Sunday, February 16, 2014

سرقة موصوفة


لا يتّسع المكان و لا يضيق، و لكنّها سلطة الموقف التي تحجب ما غيرها... في حالتي هذه، تقف السلطة من حولي ببدلاتها السوداء الأنيقة وقفة تحجب عني تفاصيل الغرفة المظلمة. الصبح لا يزال يفرك عينيه في تثاقل من وراء الأفق، أما أنا فلم أجد وقتا كافيا لأفرك عينيّ. الحصيّات الدقيقة اليابسة الملتصقة بمقلتيّ تجعل المشهد خشبيّا ضبابيّا و أكثر رهبة، يشهد بذلك تواتر صفير الربو من صدري العاري تقريبا.
لم أستطع أن أميّز عددهم بالضبط، و لم أتعرّف على هويّاتهم. في الواقع، لم أجرؤ أن أسألهم ذلك. ملامحهم توحي بأن عليّ أن أطيع لا أن أسأل. كان أحدهم يملأ المكان جيئة و ذهابا و دخانا، و هي ممارسات لا تروق لي و لا لصدري، و أحيانا تصيبني بالاغماء، لكنني كنت شبه فاقد للوعي بالفعل، فأنا لا أفيق بهذه الطريقة في العادة، ثم إن السادة يبدون أخطر من هذه التفاصيل السخيفة، سطوة الموقف تحتّم أن أتغاضى عن السخف قليلا و أن أستعدّ حين يحتاجون إليّ، هكذا السبيل إلى النجاة دوما... فجأة توقف الرجل و قال في حسم :"أنت في ورطة."
لم أجد جديدا في ما يقول، و لكنني لا أحب الاستهانة بكلام رجال يلبسون بدلات سوداء و يخرجونني من غرفة نومي قبل أن تخرج الشمس إلى العالم. لذلك أبرزتُ علامات الفزع التي كانت هناك بالفعل، لعلّه يلحظها و يقدم لي تفاصيل أكثر. لكنّه اقترب من وجهي ليقول لي بلهجة مهددة : "سنسألك بعض الأسئلة، و عليك أن تجيب عليها جميعها، النسيان و عدم المعرفة إجابتان غير مقبولتين هنا، هل تفهم؟ انت في ورطة!"
و هل كنت لأخفيَ شيئا عن سادة كهؤلاء؟ هاتوا أسئلتكم. سأل أحدهم "إسمك" و آخر "إسم أمك." و طلب ثالث :"كم حجم حذائك؟" أما الرجل المكتنز العصبيّ، فسأل في اقتضاب :"حجم تبانك الداخليّ". أنا شخص سريع النسيان لكنني اجتهدتُ فعلا كي أجيب عنها جميعها. لم يبد أن إحدى الأسئلة يوحي بالورطة التي أنا فيها، لكن لا حيلة لي.

"بم حلمتَ الليلة؟"
هذا سؤال تصعب الإجابة عليه بالدّقّة الكافية. علميّا يحلم الانسان طوال فترة نومه، و لكنه لا يذكر منها الكثير. هل قال إن النسيان إجابة غير مقبولة؟
"الحلم الذي أذكره جيّدا كان يخصّ لقاء في مقهى، مع خطيبتي السابقة."
"حاول أن تذكر كيف كان المقهى. لون المقاعد مثلا، شكل الفناجين، هل جلستما داخل المحل أم خارجه؟"
"كنا خارج المحل، و كانت المقاعد غير مريحة، خشبية بيضاء، أما الفناجين فكتبَ عليها Lavazza لكن لا أعتقد أن القهوة المقدمة كانت كذلك."
أحسستُ بلمعان عينيه من خلف النظارتين السوداوين، و اقترب بوجهه مني و هو يسأل :"المقهى، ما كان إسم المقهى؟"
كان السؤال صعبا و كان عليّ أن أذكر. ماذا كان اسم المقهى؟ كان مكتوبا على لائحة المشروبات الملقيّة على الطاولة. هل كان Starbugs ؟
"انت تقصد Starbucks أليس كذلك؟"
"اجل ربما."
"أجل، أم ربما؟"
"أجل."
"جيد. و ماذا كنت تفعل مع خطيبتك السابقة؟ أعني هل كنتما لا تزالان مخطوبين إلى بعضكما البعض في الحلم؟"
"كان لقاء فسخ الخطوبة. لم يكن شبيها بما حدث في الواقع. فقد حلمتُ بمشهد أكثر هدوءا و رقيّا مما حصل بالفعل. قلتُ لها إنني لا أزال أحبها، و حاولتُ أن ألقيَ عليها شيئا من شعر محمود درويش الذي لا أفهمه ويبدو مؤثّرا، لكنّها طلبت مني أن أخرس، ثمّ نزعت الخاتم الماسيّ الذي كانت تلبسه و رمته في فنجان قهوتي. كان حلما لا بأس به. الأحلام تجعل كل شيء جميلا. كانت خطيبتي تلبس فستانا جميلا، و عقدا لا أملك ثمن النّظر إليه من وراء الواجهة الزجاجيّة. كان ذلك من أسباب فسخ خطوبتنا في الواقع. أما في الحلم، فقد كان قالت أشياء تتعلق بمشاريعها وطموحاتها. لا أعتقد أنّ خطابها تضمّن تفصيلا لما تريده حقّا، فقط بعض الكلام المنمّق الذي جعل الموقف تراجيديا بما يكفي لأشعر أنّني غير محظوظ لا غير. حينما تخبرك حبيبتك إنك لا تملك ثمنها، لن تملك حينئذ ترف اللجوء إلى التراجيديا...
تركتُها تنهض و استرقتُ نظرة أخيرة إلى خصرها الشيطانيّ، و احتفظتُ بصمتي و خيبتي. و حينما غابت رائحة عطرها عن المكان، رنّ هاتفي. كانت أمي تهاتفني لتخبرني إنها وجدت محلا جيدا لكراء لوازم الأفراح."
"و ماذا كان نوع الهاتف؟"
ممم... أعتقد أنه كان نوعا أمريكيا. أيفون شيء ما."

اِبتسم الرجل في رضا عن إجابتي، و استدار إلى زميل له ما انفكّ يكتب على آلة ما، و كأنه يتأكد أنه لم يفوّت شيئا ممّا ذكرت. ثم إنه عاد يتطلّع إليه بهدوئه المهيب، و قال أخيرا :"أنت متّهم بالسرقة الموصوفة."
سرقة؟ متى حصل هذا؟ أنا لا أذكر أنني سرقتُ شيئا. مظاهر الحياة في غرفتي تؤكد كذلك أيضا. لكنّ هؤلاء الرجال يعلمون ما لا أعلم. سألتهم في فضول حقيقيّ :"ماذا سرقتُ؟"
تطلّع بعضهم إلى بعض في قلق، هل هذا الرجل مجنون؟ لستُ مجنونا و لكنّني ـ أعذروني ـ فضوليّ بعض الشيء.
"آسف، أردتُ فقط أن أعرف، لم أقصد أن.."
"الحلم الذي وصفته. أنت تصف بدقة وصفاقة مذهلة المشهد الملحميّ من فيلم "الرجاء الأخير". أنت خرقت قانون الملكية الفكرية، و استعملت مشهدا من إبداع غيرك استعمالا شخصيا من دون إذن صاحبه. هذا يعرّضك لعقوبة بغرامة مالية، و ربما قد تصل الأمور إلى السجن. أنت في ورطة فعلا."
"أنت تعني أن ما حلمتُ به، لا أملكه؟ أعني، لقد كنتُ أنا في الحلم، و لم يكن ذلك الممثل الوسيم. أنا لستُ بوسامته حتى أخلط بيننا، و إلا لما تركتني خطيبتي." 
"هل شاهدتَ نفسك في الحلم؟"
"كلا طبعا فأنا أنظر بعينيّ، أعني تقنيا لا يمكنني..."

