبة، و أعني بها خصوصا كتابا خير الدين باشا (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) و أحمد ابن أبي الضياف (إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس و عهد الأمان). إذ يعتبر الأول من أهمّ المراجع التي يمكن من خلالها الاطلاع على رؤى خير الدين الإصلاحية، و الخيارات التي تبنّاها حداثيّو القرن التاسع عشر. و لئن كان خير الدين ديبلوماسيا في ما يتعلّق ببؤر الفساد و العائلة الحاكمة، فإن أحمد ابن أبي الضياف الذي ترك كتابه للأجيال اللاحقة و لم يُطلع عليه حينئذ إلا دائرة ضيقة من المقرّبين، كان أكثر استفاضة و ايضاحا بخصوص وجود الفساد و منابع الخراب في الإيالة.

لكنّ الكتاب لا يقتصر في بحثه عن رموز التحديث و أفكارهم فحسب، بل يتابع كذلك ما أفرزته هذه المحاولات التحديثية، و أهمّها دستور 1861، أوّل دستور في العالم الإسلامي. كما يستعرض بعض أنشطة المجلس الأكبر (البرلمان) و بعض القوانين و الاجراءات التي كان لها تأثير كبير على المسار التاريخيّ لتونس، و الذي عجّل بها إلى أحضان الحماية الفرنسية سنة 1881. و هذا المبحث هو أهمّ ما في الكتاب تقريبا، حيث يقدّم عصارة التجربة التحديثية الأولى و إلى ما أفرزت. لقد كان اهتمام الطبقة التحديثية منحصرا في الاصلاحات السياسية، و لقد كانت تونس رائدة في هذا المجال، لكنّها (طبقة المصلحين) بحكم انتماءاتها الطبقية، لم تستوعب تماما أهمية الاصلاحات الاقتصادية، و تعاملت مع الواقع الاقتصادي بعقليّة بورجوازية أقرب للإقطاعية منها للرأسمالية. لقد كانت الطبقة السياسية و الثقافية في تونس ـ و لا تزال ـ تعاني دوما من تخلّفها عن مثيلاتها في العالم المتقدّم و هو ما يجعل من نتاج عملهم، دولة متثاقلة الخطى، متعثرة، قد تسقط مع أيّة أزمة.

أعتبر أن الهادي التيمومي و إن أحاط بخلفيات هذه الرموز الفكرية و الثقافية، فقد كان أحيانا مشطّا في قسوته على تلك الرموز، و طالبها بما ليس في طاقتها. فأحمد باي سليل البايات و نتاج التربية الملكية الموبوءة بالسلطوية و التراث العقيم (و ليس كل التراث عقيما)، لا يمكن أن نحمّل ثقافته أكثر ممّا تحتمل، و يمكن أن نعتبره ثوريّا لما توصّل إليه من قناعة بقيم الحرّيّة و العدالة، حتى و إن كان فهمه للحضارة الغربية فهما سطحيا كما يذكر المؤرخ. أما خير الدين، فهو مطالب عند المؤرخ بالاطلاع على الحضارة الألمانية و أفكارها الثورية التي كانت الرائدة في تلك الفترة، و هو الذي اطلع على الفلسفة الفرنسية و الانكليزية. إن ألمانيا في تلك الفترة لم تصبح كيانا قوميا بعد، و لم يكن من السهل على ذلك السياسي القادم من الشرق أن يلتفت إلى حضارة بلد لم يولد بعد. كما أن مشاغله السياسية ما كانت لتسمح له بالتعمق كثيرا في هذه المسائل.
لقد كان خير الدين التونسي و لا يزال أبرز مصلح عرفته البلاد التونسية، إنه ذلك الرجل الذي لا يريد قلب الأمور رأسا على عقب، و يريد انتهاج مبدإ التغيير التدريجي كلما وجد الفرصة مناسبة لذلك، و رغم فشل التجربة الأولى و ابتعاده قبيل انتفاضة 64 فإنه لم يتردّد في العودة إلى الأحداث مع الكوميسيون المالي، كما أنه صرّح بعد خروجه شبه مهان من السلطة سنة 77 أنه لن يتردد في العودة للمساعدة إذا ما سنحت له الفرصة بذلك.

