Thursday, August 27, 2015

حرر عقلك 1

اِنهض! هل تريد أن تعرف الحقيقة؟ اِتبع الأرنب الأبيض. لقد حانت لحظة الاختيار. هل تريد الحقيقة أم السعادة؟ مرحبا بك في صحراء الواقع! أنت الآن بعيد عن كِنْزَسْ يا دوروثي! هل تعتقد أنّك تتنفّس هواءً؟ حرّر عقلك! اِعرف نفسك. أنت المنتظر! أنت الموعود و المخلّص. أنت لست هنا لتقرّر، فلقد قرّرت بالفعل، أنت هنا لكي تفهم قراراتك. أنت فيروس هذا العالم، و أنا الدواء!

لكنّ العميل سميث كان مخطئا، فالفيروس ليس كائنا عضويا (organism)، و هو خطأ على قيمته، لا ينتقص من جمالية السياق/العبارة التي أدرج فيها. كذلك كان هذا العمل الخالد : عيوب هنا و هناك، ذابت في حفلة البدائع و الطرائف و صار يصعب تمييزها من جدران هذا البناء المتين الذي ملأ الدنيا و شغل الناس و لا يزال. ذلك الشيء الذي أثار إعجابهم بقدر ما أثار حيرتهم، و جعلهم يردّدون في الخفاء أكثر ممّا يردّدون في العلن : بحق الله، ماهو الماتركس؟

ضخامة البناء تجعل من الكتابة عنه أمرا شاقا و معقّدا أيضا، ليس لأننا قبالة ثلاثية سينمائية من ساعتين و ثلث لكلّ جزء من أجزائها، و لكن لأنّ العمل يرتبط بالكثير من اللغط و المفارقات و المجادلات بخصوص أغلب تفاصيله، ما يجعل جمعها و تنسيقها تشبه التحرّر من الماتركس، فهل أنت مستعد؟ أسفل قولي تجد زرّين : الزرّ الأزرق يريح بالك و أعصابك، يخرج بك من متاهة الحديث عن فيلم أكشن أمتعك لبعض الوقت و حان الوقت لتنساه. و الزرّ الأحمر، يسافر بك معي داخل المتاهة، حتى نفهم أكثر هذا الفيلم من مستويات كثيرة : القصة، السينماتوغرافيا، التأويلات، العيوب و التناقضات، لعلّ هذه المستويات تسمح لنا بالاقتراب من الحقيقة : هل الماتركس تحفة زمانه التي لا تتكرّر؟ أم إنه مجرد فيلم أكشن يحاول أن يبدو عميقا؟


Saturday, August 8, 2015

رسائل إلى حبيبتي

حبيبتي،
أكتب إليك مرّة أخرى من عتبات الزمن، حيث تنقسمُ الذواتُ و تتجلّى الاحتمالاتُ عوالما مختلفةً. أكتب إليك و أنا أراك هنا، عند ساحة الشهداء، أو في إحدى آرائك الحديقة العموميةِ. ينتابُني إذّاك جذلٌ طفوليٌّ و أشعر بحاجة إلى الكتابةِ.

لم يعد أحدٌ يجدُ معنى للرسائل الورقيّة في هذا الشطر من الزمانِ، لأنّ الناس هنا يعتقدون أنّ الرسالة بزمن وصولها، و لا أحد يدركُ أنّ الرسالةَ بزمن كتابتها. و كلّما قدّمت لنا التقنية سلاح تواصل جديدٍ نباري به الزمنَ كلّما ازدادت عزلتُنا.
"ها أنا في المقهى"، "هل أجلب معي خبزا؟"، "سنعقد اجتماعا بعد قليل". و حتّى "أحبّك" تصبح بفعل الرسائل الهاتفيّة القصيرة شيئا أشبه بالسلوك الشرطيّ، أو كابتلاع حبّة أسبرين محدودة المفعول.

أنا بخير، و الحياةُ تسيرُ عادية كما ينبغي لها أن تسير، لا هي بالشقية و لا هي بالبهيّة. خطّ متواصل فاتر يوحي بنهايته أكثر ممّا يوحي بامتداده. و مثلما تبطنُ الرسائل أكثر ممّا توحي به، فاعلمي أنّ خلف هذا الخطّ المتواصل، أكمات تضيقُ الحياةُ بها و تتّسع لها الرسائلُ. و لكِ وحدكِ يا عزيزتي أحاول أن أشرحَ ذاتي. إنّ بي شوقا دفينا يا حبيبتي! إنّ بي شوقا، و عسى بالرسائلِ أن تكفي!

لم يُطرف لها جفنٌ طيلة الليل. تناوبتنا الخيالاتُ و الأحاسيسُ و الرغباتُ حتّى رحم ضوءُ الصباح المبهرِ عينيْها المنهكتين. سافرت بكيانها إلى احتمالات عديدة و متناقضة لما يمكن أن تفعل. سكبُ الزيت المغلّى عليه و هو في الفراش مثلا، أو الاكتفاءِ بفضحه في السوق حين تشهد المدينة أكبر تجمّع لها. تهدّئُ الصورُ المفزعةُ من روعها قليلا، لكنّها لا تنجحُ في شفاء غليلها. كانت كلّ الصور و الأفكار و القصص المتلاطمة على شاطئ مخيّلتها تنتهي دائما عند صورة امرأة بلا ملامح، و كان التساؤل يتردّد دوما : من هي؟ من هي حبيبـ.. مصيبتُها؟

أعجزتها الصدمةُ أن تفعل شيئا في ذلك اليوم المشؤوم، و ربّما تمنت لو أنها لم ترَ تلك الورقة المطويّة و قد سقطت من سترته، فعبءُ المعرفة أثقل من أن يتحمّله الجبناء. و لقد اكتشفت أنها جبانة فعلا. كانت تبحث عن حياة هادئة مسالمة بسيطة قربه، و لقد كان يوحي بكلّ ذلك في كلّ تفاصيله. عرفته دوما شخصا ودودا، هادئ الطباع، مسالما، قليل الحديث، كثير المكارم، و لم تشكّ يوما في أنه أنسب الرجال لمشاركتها في تحمّل الحياة. فكيف ينكسر كلّ ذلك برسالة واحدة؟

علقت في مستنقع الأسئلة في اليوم الموالي، و كان كلُّ سؤال يدفع بها إلى هوّة أخرى. تداعى كلُّ شيء من حولها، و تقوّضت أركان الحياة في ذهنها. لم تعد تفهم أيَّ شيء. لم يعد هناك من أساس واحد يمكن أن تستند إليه لتعاود الوقوف. و حين يهتف الطفل الصغير بها، أو يضحك في جذل، ينخلع قلبها و تزداد حيرتُها. و هذا الشيءُ الجميل بحضني، أيغدو سرابا؟ و كيف تكون لحظات الفردوس التي يتحوّلُ أبوه فيها طفلا ثانيا، مجرّد غوث أحلام؟

امتصّت الأسئلة كلّ ذرة جهد في عضلاتها و لم تقوَ حتّى على إخفاء ذلك عليه. و لا على إجابته حين حاول أن يفهم ما بالُها. أمضت ليلة ثانية تتقلبُ في الفراش قبل أن تقرر أن تنتظر الرسائل القادمة. فلعلّها تكشف أمرا كان مكنونا.

حبيبتي،
هل كنّا نستحق ما جرى؟ و هل كان للتاريخ أن يكتب بشكلٍ آخر؟ و ماذا لو كان التاريخُ مثل المستقبل صناعتَنا؟ ماذا لو أن الماضي ضحيتنا و ليس العكس؟ أكنتُ صرت كاتبا مثلا؟ و هل كنت تصبحين إذّاك ملهمتي؟ و هل كان ذلك يحدث في هذا العالم الذي وجدنا فيه، حيث المكتبات تنفرُ من الكتبِ، و حيث القراءة فعلٌ طفوليٌّ مثل لعب الغُمّيْضة؟

هل كنتُ جبانا حينما اخترتُ طريقا ثانيا، أم كنتُ فقط واقعيا؟ هل أذعنتُ لحقيقة الأشياء التي تقضي باستحالة العيش من الكتابة، أم لجبني الذي فضّل الصراط "المستقيم"؟ أكنتُ قاتلا حينما تركتُ الكاتب في دفاتر طفولتي، و واجهت أقداري بشهائد جامعية تفهم عالمنا و يفهمها، أم تراني كنتُ مخلّصا؟

لقد تجرّدت من أشياء كثيرة حتّى أرضيَ واقعي المتسلّط، و لقد نجحتُ في ذلك إلى حدّ بعيد، و ارتسمت أمامي حياة جميلة واعدة، فيها ما فيها من المال و الولد و الضمانات الطيّبة. لكنّ أمرا داخلي ظلّ مهزوما و مقهورا، يطالب كلّ مرة بنصيبه من ذاتي و من شعوري. أعود إلى قلمي كأنني سكّير يعودُ إلى زجاجته القديمة، يمتصُّ منها روحه، و شقاه.