"و هل أنت واثق من أن تلك الجالسة أمامك كانت خطيبتك؟ هل تذكر جيدا صورتها؟"
"ليس تماما، و لكنني أعرف أنها خطيبتي."
"هذه من ألاعيب العقل، لم تكن خطيبتك، ذهنك يخدعك. نحن نعرف."

هو يعرف طبعا، هو يعرف كل شيء، و الواضح أن معرفته بتفاصيل الحلم أعظم من معرفتي، ربما كانت التفاصيل مسجلة عندهم بإذن قضائيّ طبعا. الخصر الشيطانيّ إذا لم يكن خصرها. هذا يفسّر أشياء كثيرة...
"أنت ذكرتَ بالفعل تفاصيل المشهد تماما كما في الفيلم، المقهى، المقاعد، المرأة، لباسها أيضا كان كما وصفت، و حقوق الملكية مسجّلة و محفوظة باسم الشركة الراعية، و هي كما تلاحظ لا تريد أن تتسامح كثيرا بشأن حقوقها. في الواقع لقد تسامحت كثيرا و تريد أن تضع حدّا للتجاوزات. الناس لا تفهم كثيرا أي مجهود يلقاه الفنانون اليوم كي يبتدعوا شيئا جديدا، كل شيء ابتدع بالفعل، و النقد لا ينفكّ يضيّق فضاء الابداع. بعضهم اعتبر أن كل القصص هي في الأصل قصة واحدة تتكرّر بقوالب مختلفة. صورة تجعل من القصص شيئا مملا. بعضهم حدد عناصر القصة بالفعل، إن خرجتَ عنها فلا يلتفتُ إليك أحد. رياضيا يوجد عدد من محدود من الاحتمالات تحصل عليه من خلط هذه العناصر و مزجها و تركيبها. و مع العدد الضخم من المبدعين اليوم، بات الفنّ عملية شاقة جدا، شركات الانتاج تخاطر بأموالها كي تقدم لك أشياء جديدة، و أقل ما يفعله المرء أن يحترمها."

"و لكنني اشتريتُ ثمن التذكرة بالفعل حينما شاهدتُ الفيلم."

"التذكرة تضمن حق المشاهدة، لا حق استغلال ما شاهدته. إنك تتميّز باستهتار غير مسبوق. اُنظر إلى عدد الاسماء التجارية التي استخدمتها، من سيدفع لها حقوق استخدامها؟ الشركة الراعية تفعل ذلك بالفعل. ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحلم؟ ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحاول استحضار صورة حبيبتك التي تركتك؟"
"أنا بالفعل لم أفكر في ذلك. معذرة، و لكنني لم أكن أقصد. لقد باغتني الحلم و .."
"هذا ما يقوله المذنبون في كل مرة. لم تكن تقصد. بغير إرادتي. غير متعمّد... يتملّص الإنسان من مسؤولياته ملقيا بها إلى جانبه المظلم. يمارس كل رغباته الشيطانية خلف قناع واع و هادئ و أليف. لم تكن تقصد؟ من أدراك أنك لم تكن تقصد؟ أنت أحببت المشهد بالفعل، شيء ما في جسدك تفاعل مع المشهد هناك في قاعة العرض، و اختزنه في ذهنك، شيء ما رغب في استعادته على هذا النحو، فقط كونك جبانا هو ما جعل تلك الرغبة دفينة، تنصلك من المسؤولية هو ما جعلك "لا تقصد". إن الشعور بالعفوية ضرب من الفشل، أنت شخص فاشل، غير قادر حتى على صنع حلم مبتكر، تسرق أحلامك من صنائع الكادحين."

لسبب ما أجهله، شعرت أنه على حق. ليس فقط لأنّه رجل سلطة وخبير في هذه الأمور. ولكن لأنّ كلامه يبدو عميقا ومهيكلا. على كلّ حال لم يكن ذلك ما كنت أفكر فيه. كما ذكرتُ، أنا شخص فضوليّ، و كان السؤال الذي يجول في ذهني...
"ما شاهدتُه إذا هو ليس لي. ربما لا أمتلك أحلاما، و غير قادر على الحلم. هل سيتغيّر هذا الشعور إذا ما اشتريتُ لي حلما؟ هل سأشعر أنه منّي فقط لأنني دفعتُ ثمنه؟"
"من الجميل أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك أحلامه، لكنّ الحقيقة أنه هِـبَـتُها. أنت كشخص سلبيّ ذي طبيعة استهلاكية تعيش أساسا داخل غرفتك. خارجها أنت مختلس تقريبا. كإسفنجة ضخمة تتمسّح على عتبات الشارع الكبير وتمتصّ افرازات الآخرين. تعود إلى غرفتك وأنت تجرّ وراءك أحلام مجتمع بأكمله، أفكاره، مخاوفه، ما يحبّ و ما يكره. يخرج الإنسان الناجح إلى مجتمع يضجّ بأحلام الآخرين، يقترض منها ما يناسب روحه، يعجنها، يقلّبها، ويبثّ فيها شيئا جديدا. أما الآخرون فيكتفون بالالتهام. أنت مثلا. هل تذكر ما راودك من أحلام هذه الليلة عدا هذا المشهد؟ لا داعي للإجابة، فكلانا يعرفها. أنت اخترت النظر إلى الوراء، اجترار ماضيك و تزيين خيباتك ببعض الماس و الملابس الرقيقة. لكنّك حتى في هذه كنت فاشلا. المجتمع يقدم لك مشاريع أحلام مجانية، لكنّك تفضل المشاهد الجاهزة. عموما، هي متوفّرة قانونيا، و يمكن شراؤها كما يمكنني أن أؤكد لك، أنها من الاتقان بمكان فلا تشعرَ إلا أنها نابعة من أعماقك. حتى لو كنتَ تعرف عكس ذلك، فغريزتك المنهزمة ستتكفّل بتزييف الحقيقة."
"و ماذا لو أنني اشتريتُ الحقوق و لم أحلم؟"
"هناك خبراء يمكنهم التحقق إن كان السبب تقصيرا منهم، أم من خلل في جسدك. و اسمح لي أن أخبرك أنك كشخص فاشل، معرّض بشدة إلى هذا الاحتمال. عموما هناك شركات تقدم عروضا غير مكلفة و تضمن لك أحلاما لا باس بها. أحلاما مستعملة مثلا، أو أحلاما من الصنف الثاني."

"أن أشتريَ حلما. ربما كنتُ بحاجة إلى حلم ما حقا... هل يمكنني أن أشتريَ حلما مشخصنا؟ اعني، أختار تفاصيله كما أريد. كما ترى، لستُ خلاقا و لا مبدعا و لكنني كلاسيكيّ."
"هذا ممكن و لكنه مكلف بعض الشيء، ثم إنه يجب أن يمر عبر مكتبنا. نحن نكفل حرية أن تحلم، لكن كما تعلم، بعض الأحلام قد تهدد الأمن القومي. المتهورون كثر، و هم ينصتون كثيرا لأحلام ليست لهم، و أحيانا يسيؤون فهم ما يرون. نحن هنا لنرشد التائهين، أو من يعانون من سوء الفهم المفرط. يمكننا أن نقدم نصائحا لكنّنا لا نحب أن نبدوَ كمن يفرض شيئا ما على المواطنين. سنتركك تختار ما تشاء، ثم نتدخل عند الضرورة."
 أومأتُ برأسي في تفهّم، من الواضح أنّ أمثالي يسببون مشاكل ضخمة لهؤلاء السادة المحترمين. شعرتُ بخجل شديد، و الأسوأ أنني لا أملك المال الكافي للاستجابة إلى دعوته. خمّنتُ أن الحياة أهون من الحلم، كلاهما يبدو زائفا، لكن الحياة أقل إثارة و انفعالية. ربما لذلك هي أرخص ثمنا... قلتُ لمخاطبي المحترم إنني أفضل أن أتناول عشائي باكرا و أتأكد من دفء جسمي حينما أنام.
"خيار فيه شيء من المخاطرة. إن أي خطإ سيجعلنا نعود. لا نحب أن نقصّر في عملنا، فالمجتمع في حاجة إلينا."
"و الشركات الراعية أيضا."
"هي جزء من المجتمع، كما ترى، هي خير من يسهر على ابتداع أحلام جديدة للمجتمع. من الجحود انكار هذه الحقيقة. و من الجحود أيضا أن نشجعك أن لا تحلم. لكن إن كنت عاجزا، و لن أستغرب ذلك، فهناك حبوب تضمن لك أن لا تحلم. ثمنها غير مرتفع. المهمّ الآن، كيف تريد أن تدفع الغرامة المالية؟ عبر أقساط أم دفعة واحدة؟
الناشر حاصل على حقوق نشر هذه الصورة طبعا