أخيرا من أهمّ ما يمكنني ملاحظته خلال هذه القراءة الممتعة عن تجربة التحديث في تونس، دور التعليم فيها. فالرعيل الأول من المصلحين و على رأسهم أحمد باي تلقى تعليما تقليديا بعيدا عن معارف العصر، و ما جادت به أوروبا من فلسفات ثورية. لذلك كانت قراءتهم للحداثة سطحية تتعلق أكثر بالمظاهر (الجيش النظامي هو جيش يجيد الاستعراض العسكري لا غير، الثورة الصناعية هي فبريكة تصنع شيئا ما بغض النظر عن توفر اليد العاملة الماهرة، أو العقلية المتعودة على الفكر الصناعيّ، أو الواقع الفلاحي المسيطر على البلاد) لكن هذه الرؤية السطحية، قدّمت لتونس المدرسة الحربية بباردو، و رغم أنها مدرسة ضباط لا تخرج عن سياق المظهراتية التي شغل بها أحمد باي، إلا أنها بفضل برامجها التعليمية التي أرساها مستشرقون، و بعض الحداثيين التونسيين، تمكنت من اخراج رعيل ثان من الحداثيين ذوي ثقافة مزدوجة تجمع بين الروح الشرقية التونسية، و بين روح الانفتاح على مفاتيح الحضارة الغربية، و خصوصا اللغة الفرنسية، فظهر خير الدين و الجنرال رستم و الجنرال حسين خصوصا، و هؤلاء قدموا رؤية أكثر فهما لجوهر الحداثة و أكثر تمكنا من ميكانزماتها. و قد أرسى هؤلاء قبيل رحيلهم أيضا، المدرسة الصادقية و التي مثلت نقلة جديدة في التعليم التونسيّ، حيث سمحت هذه المدرسة بخلق جيل ثالث من المصلحين الذين كانوا أكثر فعاليّة من المجاهدين المسلّحين في مقاومة الاستعمار، بل كانوا أيضا لبنة الدولة التونسية الحديثة سنة 1956.
إن التأمل في هذه الصورة التطوّرية مهمّة جدا لواقعنا اليوم، فالتاريخ يقول : يخلق الرجل مدرسة لتخلق رجلا أكثر حكمة، ليخلق مدرسة أكثر نجاعة لتخلق رجلا أكثر حكمة بدوره و هكذا تستمرّ عجلة التطوير إلى ما لا نهاية. فهل ينطبق هذا الأمر على مدرسة اليوم؟ ربما بشكل معكوس للأسف.

الكتاب عودة إلى التجربة التحديثية في بداياتها، لكنّه أيضا عودة للتأمل في المحاولة الجديدة بعد الثورة لخلق نسخة أخرى من حداثة القرن التاسع عشر. ألسنا في النهاية، نحاول إعادة إحياء التجربة بنفس الأدوات و الوسائل و الأخطاء و النقائص؟


Saturday, May 4, 2013

ثـم تكون خلافة..

(تقديم مملّ لا بدّ منه)
و هو موضوع يشغل بال المسلمين ربما منذ سقوط الخلافة سنة 1924، فبعدما كانت (الخلافة) أمرا واقعا لا خلاف على وجوبه تقريبا، (هناك من عارض وجوب الخلافة، مثل بعض المعتزلة) وهنت وضاعت أطرافها، وبدأ التساؤل : أليست الخلافة سبب وهن المسلمين؟ فانتهى عند مصطفى كمال أتاتورك بإجابة "نعم"، فأطاح بالخلافة، وأعلن عن الجمهورية التركية. بينما كانت إجابة حسن البنا، أن "كلا"، فأسس جماعة الإخوان المسلمين، وبدأت الحركات الإسلامية الّتي على اختلاف مذاهبها ومشاربها، تلتقي عند فكرة واحدة : وجوب الخلافة...

واليوم، يشتدّ الخطاب عن الخلافة ويعظم، فهناك من يعتبر المسلمين قد أخلـُّوا بإحدى شعائر الإسلام. وهناك من أفتى بأنّها فرض كفاية، وهناك من اعتبرها حتمية تاريخية (أجل تماما كالشيوعية عند ماركس)، وأن لا فائدة من سؤال "هل"، وإنما السّؤال هو "متى"؟ وربّما من أجل هؤلاء تحديدا أسوق هذا الحديث.