وحدكِ أنت قادرة على احتمال حروفي و أخيلتي، وحدك أنت في هذا الظلام الكئيب، ترين انفعالاتي و دموعي. و لكِ وحدكِ أستمرُّ في الكتابة.

أعادت الرسالةَ إلى مكانها الخفيّ، و عادت إلى أفكارها و تساؤلاتها. لا أسماءَ و لا عناوينَ. كأنّه يفعل ذلك بدافع الحذر. و اعتراها سخط شديد لعجزها عن فهم ما يحدث. و قررت أن تكشف هوية اللعينة، كلّفها ذلك ما كلّفها.

اِلتقطت أنفاسا عميقة و عادت تقلب الرسالة بتركيز أكبر. إنّ البداية توحي أنّ معرفته بها ليست عارضة أو طارفة. إنما هي جزء من الماضي القديم. فهل تراها حبيبته السابقة؟ و لكنّه لا يملك حبيبة سابقة. لا أحد من أصدقائه ذكر شيئا مماثلا، و لا هو حدّثها عن أمر كهذا، و ما كان ليفوتها أن تسأل. أيعقل أنه يجيد إخفاء ماضيه إلى هذا الحدّ؟ و إلى أيّ ماض تراها تنتمي؟ إنها تعرفه قبل الزواج بنحو ثلاث سنوات، و هي تعرف رفاق الجامعة و العمل، فهل هي صديقة من أيام الصبا؟ فكيف تجدّد اللقاءُ إذا؟ و لماذا الآن؟

كادت تجنُّ و هي تنتقل بأفكارها من وادٍ إلى واد. و خطر لها أن حسابه على الفايسبوك يمكن أن يجيبها. اِستغربت أنها لم تبدِ يوما فضولا تجاه حسابه على هذا الموقع، و لم تفكر يوما أن تبحث عنه هناك. راودها شعور بالذنب و هي تفتح حاسوبه، تأمّلت صفحة الرسائل فاعتراها الخجل لسخافة ما تفعل. لا يوجد شيء تقريبا. ذات الوجوه التي تعرفها تقريبا. أما على صفحته، فقد انتبهت إلى ما لم تنتبه إليه من قبل.

لم تكن تعرف مثلا أنه مولع بالموسيقى القديمة. تتردّد على صفحته أسماء كثيرة، عبد الوهاب، فريد الأطرش، أسمهان... تذكرت أنه يوما أخبرها بذلك في بداية تعارفهما، و تذكرت أن ذلك أثار استغرابها و تندّرها، لكنّها تجاوزت الأمر لأنها لم توله أهميّة تذكر. يبدو أن تلك التفاصيل ليست بهذا السخف في عينيه. أحيانا حينما يشغل السيارة، يتعالى صوت أغنية عتيقة من جهاز التسجيل، لكنّه يجهض الأغنية منتقلا إلى إحدى الإذاعات الخاصة. ما كانت لتعارض استماعه إلى ما يرغب فيه، لكن ربما لم تكن لتشاركه الاستمتاع بها، و هذا ما يثنيه عن المحاولة...

جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، أبو القاسم الشابي، بدر شاكر السياب... هل يقرأ فعلا لكلّ هؤلاء؟ أم هي أسماء فترة الدراسة، يستذكرها فقط لملء صفحته هنا؟ نادرا ما كان يقرأ أشياء كهذه، و أغلب قراءاته تتعلّق بعمله، لكنّ ذلك لم يمنعه من اقتناء المجلات الأدبية أحيانا. يجيبها في بساطة حين تسأله عن جدواها، مجرّد مجلات خفيفة لملء طاولة الصالون و لإيجاد ما يمكن أن يقرأ حينما يفكّر أحدنا أن يقرأ. الحقيقة أنها لم تكن تقرأ، و كان يعلم أنها لا تقرأ...

لاحظت أن إحداهنّ تصرّ على إبداء إعجابها بكل ما ينشر تقريبا، فانتقلت إليها. راحت تجوب حسابها صعودا نزولا. لا أثر له على صفحتها. لا توجد بينهما رسائل أو تعليقات. يبدو أنها صديقة قديمة أيضا. تصاعدت الدماء إلى رأسها، و امتلكها انفعال كاد يهب بقلبها. اللعين! إنها هي حتما! هي و لا أحد غيرها. إنها جميلة بما يكفي لتكون هي. علاقتهما قديمة لتكون هي. و الصمت بينهما يشي بحاجتهما إلى التراسل! إنها فقط تحتاج إلى دليل صغير، و لسوف تعثر عليه في الرسالة القادمة!

حبيبتي،
هل غيّرتنا السنين و التجاربُ؟ أم تراها أخفت فقط أرواحَنا خلف صدإ اللامبالاة و الحكمة الزائفة؟ أتراني الوحيد الذي لا يزال يحتفظ برقة حسّه الطفوليّ أم إنّ الناس من حولي يجاهدون بدورهم حتّى لا يُظهروا منها شيئا للملإ؟ لماذا نفعل هذا بأنفسنا؟ و لماذا نعدم الإنسان فينا؟ كثيرة هي الأشياء التي تؤلمني، لكنّ أكثرها إيذاءً هو عجزي عن إبداء ألمي.

بداخلي يا حبيبتي كائن لا تحتمل رقّته، ينكسر لمشهد قطّ يعرج، و كثيرا ما يسلبه المتسوّلون المحتالون أمواله. أظلّ طويلا منزعجا من مشاهد البؤس و الموت، و أجهد نفسي كي أحتفظ بألمي و دموعي لنفسي، لأنّ هذا ليس من شيم الرجال. و أنّ الرجل لا يبكي إلا في الشدائد، و أنّ الرجل يجب أن يظل قويا، حتّى لا يجزع الناس من حوله، و إلا بات إمّعةً و سخريةَ كلّ مجلس. بداخلي يا حبيبتي شاعر ذبلت حروفه، و حرّف مساره، و لم يبق منه غير حساسية مفرطة تجاه كلّ قبيح، لكن حتّى هذه يرفضها هذا الزمن. حتّى هذه، يعمل الزمن عمله حتّى يقولبني مثلما تقولب الريحُ الجبال و تنحتها مثلما تشاء.

غريب أنا يا حبيبتي. غريب مثلما كان جبرانُ غريبا. و إن كان يبدي ذلك بالكتابة، فأنا أكتمه بها. فليس لي غيرك قارئا، و ليس لي غيرك صدرا قبولا.

مسحت دموعها التي انسابت على خديها دون أن تدري، و تسللت إلى المطبخ لتعدّ فطور الصباح قبل أن يستيقظ. تدافعت على أبواب ذاكرتها موقف كثيرة بدا لها الآن كم كانت مفتعلة و كم كان هو فيها غير ما هو عليه. آلمها أنها حين استرجعت تلك الصور، أدركت أنها لم تكن لتتقبّل منه انفعالا غير ذاك الذي أبداه، و أنها بذلك تقرّه على ما كان يفعل، و يزيد من لوعته و جهده. آلمها أنها لم تكن يوما استثناءً في حياته، و أنها مثل الآخرين، مجرّد وجه آخر للزمان الذي يدفعه دفعا لأن يقتل نفسه و يبعث شخصا ثانيا. بدأت تفهم وجود صاحبة الرسالة و اكتشفت أنّ شوقها لمعرفتها لم يعد يشوبه الغضب بقدر ما يشوبه الفضول، و أنّ إحساس الخيانة تراجع وراء شعور ممضّ بالذنب، فزاد سخطها على نفسها و راحت تجاهد لكبت دموعها.