 فاروق الفرشيشي
16/02/2014
حقوق النشر و التأليف غير محفوظة

Wednesday, February 12, 2014

العقول المَـثْـنَـــوِيَّة

لا أتحدث هنا عن طريقة نظم فارسية، و إنما عن نظام عدّ تستعمله كل الأجهزة الالكترونية. يسميه أحفاد شكسبير Binary number system وهو عكس النظام العشري الذي تعرفه، لا يملك الا رقمين اثنين هما صفر وواحد. ومن هذين يمكن اختراع بقية الاعداد:
0 -> 0
1 -> 1
2 -> 10
3 -> 11
4 -> 100
5 -> 101
وهكذا باستعمال رقمين فحسب، يمكن للآلة فعل المعجزات! يمكنها هذا النظام من تصوّر أشياء شديدة التعقيد و التركيب، على اعتبار أن كل شيء مركّب يتكون من أشياء أكثر بساطة. في الواقع لا أعرف إن كانت هذه القاعدة تعمل على الأنظمة الطبيعية، فطريقة عمل النظام الشمسي تبدو أبسط بكثير من طريقة عمل الشمس نفسها، و سلوك الإنسان يبدو غالبا أكثر قابلية للتوقع من سلوك الذرات التي تكون جسمه.. هل العقول مثنوية؟ أعني هل تعمل وفق نظام العدّ المثنويّ (أو الثنائيّ لمن لا يحبّ الحذلقة) أم أنها أكثر تعقيدا من ذلك؟ يقال إن المعطيات (data) تتردد في المخّ وفق شحنات كهربائية و هو ما يحيلنا بالفعل إلى منظومة مثنوية. لكنّ ما يهمني من كل ذلك، هو تلك الحقيقة التي تقول إن العقل قادر على تصور أنظمة شديدة التعقيد و التركيب، أكثر بكثير من جهاز الكمبيوتر. أقول "قادر"، لأنني أعتقد أن أغلب العقول لا تمارس ذلك بالفعل، و تسبب جرّاء ذلك، الكثير من الرداءة.. أعتقد أن تلك الرداءة هي ما يجعل الحياة عسيرة في هذه البلاد.. 

حينما نبدأ بفهم الأشياء من حولنا صغارا، نتعلم قاعدة أساسية تتمحور حولها سلوكاتنا : هذا جيّد. هذا سيء. كل ما نحاول فعله أو فهمه يمرّ عبر هذا السؤال : هل هو جيد أم سيء. فيما بعد يتخذ المفهومان أشكالا عديدة، خير و شر، الله و الشيطان، ربما سكاي وولكر و دارث فايدور، أو الكابتن ماجد و الكابتن بسام ... لا أعرف، لكن المقاربة المثنوية حاضرة هناك.. فيما بعد تتكفّل ثقافة المرء و تجاربه بتعليمه أشياء كثيرة و تعقيد المشهد من حوله.. يتعلم المرء أن الخير و الشرّ مثلا نسبيان عبر المكان و الزمان و الأحداث أيضا.. يتعلم أن الخير و الشرّ تقييم لا يناسب مواقف و أنظمة أخرى كثيرة. الانسان يدرك الواقع عبر قوالب ذهنية (models) أكثر يسرا للاستيعاب، تأخذ هذه القوالب أشكالا شديدة البساطة في البداية، و مع اكتساب المعرفة، تأخذ هذه القوالب أشكالا أكثر تعقيدا.. 

في الماضي كان الانسان يعتقد أن الأرض مسطحة، حينما اكتشف كروية الأرض، اعتقد أنها كرة مثالية (perfect). لم يلبث فيما بعد أن أدرك أنها يجب أن تكون مسطحة على مستوى القطبين، كبرتقالة. طبعا شكل الأرض أكثر تعقيدا و أبعد ما يكون عن الأشكال الهندسية المثالية التي نستعملها في الهندسة الاقليدية. لكن بعض الناس لا يزال يجد بعض العسر في استيعاب الشكل الكرويّ الأول. إن التفاوت في القدرة على تصوّر الأشياء و إدراك مستويات تعقيدها أمر طبيعيّ. الطبيعة قائمة على التفاضل (أمر قد لا يعجب الكثيرين و لكنه ليس موضوعنا الآن). لا يمكن لشخص مهما بلغت درجة ذكائه و معارفه و خبراته أن يتمثّل في ذهنه الأشياء كما هي بالضبط في الواقع، لكنّه يطوّر قوالبه الذهنية و يعقّدها أكثر فأكثر. و لا يمكن أن يتساوى الناس في درجة التعقيد التي يمكن لأذهانهم بلوغها. كاتب هذه السطور يجد صعوبة بالغة في استيعاب عالم خماسيّ الابعاد، بينما تجد فيزيائيي مراكز البحث الكبرى، يحاولون تقديم تصور للكون من اثني عشر بعدا! لكن، اعتقد أن هناك حدّا أدنى من التعقيد وجب توفّره عند الانسان حتى يستطيع أن يساير العالم الجديد من حوله.


كلّ الصور تمثّل أرنبا، لكن كما تلاحظون كلما ارتفعت درجة تعقيد الصورة (عدد المثلثات التي تشكل سطح المجسم) كلما ازداد وضوحا.

الأمر جادّ صدقوني. أنا لا أتحدث عن مجرد صور تعلق بالذاكرة. أنا أتحدث عن طريقة عمل الذهن، التي تجعلنا ما نحن عليه. حينما أتأمل الرداءة التي تحيط بي من كل جانب. أعتقد أن أحد أسبابها الأساسية، هو بدائية القوالب التي نمثّل بها الأشياء و المواضيع و الحقائق من حولنا. حينما تسود بدائية القوالب في مجتمع ما، فهو مجتمع بدائيّ، مهما امتلك من تقنية و أموال.. خطورة المسألة ترجع إلى أن غالبية أفراد هذا المجتمع، تسيطر عليهم طرق التفكير المثنوية، التي تختزل الأشياء في الأبيض و الأسود.. إن الاستقطاب الثنائي الذي يجمع على وجوده الجميع في تونس، موجود تقريبا في أغلب دول العالم. لماذا اذا يبدو لنا الاستقطاب الثنائي غير طبيعيّ في تونس؟ أعتقد أن السبب يكمن في التفكير المثنويّ. هنا، يشيطن الناس بعضهم البعض لا لتوفر المعطيات الوجيهة و لكن فقط لأنه لا يستطيع رؤية العالم من وجهة النظر المقابلة. 