ذلك أنّ خطب الأئمة في الجوامع، وخطب الشيوخ من المنابر المقدّسة (قنوات التلفاز تحديدا) لهفت الناس لهفا، وأخذتهم عن التفكير في ما يسمعون، وحتى الأئمة أنفسهم، لا يكلـِّف أغلبهم نفسه مشقّة التساؤل، حتّى تغلب الأسطورةُ على الدّين. وللأسف، فقوة الأسطورة أساسا، أنها تجد في عقول العامّة مستقرّا متينا، فتنتشر الفكرة في أذهانهم كأنه مسلّم بها. ومن هذه الأفكار ما يروج عن الخلافة من حتميتها التاريخية و وجوبها الدينيّ.
لكنني هنا لا أطعن في أمرا ما قطعا، وإنما أسوق رأيا لا هو بالفتوى و لا بالاجتهاد، بناء على ما يقدّم لنا التاريخ من معلومات بعضها ثابت لا حاجة للطعن فيه (كسقوط الخلافة مثلا) وبعضها توثّق له الكتب بأخبار وأحاديث تستنزف العقل وتستخفّ بالمنطق. هدفي أن أدفع للتساؤل، والبحث والفهم، لأني أؤمن في دين يتماهى مع التاريخ ولا يخترقه.

لستُ من اخترع مذهب التّحقيق في التّاريخ المكتوب. إنّما أنتهج نهج العلاّمة عبد الرحمان بن خَلدون الذي قال في مقدّمته الشهيرة :  
"اِعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا. فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار. فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد."

لذلك، فمن المهمّ دراسة النصّ، ودراسة سياقه، وفهم ربط هذا بذاك، حتى يتبيّن لنا المنطق الذي ينبني عليه الزمان، أو لا يتبيّن لنا ذلك، فللتاريخ في مثل هذه المسائل هيبته التي لا تردُّ و لا تترك.

(يمكن أن تبدأ من هنا)
 
وأبرز ما يقدّم له هؤلاء للدلالة على الخلافة، ذلك الحديث النبويّ الشهير، الذي أقدمه بالنص عن صحيح أحمد:

"
حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثني داود بن إبراهيم الواسطي حدثني حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر بعد الملك العاض والجبرية فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه"

(
مسند أحمد » أول مسند الكوفيين » حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم)

 حتّى إنّ عبارة "ثم تكون خلافة"، من أدبيات الحركات الاسلامية ومسلماتها. لكنّك لا تقرأ عندهم كامل الرواية حتّى قوله "فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسرّ به و أعجبه" إلا نادرا. ذلك أن ما يهمّ هؤلاء الناس، هو قراءتهم هم. لا التاريخ كما هو.
أما التاريخ، فهو أن هذا الحديث سيق زمن خلافة عمر بن العزيز (الخليفة الأمويّ العادل) فاستدلّ (القائل) به أن قوله صلّى الله عليه و سلّم (لو قال ذلك فعلا) "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" كان يقصد به الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز. ذلك أنّ الملك العاضّ والجبريةّ هم بنو أميّة (السفيانية والمروانية).
وأما قراءتهم، فهو اجتهاد الشيخ الألباني رحمه الله، الّذي صحّح الحديث (اجتهاده) واعتبر أن الملك الجبريّ لايزال قائما، وأن الخلافة الثانية على منهاج النبوة لم يعن بها "عمر بن عبد العزيز" وإنما لم تأت بعد.
هكذا ينزّلون الاجتهاد منزلة النص، ويحوّلون التأويل إلى تفسير واحد أوحد، لا يكتفون برفض ما عداه، إنما ينكرون على غيرهم فهمَ آخرٍ.

أما أنا، فسأتساءل ـ ببراءة ـ لِمَ لم يظهر هذا الحديث قبل عمر بن عبد العزيز؟ و لِم بدا كأنه قيل خصيصا لهذا الرجل دون غيره، فهو الذي عاد بالخلافة إلى منهاج النبوة حتما بعدما كان في المسلمين ملك عاضّ و جبريّ. أما السؤال الثاني فسيفتح الباب لأمر آخر يتجاوز قراءة الحديث: فلو سلّمنا بقراءة الألباني، فهذا يعني أحد الأمرين حتما: إما أن حُكم عمر بن عبد العزيز يعتبر ملكا عاضّا، وإما أنّ النبي صلّى الله عليه و سلم تغافل أو لم يعلم، أن بعد الملك الجبريّ سوف تعود الخلافة على منهاج النبوة زمنا، ثم يعود الملك العاضّ و الجبريّ ثم الخلافة على منهاج النبوة. و بين هذين الفرضيتين، فأنا أخيّر أن أرفض كلّ هذا المنطق. فعمر بن عبد العزيز هو الخليفة الراشد الخامس، شهد له بذلك أعداؤه وأحبابه، وأمّا الرسول صلى الله عليه و سلم، فما يخبّر عن أمر إلا وصدق. لكن، ماذا لو أن التأويل ليس وحده ما يجب إسقاطه؟