جاء إلى المطبخ و قد انتهى من إعداد نفسه. وضع سترته على الكرسيّ، و طلب منها استعمال المربّى الجديد ريثما يعود من الحمّام. لقد وضع الرسالة في المظروف حتما، و لا بدّ أنه كتب العنوان أخيرا. تطلّعت إلى حيث غرفة الحمّام في وجل، و قرّرت أن تغامر. لحظة مرّت كدهر بين امتداد يدها و بين خروج الظرف الخالي من كل عنوان. اللعين حذر جدا، كأنه لا يكتب العنوان إلا لحظة إلقاء الرسالة في صندوق البريد. من هي؟ من هي هذه المرأة الجميلة الأصيلة المتفهمة الرقيقة؟ من هي هذه المرأة التي تتواصل بالمراسلة دون أن ترسل ردودا؟ من هي هذه المرأة التي تملك كلّ ما يحلم به لكنّه يتزوّج غيرها؟ من هي هذه الحبيبة؟

حبيبتي، 
لا أزال أملك صورا قديمة أحفظها عن الزمن الجميل. أتأمّلها أحيانا فلا أكاد أصدّق كم كنتِ جميلة، و كم تغيّرتُ عمّا مضى. أخذتني الحياة مثلما أرادت أن تأخذني، و أشركتني في مسؤوليّة الرعاية و الكفالة. و وجدتُني أقولب طفلا صغيرا بيديّ قبل أن أتهيّأ لذلك. وجدتُني أفكّر في شأنه في كلّ آن، و وجدتُني أواجه هواجسي و مخاوفي بشأنه وحيدا، لئلاّ أنقل للناس ضعفا قد لا يجيدون مواجهته. و من يفترض منه أن يكون قويّا عارفا حكيما غير أبيه؟ و وجدتُني ألغي وجودي يوما بعد يوم لصالح هذا الوجود الجديد. فهل يا ترى كذلك هي فكرة الحياة؟ و هل تلك هي منقلباتها؟ ما الذي يدفعني للتفكّر فيك و الكتابة إليك غير هذه الحاجة الخفيّة أن أكون أنا بذاتي؟ منفصلا عن كلّ كيان بشريّ تعلّقتُ به أو علقت فيه؟ 

هل تفهمين إذا هذا العودَ الأبديَّ إليك؟ و هل تدركين مقدار حاجتي إلى تمثّلك؟ أنت لست أقرب الكيانات إليّ، لأنّك ذاتي نفسها التي تتجلّى كلما خافت من الذوبان. أنت أنا التي أحميها بعيدا عن الزمان فلا تخذليني و تشبّثي بالحياة!

لم تشأ أن تتبعه منذ خروجه. اِدّعت حاجتها إلى الخروج باكرا لشأن سريع، و ظلّت هناك في شارع الأقواس ترقب قدومه. خبر الجريمة الشنيعة بالمدينة يملأ صفحات الجرائد، المجرم الكهل يقتل مجرما آخر شابّا رافضا دورة الزمان، هذا ما كان ينقص هذا اليوم الحافل. أخفت وجهها بين الصحف و هي ترقب الشارع الكبير الذي يمرّ أمامها بإدارة البريد. هو ذاك! لماذا لم يتوقّف هناك؟ لقد عرّج بسيارته يسارا إلى طريق المستشفى! أتراه يسلّمها الظرف يدا بيد؟ أفزعها الخاطر و أسرعت خلفه و هي تمنّي النفس أن لا يبتعد عنها كثيرا. رأت السيارة تبلغ ساحة الشهداء فكادت تيأس من اللحاق به، حثّت الخطى إلى حيث ساحة النافورة التي لم تعد تعمل منذ سنين. حركة السيارات المتوجّهة إلى المستشفى كبيرة و تعطّل السير، بينما ينتشر طلاّب إدارة الكهرباء على أطراف الطريق غير عابئين بكل ذلك.

رأت السيارة متوقفة هناك في مدخل الحي القديم ذي الإسم الموحي بالأساطير الكثيرة التي رويت عنه. هل تراها تسكن في هذا المكان؟ تجاوزت نهج العرب، و تسللت إلى مدخل "أولمبيا". رأته من بعيد يتوقف أمام مبنى قديم مهجور، فانحبست أنفاسها و التصقت بالجدار لعلّه يمتصّها. أتراه مكان المواعيد القديمة؟ و ماذا لو أنه لا يزال يلتقيها هناك؟ لماذا الرسائل إذا؟ ربما لإضفاء شيء من الرومنسية على الموقف. رأته يتناول الظرف من سترته، ينظر إلى آخر الشارع قليلا ثمّ يدخل الظرف عبر فجوة صغيرة في الجدار. 

اِقتربت من المبنى بعد ذهابه فطالعها الخراب و الألوان الباهتة. فتح حلاّق متجره بالقرب من البناية، و أخرج منشرته، فأشاحت بوجهها فارتباك و عادت إلى أفكارها و حيرتها. كيف تستلم حبيبته الرسائل؟ لا بدّ من مدخل خفيّ إلى المبنى.

ـ يوجد منفذ من الخلف.

اِستدارت إلى الحلاّق في وجل. كان هادئا يداعب شاربه الكثّ و يشير إلى ممرّ جانبيّ ضيق. أردف قائلا : 

ـ كنّا ندخل إلى القاعة من الخلف، لأننا لم نكن نملك معلوم الدخول، و كان عمّ رشيد رحمه الله يشتمنا طويلا ثمّ يتركنا ندخل.

و عاد يتأمل المكان في شيء من الحنين و أضاف : 

ـ كلّنا يملك ذكرى مع هذا المكان.

اِزدادت دهشتها، و راحت تبحث عمّا يدلّ على هوية المبنى، فخاب مسعاها، لكنّ ذاكرتها تدخّلت فجأة لتمدّها بالعون، أولمبيا، قاعة، مهدمة و مهجورة... و من فجوة صغيرة أخرى، رأت ما يبدو أنّه كان يوما ما مقعدا وثيرا يصلح لمشاهدة الأفلام... يبدو أنّ زوجها رومانسيّ إلى حدّ لم تتوقعه. حان وقت الحقيقة. ربما هي المرة الأولى التي ستذهب فيها إلى السينما لمعرفة الحقيقة...

حبيبتي،
لا أعتقد أنني اخترتُ أن لا أكون كاتبا. فالكاتب أشجع من أن يجبن عن واقع الأشياء، لكنّني بحاجة إلى الكتابة حتّى أحتمل هذا الواقع و أقدر على مدافعته، و ربما أيضا حتّى أقدر على أن أحبّه. إنّ الحياة ليست بهذا السوء، لكنّها كثيرا ما تضيق بي و كثيرا ما أضيق بها. و إنّ الناس من حوليَ خيرة من فيها، لكنّني أخشى اهتراء روحي الرقيقة من فرط التواصل معهم.

لقد اخترعتُك و نفختُ فيك من روحي و صغتُك صورة سويّة بذهني كما يفعل الأدباءُ، لا بغاية الفنّ الذي يهبُه الكاتب للناس، و إنّما بغاية الفنّ الذي يتنفسه الإنسان و ينفثه حتّى يستمرّ، و بغاية الخيال الذي يصوغه المرء حتّى يحبَّ واقعه.

أنا آسف يا حبيبتي أنني جئت بك إلى الدنيا و قد كنت عدما، لكنّني أحتاج إليك و إلى كل ما تمثّلين فيّ من غرابة تجعل العالم موحشا من حولي. إنّني محتاج إليكِ لأنّك فكرتي عن مقاومة الزمن، و فكرتي عن الخلود.

حين خرج صباحا من غرفة النوم، مبتسما وديعا، بادر بتقبيلها و سؤالها عن الفطور. أدركت أنها بقدر ما ازدادت له حبّا، ازدادت منه خوفا. و لوهلة تمنّت لو أنّه كان فعلا خائنا. فلعلّ مرارة الغدر أهون و ألطف وقعا من مرارة عشق هذا الطفل الكبير.



6 آب 2015

Monday, July 13, 2015

ستانلي كيوبرك يرتدي الباروكة

قدّمت السينما أسماء خالدة و لاتزال مع كلّ جيل جديد من المخرجين. و سيظل الجدل حول أعظم شخصية سينمائية قائما باختلاف النظرة للسينما كفنّ، و اختلاف زاوية النظر إليها. و هناك مجموعة من الأسماء ستجدها حاضرة في كلّ قائمة محترمة. يعود ذلك ربّما إلى إنجازاتها و جوائزها أو إلى ما أضافته من تجديد لعالم السينما. فغيتس لانغ، بيلي وايلدر، كوروزاوا، تشارلي تشابلن، سكورسيزي، سبيلبرغ، بيرغمان، هي بعض هذه الأسماء. لكنّ الإسم الأهمّ برأيي، هو ستانلي كيوبرك. أعتقد أن المرء يمكن أن يعجب بأعمال الرجل و يمكن أن لا ينجذب إليها، لكنّه في الحالتين، يجب أن يعترف بالحالة العبقرية و الأهمية السينمائية اللّتان يمثلهما هذا الرجل.