ماذا؟ تقول إن ذلك لا علاقة له بالقوالب البسيطة إنما بالتعصب. و ما هو التعصب؟ أليس عدم القدرة على رؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة؟ لا أطالب الشيوعيّ بأن يؤمن بالفلسفة الليبرالية. لكن عليه أن يفهم أن الليبرالي ليس بالضرورة شخصا جشعا يريد أن يعيش على جوع الآخرين.
المتعصب هو شخص يجد صعوبة في ايجاد قوالب ذهنية مركبة و عديدة. لذلك يفضل تلك القوالب البسيطة الجاهزة. الكليشيهات التي تنشأ لتردد انموذج ما أكثر من غيره. الكثير من المبرمجين يستعملون النظارات لذلك نشأ هذا القالب الجاهز الذي يربط مباشرة بين مبرمج الكمبيوتر و النظارات. مبدأ الربط هذا مزروع في الجينات البشرية لأنه يساعد الانسان في الكثير من المواقف. لكن على الانسان أن يرتقي بوعيه إلى ما فوق هذا السلوك اللاواعي حتى لا يتحكم في نظرته الى الأمور. هذا الخطأ المنهجيّ هو تقريبا ما تقوم عليه النظرة المتعصبة تجاه الآخر. تقابل فتاة محجبة فتسقط عليها آليا قيم التقوى و الورع. . يتشكل في ذهنك ذلك القالب البسيط الجاهز الذي تجمع تحته كل المججبات. و قد تجدها تمارس سلوكا يتنافى و ذلك الذي 'يجب أن تكون عليه المحجبة' فتسقط حكمك عليها و على المحجبات جميعا. (لماذا انت بحاجة الى اطلاق حكم ما اصلا فتلك قضية اخرى) كل هذا و انت لم تسمع عنها فكرة واحدة. حاجتك الى القوالب الجاهزة سببها عدم قدرة ذهنك على تمثل قوالب أكثر تعقيدا. محجبة لكنها غير مسلمة. لها افكار خاصة ربما شاذة لكنها افكارها هي و ما يجعلها هكذا.

ايضا يميل المتعصب الى تصنيف ثنائي جامد : ما هو مثلي فهو جيد و خير و صحيح في كل شيء. الآخر هو كل تلك الصفات السلبية. المسلمون جميعهم حمقى و جهلة. الادهى ان تسمع من يقول : المسلمون جميعهم متعصبون. هذه قولة مشطة في الانفتاح!

من اين يأتي هذا العجز عن فهم القوالب المعقدة؟ ربما هناك اسباب عديدة. لاحظوا انني لست اقوم بدراسة معمقة هنا. لكن هناك شيء ما ليس على ما يرام في تربيتنا. كل شيء من حولنا يتمثل الاشياء بسذاجة. اغانينا تصور مواقف بدائية من العشق و الوحدة و حب الوطن. اشعارنا تكرر ذات الصور الساذجة. قصصنا و افلامنا و مسلسلاتنا - الا ما رحم ربي - ترنو الى الخير المطلق و الشر المطلق. تلفزاتنا الملونة تبث سموما بيضاء و سوداء منذ القرن العشرين و لم تتغير. و مواعظ شيوخنا لا تزال تحدثنا عن سابع جار و نحن نعيش في مبنى لا نعرف عدد سكانه و لا متى نغادره.. 

هل علينا أن ندرس جميعا النظريات الرياضية المعقدة حتى تتجاوز أذهاننا حاجز التفكير المثنوي؟ و هل على التلفاز أن ينقل لنا مباشرة وقائع الاعلان عن اكتشاف بوزونات هيوغز حتى نصبح قادرين على قبول الاختلاف و عدم شيطنة الآخر؟ ربما يوما ما. لكن لأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، فأعتقد أن الارتقاء بمستوى الفنّ و الأدب في هذه البلاد و لو خطوة واحدة، أمر ضروريّ أو بلغة الكمبيوتر تعليمة رقم 0.

Thursday, January 9, 2014

قمامة المجنون

من وحي لحظة حقيقية..

أنا ابن مدينة ميّـتة..
كلّما عدتُ إلى أحضانها، يستقبلني صقيع أناملها. لستُ غريبا و لكنّ أناملها باردة، و وجهها شاحب، و عيون أهلها سقطت مع خضرة أشجارها التي كانت تتخضب بها.. أسير في شوارعها متتبعا أثر طفولتي، لكن الشوارع فقدت ذاكرتها.. صدى الماضي يتردّد في خجل على ألسنة المارّة و رواد المقاهي، فبدا كأنه تسجيل خافت لأصوات المدينة حينما كان فيها حياة أو بعض حياة.. هل تغيرت المدينة؟ و هل يتغيّر الموتى؟ بعض الضمور لا أكثر.. التغيير لعبة من ألعاب الحياة.. ، ثم إنّ سمعك ينتبه إلى صراخ ساخر مقتضب مستهتر، لا هو بالغاضب و لا هو بالمرِح، و قبل أن تلتفت، كانت ذاكرتك قد عملت بما يليق، و إذا بك تبتسم في سعادة و أنت تستقبل وجه "يوسف المهبول"..

و من عادة يوسف حينما يحيّي الناس، أن يهتف بتحيته فتسمعه كل المدينة، و من عادته حينما يسأل الناس بعض المال أن يهتف بالسؤال فيعلم الجميع حاجته.. و حاجته يسيرة، لا تشقّ عليه و لا على مانحيه.. فيعود وسط النهار أو آخره بشيء من الخبز و التبغ و جريدة لا يعلم أحد ماذا يفعل بها. 
هو لا يبحث عن عمل و لا يبدو أن أحوال البلاد و العباد تعنيه و تشغله.. و أي أمر يشغل بال هذا الرأس الأشعث الأشيب الكبير؟ إنه مجنون، لذلك لا يلتفت إلى أخبار عالم لا يعرفه. العالم عند يوسف، هو هذه الطريق التي تمنحه قوته، و البشرُ، هم هؤلاء الذين يلقاهم هنا. أما أولئك الذين تجود بهم شاشات التلفاز و صور الجرائد، أولئك الذين لا يرى جنونه في أعينهم المستغرِبة المشفقة، فلا يعينه أمرهم، و لا يعترف بوجودهم.

حكمة البشر ترنو أن تجد سببا لكلّ طريق نسلكها. الحاجة تصنع السبيل و تُوجد الهدف. و لأن يوسف لا يملك شيئا من حكمة أهل مدينته، فهو ينطلق في شوارعها بلا سبيل و لا هدف. لكنّه يجدّ في سيره، و ينظم خطواته في حركات عسكرية تخلق شيئا من الضحك البريء هنا و هناك.. حيثما يمرّ يوسف، يذوب الجليد عن الوجوه، و تنبت ابتسامة دافئة متحدّية الزمان. تبعته متعجبا لخطواته الواثقة، و يده التي تمتد أحيانا إلى المارّين كأنها تعطي و ليست بآخذة. 
كيف يعرف المجنون طريقه؟ تلك القدمان الحافيتان الغليظتان. كأنهما تسألان الأرض في كل خطوة عن الخطوة التالية. هذا الجسم الضخم الذي كسته ثياب الحشمة، لا يبدو محتاجا إلى عقل ليهتديَ إلى طريقه. و لأنّ الفضول قد امتلكني، فقد أصررتُ على تتبّعه.. تجاوز الحديقة الكبيرة، و عرّج نحو سوق المدينة.. صوت العصافير و الرائحة الكريهة، جاران أزليّان هنا. يلقي يوسف التحية على العصافير بشيء من الصفير الرقيق الذي يجيده، و يتجه نحو الرائحة الكريهة كأنه على موعد مع فطور الصباح. لقد بدأت طقوس نبش القمامة..