المعلوم أن الحديث ساقه أحمد في مسنده، ثم صححه الألباني. والظاهر أيضا أنه سيق حتى "يسرّ" به أمير المؤمنين حينئذ عمر بن عبد العزيز. فهل تراه اختلق اختلاقا؟

لنعد إلى الحديث، ولنتخيّل سياقه وما قد يترتّب عنه ـ منطقيا ـ من مواقف: 
يخبر صلى الله عليه وسلّم الناس عن النبوة، وهذا أمر معلوم لديهم، ثمّ يقول لهم بعد ذلك "ثمّ تكون خلافة على منهاج النبوّة" فإذا أخذنا القول عن "الخلافة" بمعناه الاصطلاحيّ كما يؤكد عليه الاخوة فإنني أستغربُ أنّ أحدا من الحاضرين عند رسول الله لم يسأل عن قصده بالخلافة، كأنّهم جميعا يعلمون ماهي. وحينما أستذكر ما أعلمه من التراث العربيّ، فإن الخلافة لم تُعرف قطّ، وعُرفت الإمارة و عُرف الملك، و عُرفت الوزارة (عن الفرس مثلا)، فهل من بيت من الشعر الجاهلي يذكر "الخلافة" مثلا؟
وإذا ما تجاوزنا الأمر، كأن مثلا، حدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل هذا الحديث عن "الخلافة" كأحد أركان الدين، فلِمَ لم تُذكر الخلافة في حادثة السقيفة؟

قد نجد رواياتٍ مختلفة لحادثة السقيفة، وهي على اختلافها لا تذكر أحدا تحدث عن "الخلافة"، أو سأل : "من الخليفة"، لكنّها في المقابل ذكرت مقترحات من قبيل "منّا أمير ومنكم أمير" و"مناّ أمير ومنكم وزير." وهي المصطلحات المتداولة.
فهل خالف الصحابة رضوان الله عليهم كلام رسول الله وخاضوا في الإمارة والوزارة؟ ولو أن الرسول حدثهم عن الخلافة، فلِمَ لم يسأله أحد عن "الخليفة" من بعده؟ بل إنّ نظام الحكم نفسه كان محلّ جدال أيضا، ومن الحاضرين من اقترح أميرين يتقاسمان السلطة. كان نظام الخلافة يتشكل حينئذ، ولو أن الرسول حدث الناس عن "الخلافة" لما تخاصم عليها اثنان. بل إن مصطلح "الخليفة" لم يجر على ألسنة العرب إلا بعد ذلك. فقد كان الناس ينادون أبابكر الصديق بـ"خليفة رسول الله"، ثم حينما جاء عمر، قيل له "خليفة خليفة رسول الله"، فكره عمر أن يستمرّ ذلك، فسمّى نفسه أميرا للمؤمنين، فهل كان عمر يفعل ذلك لو أنه عرف عن الرسول أنه سمّى صاحب الأمر من بعده بالـ"خلافة"؟

كلّ المؤشرات التاريخية، تدلّ أن "الخلافة" لم تُعرف كمصطلح يدلّ على نظام حكم قائم بذاته إلا بعد فترة طويلة من بداية "الخلافة" نفسها، وذلك حينما سلّم الجميع أنها الضامن لوحدة المسلمين، وأن من يملكها يرجع إليه أمر المسلمين جميعا، فغدا السؤال حينئذ : من الأحق "بالخلافة"؟ وهكذا عُرِّفت الخلافة، في سياق الخصام حولها.