لقد تخصّص تشابلن في الكوميديا، و قدّم كوروزاوا بورتريه لليابان في مختلف تجلياتها، بينما اقترن سكورسيزي بعالم الجريمة الإيطالية في أمريكا، الخ، أما كيوبرك فلو أن هناك شيئا يصلح لتصنيفه، فهو السينما في حدّ ذاتها. كيوبرك تخصّص في السينما كفنّ الصورة المتحركة. و هنا تحديدا تكمن أهمّيته.
لقد وضع كيوبرك ثلاثة عشر فيلما قصصيا، لا يكاد اثنان منها يصنّفان من نفس النوع، و أهمّ أعماله على الإطلاق، هي أصناف سينمائية مختلفة تماما، كأن الرجل يزور كلّا منها (الأصناف) ليدلي بدلوه و يرحل عنها بعد أن قدّم لها إضافة نوعية، أحرجت كلّ من تخصّص فيها. يعود ذلك أساسا إلى رؤية فذّة للسينما كفنّ مرئيّ في مفهومه، في زمن طغى فيه الأثر القصصيّ على السينما و جعل الصورة تحلّ ثانية داخل العمل السينمائي. و أعتقد أن ذلك هو السبّب الذي جعل علاقة كيوبرك كمخرج مع كلّ الكتّاب الذين ترجم أعمالهم إلى السينما، علاقة متوتّرة دائما (فلاديمير نابوكوف، أرثر كلارك، و خصوصا ستفين كينغ)، إذ لا يمكن للسينما أن تكتفي ببثّ تلك الأشياء التي يمكن للذهن أن يتخيلها و هو يتصفّح كتابا، لأنّها فنّ بذاته، و يجب أن تقدّم الأشياء وفقا لأدواتها.

كمثال على أثر هذا الاختلاف المفهوميّ، أدعوكم لمشاهدة فيلمه "بَارِي لِنْدُنْ" Barry Lyndon، الذي أخرجه سنة 1975، و ظفر من خلاله على أربع جوائز أوسكار. هذا الفيلم، هو تقريبا أفضل فيلم تاريخيّ شاهدته في حياتي. و أعتقد أن السبب الرئيسيّ وراء إنجازه، كان يعود إلى تذمّر كيوبرك من الأفلام التاريخيّة الموجودة آنذاك. و قد صرّح خلال حديثه عن مشروع الفيلم، أن ندرة من المخرجين توصّلوا إلى تقديم أفلام تاريخية حقيقية.

تضع السينما التاريخية كلّ اهتمامها في الأحداث التاريخية، لذلك يكون الفيلم التاريخيّ مقترنا دوما بحدث تاريخيّ مهمّ، أو بشخصية تاريخية مهمة : قصة كليوبترا و يوليوس قيصر في "كلوبترا" 1963، الحرب الأهلية الأمريكية في "ذهب مع الريح" Gone with the wind 1939، الثورة العربية الكبرى في "لورنس العرب" 1962. لذلك يركّز السينمائيون أغلب العمل على هذه الأحداث، و محاولة تأويلها من خلال تفكيك الشخصيات و تحليلها. هذا العمل هو تقريبا ما يميّز الرواية التاريخية، لذلك تبدو الترجمة السينمائية أشبه بتلك الصور التي نجدها في صفحات الرواية نفسها، مجرد عمل مساعد للعمل الفنّيّ الأصليّ. لقد توصّل كيوبرك إلى هذه الحقيقة، لينتقل بالسينما التاريخية من المدرسة الوضعية التي تهتمّ بالتحقيق في الأحداث التاريخية، و بالتاريخ السياسيّ بشكل عامّ، إلى السينما البنيوية، التي تتجاهل كلّ ذلك تماما، و تهتمّ بالبنى التحتية التي تشكّل المشهد التاريخيّ... كيوبرك عبر هذا الفيلم إذا، يساير تطوّر العلوم الإنسانية ليحفر ذلك في اللاوعي البشريّ كما ينبغي للفنّ الحقيقيّ أن يفعل.

لهذا السبب، لا يمكن أن يكون اختيار كيوبرك لقصّة الفيلم محض صدفة محضة. لم يذهب إلى البحث عن حدث تاريخيّ شهير، أو سيرة شخصية معروفة. لم يعد إلى كتب التاريخ ليصوغ منها السيناريو الذي يريد. لقد صاغ مادّته انطلاقا من مصدرين أساسيّن : رواية من القرن التاسع عشر، و لوحات من القرن الثامن عشر. فأما الرواية، فهي للكاتب البريطاني "وليم ثاكري" بعنوان "مذكرات باري لِندن" و أمّا اللوحات فأغلبها للفنان تُومَسْ كِنْسْبورُكْ Thomas Gainsborough. لقد أعاد كيوبرك صياغة الرواية بالشكل الذي يناسبه، مثلما أعاد تشكيل اللوحات كمشاهد سينمائية ساحرة، مؤكدا بذلك على قيمة الصورة في أعماله، و محوريّتها.
و إذا كان الغرض من اختيار هذه اللوحات واضحا، فإن اختيار الرواية يعود بنا إلى الفكرة السابقة. فرواية ثاكري لا تروي سيرة سياسيّ بريطانيّ مهم، و لا تاريخ حدث ذي أثر على البشر، و إنّما تروي سيرة رجل إيرلندي استطاع أن يكسب لقبا نبيلا وسط المجتمع الإنكليزي، و ما لقيَه الرجل بسبب اللقب من مشاكل. مجرّد رجل آخر، مجرّد قصة أخرى تحدث في ذلك الزمن مثلما يمكن أن تحدث في أي زمن آخر. مجرّد أشخاص عاديين، لا يتميّزون بأي شكل تقريبا. و ما يميّز رواية ثاكري، هو أنّ بطلها باري لندن، يعتبر في الأدب الإنكليزيّ أوّل نقيض للبطل anti hero في عمل روائي. 

لقد كان ما يهمّ كيوبرك من القصة، هو العالم الذي تسبح فيه : المجتمع البريطانيّ، و علاقة الانكليز بالإيرلنديين، علاقة البريطانيين بأوروبا (حرب السبع سنوات)، الطبقات الاجتماعية، العادات و التقاليد، مكانة الدين، تربية الأطفال، التسلية، الحرب، مكانة المؤسسة العسكرية، الشعر و التشكيل و الموسيقى، الخ. باري لِندن، هو بهذا، فيلم تاريخيّ نموذجيٌّ ربما لا سابق له. خصوصا و نحن نعرف هوس هذا الرجل بالتفاصيل. و حديثنا عن التفاصيل يذهب بنا إلى قيمة الفيلم نفسه، و لماذا هو أحد أجود الأعمال السينمائية.
لقد كان باري لندن، أول عمل لكيوبرك بعد تحفته الخالدة "2001، أوديسا الفضاء". و في عمله ذلك، كان يحاول تجاوز فكرته السلبية عن سينما الخيال العلمي، التي تفتقر للدقة العلمية و التكنولوجية، فاستعان بالناسا و خبرائها لتقديم أفضل تصوّر ممكن في ذلك الوقت للمستقبل، و للآلة، و لتقديم تصور فني يعتمد على مادّة معرفية دقيقة و عميقة. بذات المنهج أقدم كيوبرك على السينما التاريخية، كان هاجسه الأول، أن يعود بالمشاهد إلى الحقبة الباروكية بكامل تفاصيلها، و هو ما يعني، بحثا دقيقا مضنيا في كل شيء تقريبا. و حينما فاز الفيلم بأوسكار أفضل تصميم أزياء، صرّحت المصممة ميلانة أنهم استعملوا أحيانا أزياء حقيقيّة من الحقبة الباروكية حصلوا عليها بالمزاد العلني. كما أنّ هوس كيوبرك بلغ حدّ أنه حلق شعر يدي الممثل "ريان أونيل" حتى لا يختلفا كثيرا عن يديْ بديله خبير لعب الورق! لم يجنّبه هذا الهوسُ وقوعَه في أخطاء سينمائية مختلفة ترصّدها المترصّدون، لكن لا يختلف الخبراء حول دقّة الصورة التي قدّمها كيوبرك للعصر الباروكي. 