يروي الناس قصة يوسف مع الجنون بشيء من الحسرة، و يضفون عليها ألوانا شتى من الدراما و من ألاعيب الخيال. قيل إنه على قدر كبير من الثقافة، و إنه اجتهد في علمه حتى ذهب به إلى بلاد الألمان، و إنه بذل من نفسه في تحصيل العلم بقدر ما بذل في تحصيل المال، فكان يرسل كل ما يبقى له إلى والده حتى يبنيَ له بيتا و يعدّ له العدة لعودته. و حينما عاد إلى الديار، اكتشف أن والده بذر ماله في أرحام بنات الحلال، و لم يترك له مليما واحدا. فكان ذلك سببا لخروجه عن حكمة البشر. و الحق أن القصة بدت لي أشبه بحكايات البوذيين، حتى إنني أتساءل أيّ عبقريّ صاغ أسطورة كهذه. أهو اللاوعي الجمعيّ حقا؟ أم هي طبيعة الحياة؟ و هل قصة كهذه تدعو إلى الحكمة أم إلى الجنون؟

وجد كتابا.. 
أخرجني المشهد من تأملاتي، فعدتُ أراقب يوسف مستندا إلى شجرة كينا (كالاتوس) نجت من مجازر بلدية المدينة. قلـّب الكتاب بين يديه المكتنزتين، و مسح عنه القذارة في عناية و اهتمام. ثم فتح الكتاب و بدا كأنه يقرأ بعض ما فيه. هل يجيد المجانين القراءة؟ ربما يجيدون قراءة كتب القمامة، فالحكمة تقضي أن لا يقرب المرء من القمامة و أن لا يفتح كتبها. اِبتعد عن الحاوية و محيطها مكتفيا بالكتاب الذي لقيه. كتاب كبير، أصفر الغلاف، لم تذهب بلمعانه القمامة، و لا تجاهلُ العاقلين. و الأرجح أنه معجم، يهدي الباحثين عن المفردات، و يجيب السائلين عن المعاني. هذا الجسم الذي ذهب عقله و تركه حافيا شبه عار يقتات من المارّة و القمامة، يهتمّ للغة و المعاني؟ ماذا يفيد منها؟ أيْ يوسف! إنك لتدهشني!

لكنّ الرجل لم يكتف بتنظيف الكتاب فحسب، بل إنه رفع رأسه و نادى الطفل المارّ بقربه ببساطة كأن بينهما قربى :" يا حمّادي! هاك كتاب، هاك!" و لأنّ الطفل لا يسمّى حمادي، و إنما هو اسم ينادي به يوسف جميع العاقلين، و لأن حكمة العاقلين قد تسرّب بعضها إلى رأسه الصغيرة، فقد ارتبك و جزع لهيئة المجنون المريعة، و خشيَ أن يصيبه مكروه، و ظنّ أنه غير معنيّ بالنداء. لكنّ شكل الكتاب أعجبه، و حمله على الثبات. أما يوسف، فلم يكن ليلحظ كلّ ذلك، كان جسده يستعيد مشيته الثابتة المتواضعة البسيطة، و هو يتقدم نحو الطفل فاردا يده بالكتاب نحو الفتى. فكّر الفتى قليلا، ثم اختطف الكتاب من يد المجنون و ركض مبتعدا، أما يوسف فأطلق ضحكة ساخرة و هتف مبتعدا : "أقرا مليح عاد!" 

هممتُ أن أتبع يوسف، لكن سمعتُ هتافا حيث ذهب الفتى، فاستدرتُ أتابع ما حلّ به. كانت امرأة تنهره و تفتكّ الكتاب من يده. لعلّها أمه و قد رأته يأخذ الكتاب من المجنون. أسمعها تصرخ فيه مربيّة :" كيف تأخذ زبالة هذا المجنون؟ هل ينقصك كتاب في المنزل حتى تتسول من المتسولين؟! أعد الكتاب إلى القمامة و لا تعد إلى ذلك ثانية! تحرّك!"

للعقلاء حكمتهم، و للمجانين ضحكتهم الساخرة و كتبهم التي ترشدهم إليها أقدامهم الحافية.. للعقلاء مدينتهم الميّتة، و للمدينة مجانينها الذين يحيونها للحظة أو يزيد قليلا. فالمدينة و إن ذبلت، بمجانينها.

كانون الثاني 2014




Tuesday, December 31, 2013

الدخول إلى الفراغ

لم يكن ديكارت يؤمن بالفراغ، بل كان يعتقد أن الكون مليء بالحبيبات الدقيقة التي تمرّ عبرها المادة كما يمرّ الجسم الصلب عبر الماء. و في زمن ليس ببعيد كان العلماء يقدّمون الأثير على أنه ما يحمل الذبذبات حينما لا يوجد هواء. كان الانسان يرفض فكرة الفراغ، و يلحّ في رفضه حتى تبيّن له أن الفراغ لا يملأ مساحات ضخمة من الفضاء الرحب فحسب، بل إن جسده نفسه أغلبه فراغ و شيء بسيط من المادة!

عادتي مع الأفلام أنني أكوّن عنها فكرة مسبقة تشكّلها صورة البوستر، و طبيعة الأشخاص الذين نصحوني بها، و ربما شريط التقديم (trailer).. و عادتي هذه لا تخيب كثيرا، غير أنها هذه المرة أساءت التقدير أيما إساءة. و ما ظننتُ بفيلم Gaspar Noé سوءا قطّ، و لكنني اعتقدتُ أنه فيلم افضل ما فيه طابع الصدمة و روح الجرأة التي تلوّن بلونها. فإنك تلقاه تقريبا في كل قائمة لأكثر الأفلام جرأة أو استفزازا. خصوصا و أن الرجل ضالع في ذينك الخصلتين أيما ضلوع. و كاد اعتقادي يمضي نحو اليقين مع مشاهد الفيلم الأولى، الاضاءة الضبابية، و المكان الفوضويّ القذر، و عالم المخدرات و الموسيقى التي تنبئ بالكثير من الفساد في الأرض. هذا فيلم آخر عن الادمان.. لقد كان شريط "صلاة للحلم" (Requiem for a dream) شافيا و وافيا في هذه المسألة، و لا أدري أي جديد يمكن أن يقدّمه فيلم آخر. و ازداد ضيقي حينما أطال المخرج مشهد الهلاوس البصرية التي رافقت البطل (أوسكار) خلال رحلته مع عقار الـ LSD .. لماذا هذه الإطالة؟ كم طول الشريط؟ ساعتان و نص الساعة؟ هل سيمضيها المخرج في هلاوس سخيفة من هذا القبيل؟ فجأة لاحظتُ أن القُمرة (أعني الكاميرا طبعا، و أدعوك أن تتعوّد على هذه التسمية ـ الأصيلة ـ :v ) تصّور تماما ما يراه أوسكار كأنما هي عينه الثالثة، و حينما وقف قبالة المرآة كانت القمرة تبدو بالفعل كإحدى عينيه، ترى وجه الرجل منعكسا على المرآة و هو يغسل وجهه. اللعنة! كيف فعلها المخرج؟! هنا فقط أثار الفيلم انتباهي، و أعدتُ الشريط إلى بدايته...

أوسكار شاب أوروبيّ أوجدته الظروف في طوكيو رفقة أخته ـ عائلته، فعاشا فيها يسترزقان من تجارة المخدرات و فنّ التعرّي، طبعا لكم أن تستنتجوا دور كلّ منهما.. هذا صديق اوسكار المراهق، يطلب جرعة جديدة من المواد المخدرة. إنه فتى غرّ معجب بأوسكار و يبدو أنه يتعاطى المخدرات لأنها طريقته الوحيدة ليتواصل مع صديقه هذا.. في ما بعد سنعلم أن أوسكار واعد أمه غير مرة.. لكنّ هذا ليس مهمّا، سيمضي أوسكار و صديقه إلى محلّ التعرّي الذي تعمل فيه أخته، ليسلم البضاعة إلى صديقه المراهق فيكتور. كان أوسكار نصف واع، و كانت القمرة تصف حالة اوسكار ببراعة مذهلة، حتى لكأنك أنت المخدّر. ألاكس صديق أوسكار يحدّثه أشياء مبهمة عن تناسخ الارواح، و النفق الطويل الذي ينتهي بنور أبيض، و عن هيام الروح حيث كانت تعيش زمنا قبل أن تستقر في جسد جديد. و لكنّه لا يهتمّ كثيرا، كان خائفا من أن يُفتضح أمره، بدت له المدينة مكتضة، بدت له كثيرة الأضواء تماما كذلك المجسّم الذي صنعه صديقه لمدينة طوكيو. هو ذا المحلّ.. هو ذا فيكتور.. هنا يبدأ الفيلم!