المضحك في الأمر، أن هؤلاء لا يملكون تقريبا غير هذا الحديث الذي روي رواية واحدة، وآخر عن أن "الخلافة ثلاثون سنة" وهو لا يختلف عن السابق كثيرا، أو عودتهم إلى القرآن فأوَّلوا كل آية فيها لفظة "خليفة"، واعتبروها دليلا على الخلافة، كقوله تعالى "وإذ قال ربُّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة." و عنوا بذلك آدم عليه السلام. وأنا هنا أتساءل، إن وجبت الخلافة في الارض، وإن كان آدم عليه السلام هو "الخليفة" كما كان داود من بعده (بذات الفهم لقوله تعالى : يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض)، فلِم لم يحدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ـ هو أيضا ـ كان خليفة في الأرض؟

أعتقد أن الخلافة التي تحدث الله عنها في القرآن تتجاوز معناها الضيق الذي حصرناه ـ بعدما ظهرت الخلافة الاسلامية ـ لتحمل مفاهيم عدّة تخبرها عنها اللغة العربية. فالخلْفُ هو الوراءُ، ومن يخلفُ، هو من يأتي من وراء (أو من بعد) ليحل مكان الأول، وخليفة الله في الأرض يأخذ معنى مجازيا، ليعني أن الله صاحب الأمر الأصليّ، قدّم للانسان القدرة على الأمر والقرار في هذه الأرض. وخليفة رسول الله، هو من خلفه في إمامة المسلمين وأخذ القرار عنهم.
لذلك استخلف اللهُ آدم [و بنيه ] في الأرض. أما استخلاف داود، فدلالة على سعة ملكه. وتؤكد ذلك الآية 55 من سورة النور "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض". فالمؤمنون الذين عملوا الصالحات هم خلفاء الله في الأرض، ولا أعتقد هنا أن الله استأثر الملوك بالقدرة على الايمان وعمل الصالحات، إنما الناس عامة.

(الخلاصة، لو كنت تريد القول، من آخره)

وخلاصة الرأي، أن حديث الخلافة جاء في عصر بني أمية، الذي كثر فيه النّحل، فزيفت الفرقُ الأحاديث، ونحلت الأشعار، حتّى يجد كل منهم ما يحتجّ به على رأيه، وهي آراء في أغلبها سياسية. وقد تقدّم ذكر الغرض الأساسي من وراء الحديث. كما ذكرتُ كيفية استحالة أن يقول ذلك الرسول أمام الصحابة، دون يتبع عن ذلك أمور لم يروها التاريخ ولم تحصل. والسبب يرجع كالعادة، إلى سطحية هذه القراءات، وعدم براءة أغلبها. 

(ما بعد الخلاصة، فقط لإغاظة قوم آخرين)
لكنّني على كل هذا الحديث، قد أفاجئ الكثيرين بالقول، إنني لا أدين مؤسسة الخلافة بكل شرّ أصاب المسلمين كما يذهب إلى ذلك كثيرون اليوم. بل أنظر إليها كميزة حضارية وثقافية هامة. أنظر للخلافة أنها هارون الرشيد، والمأمون، وعبد الرحمان الناصر، وغيرهم. أنظر للخلافة كما ينظر بريطانيّ وقور (ولا أعني أنني وقور هنا) إلى الملكة فكتوريا والملك ريتشاد وغيرهم.

فللتاريخ سياق يُقرأ فيه، والتاريخ يقول إنّ الخلافة والملك أمران مختلفان. ففي الاسلام ظهرت الخلافة قبل الملك، ذلك أنّ أوّل من ورّث الحكم كان معاوية، ولم يفعل الخلفاء الراشدون ذلك. والخلافة أيضا، لا تعرف لها شرطا غير البيعة (وهي الأمر الوحيد الذي أخذ عن الرسول، ويمكن اعتباره أمرا شرعيا)، أي بيعة المسلمين، وهو ما تقرّ به كل نظم الحكم المعقولة اليوم، فعلى المحكوم أن يشهد بتوكيل أمره إلى الحاكم. عدا ذلك، فإن كل خليفة في فترة تكوّن مفهوم الخلافة، قد اجتهد في التأسيس لمؤسسات الحكم، وتقاليده، فأوصى أبو بكر بالخلافة لعمر مثلا، وهو ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم. بينما ارتأى عمر مثلا، أن يعقد مجلسا من الحكماء يتشاورون فيما بينهم، ويختارون خليفة لعمر. إذا فالاخذ بكل ذلك على أنه من جوهر الدين أو الشرع لهو برأي غريب لا أجد له تفسيرا ولا منطقا. ولنذكر أن هذا الاجتهاد كان في القرن السابع بعد الميلاد، حينما كان نظام الحكم المتداول في العالم لا يحمل غير معنى التملك التام والجبروت الأعظم، ولو وصلت لعمر بن الخطاب أدبيات الاغريق السياسية القديمة، لكان حديثنا اليوم مختلفا أيّما اختلاف.