يقول كيوبرك إنّ أكثر ما يعيب الأفلام التاريخية، هو زيف الإضاءة المستخدمة في تصويرها. لذلك مارس الرجلُ دقته و واقعيته حتى في الإضاءة. و حاول خلال ساعات الفيلم الثلاث، أن يستخدم إضاءة طبيعية خلال التصوير، ليجعل المشاهد في قلب المشهد الباروكي. من هنا، ولدت أسطورة فيلم Barry Lyndon، و هنا أيضا تجلت عبقرية كيوبرك. لقد قرر الرجل أن لا يستعمل إضاءة في المشاهد التي تظهر فيها الشموع، لأنّ الإضاءة تزيّف الصورة تماما و تجعل الفضاء مضاء بطريقة لا تعكس أثر الشموع. كان الأمر مستحيلا بالتقنيات المألوفة، لأن الشمع لا يمكن أن يقدم للكاميرا إضاءة كافية. هنا يقرّر كيوبرك استعمال عدسات F0.7 التي تستعملها الناسا في أقمارها الصناعية. كان ذلك يعني أن التحكم في العدسات سيكون صعبا جدا، كما أن حركات الممثل يجب أن تكون محسوبة بدقة بالغة حتى لا يخرج جزء منه عن دائرة التقاط العدسة الحرج، و الذي يحدث أن يغيّره ضوء الشموع حينما تتحرّك شعلتها بسبب الريح. عمل جبار تحصل بفضله جون الكوت على أوسكار أفضل سينوغرافيا، و تحصّل المشاهد على صور سينمائية على غاية من الجمال.

لكنّ الصورة ما كانت لتعنيَ شيئا دون المحتوى الذي تقدمه. صحيح أن سيرة باري لندن، تكاد تكون عادية، و صحيح أن ما كان يعني كيوبرك أساسا هو سياق القصة و ليست القصة بحد ذاتها. لكنّ ذلك لم يكن يمنعه من استعمال القصة أيضا كجزء من بنائه الدقيق لتلك الحقبة.
غيّر كيوبرك شخصية الراوي، فتحوّل من ضمير المتكلم الأول، إلى الغائب المفرد، و بدا صوته هادئا ساكنا متناسقا مع الموسيقى الكلاسيكية، و هو يعلن ببرودة دم قاتلة عن الأحداث القادمة في كل مرة، كأنه يقول : ما سيحدث ليس مهما أبدا، بل المهم، كيف سيحدث. في باري لندن، يعرف المشاهد ما سيحدث منذ البداية، و مع تقدم الأحداث، يطرأ صوت الراوي ليحرق المزيد منها، تأكيدا لفكرة كيوبرك عن لا أهمية الحدث، و ترسيخا لفصل المشاهد عن الشخصيات، و دعوةً له أن يأخذ مسافة منهم، مثلما يفعل كيوبرك تماما، حتّى يفهم ـ ربما مثله ـ بنية النظام الحقيقيّ الذي يصنع الأحداث.

إنّ الإنسان في "باري لندن" مجرّد لعبة خشبية، تمارس أحداثا لم تصنعها، و تقدم على قرارات لم تخترها تماما. هذا ما يفسر إفراغ الشخصيات من إنسانيتها، هي مجموعة من العواطف و السلوكات الظاهرية فحسب، التي تتحرك في فضاء يصنعها، و يصنع العلاقات بينها، و يحدّد مصائرها. يتساءل الراوي كثيرا خلال الفيلم، عن ماذا يمكن أن يحصل لو حصل كذا لردمون باري، أو لشخصية أخرى، مقرّا من خلال تساؤلاته، أن احتمالية ما لم يحدث مساوية تماما لاحتمالية ما حدث، و أن مصير الشخصية لم ترسمه ذاتها الواعية، بقدر ما رسمه الفضاء الذي تنشط فيه. و هو فضاء ساخر، ثقيل، كثير اللهو، و ربما كثير السادية. إنه الفضاء الذي حدّد أضلع حياة باري لندن من خلال نزالات لا قرار فيها إلا للحظ. فقد عاش يتيما لأن الحظ لم يكتب لوالده أن يربح في نزاله. و قد كانت شرارة مغامرته في أوروبا، فوزُه في نزال مع غريمه الجنديّ، و كانت نهاية حياته كنبيل، بخسارته في نزال آخر.
و النزال عنوان الحظّ و رمز العبثية في الفيلم، لكنّه ليس مصدر الحظ الوحيد في هذا الفضاء، و هو أيضا ليس سلاح الفضاء الوحيد. إن أبرز ما شدني في رحلة باري لندن، هو علاقته بالنساء. فهو لم يختر التقرب من ابنة عمّه نورة، لقد كانت المبادرة، و لم يكن صغر سنه و اندفاعه يسمحان له بالحكمة و التروي إزاء ذلك. فكان اندفاعه وراء حبّه و طلبه النزال، قرارا آخر من الفضاء، لا يمكن أن يحسب عليه، و خلال هروبه إلى بروسيا، يجد الفلاحة الهولندية الجميلة، لتنتقل بمداركه إلى مرحلة أخرى لم يفكّر فيها و لم يقرأ لها حسابا. تحول دون أن يختار، من مراهق عاشق، إلى شاب فضوليّ يجرّب الحبّ في شكله المنتصر. ليس خفيا هنا، أنه تقمّص دور الجنديّ الذي افتكّ منه حبيبته الأولى. بعد ذلك، يصبح لندن، الرجل المتمرّس الذي لم يعد الفضول يشغله و لا الحبُّ، صارت علاقته بالنساء نفعية، معقلنة، و الأمر مرة أخرى يعود إلى تجربته الثرية مع الفارس الإيرلنديّ على موائد القمار. لم يختر باري لندن العيش مع هذا الكهل، و لم يختر مساعدته في التحيل خلال لعب الورق. كان فقط جاهزا بعد كل هذه التجارب، ليمارس تحيّله على هونوريا لندن زوجة السير تشارلز.

لقد رسم كيوبرك من خلال حياة رجل عادي في القرن الثامن عشر، حياة الإنسان التي تحدّدها قوى أكبر من قدرته على رؤيتها و تبيّنها، رسم عبر تفاصيل حقبة زمنية غابرة، تواصل العبث الإنسانيّ باختلاف شكله، في فضاء، مرح، هادئ، ساخر، عبّر عنه بالموسيقى الكلاسيكية ذات النسق البطيء التي رافقت باري لندن في حروبه، و في مآسيه.

هناك حقا أشياء أخرى كثيرة يمكن قولها بخصوص باري لندن. و ليس من الغريب أن الفيلم فور خروجه لم يحظ بحماس النقاد، و كان تقييمه في الصحافة الانكليزية سلبيا، فكذلك كان حظّ أوديسا الفضاء و البرتقالة الميكانيكية. و يبدو أن أفلام هذا الرجل على دسامتها، لا يمكن أن تهضم من أول مرة. يقول وودي آلن إنه حين شاهد أوديسا الفضاء لأول مرة، بدا له فيلما عاديا أقرب للسوء منه إلى الحسن. و قد احتاج إلى سنتين قبل أن يعيد مشاهدته و يدرك أبعاد عظمته. إن باري لندن، ليس أكثر الأفلام التاريخية تسلية، لكنه ربما الأكثر دسامة و الأكثر عمقا، و الأكثر جمالا.