لن أخوض في تفاصيل الفيلم، لأنه لا يترجم إلا كلام، إنما هو تجربة تعيشها كما يعيشها بطل الفيلم تماما.. القُمرة تتحرّك عبر مدينة طوكيو المضيئة في ظاهرها، المظلمة في باطنها. سلاسة تتنقل بها عين المخرج بين جدران المدينة و طوابق ناطحات السحاب فيها، كأنها سلاسة الروح الهائمة الضمآى إلى الراحة الأبدية.. و بمثل تلك السلاسة، ينتقل الحديث بين ماضي أوسكار و عقد الطفولة، و الصدمات التي شكّلت شخصيته، و واقع حياته في طوكيو و تفاصيل الأشياء من حوله، التي شكّلت مستقبله، أو لنقل، كانت سببا في ما حدث له.
لعبة البازل (Puzzle) الممتعة التي يقدمها لك المخرج لتلملم شتات قصة أوسكار منذ خروجه من رحم أمه، حتى موته، هي الجزء الممتع في الفيلم. أما الجزء المثير، فهو حتما ما سيتبادر إلى ذهنك من أسئلة و أنت تشاهد شيئا محبوكا بعناية كهذا. و لو أنك تابعت الفيلم بشيء من الاهتمام، فقد ترهقك الأسئلة و الافكار و الاستنتاجات، لكثرتها و ثرائها، حتى إن النهاية لن تفاجئك كثيرا، بل أعتقد أن عليك أن تتوقعها منذ منتصف الفيلم تقريبا، و إن المفاجأة حقا، هو أن لا تلقاها في آخر الفيلم.

لقد تجاوز Gaspar Noé فكرة الاستفزاز المجاني، و قدم ملحمة شاعريّة تذكرنا كثيرا بأوديسا الفضاء، حينما يكون العنصر السمعيّ البصريّ كافيا لمخاطبة المشاهد، و اثارة الافكار في ذهنه، و اثارة المخاوف و الشكوك و التوجس في قلبه. تنتقل القمرة بذات السلاسة و يصحبها النغم الهادئ المستفزّ، مع كوبريك في ربوع الفضاء الصامت، و هنا خارج الزمان و المكان، في عالم .. احم.. اترك لكم متعة الاكتشاف! بل لعلّ Noé عمد إلى التشابه عمدا، حتى كانت النهاية واحدة تقريبا.

------------------------- SPOILER ------------------------
و لئن بدا رضيع كوبريك ايذانا بميلاد "الأرقى من الانسان" Der Übermann كما صوّره نيتشه، فإن لسائل أن يسأل عن هذا الرضيع الذي انتهى به فيلم Gaspar Noé.. انها البداية الجديدة حتما، لكن هل لها علاقة بـ "الأرقى من الإنسان" النيتشويّ؟
غير أن الاختلاف الحقيقيّ بين الصورتين، هو الطبيعة الصارمة للخيال العلمي في اوديسا الفضاء، بينما كانت رحلة أوسكار روحانية أبعد ما تكون الروحانية، موغلة في أعماق الميتافيزيقيا، و حينما تساءل كوبريك عن مستقبل الانسان، تساءل Noé عما بعد المستقبل.. ذلك السؤال المرعب التي يحاول الانسان اجتنابه ما أمكن، حتى تجده الاجابة قبل أن يجدها.. ماذا بعد الموت؟

بدت كل أفعال الشخصيات في العالم محاولة للهروب عن هذا السؤال، و بدا أن الوحيد الذي جرؤ عن الحديث عنه، كان صديقه الذي أخذ صورة العاقل الأكثر حكمة و هدوءا. ماذا بعد الموت؟ هل هو العدم؟ هل هو الفراغ؟ تعود إلى تقسيم الفيلم، إلى قسمين، مشاهد ما قبل الموت و مشاهد ما بعد الموت.. سيدهشك أن مشاهد ما قبل الموت كانت شحيحة بالمعرفة، غارقة في الضبابية و الابهام، لا تكاد تدرك منها شيئا، ثم فجأة تبدأ رحلة الروح فوق المكان و فوق الزمان، تؤتى المعرفة و الحكمة، و يظهر لك ما خفي من أمرك، لماذا تحبّ أختك؟ لماذا واعدت والدة صديقك الذي بدا كما لو كان يشبهك؟ فوق المكان و الزمان، لم شيء عبثيّ أو رهين الصدفة، بل بدا كأن كلّ شيء يتكوّن منذ ولادة أوسكار من أجل غرض واحد : الولادة من جديد!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ END OF SPOILER ---------------

يبدا الفيلم بكلمة أدخل "ENTER" و ينتهي بكلمة الفراغ THE VOID، ليجعلك تتساءل، أيها كان الفراغ؟ الحياة أم الموت؟ لا يجيب Gaspar Noé عن السؤال و لكنّه يصوّره تجربة سينمائية فريدة من نوعية، لا أنصحك أن تفوّتها!


Saturday, December 21, 2013

الفيلم اللقيط

هناك قاعدة في عالم السينما تقول : حينما تنتظر شريطا ما لمدة طويلة، فاعلم أن الشريط سيخذلك حتما.
طبعا القاعدة من اختراعي، و لكن أعتقد أنها تعمل بشكل جيد، خصوصا مع السينما الامريكية، و التونسية. ربما لذلك كنت أعرف جيدا ما سينتظرني حينما وقفتُ امام باب دخول قاعة الـ RIO لمتابعة الفيلم التونسي Bastardo .. 

نجيب بلقاضي أثبت في السابق أنه ـ سينمائيا ـ شخص مختلف تماما، VHS كحلوشة، عمله السينمائي الأول، يعتبر بالفعل تعبيرة سينمائية نادرة الحدوث في تونس. حينما تجمع شيئا من المال لاستثماره لأول مرة في هذا العالم ـ المخاطرة، فأكثر ما تفكر فيه هو أن لا يذهب المال سدى، ستفكر في كثير من الصور التي اعتاد التونسيون على الاستمتاع بها، ستفكر في الكثير من "القضايا" التي يدمن التونسيون اجترارها، ستفكر في الكثير من الجنس المجانيّ، لأن الاخوة الفرنسيين سيدفعون المال لذلك البغاء الثقافيّ.. لكنّ نجيب بلقاضي لا يهتمّ بكل ذلك، و هو حتما ما أثبته في Bastardo ..

الصورة، العنوان، حديث بعض الأصدقاء المقتضب، و اسم المخرج، هو كل ما كنت أملكه من معلومات قبل أن ألج إلى القاعة المظلمة. الصورة الوحيدة التي يمكن أن أركّبها من هذا الخليط، تتمحور أساسا حول فكرة اللقيط، و ما قد يعانيه في احتقار و تهميش في المجتمع، و ما يجرّه عليه غياب اسم الأب في بطاقة الهوية من ظلم و تعسف.. ربما يعالج المخرج "القضية" بشيء من الكوميديا مثلا، على غرار شريط "Cinecitta" لو تذكرونه، لكن الفكرة مفهومة و واضحة.. كم كنتُ مخطئا!