إنّ الخلافة ميزة حضارية جميلة، لها مكانها في عصرنا، مثلما وجد اليابانيون مكانا لامبراطورهم. لكنّ العائق الأساسيّ، أن لا أحد ينظر إليها كما ينظر اليابانيون إلى تراثهم. فمنّا من ينظر إلى الخلافة كما تنظر القبائل البدائية إلى "التابو" الّذي يجب أن يظل كما هو، ولا يناقش أبدا. ومنّا من ينظر إليها كأن فكرة الخلافة هي بؤرة الفقر والتخلف والجهل. وهذا منطق يجيب التاريخ عنه بيسر وسهولة.
الخلافة ميزة حضارية جميلة، لكنها ليست حلا لمشاكل الأمة، بل إنها لن تتحقق إلا اذا حلّت مشاكل الأمة. هي نتيجة وليست سببا.
الخلافة ميزة حضارية جميلة، لكن حتما، ليس في وطن لا يزال خُمسه لا يفـقه القراءة والكتابة، ليس في وطن لا يعرف المواطن فيه حقوقه وواجباته، ليس في وطن لا يجد المواطن فيه كسرة خبز. إنّ لنا من الهموم ما يغنينا عن الالتفات إليها.
   

إن مصيبة هؤلاء القوم اليوم، هي المقابلة بين الديمقراطية والخلافة، كأنهما المقابلة بين الطاغوت والحق، ولا أدري ما كان هؤلاء فاعلين لو علموا أن مؤسسات الخلافة كالدواوين مثلا، أخذها عمر رضي الله عنه، عن الفرس المجوس.


الخليفة هارون الرشيد يستقبل رسل الملك شارلمان


Tuesday, May 1, 2012

الفايسبوك يكتب تاريخنا..

من أسوا ساعات اليوم، هي تلك التي تلي الغداء مباشرة، البطن الممتلئة، الحاجة الى النوم، المكتب الكئيب، و قائمة الاعمال المثيرة للغثيان، و احدهم على الفايسبوك يلصق اسمك باحدى الصور، لتجد نفسك مكرها على تحمل التذكير المستمر ان احدهم "علق على صورتك." عشرات منها في الواقع.. 
" موش تصويرتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي!!!!!"

لكن الفايسبوك لا يهتم لمعاناتك، عليك أن تفتح الصورة و تفصل اسمك عنها. هنا، مفاجأة سعيدة أخرى : طبيعة الصورة : 


تروي الصورة رسالة من "ملك انكلترا و السويد و النرويج" إلى "الخليفة ملك المسلمين في الاندلس هشام الثالث" يرجوه فيها بكل تذلل أن يقبل ابنته الاميرة و حشدا من رجاله أن ينهلوا من علوم الاندلس و حضارتها، و هو ما اجيب بالقبول و المودة من الخليفة الاندلسي... و تنهمر تحت الصورة امطار التسبيح و التهليل و التكبير كأن ما حدث كان بالامس القريب، أو كأن الاندلس لم تعد بعد اسبانيا الكاثوليكية. و لكن يزيد الفايسبوك من سعادتي أكثر، فقد قفز الكثيرون إلى ما يجب استنتاجه : كم كنا عظاما زمن الخلافة، و كم بتنا صغارا اليوم بدونها. اذا : الخلافة هي الحل لكل مشاكلنا.