 

Saturday, June 20, 2015

عازف الڨصبة السحرية

كان يا مكان، في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان، رجل يقال له حمدان. و كان راعيا يخرج... 
هذه بداية جيّدة للقصّة لكنّها للأسف لا تفضي إلى شيء، لا أجد وسيلة للعبور بالمعنى إلى حيث أريد، لذلك فلتسمحوا لي يا سادة أن أبدأ من جديد. القصة تبدأ كالآتي : 
لمّا رأى حمدانُ الراعي أوّل الجرذان داخل داره، اِستوحش الأمرَ و لم يستغربه، فربّما ترك ولدُه ذلك المستهترُ البابَ مفتوحا حين غادر للّعبِ... 
هذه أفضلُ، لكن الإسهاب لا ينفعُ في قصّ الخرافات، أستسمحُكم عذرا بالإعادة. إنّ أشقّ مراحل الكتابة هي بداياتها، بل هي تلك الأسئلة التي ترافق بداياتها. يتطلّع خيال المرء فيها إلى أشكال كثيرة، و يرنو قلبه إلى إدراج هذه الفكرة و تلك حتّى رغم تناقضهما. أيتها سأترك؟ أيَّ أسلوب سوف يختارُ و أيّ لغة سوف ينتقي؟ ينفرطُ قبل أن يتشكّلَ، و أحيانا يضطرُّ المرءُ إلى أبسط السبل و أقلّها خطورة، فقط لأنّه لم يجد خيارا يفرض نفسه فرضا. من قال إن الكتابة أسمى أشكال الحرّية؟ 
و لئلاّ تملّوا القصّةَ قبل أن تبدأ، سأحاول أن أختصر المسافاتِ، و أعود بكم إلى سنوات بعيدة جدّا لا يذكرها أحدكم، و لا يذكرها أحدٌ من آبائكم أو أجدادكم. سأحدّثكم أوّلا عن المزيّنِ منصور، ليس لأنّه أوّلُ من لاحظ ظهور الجرذانِ، بل لأنّه حكيم القرية و مطبّبها و هو الذي عرف السرّ الخفيّ وراء ظهورها، و وجد في كتب الأولين التي يداوم على اقتنائها كلّما نزل إلى الحاضرة، مخرجا من الوباءِ. و لكن دعونا لا نسبق الأحداث. فحين أبدى منصور قلقه من ظهور الجرذان في القرية، تضاحك القوم من حوله، و قالوا له إنّ خيالاته تسيطر عليه، و إنه يرى ما لا يرى الناس.أحبَّ أن يخبرهم إنّ دوره في القصّة، و في كل قصّة و في كل قرية، أن يرى ما لا يرى الآخرون. لكنّه لم يشأ أن يفتعل نقاشا انتروبولوجيا قد يرى البعض أنه لا يليق بحرمة المسجد...

لكنّ الأيام تأتيك بما كنت جاهلا، كما قال طَرَفة، و صار حضور الجرذان في أركان القرية و دورها لا مزعجا فحسبُ، بل مثيرا للقلق. حتّى إذا ما ظهرت في فناء المسجد، دعا الشيخُ مختار الأهالي للاجتماع و التشاور في المسألة. قال سالم الحدّاد و هو يهرش ساقه في متعة مازوشيّة :
"اِختفاء الحنوشة هو السّبب يا سيدي الشيخ. لكن تركنا أطفالنا يعبثون بالثعابين بإسم الحريّة، فانظروا نتيجة استهتارنا! لقد كانت الثعابين سيدة الموقف هنا. صحيح أنها تشبعنا لسعا، و ربما يموت أحدنا و هو نائم، لكنّنا لم نعان من كثرتها، و لم يهدّدنا حضورها بوباء قد لا يبقي و لا يذرُ!"
أما حميد الخمّاس فكان له رأيٌ آخر : إنّ الله لا يضربُ قرية بوباءٍ إلا لانتشار الفسق فيها و الرذيلة. إنني أشمّ رائحة الموبقات كلّما مررتُ بجانب المقبرة. و صار بعضهم لا يجدُ حرجا في النفخ على القصبة في شوارع القرية جالبا معه الشياطين. لقد انتشر الغشُّ يا سيدي الشيخ، و صار البعضُ يطفّف في الميزان، هل تصدّق هذا يا سيدي الشيخ؟ لقد اشتريتُ بالأمس بطيخا بريال كامل، و كانت من الصغر ما جعلني أنهيها حين فكّرتُ في تذوّقها! أليس هذا غشّا يا سيدي؟
و وقف عبد الله ساخطا و هتف : "لعلّك تعنيني يا ولد منجيّة؟" 
بينما علّق آخر ساخرا : "هذا الغشُّ سببه معدتك يا حميد و ليس الميزان!"
منع الشيخ مختار من أن يتحوّل الاجتماع إلى عراك، و وبّخ المشاغبين فلاذوا بالصمّت. كانت تلك فرصة ليتكلّم منصور المزيّنُ. قال في هدوء : المشكلة ثقافية يا سادة.
نظر إليه الحضور و بدا لهم أنهم أساؤوا السمع، فواصل في ثقة يُحسدُ عليها :"لقد عدتُ إلى كتب الأولين، و فحصتها و محّصتها، و خرجت باستنتاج مفاده أن الوباء يعودُ كلّما افتقر الناسُ إلى الذوق، و التزموا بالجهل و التكالب على متاع الدنيا. لقد كان آباؤنا يطوّرون أساليبهم في حفظ المؤن، و كانت أمهاتنا أكثر انتباها لنظافة الدار و براعة في تجميله، أما اليوم، فنطوّر أساليبنا في زيادة المؤن، و صار هاجس نسائنا هو التفنّن في استهلاكها. لقد قتلنا الكيف فينا من أجل الكمِّ، تخلّصنا من ثقافة آبائنا الحقيقيّة و استبقينا قشورها، ذلك أننا عاجزون عن النفاذ إلى عميق الأمور."

نظر القوم طويلا إلى منصور المزيّن و الصمتُ رفيقهم، ثم قال أحدهم :"أعتقد أن أكياس الخُمس هي السبب." و قال آخر :" ربما اقتربنا بديارنا من مصرف النفايات أكثر من اللازم، لمَ لا نحرقها؟" بينما اقترح ثالث أن يطلبوا العون من الحاضرة. الحقيقة أنهم لا يحملون ضغينة على المزيّن الذي يشرف على تطبيبهم، و تزيينهم، لكنّهم لا يفهمونه. وحده حمدان الراعي، يشعر بقيمة كلماته و يزنها في ذهنه حقّ وزنها. و لئن لم يختلف كثيرا عن أهل القرية في جهلهم بما يقول الرجل. قال له خفية "عمّ منصور، كيف نستعيد ملكة الذوق فينا؟" فنظر له المزيّن طويلا، ثم طلب منه أن يتبعه.


هنا يعاودني ذلك الفراغ القاتل الذي يحدث حينما تنتقل بالسرد إلى طبقة موالية، حيث لا بدّ أن يكون الانتقال طبيعيا سهل الانقياد و سريعا، لأنّ قارئ القصة القصيرة ليس كقارئ الرواية، و مع افتقار القصة نفسها للأحداث المتسارعة، يهرع المرءُ إلى أبعد من خياله ليستدرّ منه تفاصيل صغيرة، قد لا تفيد القصة في شيء، و لكنّها أهمُّ ما فيها، و هي ما يصنع الفارق بين عمل و آخر. ماذا حدث في اجتماع منصور المزيّن بالراعي حمدان؟ تفاصيل صغيرة، لم تذكرها القصّة الشهيرة، مثلما لم تذكر أنّ العازف الشابّ ليس غريبا عن القرية، و إنما هو أحدُ أبنائها، و لعلّه من أوحى إلى أبي القاسم الشابي بذلك البيت الشهير عن الخطيب الذي يوقظ شعبه يريد صلاحه. لكنّ هذه مسألة أخرى...

أزاح منصور ستارا في آخر حانوته، فظهرت من ورائه مكتبة ضخمة أثارت دهشة الفتى، فهتف في تعجب "هل قرأت كلّ هذا يا عمّ منصور؟" و همّ أن يضيف تلك الدعابة السمجة عن آخر كتاب قرأه لولا أن أسكته المزيّنُ بإشارة من يده. ثمّ أشار إلى صورة في كتاب بين يديه و قال "أترى هذا العازف يا حمدان؟ إنه أنت في زمن سحيق، و اليوم تعود من جديد لتواصل مهمّتك في محاربة الرداءة. لقد استمعتُ إلى عزفك على القصبة، و عرفتُ أنّ فيك روح فنّان أصيل. و لم يبق إلاّ صقل موهبتك و استخراج كنوزها!"
نظر إليه حمدان مبهورا بكلماته التي لم يفهم منها شيئا. سأله في تردّد خائف "هل تعني، أنني.. كنتُ هذا الرجل؟". تجاهل المزيّنُ سؤاله و قال له "لقد انتشر الخوف في قلوب الناس بأسرع من انتشار الجرذان، و صار كلّ مزكوم مشبوها. بالأمس كادوا يحرقون أرملة و ابنتها لأن الحمّى أقعدتهما. و غدا يعلم  الله أين سيذهب الخوف بالإخوة. أولاد سعيد يعتبرون أولاد ناجي همُ بؤرة القذارة، بينما يصرّ أولاد ناجي أنّ الله أنزل عقابه لفسوق أولاد سعيد الذي تجاوز الحدود، و ربما يصل الأمر بالفريقين إلى حرق بعضهم البعض".