في الواقع، بدت فكرة اللقيط أشبه بخيط اجتذاب لا أكثر، احيانا تجاه الفكرة الرئيسية، و احيانا بعيدا عنها.. فكرة رئيسية؟ سيبدو مشطّا الحديث عن "فكرة رئيسية" كما لو أن ذلك كان همّه الاول. كما قلت رؤية نجيب بلقاضي أعقد من هذا التمشي السطحي. هنا، يرسم المخرج عالما متكاملا، بعلاقات متشابكة و مكثفة، و يترك لها صنع الفكرة التي تتشكل رويدا، و بصورة طبيعية طوال مشاهد الفيلم. العنوان اذا قد يكون مراوغة خبيثة من المخرج، دعوة للتركيز على مسألة هامشية، حتى تتكون الصورة التي ارادها هو، امامك دونك أن توليها اهتماما.. أرى بعضكم يتململ في مجلسه و يتساءل همسا : ماذا يقول؟ أليس مالأجدى أن يحدّثنا عن قصة الفيلم حتى نفهم عمّ يتحدث؟ لا لن أفعل، لأنني أحب أن تشاهدوا الفيلم و تستمتعوا بتشكل صوره أمام أعينكم، و لكن سأذكر بسطة عنه حتى تتبيّنوا حديثي..

يروي الفيلم اذا، قصة محسن، Bastardo (عبد المنعم شويات) في حيّ عشوائيّ على هامش العاصمة ـ كما يبدو. و عشوائيته لا تتمثل في طرق البناء الفوضوية فحسب، و انما في كيفية سير الأمور هناك. يطرد محسن من عمله بسبب حبيبته الجميلة التي تجاهلته تماما و صنعت بصمته نجاحا لم يذق منه غير الاحذية.. و في الوقت الذي كان يفكر في حل لمعضلته، تأتيه عبر صديقه السائق (توفيق البحري) فكرة مشروع يجني ارباحا كبيرة من دون أي شقاء. الفكرة لم تلق نرحيبا كبيرا من زعيم الحيّ الارنوبة (الشاذلي العرفاوي) و أمه. يستمر الصراع بين الرجلين الى نهاية الفيلم. و دون الخوض في التفاصيل، فقد شكل هذا الصراع تلك الصورة التي تمثل ربما فكرة الفيلم الرئيسية. أعتقد أن مقاربة بلقاضي كانت عبقرية جدا، و تستحق تنويها خاصا، كعمل سينمائي تونسيّ يتجاوز الرداءة السينمائية التي اعتدناها من سينمائيي الأمس .. لكن السؤال، هل أحسن الرجل استغلال أدواته السينمائية لحبكة هذه الصورة؟

في الواقع أبرز الأدوات التي يجب الحديث عنها هنا، هي الموسيقى. في فيلم VHS كحلوشة، يبدو طبيعيا غياب الموسيقى في عمل وثائقيّ تقريبا. أما هنا، فغياب الموسيقى ـ تقريبا ـ يطرح سؤالا رئيسيا : لماذا؟! بحق الله لماذا؟!
حسن، غياب الخلفية الموسيقيّة في المشاهد، أو في المقاطع الانتقالية، عادة تونسية أصيلة، ربما بسبب تبعيّة التونسيين للمدرسة الفرنسية.. السينما الفرنسية تجاوزت هذه المسألة، و ستجد هذا الشكل في أشرطة بعينها، أما في تونس، فقد ظل التقليد أعمى. (سأستثني بابا عزيز لأنه أصلا يقوم على الموسيقى). غياب الموسيقى يوحي بجوّ من الجدية، و نمط شديد الالتصاق بالواقع. شيء أشبه بالأشرطة الوثائقية. و هو احدى أهم ركائز مدرسة Dogme95 الشهيرة. لا موسيقى، لنترك السينما طبيعية. لكنّ المشكلة هنا، أن لا شيء طبيعيّ في فيلم بلقاضي.
يمارس بلقاضي في كثير من المشاهد كثيرا من فنون الكوميديا : المبالغة، الكاريكاتور، الخيال، الصدمة.. هذه أمور برأيي تصطدم تماما مع غياب الموسيقى الذي يعطيها طابعا جديا غير محبب. سأذكر مثلا مشهد الأم حينما أطلقت كلابها على محلّ ممتلئ بالعباد، و أغلقت الباب. و أيضا صورة "لاعق الأحذية" (و قد أدى دوره ببراعة فائقة) و هو يتلقى لكمات أرنوبة و عضات كلابه الشرسة.. صور كثيرة تجانب المعقول بمراحل، كان يمكن هضمها بكثير من الـ yeah و الـ "بليييدة!" لو رافقتها بعض الموسيقى. لكنّك تبتسم في اعجاب بينما تشعر بشيء من الضيق في داخلك.

----- SPOILER

هذه الجدية قد تؤثر أيضا على موقفك من السيناريو. أشياء كثيرة غير معقولة في السيناريو، و كان يمكن أن تتجاوزها من قبيل : لا بأس انه مجرد عبث من المخرج.. لكن الجو الجاد يجعلك تفكر، ان كان بلقاضي مجبرا على ذلك لأنه لا يملك حلولا أفضل. مثلا فكرة عمود الاتصال هذا، كان يمكن أن يطيح به ارنوبة ثم يطلب من شركة الاتصال أن تضعه عنده، لنقل إن أفضل مكان ممكن هو سطح دار محسن، فالسلطة التي كانت لأرنوبة تمكنه من أن يبتاع منه المنزل بالقوة، أو على الاقل، يطيح بالعمود و ينتهي الفيلم من قبل أن يبدأ. سنقول أيضا إن أرنوبة بحكم الصداقة القديمة و ما شابه، كان عاجزا، كان يريد لصديقه شيئا من الربح. هذا ممكن، لكن ماذا عن ذلك المشهد المضحك : الناس ثارت على محسن، فصعد إلى السطح و بضغطة زرّ قطع الاتصال بالشبكة على الحي كله. هكذا؟ ألم يجد المخرج حلاّ أقل كوميديا من هذا الحل؟ لستُ ضد الفكرة، و لكنه كساها بطابع جديّ يستحيل تقبله. ما يجعلني أفكر أن كاتب السيناريو كان محدود الخيال بالفعل، و أنه لم يجد فكرة أفضل. طبعا ما يهمنا هو رمزية ذلك، أنا لم أستعمل القوة معكم. أنا صعدت إلى السماء و قطعت عليكم النعمة (يذكرني هذا بقصة سيدنا موسى مع بني اسرائيل، هل تراه استوحى الفكرة منها؟). لكن هذه الرمزية يمكن استخراجها بطريقة أكثر معقولية. لو شئت أن تبني موقفا كاريكاتوريا، فاستعمل الادوات المناسبة لذلك!