و لأن التساؤل هو أول ما اقوم به حينما أتلقى معلومة جديدة، فقد قرأت الرسالة و الجواب عليها و أنا أتساءل دون توقف : 
ـ هل وجد ملك لانكلترا و السويد و النرويج معا؟
ـ هل وجدت انكلترا زمن هشام الثالث؟
ـ هل يوجد من يدعى جورج الثاني و هل تزامن حكمه مع حكم هشام بن عبد الملك؟
ـ هل يقبل ملك على نفسه كل هذا التذلل (خادمكم المطيع) حتى و ان أرسل لملك أكثر منه قوة و نفوذا؟
ـ من كتب الرسالة للملك بالعربية؟ و هل هذه عربية الاندلس في ذلك الزمان؟

و منذ بداية البحث، أدركت أنني أمام رسالة وهمية، فجورج الثاني الوحيد في تاريخ انكلترا، هو الذي حكم بريطانيا العظمى بين 1727 و 1760.. و هو زمن يبعد عن زمن هشام الثالث نحو ثمانية قرون. كما أنني لم أجد اي توحيد للممالك الثلاث التي تتحدث عنها الرسالة، و كل ما وجدته هو ملك واحد للدنمارك و النرويج و انكلترا، و هو أيضا بعد فترة حكم هشام الثالث. فضلا أن مقارنة كتب ذلك الزمان (طوق الحمامة مثلا) و هذا الكتاب، تثبت بيسر أن الرسالة لم تكتب في ذلك الزمن.

"هذه الرسالة لا أساس لها من الصحة يا سادة، راجعوا هذه المعلومات." 
"تعرف خير مالعلماء ياخي؟"
"أي علماء؟ نحكي معاك بالمنطق."
"منطق؟!" (من الواضح أن الكثير من الضحك الساخر قد اطلق بعد التعليق.)
"فسر لي كيفاش واحد من عام 1700 يبعث رسالة لواحد من عام 1000؟ "
"المؤرخ الكبير راغب السارجاني، قالها. تعرف د. راغب السارجاني؟"
"لا ما نعرفوش."

و خيّل إليّ أنه نظر إلى رفاقه نظرة هازئة من نوع "ريتوا ـ جاي ـ يتفافى ـ و هو حتى ـ راغب السارجاني ـ ما يعرفوش".. لكنني سألته في اهتمام :
"هل هو دكتور في التاريخ؟"
"بل في الطب، و لكن... لماذا لا تريد تصديق المسلمين؟ لو كان مؤرخا يهوديا لصدقته!"
"ربما، لأن المؤرخ اليهودي مؤرّخ في نهاية الأمر، و لا يمكن أن يقترف حماقات منطقية كهذه."
"زايد غسلوا لك مخك!"

و هكذا مضيت و قد أدركت أنني أنا من تعرض لغسيل المخ، لأنني لم أشأ تلقي معلومة تتقاذفها المتضادات كالثورة التونسية.. و هذه التجربة هي واحدة من عشرات التجارب التي تعرضت لها على الفايسبوك خصوصا و في الحياة مع الناس بصفة عامة. و لكي لا يذهب البعض أنني أتوجه بقولي إلى شق دون غيره (مادام البلد قد قسم إلى قسمين)، فأكثر ما تجد عند القسم الآخر من فبركة للتاريخ، هو أقوال المشاهير و الخالدين، ترى من ذلك العجب العجاب حقا. و الأغرب أن أهله يدافعون فيستميتون في الدفاع، كأن الاقرار بالخطإ كريهة و جرم.

و هكذا، تحوّل بن خَلدون إلى ناطق رسميّ باسم هذا الشق، فهو يدعوك أن تنافق او توافق او تغادر البلاد. و لا أعرف أ قال الرجل هذا الكلام لحاكم تلمسان الذي اهداه المقدمة، ام قال ذلك في ندوة صحفية اقيمت عند استقباله بالقاهرة. و حينما تطالب بالمصدر، يهيج الناس عليك و يجن جنونهم، أتكذبهم؟ أتطعن في شرف ذاكرتهم؟ و لكن الكتاب هنا، و يمكن البحث فيه كما تشاؤون، فأين ما تقولون؟ هناك حتما نسخ أخرى فابحث عنها بنفسك و ستجد ضالتك! المهم أن كلامه مادام يصب في مصلحتنا، فهو كلام صحيح لا ريب فيه.
و كما أن هناك أعلاما وهبوها عشرات الاقوال المأثورة، فهناك أقوال أخرى وهبت عشرات الأعلام ايضا! خذ مثلا قولهم "مشكلة الديمقراطية أنها تجبرك على سماع الحمقى."
فقد قال هذه رينيه ديكارت René Descartes الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في عصر الملوك (و لا اعرف كيف عاش الديمقراطية و عرف مساوئها) و قالها أيضا Blaise Pascal اجل ذلك المخترع الفرنسي، و قالتها Isabel Allende المناضلة التشيلية، و ربما وينستون تشرشل ربما لأنه معروف بأسلوبه الساخر. و حينما يمتد ذهنك للتساؤل، تبدأ العصبية بالعمل. 