معذرة. لقد تقابل الرجلان بعد الاجتماع فلا يعقل أن يحدث كلّ هذا الذي قاله أثناء سيرهما إلى الحانوت. أرجو أن لا تمتهنوا عرقلة القصّ و أن تتجاوزوا عن أشياء بسيطة كهذه، عوّضوا "ثم طلب منه أن يتبعه" بشيء من قبيل "ثم طلب منه أن يزوره بعد غد (لأنّ المزيّن لا يعمل يوم الإثنين طبقا لمنشور وزارة الصناعات التقليدية)". هل تتخيّلون الكتاب يروي ما شاهده في عالم آخر حقا؟ إنّه يخلق يا سادة، و في الخلق دوما عيوب. أين كنّا؟
أجل، هناك في الحانوت، راح الراعي يتبع توصيات المزيّن الغامضة، إنّ للفنّ غرفة خفيّة في عقولنا لا تدخل إليها ذواتنا إلا متخمّرة لا واعية. و يبدو أن في هذه الغرفة المقدّسة أصوات الأجداد الأوائل، و أسماءهم و حكمهم. طوبى لمن دخل إليها و عرف كيف يسير في أعماقها، طوبى لمن بلغ ذلك النور الإلهي في تخومها و عاد بقبس واحد منه. لقد كتب الله عليه الخلود في الدنيا.
لكنّ السير في غرفة كهذه مرهق لا يطيقه كثيرون، و كان حمدان في كل مرّة يضيق ذرعا بنفخه في القصب بينما يأتيه خبر إحراق المؤن، و رائحة الجيف التي باتت تملأ الطرق. هتف الشابُّ في ضيق :"ألا نفعل شيئا أكثر جدوى من العزف على رائحة هلاكنا يا عمّ منصور"؟ فأجابه الرجل في هدوء : "هكذا أنتم الشباب دوما، تريدون حلولا عاجلة، تريدون أن يتمّ كلّ شيء بفرقعة الأصابع".

لكنّ ضغوط الراعي، أتت أكلها، و وافق المزيّنُ بعد يومين على الخروج إلى الشارع و التجريب. خرج الناس يستطلعون مصدر الصوت الغريب، و راح بعضهم يتساءل عمّ يفعله الفتى تحديدا و هو يتجوّل في شوارع المدينة، منشدا بألحان توحي بالألفة حينا و بالغرابة حينا آخر في مزيج مدهش. و هتف أحدهم حانقا حينما لم يقطع حمدان عزفه ليجيبهم "هذا الفتى الرقيع لا يعبأ بمحنتنا و يعزف على القصبة! و غدا سيرقص على جثثنا"! تصاعدت همهمات موافقة من كلّ صوب. لقد
قدّم الراعي لهم فرصة ذهبية لإفراغ غضبهم و خوفهم و جزعهم. من غير هذا الشابّ الرقيع الذي لا ينتمي لأيّ من العرشين، يستحقّ العقاب على ما حلّ بهم؟ من غير هذا الطائش المستهتر بمعاناتهم من يستحقّ أن يقدّم قربانا لله و أضحية مقابل غفرانه؟ رماه أحدهم بحجر فأصاب وجهه، سقط على الأرض يتأوّه، لكنّه نهض و تناول قصبته من على الأرض، و عاد للعزف. لا أحد من هؤلاء المحيطين به لاحظ خروج الجرذان، أما هو، فما إن رآها، حتى أيقن من صدق عمّ منصور، و عرف أن لا حائل بينه و بين قصبته إلا الهلاك. كان الهلاك فعلا قريبا...

و عكس القصة التي تعرفون، فقد استمات الأهل في رجم العازف بالحجارة، أدموا قدميه، كسروا أضلاعا من صدره، و بدا أنه ينشج كلما نفخ، أسقطتهم حجارتهم أرضا، هلّلوا و كبّروا، رأوا جيش الفئران التي تحاول أن تتبعه، فأيقنوا أنه الساحر الذي جاء بها. صرخ حميد الخمّاس في حماس "إنه سبب البلاء! لقد قلت لكم، هذا الساحر هو الوباء الذي حاق بنا! اُرجموه يرحمكم الله! لا تمسوه إلا بحجارتكم!" أصابت الحجارة قصبته فتهشمت، ثم لحق بها جزء من فمه. حاولت دموعه أن تنزل بفعل المرارة، لكنّ الحجارة هشمت عينه، لا يستطيع الصراخ لأنّ أخرى أصابت حنجرته، بعد ذلك بحجر، لم يكن الراعي بحاجة إلى الصراخ، لقد ذهب به ذهنه إلى أعماق تلك الغرفة السرّية داخل عقله، و فتح بوابة الله فيها.
تصاعد الهتاف المنتصر و المبشّر بقرب الخلاص من أفواه الأهالي، و رأوا الجرذان تلوذ بالفرار باحثة عن مخابئها. لن يعرفوا أنهم خسروا فرصتهم بطردها إلا منذ الغد، حينما عادت للعبث بالمؤن، و المواعين و كلّ شيء في شراسة أكبر. مرة أخرى كان تأويلهم لما حدث غريبا. قالوا إنّ الساحر الشيطانيّ سخّرها لتنتقم، و هو للأمانة تأويل يتناسب منطقيا مع رؤيتهم لما حصل. تسارعت الأحداث خلال تلك الأيام العصيبة، و ظهرت عوارض الوباء على البشر، و منع الشيخ الناس من الرحيل التزاما بقول النبيّ، لكنّ الفوضى باتت كبيرة، لقد أنذرت القرية للفناء، لكن في يوم الجمعة، حدث الأمر الغريب.

خرج الرجال و النساء أفواجا إلى المسجد طلبا لرحمة الله و غفرانه، و تخلف الأطفال عن الموعد. أغلبهم طلب أن يظل في فناء المسجد، و لم يفهم الآباء لذلك سببا، لكنّهم أذعنوا حفاظا على الخشوع في صلاتهم القادمة. اللهم احفظ أطفالنا! آمين! اللهم أبعد عنهم الوباء فإنهم أبرياء ممّا جنت أيدينا! آمين! آمين! آمين! أمين! يا أمين! أين أنت يا أمين؟ أين راح الأولاد يا قوم؟ جزع الناس و عمّت الفوضى. بحثوا قرب البئر، فلم يجدوا إلا جثث الجرذان. بحثوا عند المقبرة فلم يجدوا لهم أثرا، بحثوا في كلّ شبر، فبدا أن الأرض قد ابتلعتهم جميعا، و لم يجدوا إلاّ قصبة مهشّمة ملقاة قرب المسجد. لقد ذهب الشيطان بأطفالهم كما ذهبوا بابنه، ذلك الراعي الجهنّميّ. هكذا قال المؤوّلون منهم، و لم يعرفوا أنّ أطفالهم إنما فضلوا الهروب عن هذه القرية الظالم أهلها، لم يعرفوا أن الله استجاب لتضرّعهم و رحم أطفالهم بقرى بعيدة لا يضرب فيها المرء لاستئناسه بالقصبة. لكنّنا عرفنا ما حدث لهم و قد وجدنا القصة في أوراق مدفونة في مكان ذهب خبراء الأركيولوجيا أنه كان يوما دكان حلاّق أو مزيّن أو ما شابه ذلك.


20 حزيران 2015

Wednesday, June 10, 2015

وينو البترول؟

عندما ذهب أحمد صباحا إلى المدرسة كعادته، لم يكن يعرف أين هو البترول. اتّخذ مقعده بجانب صديقه أيّوب ليواصلا لعبة بدآها خلسة يوم أمس. أحمد يكره حصّة القراءة، لأنه.. يكره ذلك. يشعر بضجر عاصف، و يتمنّى يوما لو يصرخ في المعلّمة أن تعفيَه من قراءة قصة مريم التي تنتظر الصباح الجديد، مرارا و تكرارا، لكنّه يغتال أمانيه حينما يتذكر عصا المعلّمة.
فجأة دخل المدير، جمّد ظلّه الدماء في العروق، و انتشر الصمت كالهشيم، بينما هتفت المعلمة في حماس : وقوف!
لم يبد المدير أي اهتمام بكلّ ذلك، شأن من تعوّد على تأثير سلطته في الآخر. تقدم نحو المدرّسة و أشار إلى ما يحمل، ففهمت قصده، و جلست في مكتبها، لتفسح له مجال الحديث. قال المدير في لهجة صارمة : هذم اليوميات متاع الشبيبة المدرسية، مائة فرنك، حتّى شيء، حكاية فارغة، ما غير ما تقولوا لي ما عنديش، و الا بابا ما عطانيش. عندكم من هنا لآخر الجمعة تشروهم. مفهوم؟
ثم استدار إلى المعلمة سائلا : هاك المجلاّت، كملوا خلصوهم؟
اِنتفض أحمد في وجل و المعلمة تشير إليه في ضجر، و تقول : مازال أحمد كالعادة.
أمعن المدير النظر في رأسه المطأطئ، ثم قال بهدوء : أحمد، غدوة ما تجيبش 700 فرنك، ما تدخل إلاّ ببوك. تسمع فيّ؟
أومأ برأسه في استسلام، و راح يفكّر في وسيلة لطلب المال من والده دون أن ينال صفعة على وجهه. أما السباب فلم يعد يهمّ، لقد ألفه بأكثر ممّا ألف كلام كتب القراءة المنمّق. عاد أحمد إلى المنزل، دون أن يعرف أنّه تلقّى أولى دروس التنقيب على البترول...