السيناريو لم يكن ضعيفا في هذه المسألة فحسب، هناك أيضا تطور الشخصيات، و أعني خصوصا الشخصية الرئيسية. الشخصية الرئيسية تغيرت و لم تعد كما كانت، تسمع ذلك تقريبا في أغلب فترات الشريط، و لكنّك لا ترى تغييرا. فقط أمران قد يشيان بذلك : تدهور صحته، لأسباب مجهولة على ما أظن. و مشهد اغتصابه لعاشقته "بنت السنقرة". هنا يجب أن أشير إلى مشهد الاغتصاب (و لعلني نسيت تفصيلا مهما) فبنت السنقرة تحب محسن، و مع ذلك، تمضي لياليها مع الارنوبة لتحصل على المال. حينما يريدها محسن، ترفض. لماذا ترفض؟ سنقول إنها تريد الابقاء على صورة الحب الجميلة، أنقى ما تملك تقريبا. لماذا عرضت عليه نفسها منذ البداية اذا؟
بنت السنقرة من أجمل الشخصيات و أكثرها ابتكارا في الفيلم. يمكن ايجاد دلالات كثيرة لعلاقتها الأبدية بالحشرات، يمكن تقديم قراءات كثيرة مختلفة بشأن ذلك، لكننا سنجمع أن الصورة فريدة و على قدر من الجمال. و حتى تطور الشخصية لم يبدُ بهذا السوء أبدا. هناك الفتاة الحالمة بقصة حب تنتشلها من واقعها الكئيب، واقع الفتاة المنبوذة، "القذرة". ثم رضاها بما هي عليه، معاشرتها لأرنوبة بمقابل، كاكتمال لصورة "القذرة" التي يراها الناس عليها، ثم اتخاذها لموقف ايجابيّ (تجاه نفسها خصوصا) حينما اختارت قتل الأرنوبة...
أما الأرنوبة، فلا أعتقد أنها شخصية فريدة، و لكن بلقاضي أحسن التعامل معها. الزعيم الذي فشل أن يكون زعيما، لأنه "أرنوبة".. أرنوبة هو فكرة أن "الزعيم" يولد "زعيما"، و ان القاتل يولد قاتلا. حاولت الأم كثيرا تغيير طباع ابنها، حاول هو نفسه أن يتغير، لكن جيناته كانت أقوى من أن يتغيّر. أرنوبة هو المقابل التام لمحسن. هو يبحث عن السلطة فتهرب منه، بينما يتهرب محسن من السلطة فتأتيه راجية. هو يمارس السلطة بكل أنواع البطش، بينما محسن يمارس السلطة بدون أن يحتاج إلى العنف. لأن السلطة لا تتمثل في القوة الطبيعية (physical) بل في كونها سلطة في حدّ ذاتها.. هل كان اختيار بنت السنقرة لمحسن، اختيار الانثى، للاقوى طبيعيا؟ ربما لم يقصد بلقاضي هذه الصورة، لكنني أراها صورة معبرة جدا لقانون الطبيعة.
أرنوبة شخصية لم تتطور، بل اتضحت. منذ البداية كان مترددا، كان حنونا، كان أرنبا يحاول أن يأخذ شكل الأسد. لكن المخرج لم يبيّن ذلك منذ البداية لا غير. بالمثل كانت أمّه أيضا، التي رغم الصورة الجميلة التي كانت عليها، لم تبد إلا تكملة لشخصية أرنوبة.
تبقى شخصية سائق سيارة الاجرة، مساعد البطل كتصنيف كلاسيكيّ، لم أجد له في الواقع قراءة مناسبة. ربما لا توجد في النهاية. سأنتظر تعليقاتكم (لو وجدت) بشأنه. لكن لنتفق أن توفيق البحري، كان من أفضل الممثلين آداء هنا.

آداء الممثلين عموما تراوح بين الجيد جدا و الرديء. سأصم بالرديء، صاحب دور الأم خصوصا، و زوجها الذي ظهر في مشهد وحيد في البداية. و سأعتبر آداء عبد المنعم عاديا جدا. ربما لأن الدور لم يكن يتطلب أكثر من ذلك. في النهاية شخصية محسن كانت مفعولا بها أكثر مما كانت فاعلة. أيضا لم تبد لي بنت السنقرة أنها قامت بعمل مذهل. اما لاعق الاحذية، فالأغلب أن هيئته ساعدته كثيرا على التميز. عدا أن عباراته لم تكن بتلك الاهمية، فكان له هامش من الحرية في انتقاء بعضها، و هنا ـ اعتقد جازما ـ ما جعل آداءه طبيعيا جدا. عكس البقية. سبب الرداءة الأساسي اذا، هو الحوار. لقد كان نقطة ضعف رئيسية في الفيلم!
سأظل أذكر طويلا تلك الصورة الممتعة للحرب "الاهلية" الدائرة بين انصار محسن، و أعدائه في الحي، و مشهد النيران، و الكر و الفر.. كان مشهدا جميلا سرعان ما أغرقه في البشاعة صراخ أحد الانصار : ربحنا يا سي محسن! ربحنا!
ما هذه الرداءة؟!
أغلب عبارات الأمّ، مضحكة تقريبا عوض أن تكون مخيفة. و أعتقد أن الوحيد الذي أنقذ نفسه من هذه العبارات المتخشبة المهترئة، كان خليفة سائق التاكسي. كان أكثرهم طبيعية. و أعتقد هنا، أن خبرته لعبت دورها.

أعتقد أن الفيلم مبشر بثقافة سينمائية جديدة في تونس. ثقافة لا تستهين بالمشاهد، و لا تقدم له فنا ضحلا. سأذكر طويلا صورة عمود الاتصال و كيف طافت حوله القمرة (الكاميرا و اعتادوا على هذا المصطلح رجاء >_< ) في مشهد جميل ذكرني بمشهد القالب الأسود المهيب في فيلم أوديسا الفضاء. (لا تعرفونه؟ تداركوا أمركم اذا!)
السلطة عبر وسائل الاتصال، هذا ليس اختيارا بريئا طبعا. ان من يتحكم في وسائل الاتصال، هو من يقدر أن يفرض سلطته في هذا العالم. وداعا للطرق البدائية و العنف الأبله. الكلاب (و خمّنوا من هم الكلاب هنا) سيقفون عاجزين أمام سطوة الهاتف النقال. لكن السلطة أيضا لا تقف أمام منزل أي شخص يبحث عنها. للسلطة ذوق غريب في اختيار مالكها. في الواقع، يولد أشخاص سلطويون بطبعهم، قد تتهيأ لهم الظروف لممارستها و قد لا تفعل. الشخص إما سلطويّ و إما فلا. و الناس إما مطاعة، و إما مطيعة. فجأة تحول الجميع إلى عبيد للهاتف.. فجأة تحولوا إلى عبيد للزعيم الجديد. هل يحبون عبوديتهم؟ لا يبدو ذلك، و الا لما رفضوا تسديد اتاواتهم لمحسن في البداية. لكنهم على استعداد لها دائما. هل هذه صورة للواقع التونسي كما يراه نجيب بلقاضي؟ ربما، و لكنني لا أملك ما يكفي من الأدلة لاسقاط ذلك. حتى المشهد الأخير، بدا على صنعته، مبتذلا، مسقطا و مفتعلا الى حد كبير. و لكن بعيدا عن تحجبها، فشخصية مرجانة التي تتميز بثنائية الحضور و الغياب، تقدم أيضا صورا كثيرة و متنوعة. فبداية، هناك صورة الحبّ العصيّ على السلطة. يمكنك أن تملك السلطة التي تشاء و لكن الحب يتجاوز السلطة. حسن تبدو القراءة متعسفة، و لكن علاقة محسن و الارنوبة ببنت السنقرة تدعم هذه الفكرة. لا توجد علاقة حبّ سليمة هنا، في هذا الجوّ المتخم بالصراع على السلطة. لكن أيضا، مرجانة تقدم أيضا صورة ذلك الشيء الجميل الذي بحث عنه محسن فلم يجده، و وجد السلطة مكان ذلك. ما الذي أراده نجيب بلقاضي من هذه العلاقة؟ تحفيز محسن على قبول السلطة؟ تحفيز محسن على شق سيره نحو الزعامة و المال؟ ربما و لكن تبدو شخصية مرجانة موحية بأكثر من ذلك.. 

----------------- END OF SPOILER

الفيلم نفسه يبدو موحيا بأكثر مما ستشاهده، لذلك هو يستحق المشاهدة و التنويه أيضا. أعتقد أن هناك نقائص جوهرية على مستوى الشكل (الحوار و الموسيقى خصوصا)، و لكنني أعتبره فيلم ناجحا. أريد للجميع أن يشاهد باستاردو. لا لتشجيع اصحابه فحسب، و انما لأنه يشق الطريق الصحيح للسينما التي يجب أن ينتجها سينمائيونا. لأنه سيعاود تحديد مفهومنا للعمل الفني الناجح عموما و السينما خصوصا. باستاردو فيلم لقيط، لأنه ـ ربما ـ لا أب له، لا سابق لمثله في السينما التونسية. و هذا لا يعني قط أنه فيلم وضيع، بل ربما العكس تماما!

21 كانون 2013

Translate