"احترم نفسك، و انا سيدة محترمة و لا اسمح لك بمخاطبتي بهذا الأسلوب!"
"اي اسلوب؟ تساءلت أين قال ديكارت هذا الكلام؟ هناك حتما كتاب ما ذكر فيه هذا الكلام، لا أظنه قاله في تصريح تلفزي. أو في تأبين أحد الاقارب"
"عندي أولاد و ما نسمح لكش تحكي معايا هكة، ديما ساكتة لك اما هذا اخر تنبيه!"
طبعا تجاوزتّها، لأنني لا أحب أن تتحول المناقشات الى حديث عن العائلة و الاولاد و التنبيهات.. و لكنني صدمتُ لهؤلاء الذين يدعون الفكر الحر و سلاسة العقل و القدرة على تقبل غرائب الحياة. كيف للتعصب أن يعمل فيهم هذا المعمل؟ كيف تنجح معلومات كهذه على الفايسبوك ان تتغلغل فتبلغ عددا هائلا من الناس، فتنقش في عقولهم قبل ان يهمّ أحدهم بالتساؤل عن صحة الكلام من عدمه؟

إن الخطر وراء ما يحدث، لا يكمن في قدرة هذه التقنية على نشر الاشاعات، بل في قدرتها العظيمة على تزوير التاريخ! فنحن يا سادة أمة لا تقرأ، او الادق : امة اقرا على روحك يا ولدي باش تنجح و تولي طبيب. و هو شعار يحتقر كل محاولة للتعلم لا يرجى منها صنعة او مال، و هو شعار قطع لسان التاريخ، و اخرج له لسانه هازئا به. و لأن الانسان بحاجة غريزية الى العودة الى الجذور، فإنه سيبحث عن من يوفر له الاجابة بايسر السبل، و لأن الانسان يميل الى تصديق ما يحب تصديقه، فالصفحات "الموسوعية" الفايسبوكية منقسمة تقريبا الى شقين (كما هو حال تونس، او كما ارادوا لها ان تكون) كل شق يقدم لمتابعيه و المؤمنين به، تاريخا على قياسهم. فعند هؤلاء، كان عمر بن الخطاب بطاشا رعديدا، يكره النساء و يحتقرهنّ، و عند الآخرين كان عبد الحميد الثاني خليفة بارا عادلا ذي مبادئ.. و عند هؤلاء كانت دولة الاسلام تعيش في عز و رخاء حتى تآمر عليها المتآمرون و قسموها فأصيبت الامة بالضعف و الهوان و التخلف، و عند الآخرين ما عرفت الامة ازدهارا مع حكم الخلافة قط.. و بين هذا و ذاك، يظل تاريخنا منتفا متفرقا، ضائعا لا يعرف له حق من باطل..

و منذ محاولة بن خلدون الفذة التحقيق في تاريخ الامة، و فرز روايات المؤرخين الاوائل، لم يأخذ أحد المشعل عن بن خَلدون، و لم نرَ بعد رجلا جديدا يتجرأ على تاريخنا فينبش فيه، و يخرج عوراته، و اكاذيبه و خرافاته و يكشف لنا بطولات لم نكن نعرفها، و فضائح داراها المنتصرون و حاولوا طمسها.. لم نر رجلا يقول إن التاريخ ليس مجرد نقل لأخبار تناقلها الاجداد جيلا بعد جيل دون التيقن من صحتها، و أن التاريخ ليس مجرد كتب تروي احاديث العامة التي تغلبها المبالغات و الزيادات. لم نر رجلا يطلب أن ينبش في الحفريات، و الاماكن، و ان يدرس الاثار الادبية دراسة علمية حقيقية، كتلك التي مارسها الاوروبيون مع تاريخهم.. ان التقدم يا سادة، يبدأ مع التصالح مع التاريخ، يبدا مع تعرية الحقائق مهما كانت موجعة او جارحة أو مذلة، لأن من يعيش على تاريخ وهمي، كفيل بمستقبل وهميّ أيضا.. و في انتظار ذلك، اذكروا المصدر، و تساءلوا.. تساءلوا يرحمنا و يرحمكم الله!


Translate