***********

حينما سمع منصور طلب ابنه الوقح، همّ بصفعه في سخط، لولا أن تذكر أن الولد اللعين يقف بعيدا بالفعل، نظر إليه شزرا و قال له : مازلت تجبد لي هالحكاية نجبد لك **** عينيك! ماو قلت لك قلهم بابا ما عندوش!
أجابه الطفل و هو يستعدّ للهرب : قالوا لي غدوة ما تجيبش دينار، ما تجي كان ببوك! 
ألقى على ابنه بحذائه لكنّه لم يصبه. أرهقته مطالبه، أرهقته مطالب هذا المنزل اللعين. لعن اليوم الذي فكّر فيه أن يستقرّ، و أن يؤسس عائلة. تلك المرأة اللعينة. النساء دوما سبب المصائب. تذكر شجار الأمس حول تغيير المرحاض. تلك الفاجرة تريد مرحاضا كما في ديار الأثرياء. من اللعينة التي وسوست لها ذلك؟ إنه التلفاز حتما. إنه التلفاز الذي يفتح العين على ما لا طاقة لها به. تذكر أنه ضيّع حلقة الأمس من المسلسل اليوميّ، ففتح التلفاز الكبير الشامخ قبالته. طالعه مشهد سيارة يكاد بريق لونها يتلف عينيه. تشبه تلك التي يملكها رئيسه في العمل، و يجبره على قيادتها كلّ يوم. لكنّ صاحبها لا يشبه رئيسه في شيء. يتصنّع البؤس تصنّعا، يحاول أن يوهمنا أن المال ليس كلّ شيء، و أنه لا يجد سعادته رغم هذه السيارة التي يقودها. الملاعين! يستغفلونه، كأنه لا يراهم أمامه و لا يتابع حياتهم بتفاصيلها و هو بزيّ السائق الذليل. أي بؤس هذا الذي يعيشه أمثالهم؟

سمع صوت زوجته القادمة، فترك دينارا على الطاولة، و هو يعرف أنها ستعطيها للولد. غادر المنزل و هو ساخط. سوف يشرب أقل من المعتاد بسبب طلبات الولد الخرقاء، و هو لا يحب أن يتمادى في الاستهلاك، لكي لا يضطرّ ليبوح لتلك الشمطاء بأجره الحقيقيّ. سوف لن يطرف لها جفن إلا بجعله يصرف كلّ شيء، و يُحرم من كلّ شيء، فقط لو علمت بحقيقة أجره، فسوف تعرف أين هو البترول!

**********

وقف أمام السيارة ينتظر خروج رئيسه. فتح له الباب في احترام و قال : صباح الخير سي الهادي. فأطلق الرجل سبابا بذيئا، و هو يقول (بما معناه) : لا بورك فيه من صباح نحس. انطلقت العربة، بينما "سي الهادي" لا ينفكّ يلعن المصنع و العمّال و قوانين الاستثمار المزرية. صرخ فجأة : ما ذنبي إن زاد ثمن النفط؟ يعلمون أنني لا أستطيع أن أرفع في أسعار المنتوج، و إلا ما اشتراه أحد. ماذا أفعل؟ و غدا سيأتي العمّال مطالبين بالزيادة! أصلا يجب عليّ أن أسدد زيادة البترول من رواتبهم!

كان هذا يعني أنه لن يقدر أن يطلب من سي الهادي شيئا من الزيادة. قد يطرده لو فعل. ماذا تراه يفعل؟ فاجأه صخب يتعالى من داخل المصنع. طلب منه رئيسه أن يذهب و يشهد ما يحدث، و يعود إليه مساء ليرويَ له كلّ شيء. خجل أن يسأله أن يعطيه ثمن سيارة الأجرة على الأقل، فاكتفى بالقول : تهنّى سي فلان! بينما غابت السيارة عن ناظريه.

سيجد حتما مادّة لا بأس بها بين هؤلاء القوم. كلاما كثيرا يستحق أن يجازى عليه أفضل جزاء. الصراخ يملأ المكان. الجميع يردّد شعارات مختلفة. يريدون الزيادة أساسا، لكنّه يعرف أنهم لن يظفروا إلا بالقليل. حينما يرتفع ثمن البترول و يشحّ، تمتدّ أيدي هؤلاء بالدماء تعويضا، عن طواعية أو عن غير طواعية. ستتردّد الشائعات عن اعتزام صاحب المصنع إعلان إفلاسه، سيخاف أغلبهم من مغبة التمادي و سيحجمون عن مواصلة الاحتجاج. سيضغط على السلط للقبض على بعض أولئك الذين لا سند لهم. مخرّبون، دعاة فوضى، ربّما ارهابيون أو متآمرون. في كلّ الحالات، فإن رئيسه لن يخسر، إنه الجهة الرابحة دائما. و هو دوما مع الجهة الرابحة. أين هو البترول؟ إنه مع الجهة الرابحة!

**********

في المساء، طلب منه رئيسه أن يذهب إلى مقهى الكابتن ماجد، ليحضر له ضيفا. وقف قبالة المقهى بالسيارة السوداء اللامعة، و ظلّ هناك حتّى طرق أحدهم بابها. نظر من وراء البلوّر المعتّم، ففاجأه وجه مدير المدرسة. ذات المدير الذي دفع دينارا كي يتحاشى رؤيته! أعاد الرجل طرق الباب، فأخفى وجهه بقبعته البالية، و فتح الباب الخلفيّ للسيارة.
لم يشأ أن ينخرط معه في الحديث و حاول أن يتحاشى قوله ما أمكن، حتى بلغ به المنزل. بسرعة آلية فتح له الباب و هرع إلى جرس المنزل. يجب أن يتخلّص من هذا الموقف السخيف، يجب!
ـ مرحبا، مرحبا! وينك يا راجل؟ عندك مدّة ما طليتش!
أشاح بوجهه، و هو يتراجع ليترك المكان للرجلين، لكنّ رئيسه استوقفه قائلا : أوكة خليت لك فلوسك عند نجاة، برّة خوذهم.
عرفه المدير هذه المرة، لا بدّ أنه عرفه! أسرع إلى الداخل و هو يكاد يسمع المدير يقول : بو تلميذ عندي مهبّلني... كانت نجاة تعدّ شيئا من العصائر، للضيف و مضيّفه. حينما رأته، فبادرته بالسؤال : منيرة في الدار؟ فهم لعبتها الماكرة فقال لها في صرامة : باهي، هاتي الفلوس الساعة. و لو كان نسمع بيك قلتي لها حاجة و الله ما نتفاهم معاك! يزينا مالحوايج التركية، تهريت! تهريت! مطّت المرأة شفتيها في حنق. و دفعت له النقود و هي تغمغم : نقص بركة مالصياح!
تجاهلها و غادر المكان، فاستوقفه حديث الرجلين 
ـ و الله مازالوا ما خلصوش اليوميات اللي مديتهم لهم اليوم.
ـ هيه برمجهم اليوميات هذم. موش لازم اليوميات، نشوف لك مفكّرات؟ كتب موازية؟ يلزمني نمشي شوية دولاب. ماك تعرف، حتى من رئيس البلدية يلزمني نتصرّف معاه باش يعطيك هاك الرخصة.
ـ لا عاد سي فلان، ماو تفاهمنا فيها عاد هذيكة.
ـ هاك ترى في الاوضاع و الضغط. صدّقني الكلّه مالبترول!


Translate